|
|
|
ضعف الأناجیل الأربعة، مع انتشار المسیحیة فی العالم یثیر العجبويبيّن هذا الإنجيل الموجود: أ نّه ظهر في بني إسرائيل رجل يُدعي عيسي بن يوسف النجّار وأقام الدعوة إلی الله، وكان يدّعي أ نّه ابن الله مولود من غير أبٍ بشريّ، وأنّ أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل، وأ نّه أحيي الميّت، وأبرأ الاكمه والابرص وشفي المجانين بإخراج الجنّ من أبدانهم، وأ نّه كان له اثنا عشر تلميذاً: أحدهم متّي صاحب الإنجيل بارك لهم وأرسلهم للدعوة وتبليغ الدين المسيحيّ... إلی آخره ». فهذا ملخّص ما تنتهي إلیه الدعوة المسيحيّةعلی انبساطهاعلی شرق الارض وغربها، وهو لا يزيدعلی خبر واحد مجهول الاسم والرسم، مُبهم العين والوصف. وهذا الوهن العجيب في مبدأ القصّة هو الذي أوجب لبعض أحرار الباحثين عن أُوروبّا أن ادّعي أنّ المسيح ابن مريم شخص خيإلی صوّرته بعض النزعات الدينيّةعلی حكومات الوقت أوّلها، وتأيّد ذلك بموضوع خرافيّ آخر يشبهه كلّ الشبه في جميع شؤون القصّة، وهو موضـوع كرشـنا الذي تدّعي وثنيّة الهند القديمة وأ نّه: ابن الله نـزل عن لاهوته وفدي الناس بنفسه صلباً ليخلّصهم من الاوزار والخطايا. كما يُدعي في عيسي المسيح حذو النعل بالنعل، ( كما سيجيء ذكره ). وأوجب لآخرين من منتقدي الباحثين أن يذهبوا إلی أنّ هناك شخصَين مُسمَّيَّين بالمسيح: المسيح غير المصلوب، والمسيح المصلوب، وبينهما من الزمان ما يزيدعلی خمسة قرون. وأنّ التأريخ الميلاديّ الذي سنتنا هذه سنة ألف وتسعمائة وستّة وخمسين منه لا ينطبقعلی واحد منهما، بل المسيح الاوّل غير المصلوب يتقدّم عليه بما يزيدعلی مائتين وخمسين سنة، وقد عاش نحواً من ستّين سنة؛ والمسيح الثاني المصلوب يتأخّر عنه بما يزيدعلی مائتين وتسعين سنة، وقد عاش نحواً من ثلاث وثلاثين سنة. [1] علی أنّ عدم انطباق التأريخ الميلاديّعلی ميلاد المسيح في الجملة ممّا لم يسع النصاري إنكاره[2]، وهو سكتة تأريخيّة. علی أنّ ها هنا أموراً مُريبة موهمة أُخري، فقد ذكروا أ نّه كتب في القرنَين الاوّلين من الميلاد أناجيل كثيرة أُخري، ربّما أنهوها إلی نيّف ومائة من الاناجيل، والاناجيل الاربعة منها، ثمّ حرّمت الكنيسة جميع تلك الاناجيل إلاّ الاناجيل الاربعة التي عُرفت قانونيّة لموافقة متونها تعالیم الكنيسة.[3] ومن جملة الاناجيل المتروكة إنجيل برنابا [4] الذي ظهرت نسخة منه منذ سنين، فتُرجمتْ إلی العربيّة والفارسيّة، وهو يوافق في عامّة قصصه ما قَصَّه القرآن في المسيح عيسي ابن مريم ».[5] کلام آیة الله الشعرانی فی عدم قطعیة صدور الإنجیلو لآية الله الشعرانيّ كلامٌ في عدم قطعيّة صدور الإنجيل، تحت عنوان: عدم تواتر الإنجيل، نورده هنا لاهمّيّته: « لقد كان النبيّ عيسيعلی نبيّنا وآله وعليه السلام من بني إسرائيل، وكان يتكلّم العبريّة، وبدأت نبوّته في بيت المقدس حيث أهلها يتكلّمون العبريّة، فلم يؤمنوا به إلاّ قليلاً منهم ليس لدينا اطّلاععلی حالهم. بَيدَ أ نّه كان هناك أفراد من أهل بيت المقدس ممّن يعرفون إلیونانيّة، وقد تفرّق هؤلاء الافراد في مُدن آسيا الصغري ودعوا الناس إلی المسيحيّة، ودوّنوا كتباً باللغة إلیونانيّة أودعوها بعض المطالب. وكانوا يقولون لليونانيّين والروميّين: لقد قال عيسي كذا وكذا، وفعل كذا وكذا. وكان الذين شاهدوا عيسي وشهدوا أعماله وأقواله وعرفوا لغته يسكنون في فلسطين، وكانوا لم يؤمنوا به، فكانوا ـ من ثمّ يعدّون تلك الحكايات المكتوبة بإلیونانيّة حكايات مختلقة. أمّا الذين كانوا يقبلون بهذه الكتب والحكايات، فكانوا من القوم الاباعد الذين لم يروا بيت المقدس ولم يشاهدوا المسيح، ولم يعرفوا لغته. ولو كانت القصص المدوّنة في الإنجيل مكذوبة، لما كان هناك من رادع يردع مؤلّفيها عن كتابتها، ولما كان هناك سبيل لسامعيها إلی تكذيبها. ولو فرضنا أنّ رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم كان قد رُفض من قِبل العرب، وأ نّهم لم يؤمنوا به حتّي فارق الحياة؛ ولو فرضنا أنّ القرآن أيضاً ـ نعوذ بالله قد ضاع نتيجة عدم إيمان العرب، ثمّ إنّ عدّة أفراد من العرب هاجروا بعد خمسين سنة إلی بلاد الروم فدوّنوا باللغة الروميّة حكايات عن النبيّ بخمسين وجهاً يخالف بعضها البعض الآخر، فإنّ العرب كانوا سينكرونها والروميّين كانوا سيقبلون بها؛ فإنّ الاطمئنان لن يحصل بأقوال أُولئك الافراد قطّ. نقول: إن الإنجيل كان له هذه الحال، وهو ليس بمتواتر. کثرة المطالب الباطلة فی الأنجیلولقد كتب مؤلّفو الإنجيل ما يقرب من مائة إنجيل مخالفة لبعضها، ونشروا قصص السيّد المسيح عليه السلام بين قومٍ لايميّزون بين الصدق والكذب في أقوال هؤلاء المؤلّفين. خلافاً لاحاديث الإسلام، حيث آمن العرب أنفسهم بالنبيّ، ونقلوا كلامه بلغتهم في حضور جماعة رأوا النبيّ بأجمعهم وسمعوا كلامه وفهموه، فلم يكن بإمكان أحد أن يكذب في حضور أُولئك العرب، ولو كذب لانكروا عليه. فمثلاً جاء في إنجيل متّي أنّ السيّد المسيح لمّا ولد جاء عدّة من المجوس من الشرق فسألوا: أين ملك إلیهود الذي وُلد حديثاً، فقد رأينا نجمه في المشرق؟ فلم يدلّوهم عليه. ثمّ إنّهم ـ فجأةً رأوا ذلك النجم يتحرّك في السماء فيقف فوق سطح البيت الذي كان عيسي عليه السلام فيه، فعرفوا بيته. ولقد دوّنوا هذه الحكاية القطعيّة الاختلاف دون خوف من الفضيحة، إذ إنّهم لم يكتبوها بالعبريّة لسكنة بيت المقدس، بل كتبوها للغرباء الاجانب، فكان يمكن ـ والحال هذه ـ أن يلفّقوا ويكذبوا كثيراً. ونحن موقنون بأ نّه ليس هناك منجّم يعتقد بظهور نجم مع ولادة أيّ شخص، وبحركة ذلك النجم فوق رأس ذلك الشخص. فلا المجوس يعتقدون بذلك ولا غير المجوس. ونقول أيضاً بأنّ قدماء المسيحيّين مُختلفون في مقتل السيّد المسيح، وقد جاء في بعض الاناجيل أ نّه لم يُقتل أصلاً؛ مع أ نّه لو قُتل شخص في مدينةٍ ما، لما خفي ذلكعلی سكنة تلك المدينة، لكثرة التفات الناس إلی هذه الاُمور، وخاصّة إذا صُلب ذلك الشخص. أمّا لانّ مؤلّفي الإنجيل قد أ لّفوه للغرباء، وبلغة أجنبيّة غريبة؛ ولانّ هؤلاء الاجانب لم يكونوا في بيت المقدس ليمكنهم الاطّلاععلی حقيقة قتل أو عدم قتل ذلك النبيّ، فقد كتب مؤلّفو الإنجيل كلّ ما اعتبروا كتابته من المصلحة دون أن يخشوا شيئاً. ثمّ إنّهم شكّلوا مجلساً بعد السيّد المسيح بثلاثمائة سنة، فتشاور علماء النصاري في كيفيّة القضاءعلی الاختلاف في هذه الاُمور، فارتأوا انتخاب أربعة أناجيل من بين الاناجيل واعتبار مطالبها صحيحة، واعتبروا سواها ـ ممّا لا حدّ له ولا حصر باطلاً. فصار أمر عدم قتل المسيح المذكور في الاناجيل المرفوضة أمراً غير رسميّ ».[6] ضیاع التوراة و الإنجیل إثر غضب الله علی الیهودإنّ ضياع التوراة والإنجيل هو أثر غضب الله تعالیعلی إلیهود المعتدين الظالمين وسخطه عليهم، فقد رفع كتابه من بينهم. ولقد عاش إلیهود الفلسطينيّون في ظلّ نبوّة عيسيعلی نبيّنا وآله وعليه السلام في أفضل النعم الدنيويّة والاخرويّة، فقد نجوا من ذُلّ أسر الفراعنة وصار لهم استقلال وعزّة عظيمين، وسكنوا في أفضل الاماكن التي سكنها أسلافهم. ولقد كانت قوانين التوراة ـ الكتاب السماويّ ـ وتعالیمها دليلاً عجيباً يضمن لهم سعادة الدارَين، لكنّهم عصوا واكتنفهم الغرور والاستكبار والتعالی، ففقدوا جميع تلك النِّعم، وسلّط الله عليهم الظالمين في مرحلتين متفاوتتَين، فمزّقوهم شرّ تمزيق. قال رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم: ] قال تعالی [: الظَّالِمُ سَيْفِي؛ أَنْتَقِمُ بِهِ وَأَنْتَقِمُ مِنْهُ.[7] وقد تعرّض إلیهود إلی هجمات شديدة وتخريب شديد إثر اعتداءاتهم، إلاّ أنّ القرآن الكريم قد عدّ لهم اعتداءَين مهمّين سمّاهما فساداً في الارض، وقد سلّط اللهعلی إلیهود إثر ذلك بخت نصّر ملك بابل وتيطوس الروميّ، فأفقدهم جميع مزايا الحياة، وأضاع التوراة والإنجيل منهم. وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب، وهو ابن إسحاق. ويسمّي إلیهود يعقوب إسرائيل، ويعني « مَن تفوّقعلی الله » فبناءًعلی عبارة التوراة، أنّ يعقوب تصارع مع مَلَك الله في فنيئيل، فغلبه، فلقّب بهذا اللقب. [8] وقد توجّه بنو إسرائيل بعد قضاء أربعين سنة في صحراء التيه وبعد ارتحال النبيّ موسيعلی نبيّنا وآله وعليه السلام إلی فلسطين، فتولّي ولاية أمرهم يوشع بن نون وصيّ موسي. ولم يكن لهم مسجد، فكانوا يقيمون عباداتهم في الخيام. وكانت أكثر أحكامهم تقديم القرابين، فكان عليهم أن يقدّموا حيواناً قرباناً لكلّ شيء، وكان عليهم أن يذبحوا بقرة أو شاةً أو طيراً للطهارة من الحيض والنفاس والجنابة. وكانت القرابين مختلفة، وكان ينبغي القيام بها في حضور كاهن من ولد هارون وفي مذبح خاصّ في الارض المقدّسة. أمّا بدون تقديم القرابين، فإنّهم لم يكونوا يطهروا من الحيض والجنابة، وكان أولادهم حينذاك أولاداً ولدواعلی غير طُهر. آیة: لتفسدن فی الأرض مرتین و لتعلن علوا کبیراولم يكن لبني إسرائيل ملك إلی زمن طالوت، وكان الفقهاء يحكمون فيهم، وكان معبدهم خيمة، وكانوا يقدّمون الذبائح والقرابين في الخيمة. حتّي تغلّب طالوتعلی جالوت في الحرب وقتله، فاختاره بنو إسرائيل حينذاك ليحكم فيهم، فأعقبه في المُلك النبيّ داود والنبيّ سليمان. وقد بني بنو إسرائيل في ذلك العصر بيت المقدس، وتوارث أولاد داود المُلك، وأصبحت التجمّلات الملكيّة والتشريفات أمراً معهوداً رائجاً، فترك أولاد سليمان أحكام التوراة، وصاروا يقتلون أنبياء الله، ولا يتّعظون بمواعظ الابرار والصالحين[9]، وراج بينهم عبادة الاصنام؛ فغضب عليهم الله آنذاك وهو أَشَدُّ المُعَاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النَّكَالِ والنَّقِمَةِ، فسلّط عليهم بخت نصّر، فجعل بيت المقدس قاعاً صفصفاً، وتسبّب في ضياع التوراة، وساق بني إسرائيل أسري إلی بابل. ثمّ تاب بنو إسرائيل، فسلّط الله كورش الهخامنشيّ فانتزع بابل من يد أولاد بخت نصّر، وأعاد بني إسرائيل إلی بيت المقدس، فقاموا في زمن عزرا الكاهن بإعادة بناء بيت المقدس، وعملوا بأحكام التوراة ولم يعبدوا أصناماً، وملكهم أحد أولاد داود عليه السلام واسمه زُروبابِل، ودامت حكومته إلی زمان عيسي المسيحعلی نبيّنا وآله وعليه السلام، وكان هذا هو البناء والعمران الثاني لبيت المقدس. ( حيث كان الاوّل من قِبل النبيّ سليمان، والثاني من قِبل عزرا ). بَيدَ أنّ إلیهود لمّا لم يؤمنوا بروح الله، واتّهموه وأُمّه ولم يتورّعوا عن إلحاق صنوف الاذي بهما، فإنّهم استحقّوا غضب الله مرّة أُخري، فسخط عليهم وقام باسم أَعْظَمُ المُتَجَبِّرِينَ فِي مَوْضِعِ الْكِبرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ بتسليط تيطوس الروميّ عليهم، فخرّب بيت المقدس وفرّق إلیهود من جديد، فهم حتّي زماننا الحاضر متفرّقون في بلاد العالم. وقد أشار تعالی إلی هذا التخريب المجدّد إلی بيت المقدس وإلی فتنة إلیهود وإفسادهم مرّتين، فقال في سورة الإسراء: وَقَضَيْنَآ إلَی' بَنِي´ إِسْرَ ءِيلَ فِي الْكِتَـ'بِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاْرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَب'هُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَـ'لَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـ'كُم بِأَمْوَ لٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـ'كُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاْخِرَةِ لِيَسُـُ´بُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَي' رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـ'فِرِينَ حَصِيرًا.[10] ويظهر من هذه الآيات بجلاء أنّ عزّة بني إسرائيل وشوكتهم بعد الواقعة الاُولي كانتا بسبب توبتهم وإنابتهم وإحسانهم؛ بَيدَ أ نّهم لمّا ابتلوا من جديد بالعصيان والتمرّد، فقد تحقّقت الواقعة الثانية جزاءً لاعمالهم وأمّا الضمير في عَلَيْهِمْ في الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وفي لِيَسُـُ´بُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ، فمع أ نّه يعود ظاهراً إلی نفس القوم السابقين الذين حاربوا بني إسرائيل ودمّروا بيت المقدس، بقرينة أنّ بخت نصّر أو البابليّين لم يشنّوا حملة جديدة مدمّرة، فإنّه يستفاد بأنّ الضمير يعود إلی مطلق الاعداء، سواءً كانوا بابليّين أم روميّين. وقد استفاد سماحة الاُستاذ قدّس الله نفسه ذلك أيضاً، ولم يعتبر له منافاة مع تحقّق المرحلة الثانية من قبل الروم، فقال: « والمبعوث ثانياً هو قيصر الروم إسبيانوس، سيّر إلیهم وزيره طوطوز فخرّب البيت وأذلّ القوم قبل الميلاد بقرن تقريباً »[11]. وقد أُشير إلی هذه الواقعة في التوراة أيضاً، في سِفر التثنية، الآية الثامنة عشرة، الباب التاسع والثلاثين، لكنّ إلیهود ينتظرون المرّة الثالثة لتعمير بيت المقدس ليحكم هناك ملك من نسل داودعلی نبيّنا وآله وعليه السلام، ويُعيد إلیهود إلیها. ويسمّي إلیهود هذا الملك باسم ماشيح بمعني المسيح. فالمسيح في العبريّة يلفظ بالشين المعجمة وإلیاء المفتوحة. وهو استعارة وكناية عن الملك. بَيدَ أنّ كتب إلیهود لم تعدهم بعمران بيت المقدس مرّة ثالثة. وقد ورد في سِفر لَوِيان فقط، الآية السادسة والعشرين من الباب الرابع والاربعين الوعد باحترام الانبياء والصالحين القدماء، وأن لايقتلوهم، وأن يوفوا بعهودهم لهم مع وجودهم في أرض أعدائهم. ونري أنّ هذا الوعد الإلهيّ قد تحقّق، فقد تلاشي الاقوام السابقون كالآشوريّين والبابليّين والعمالقة والفينيقيّين وضاعت تقإلیدهم وعاداتهم، أمّا إلیهود فقد بقوا مع كتابهم ودينهم وهذا من معجزات أنبياء بني إسرائيل وإخبارهم بالغيب. فقد ورد في سفر المُثَنَّي، الآية الثامنة والعشرين من الفصل السادس والاربعين قوله: وسيكون لك ولاولادك بدلاً من ذلك آية ومعجزة. بيد أنّ هذا ليس وعداً بحكم ملك وتأسيس دولة مستقلّة، فإلیهود إنّما يرعون هذا الوهم الساذج في رؤوسهم عبثاً. وقد بيّنت الآية الهادية الوافية: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَهِ ذَ لِكَ بِأَنـَّهُمْ كَانُـوا يَكْفُرُونَ بِـَايَـ'تِ اللَهِ وَيَقْتُلُـونَ النَّبِيِّــنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَ لِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ [12]، حال إلیهود وأمرهم إلی يوم القيامة. وليس أمام إلیهود من مفرّ غير قبول الإسلام، والدخول في الدين المحمّديّ الحنيف، والولاية العلويّة، وتقبّل القرآن العظيم، كما أخبر النبيّ موسيعلی نبيّنا وآله وعليه السلام، وكما بُشِّر بقدومه المبارك في كتب العهدين التوراة والإنجيل. کتاب «منقول رضائی» تألیف نفیس لعالم یهودی قد أسلم حدیثاوقد تشرّف العالم الكامل والخبير البصير الذي كان من أعاظم علماء إلیهود في طهران، بالانتماء إلی الإسلام في سنة 1238 هجريّة قمريّة، وكان معاصراً لسماحة آية الله العظمي الحاجّ المولي أحمد النراقيّ ومعاصراً لفتحعلی شاه القاجاريّ، وسمّي نفسه ميرزا محمّد رضا. وأنشد هذه الابيات الثلاثة: از منزل عدم به وجود آشنا شدم بر امّت كليم خدا پيشوا شدم در مُصحف كليم و در أحكام أنبياء ديدم محمّد است محمّد رضا شدم رفتم از اين جهان به در دوست شادمان از بهر آنكه طالب دين خدا شدم [13] وقد امتلك هذا العالم الخبير، كما هو واضح من كتابه الذي أ لّفه، مهارةً عظيمة واطّلاعاً واسعاًعلی كتب العهد القديم، فقد قام بإثبات نبوّة خاتم الانبياء بأدلّة وشواهد وبراهين قاطعة انتزعها من كتبهم. وقد أ لّف هذا الرجل الجليل كتابه باللغة العبريّة والخطّ العبريّ؛ وارتحل إلی عالم الابديّة سنة 1266 هجريّة قمريّة ودُفن في طهران، شارع المولويّ، محلّة باغ فردوس ( = روضة الفردوس ) بجوار المستشفي، في زاوية مسجدٍ هناك، ولمقبرته شبّاك إلی الخارج، وصار الناس يذهبون لزيارة قبره الشريف، وقد زار الحقير قبره. وقد قام العالم الربّانيّ: المرحوم السيّدعلی بن حسين الحسينيّ، بمسـاعي الآخـوند الملاّ محمّدعلی الكاشـانيّ الملقّب بـ « آقا جاني »، وآقا محمّد جعفر ابـن أخ المؤلّـف، بترجمة كتاب ذلـك الفقيد مـن العبـريّة إلی الفارسيّة وأعادوا تإلیفه وذلك سنة 1292 هجريّة قمريّة في عصر ناصر الدين شاه. ويدعي أصل الكتاب بـ « منقول رضائي » حسب تسمية المؤلِّف له، أمّا المؤلَّف الثاني ( وترجمة ) الكتاب الاوّل فيسمّي « إقامة الشهود في ردّ إلیهود في منقول رضائي». والحقّ أ نّه كتاب نفيس ذو منهج تحقيقيّ، وقد استفاد الحقير منه كثيـراً. وقد قام مؤلّفه بالردّ بمنهـج تحقيقيّ مسـتعينـاً بالادلّة العقليّةعلی الادلّة التي كتبها أعلام إلیهود من أمثال هارم بام وربي إسحاق وابرنبال وغيرهم حول أبديّة التوراة. وإذ آمن هذا الرجل الجليل، فقد تشرّف جميع أولاده وأقاربه وجمع كثير من إلیهود الذين كانوا يثقون به بالانتماء إلی الدين الإسلاميّ المقدّس؛ اللَهُمَّ احْشُرْهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.
أعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ وصلَّي اللَهُ عَلَی سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ولَعْنَةُ اللَهِ عَلَی أعْدَائهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ إلَی قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ ولاَ حَولَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القرآن الکریم یذکر مطالبه بقاطعیة و جزمقال الله الحكيم في كتابه الكريم: ال´م´ص´ * كِتَـ'بٌ أُنزِلَ إلیكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَي' لِلْمُؤْمِنِينَ.[14] ويقول تعالی بعد هذه الآية: اتَّبِعُوا مَا´ أُنزِلَ إلیكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـ'هَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـ'تًا أَوْ هُمْ قَآنءِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَب'هُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُو´ا إِنَّا كُنَّا ظَـ'لِمِينَ ( وإنّ هذا العذاب والبؤس والنكال، كان جزاءًعلی أعمالنا لَحِق بنا بسببها. فقد سبّبنا في الحقيقة هذا الجزاء والانتقام الذي لحقنا، وهو حصاد ما عملته أيدينا ). وتبيّن هذه الآيات التي أعقبت آية كِتَـ'بٌ أُنزِلَ إلیكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ أنّ القرآن مدعاة لطمأنينة القلب، وأ نّه يؤدّي إلی طيّ السبيل المستقيم بلا حرج ولا اعوجاج، وأنّ الحرج واضطراب الخاطر وتشويش الحواسّ والقلق والانهيار العصبيّ والافكار الشيطانيّة المضطربة ناشئة بأجمعها من عدم اتّباع هُدي القرآن الذي يقود الإنسان إلی الاتّباع المحض لربّه الكريم، ويحذّره من أيّة متابعة لغيره تعالی. ثمّ يقول تعالی: فَلَنَسْـَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلیهِمْ وَلَنَسْـَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَانءِبِينَ. لاحظوا كيف تؤدّي هذه الآيات المطلب بقاطعيّة تامّة: إنّ هذا القرآن كتاب أُنزل إلیك من ربّك، فينبغي ألاّ يكون في قلبك أيّ حرج أو اضطراب أو شدّة أو قلق! وهذا الكتاب هو كتاب إنذار وإعلام، لتنذر به الناس، وليكون ذكري يذكّر المؤمنين بربّهم الجليل. فيا أيّها المخاطبون بهذا الخطاب، اعلموا أنّ هذا الكتاب قد نزلعلی النبيّ، إلاّ أ نّكم جميعاً المخاطبون به فرداً فرداً، وعليكم أن تتّبعوا ما أُنزل إلیكم من ربّكم، وأن لا تتّخذوا من دونه وليّاً ولا نصيراً ولا موضع سرّ! لماذا لا يذكر الله منكم إلاّ القليل النادر؟ إنّ عذابنا سيحلّ بالمتمرّدين، وإنّ بأسنا سيصيبهم في حال تنعّمهم وغفلتهم، فلا يجدون مفرّاً إلاّ الإقرار بمظالمهم والاعتراف بتجاوزاتهم. إنّ جميع أفراد المخلوقات سواء في نظرنا في هذه الجهة، الانبياء المرسلون المنذِرون، والمنذَرون أُرسِلُوا إلیهم. فهم بأسرهم في مرأيً منّا ومسمع، وهم جميعاً عبادنا المملوكون مطلق العبوديّة والملكيّة؛ وهم جميعاً تحت أمرنا وخاضعون لتكليفنا، فلا عيسي يمكنه أن يدّعي الاُلوهيّة، ولا أُمّه مريم. وسنسألهم جميعاً، سنسأل الانبياء عمّا واجهتهم به أُممهم. وسنسأل الاُمم عن أعمالهم مع المُرسَلين وعن مدي إطاعتهم لاوامرهم وإرشـاداتهم. وسـنقصّ عليهـم عن علم ومعاينة تامّة، بأ نّنا كنّا دوماً حاضرين وناظرين غير غائبين، وأنّ لنا المعيّة مع جميع الموجودات. كما نلاحظ أنّ جميع هذه الجمل والعبارات قد صِيغت في قالب الالفاظ بحيث جاءت مع تأكيد لام القسم ونون التأكيد الثقيلة، وأ نّها أدّت خطاباتها ومضامينها بقاطعيّة ليس فوقها قاطعيّة. إنّ أيّاً من الكتب السماويّة لم يحتوِعلی التأكيد بقدر ما احتوي عليه القرآن. وكم بدأت الآيات القرآنيّة بيانها بـ « إنَّ » و « أنَّ » ولام القسم والجملة الاسميّة! وكم تمتلـك آيات القرآن من القاطعيّة! إنّها حيث تتحدّث عن مطلب معيّن، فإنّها تتحدّث عنه بقاطعيّة؛ لكأنّ القاطعيّة كانت هي المادّة الاوّليّة التي صُبّ القرآن في قالبها. لاحظوا الآيات التإلیة: إِنَّ هَـ'ذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَي' بَنِي´ إِسْرَ ءِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ و لَهُدًي وَرَحْمَةٌ لّـِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَی اللَهِ إِنَّكَ عَلَی الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَي' وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَـ'دِي الْعُمْيِ عَن ضَلَـ'لَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِـَايَـ'تِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ. [15] حيث نري في هذه الآيات أ نّها تعتبر النبيّ ـ بتأكيدٍ وإبرامٍ كاملين سائراًعلی طريق الحقّ المبين، لذا فإنّها تأمره بالتوكّلعلی ربّه، وأن يقيم أمرهعلی أساس الجدّ. فالكفّار وإلیهود لن يقبلوا بكلامه ولن يحكّموا آيات القرآن لتهديهم في رفع اختلافاتهم في التوراة، وهم موتي. أفيمكن إسماع الميّت؟! إنّ من مات قلبه هو ميّت حقّاً. فالميّت الحقيقيّ ليس أحداً إلاّه. فكيف تنتظر من هؤلاء الموتي أن يؤمنوا بك! أو أن يسمعوا لقولك؟ إنّ الميّت ليس له من مُخّ، ولا قلب، ولا مركز إدراك وتفكير. وهؤلاء صمُّ لا يسـمعون؛ ومهما كان الصـوت عإلیاً، ومهما كانت الضجّة والصخب عإلیين، فإنّ الاصمّ لا يسمع ذلك أبداً، إذ ليس له مركز للسمع. وهؤلاء عُمي فقدوا مركز الإبصار. أفأنت تريد هدي العُميعلی منهاج قويم؟ إنّ هؤلاء عُمي ليس لهم من أعين حقيقةً. فالعُمي الحقيقيّون هم كهذا. وأساساً فينبغي ألاّ يُدعي الاعمي جسميّاً بالاعمي، لانّ الاعمي هو الذي حُجبت أعين بصيرته، فلم يبق له بصيص من نور يهتدي به. وهؤلاء عُميان بتمام معني الكلمة. المُبصر هو المؤمن بالله، والسميع هو الذي له آذان قلب صاغية لاستماع آيات الله. وهو الذي يسمع فيخضع في مسيرة العبوديّة والتسليم للحقّ تعالی. يَس´ * وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَي' صِرَ طٍ مُّسْتَقِيمٍ. [16] حيث تعتبر الآيات بقاطعيّة أنّ النبيّ سائرعلی نهجٍ صائب مستقيم، وأ نّه من المرتبطين بعالم الغيب والمتّصلين بالعالم الاعلي ومن مرسلي الحقّ جلّ وعلا. قُلْ هَـ'ذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو´ا إلَی اللَهِ عَلَي' بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَـ'نَ اللَهِ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. [17] قُلِ اللَهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. [18] ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. [19] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّي' يُلَـ'قُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ. [20] فَذَرْهُمْ حَتَّي' يُلَـ'قُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ. [21] إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـ'كِنَّ اللَهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.[22] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَهَ عَلَي' حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ و خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَي' وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةَ ذَ لِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. [23] يَـ'´أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ و´ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ و ´ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْـًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. [24] لقد ضَعُفَ العابد والمعبود؛ وضعفتم أنتم الذين تسعون إلی قضاء حوائجكم، وضعف كذلك الذين تربّعواعلی أريكة التصنّع وهم يحسبون أنّهم هم الذين يقضون لكم حاجاتكم. [1] ـ باعتبار أنّ تأريخ كتابة هذا الجزء من «تفسير الميزان» كان يوافق هذه السنة، لذا فقد ذكرها الاُستاذ. أمّا وقد انقضت مدّة ثلاث وثلاثين سنة إلي زمن تأليف كتابنا هذا، فإنّ التأريخ الميلاديّ الفعليّ يصادف سنة ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين. وقد فصّل القول في ذلك الزعيم الفاضل «بهروز» في كتاب ألّفه جديداً في البشارات النبويّة، وأرجو أن أوفّق لاءيداع شذرة منه في تفسير آخر سورة النساء من هذا الكتاب. والقدر المتيقّن (الذي يهمّنا منه) اختلال التأريخ المسيحيّ، (التعليقة). [2] ـ راجع مادّة «مسيح» من «قاموس الكتاب المقدّس»، (التعليقة). وجاء في هذا القاموس، ص 802: لا يخفي أنّ ولادة السيّد المسيح كانت سنة 749 بعد تأسيس الروم، أي: قبل التأريخ المسيحيّ الحاليّ بأربع سنوات. وكان مسقط رأسه بيت لحم، وأُمّه مريم اليهوديّة. [3] ـ وقد لام شيلسوس الفيلسوف في القرن الثاني النصاري في كتابه «الخطاب الحقيقيّ» علي تلاعبهم بالاناجيل، ومحوهم بالغد ما أدرجوه بالامس. وفي سنة 384 م أمر البابا داماسيوس أن تُحرّر ترجمة لاتينيّة جديدة من العهدين القديم والحديث تُعتبر قانونيّة في الكنائس. وكان تيودوسيس الملك قد ضجر من المخاصمات الجدليّة بين الاساقفة. وتمّت تلك الترجمة التي تسمّي فولكانا، وكان ذلك خاصّاً بالاناجيل الاربعة: متّي ومرقس ولوقا و يوحنّا. وقد قال مرتّب تلك الاناجيل: «بعد أن قابلنا عدداً من النسخ اليونانيّة القديمة رتّبناها، بمعني أ نّنا نقّحنا ما كان فيها مُغايراً للمعني، وأبقينا الباقي علي ما كان عليه». ثمّ إنّ هذه الترجمة قد ثبّتها المجمع التريدنتينيّ سنة 1546، أي بعدها بأحد عشر قرناً، ثمّ خطّأها سيستوس الخامس سنة 1590 وأمر بطبع نسخة جديدة، ثمّ خطّأ كليمنضوس الثامن هذه النسـخة الثانية أيضـاً وأمر بطـبعة جديدة منقّحة هي الدارجة اليوم عند الكاثـوليكيّين. («تفسير الجواهر» ج 2، ص 121، الطبعة الثانية)، (التعليقة). [4] ـ وقد وُجد هذا الاءنجيل بالخطّ الاءيطاليّ منذ سنين، وترجمه إلي العربيّة الدكتور خليل سعادة بمصر، وترجمه إلي الفارسيّة الحبر الفاضل «سردار كابلي» بإيران. (التعليقة). کیفیة اتضاح أمر إنجیل برناباالدکتور سعادة: مؤلف إنجیل برنابا عالم یهودی أندلسی قد أسلم حدیثا[5] ـ و إنجيل برنابا، وُجد مكتوباً بالخطّ الاءيطاليّ القديم، وقام العالِم الاءنجليزيّ لونْسدال مع عقيلته الفاضلة مدام لورا راغ بترجمته إلي الاءنجليزيّة. ثمّ قام الدكتور خليل سعادة بترجمته إلي العربيّة في مصر باقتراحٍ من السيّد محمّد رشيد رضا الحسينيّ مُنشي مجلّة «المنار». ثمّ قام سردار كابلي حيدر قلي خان قزلباش بترجمته إلي الفارسيّة مع ملاحظة الترجمة العربيّة (المنقولة من الاءنجليزيّة). ولدي الحقير كلا الترجمتَين: العربيّة والفارسيّة. وقد طبعت الترجمة العربيّة للمرّة الاُولي في مطبعة المنار سنة 1325 هجريّة قمريّة، أمّا الترجمة الفارسيّة المنجزة سنة 1350 فقد طُبعت في مطبعة شركة «سعادت» في كرمانشاه. وقد كتب كلّ من هذين العالِمَين مقدّمة منفصلة صدّر بها الاءنجيل المترجَم. وعلي الرغم من أنّ المقدِّمة العربيّة للدكتور خليل سعادة والسيّد محمّد رشيد رضا لم تُطبع مع الاءنجيل العربيّ الموجود لدي الحقير، إلاّ أنّ سردار كابلي قد قام بترجمة تينك المقدّمتين إلي الفارسيّة، وضمّ إليهما مقدّمته علي كتاب الاءنجيل، فطُبعت سويّاً مع الترجمة الفارسيّة للاءنجيل. * ومقدّمة الدكتور خليل سعادة مفصّلة، ونورد عدّة مقاطع منتخبة منها مع ملاحظة النسخة العربيّة: يقول: «والنسخة الوحيدة المعروفة الآن في العالم، التي نُقل عنها هذا الاءنجيل إنّما هي نسخة إيطاليّة في مكتبة بلاط فينّا، وهي تُعدّ من أنفس الذخائر والآثار التأريخيّة فيها... وأوّل من عثر علي النسخة الاءيطاليّة ممّن لم يعف التأريخ أثرهم، ولم تدرس الايّام ذكرهم هو كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا، وكان مُقيماً وقتئذٍ في امستردام، فأخذها سنة 1709 من مكتبة أحد مشاهير ووجهاء المدينة المذكورة... فأقرضها كريمر طولَند، ثمّ أهداها بعد ذلـك بأربع سنين إلي البرنـس أيوجين سافوي الذي كان علي كثـرة حـروبه ومعاركه ووفرة مشاغله السياسيّة شديد الولع بالعلوم والآثار التأريخيّة، ثمّ انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738 مع سائر مكتبة البرنس المنوّه عنه إلي مكتبة البلاط الملكيّ في فيينّا، حيث لا تزال هناك حتّي الآن علي ما مرّ بك بيانه. بَيدَ أ نّه وُجد في أوائل القرن الثامن عشر نسخة أُخري إسبانيّة تقع في مائتين واثنين وعشرين فصلاً وأربع مائة وعشرين صفحة جرّ عليها الدهر ذيل العفاء، فطمست آثارها ودرستْ رسومها، وكان قد أقرضها الدكتور هُلم من هدلي (بلدة من أعمال همبشير) المستشرق الشهير سايل، ثمّ تناولها بعد سايل الدكتور منكهوس أحد أعضاء كليّة الملكة في أكسفورد، فنقلها إلي الاءنجليزيّة، ثمّ دفع الترجمة مع الاصل سنة 1784 إلي الدكتور هويت أحد مشاهير الاساتذة. ولقد أشار الدكتور هويت المنوّه عنه في إحدي الخطب التي كان يلقيها علي الطلبة إلي هذه النسخة، حيث استشهد ببعض الشذرات منها. ولقد طالعتُ هذه الشذرات وقابلتها بالترجمة الاءنجليزيّة المنقولة عن النسخة الاءيطاليّة الموجودة الآن في مكتبة بلاط فيينّا، فوجدت الاءسبانيّة ترجمة حرفيّة عن تلك، ولم أرَ بينهما فرقاً يستحقّ الذكر.... ويؤخذ ممّا علّقه سايل علي النسخة الاءسبانيّة أ نّه مسطور في صدرها أ نّها مترجمة عن الاءيطاليّة بقلم مسلم أروغانيّ يُسمّي مصطفي العرنديّ، ومصدّرة بمقدّمة يقصّ فيها مكتشف النسخة الاءيطاليّة ـ وهو راهب لاتينيّ يُسمّي فرامرينو ـ كيفيّة عثوره عليها. ومن جملة ما قال بهذا الصدد: إنّه عثر علي رسائل ل ايرينايوس وفي عدادها رسالة يندّد فيها بالقدّيس بولُص الرسول، وإنّ ارينايوس أسند تنديده هذا إلي إنجيل القدّيس برنابا، فأصبح من ذلك الحين الراهب مرينو المشار إليه شديد الشغف بالعثور علي هذا الاءنجيل. واتّفق أ نّه أصبح حيناً من الدهر مقرّباً من البابا سكتُس الخامس، فحدث يوماً أ نّهما دخلا معاً مكتبة البابا، فران الكري علي أجفان قداسته، فأحبّ مرينو أن يقتل الوقت بالمطالعة إلي أن يُفيق البابا، فكان الكتاب الاوّل الذي وضع يده عليه هو هذا الاءنجيل نفسه، فكاد أن يطير فرحاً من هذا الاكتشاف، فخبّأ هذه الذخيرة الثمينة في أحد ردنيه ولبث إلي أن استفاق البابا، فاستأذنه بالانصراف حاملاً ذلك الكنز معه، فلمّا خلا بنفسه طالعه بشوقٍ عظيم فاعتنق علي أثر ذلك الدين الاءسلاميّ. هذه هي رواية الراهب فرامرينو علي ما هو مدوّن في مقدّمة النسخة الاءسبانيّة كما رواها المستشرق سايل في مقدّمة له لترجمة القرآن، وهي مع ما تقدّم الاءلماع إليه من خطب الاُستاذ هويت المصدر الوحيد الذي لنا الآن بخصوص النسخة الاءسبانيّة التي لم أعثر علي كيفيّة فقدانها، سوي أ نّه عهد بترجمتها إلي الدكتور منكهوس فدفعها إلي الدكتور هويت، ثمّ طمس بعد ذلك خبرها وامّحي أثرها». ثمّ يتحدّث الدكتور سعادة بالتفصيل عن أنّ النسخة الاءيطاليّة الحاضرة، هل هي النسخة التي اختلسها الراهب من مكتبة البابا سكتس الخامس، أم أ نّها نسخة أُخري غيرها، فيخوض في بحث لا يتجاوز فيه حدود الظنّ والحدس والتخمين، حيث يقول: «والتأريخ الذي يخمّنه العلماء من كلّ ما تقدّم بيانه يتراوح بين منتصف القرن الخامس عشر والسادس عشر. وعليه، فمن الممكن أن تكون النسخة الاءيطاليّة هي عينها التي اختلسها فرامرينو من مكتبة البابا علي ما مرّت الاءشارة إليه. ولمّا شاع خبر إنجيل برنابا في فجر القرن الثامن عشر، أحدث دويّاً عظيماً في أندية الدين والعلم ولا سيّما في إنجلترا... وأوّل أمر توجّهت إليه هممُ الباحثين الخوض في أمر النسخة الاءيطاليّة، وفيما إذا كانت منقولة عن نسخة أُخري أو هي النسخة الاصليّة التي كانت عند الراهب فرامرينو وادّعي اختلاسها من مكتبة البابا سكتس الخامس؟». ثمّ يقول الدكتور سعادة بعد بيانه بحثاً في هذا الخصوص: «والذي أرمي إلي الاستدلال عليه من هذا البيان أنّ النسخة الاءيطاليّة التي هي الآن في مكتبة البلاط الملكيّ في فينّا إنّما هي مأخوذة بلا مراء عن نسخة أُخري، وبالتالي لا يصحّ اعتبارها النسخة الاولي الاصليّة». ثمّ يستدلّ الدكتور سعادة باختلاف الهوامش العربيّة المدوّنة علي الاءنجيل بلحاظ الادب العربيّ وكون إنشاء بعضها خطأً وبعضها الآخر صحيحاً، علي أنّ هذه النسخة ينبغي أن تكون منقولة عن نسخة أُخري. ثمّ يقول: «وهو استنتاج ينطبق علي ما قابل به الثقات بعد التدقيق وإمعان النظر في نوع خطّ النسخة الاءيطاليّة الموجودة الآن في مكتبة بلاط فينّا، فقد توصّلوا إلي الجزم بأنّ ناسخها إنّما هو من أهالي البندقيّة، نسخها في القرن السادس عشر أو أوائل السابع عشر، ويرجّح أ نّه أخذها عن نسخة طسكانيّة أو عن نسخة بلغة البندقيّة تطرّقت إليها اصطلاحات طسكانيّة، وهي أقوال لونسدال و لورا راغ بعد أن أخذا في ذلك آراء أعظم الثقات الاءيطاليّين الذين يؤخذ قولهم حُجّة في هذه المباحث الاخصّائيّة. ويذهب الكاتبان المذكوران إلي أنّ النَّسخ حدث نحو سنة 1575، وأنّ من المحتمل أن يكون ناسخ هذا الاءنجيل الراهب فرامرينو الذي ورد ذكره في مقدّمة النسخة الاءيطاليّة علي ما جاءت الاءشارة إليه، ثمّ يقولون بعد ذلك ما ترجمته «وكيف كان الحال، فيمكننا الجزم بأنّ كتاب برنابا الاءيطاليّ إنّما هو كتاب إنشائيّ، وسواء قام به كاهن أم علمانيّ أم راهب أم أحد العامّة، فهو بقلم رجلٍ له إلمامٌ عجيب بالتوراة اللاتينيّة يقرب من إلمام دَنت، وأ نّه نظير دنت متضلّع علي نوع خاصّ من الزبور، وهو من صنع رجل معرفته للاسفار المسيحيّة تفوق كثيراً اطّلاعه علي الكتب الدينيّة الاءسلاميّة، فيرجّح إذاً أ نّه مرتدّ عن النصرانيّة». والباعث علي المقارنة بين كاتب هذا الاءنجيل والشاعر الشهير دنت ما في كلامهما في الملابسات». ولقد تبادر إلي ذهن العلماء بادي بدء أنّ النسخة الاءيطاليّة مأخوذة عن أصل عربيّ. وكان أوّل من أشار إلي ذلك كريمر الذي مرّ بك ذكره، حيث صدّر النسخة الاءيطاليّة التي أهداها إلي الدوق سافوي ببضعة أسطر من عنده يذكر أنّ هذا الاءنجيل المحمّديّ مُترجم عن العربيّة أو غيرها». ثمّ يتطرّق الدكتور سعادة إلي بحث يقول بعده: «ثمّ إنّه لم يرد ذكرٌ لهذا الاءنجيل في كتابات مشاهير الكتّاب المسلمين، سواء في الاعصر القديمة أو الحديثة، حتّي ولا في مؤلّفات مَن انقطع منهم إلي الابحاث والمجادلات الدينيّة، مع أنّ إنجيل برنابا أمضي سلاحٍ لهم في مثل تلك المناقشات. وليس ذلك فقط، بل لم يرد ذكر لهذا الاءنجيل في فهارس الكتب العربيّة القديمة عند الاعارب أو الاعاجم أو المستشرقين الذين وضعوا فهارس لاندر الكتب العربيّة من قديمةٍ وحديثة». ويقول الدكتور سعادة هنا: «بَيدَ أ نّه لابدّ لي من التصريح بعد كلّ ما تقدّم بيانه، أ نّي أشَدُّ مَيلاً للاعتقاد بالاصل العربيّ منّي بسواه، إذ لا يجوز اتّخاذ عدم العثور علي ذلك الاصل حُجّةً دافعة علي عدم وجوده، وإلاّ لوجب الاعتقاد بأنّ النسخة الاءيطاليّة هي النسخة الاصليّة لهذا الاءنجيل، فإنّه لم يعثر أحدٌ قطّ علي نسخة أُخري سوي النسخة الاءسبانيّة التي مرّ بيانها والتي ورد في مقدّمتها أ نّها مترجمة عن نسخة إيطاليّة، والمطالع الشرقيّ يري لاوّل وهلة أنّ لكاتب إنجيل برنابا إلماماً بالقرآن، حتّي أنّ كثيراً من فقراته تكاد أن تكون ترجمة حرفيّة أو معنويّة لآياتٍ قرآنيّة. أقول هذا وأنا عالم أ نّي في ذلك مخالف لجلّة كتّاب الغرب الذين خاضوا عباب هذا الموضوع وفي جملتهم لونسدال ولورا راغ اللذان يزعمان أنّ إلمام كاتب هذا الاءنجيل بالاءسلام قليل، فكان هذا من جملة الاسباب التي حملتهما علي نفي القول بأصل عربيّ. ومن ذلك حديث إبراهيم مع أبيه، ومنه ما ينطبق علي سورة 21 و 37، وكقوله عن سبب سقوط إبليس إنّه أبي أن يسجد لآدم علي حدّ ما جاء في سورة البقرة. وكذلك ما ورد في سورة الحجر. ولولا ضيق المقام لاوردتُ كثيراً من تلك الفقرات مع ما يقابلها من آيات القرآن. وليس ذلك فقط، بل إنّ في إنجيل برنابا كثيراً من الاقوال التي تنطبق علي الاحاديث النبويّة». إلي أن يصل إلي قوله: «غير أنّ القول بأنّ هذا الاءنجيل عربيّ الاصل لا يترتّب عليه أن يكون كاتبه عربيّ الاصل، بل الذي أذهبُ إليه أنّ الكاتب يهوديّ أندلسيّ اعتنق الدين الاءسلاميّ بعد تنصّره واطّلاعه علي أناجيل النصاري، وعندي أنّ هذا الحلّ هو أقرب إلي الصواب من غيره، لا نّك إذا أعملتَ النظر في هذا الاءنجيل وجدتَ لكاتبه إلماماً عجيباً بأسفار العهد القديم لا تكاد تجد له مثيلاً بين طوائف النصاري إلاّ في أفراد قلائل من الاخصّائيّين الذين جعلوا حياتهم وقفاً علي الدين، كالمفسّرين، حتّي أ نّه ليندر أن يكون بين هؤلاء أيضاً من له إلمام بالتوراة يقرب من إلمام كاتب إنجيل برنابا. والمعروف أنّ كثير من يهود الاندلس كانوا يتضلّعون من العربيّة، ولقد نبغ بينهم مَن كان له في الادب والشعر القدح المعلّي، فيكون مثلهم في الاطّلاع علي القرآن والاحاديث النبويّة مثل العرب أنفسهم. وممّا يؤيّد هذا المذهب ما ورد في هذا الاءنجيل عن وجوب الختان والكلام الجارح الذي جاء فيه من أنّ الكلاب أفضل من الغُلف، فإنّ مثل هذا القول لا يصدر من نصرانيّ الاصل». ثمّ يستنتج الدكتور سعادة من مجموع ما مرّ فيقول: «فالرأي الذي أذهبُ إليه أنّ الكاتب الاصليّ هو يهوديّ أندلسيّ اعتنق الاءسلام... ويذكر التأريخ أمراً أصدره البابا جلاسيوس الاوّل الذي جلس علي أريكة البابويّة سنة 492 يعدّد فيه أسماء الكتب المنهيّ عن مطالعتها وفي عدادها كتاب يُسمّي إنجيل برنابا. فإذا صحّ ذلك كان هذا الاءنجيل موجوداً قبل ظهـور نبيّ المسـلمين بزمن طـويل، وهو دليل علي أنّ هذا الاءنجيل لم يكن حينئذٍ لابساً هذا الثوب القشيب الذي يرفل فيه الآن، لانّ مجرّد إصدار البابا المشار إليه نهياً عن مطالعته دليلٌ علي شيوعه أو علي اشتهار أمره بين خاصّة العلماء إن لم يكن بين العامّة...». إلي أن يصل إلي قوله: «ويُباين هذا الاءنجيل الاناجيل الاربعة المشهورة في عدّة أُمور جوهريّة: أوّلها: قولها إنّ يسوع أنكر أُلوهيّته وكونه ابن الله، وذلك علي مرأي ومسمع من ستّمائة ألف جنديّ وسكّان اليهوديّة من رجال ونساء وأطفال. و الثاني: أنّ الابن الذي عزم إبراهيم علي تقديمه ذبيحةً للّه إنّما هو إسماعيل لا إسحاق، وأنّ الموعد إنّما كان بإسماعيل. والثالث: أنّ مَسيا أو المسيح المنتظر ليس هو يسوع بل محمّد. وقد ذكر محمّداً باللفظ الصريح المتكرّر في فصول ضافية الذيول، وقال: إنّه رسول الله؛ وإنّ آدم لمّا طُرد من الجنّة رأي مسطوراً فوق بابها بأحرف من نور: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله. والرابع: أنّ يسوع لم يُصلَب، بل حُمل إلي السماء، وأنّ الذي صُلب إنّما كان يهوذا الخائن الذي شبّه به، فجاء مطابقاً للقرآن: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـ'كِن شُبِّهَ لَهُمْ». إلي أن يقول: «وكيف كان الحال، فالحقيقة التي لا مراء فيها أنّ كاتب إنجيل برنابا كان علي جانب كبير من الفلسفة وسمّو المدارك وقوّة الحجّة وشدّة العارضة وجلاء البيان، وأنّ مباحثه الفلسفيّة في الجسد والحسّ والنفس من الوجهة الدينيّة لمن أسمي ما كتب الباحثون الدينيّون في هذا الموضوع... وبعد كلّ ما تقدّم فإنّ هذا الاءنجيل قد أتي علي آيات باهرة من الحكمة وطراز راقٍ من الفلسفة الادبيّة وأساليب تسحر الالباب ببلاغتها السامية، علي ما فيها من البساطة في التعبير، وهو يرمي إلي ترقية العواطف البشريّة إلي أُفقٍ سام، وتنزيهها عن الشهوات البهيميّة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، حاثّاً علي الفضائل، مقبّحاً للرذائل، داعياً الاءنسان إلي تضحية نفسه في سبيل الاءحسان إلي الناس حتّي يزول عنه كلّ أثر للانانيّة ويحيا لنفع إخوانه». وبعد ذكر عدّة جمل أُخري يختم الدكتور سعادة هذه المقدِّمة بإمضائه في القاهرة، مصر، شهر مارس سنة 1908 ميلاديّة. أدلة الدکتور سعادة تخیلات واهیة، لا تستند إلی شواهد تأریخیة قطعیةونري مدي الخطأ الذي وقع فيه بنسبته هذا الاءنجيل إلي شخص يهوديّ أندلسيّ مجهول وليس له ما يحمله علي ذلك إلاّ التخيّلات الواهية والاوهام السخيفة الضعيفة التي تتبيّن بجلاء في أرجاء كلامه. ونسـأل منه: لقد قلتَ بأنّ كاتب هذا الاءنجيل شـخص ذو مقام رفيـع في الفلسـفة والادب، وذو اطّلاع واسع علي التوراة والاءنجيل، فمن هو هذا الشخص العظيم يا تري؟ إنّ من المحتّم أن يكون شخصاً مشهوراً من علماء الطراز الاوّل. فلِمَ لا يوجد له أدني ذكر في التأريخ؟! لماذا لا يوجد له اسم أبداً؟ إنّ جميع علماء الاءسلام وفضلائه مشخّصون بترجمات أحوال، فَمن يكون يا تري هذا العالم الاندلسيّ المنتميّ إلي الاءسلام حديثاً؟ أجل، إنّ هذه الاوهام والخيالات كَرامٍ في ليلٍ داج، وليست إلاّ رَجْمًا بِالْغَيْبِ. فلهذا لم يتطرّق أحد من علماء أُوروبّا ومحقّقيها ومستشرقيها إلي مثل هذا القول، مع أنّ التفوّه به سيسهّل عليهم الامر من جهات عديدة. لقد عثر علي نسخة من هذا الاءنجيل بالخطّ الاءيطاليّ القديم، ولو كانت قد استُنسخت من نسخة أُخري. لتوجّب ـ قاعدةً ـ أن تكون النسخة الاُولي نظير هذه النسخة وبلغتها أو نظير لغتها. أفلا يمثّل البحث عن نسخة أُخري بلغةٍ أُخري، ونسبتها إلي شخص يهوديّ أسلم حديثاً، أو إلي شخص نصرانيّ ارتدّ عن النصرانيّة وأسلم، دون شواهد تأريخيّة قطعيّة، ومع وجود إشكالات هذا الاحتمال التي لا تنطبق علي إنجيل برنابا، ألاَ يمثّل نسجاً للاوهام ونزوعاً إلي الخيال؟ إشکالات صاحب تفسیر «المنار» علی الدکتور سعادة بخصوص إنجیل برناباونلحظ في هذا المجال أنّ السيّد محمّد رشيد رضا صاحب التفسير ومنشي مجلّة «المنار» يعدّ في مقدّمته جميع أدلّة الدكتور سعادة واهيةً ضعيفة. ونورد هنا فقراتٍ من كلامه، استشهد بها سردار كابلي في مقدّمته بعد ذكر مقدّمة الدكتور سعادة، حيث يقول: «إنّنا نري مؤرّخي النصرانيّة قد أجمعوا علي أنـّه كان في القرون الاُولي للمسيح عليه السلام أناجيل كثيرة، وأنّ رجال الكنيسة قد اختاروا منها أربعة أناجيل ورفضوا الباقي. فالمقلِّدون لهم من أهل ملّتهم قبلوا اختيارهم بغير بحث، وسيكون ذلك شأن أمثالهم إلي ما شاء الله. وأمّا مَن يحبّ العلم ويجتنب التقليد من كلّ أُمّة، فهو يودّ إذا أراد الوقوف علي أصل هذا الدين وتأريخه لو يطّلع علي جميع تلك الاناجيل المرفوضة، ويقف علي كلّ ما يمكن الوقوف عليه من أمرها، ويبني ترجيح بعضها علي بعض بعد المقابلة والتنظير علي الدلائل المرجّحة التي تظهر له هو وان لم تظهر لرجال الكنيسة. لو بقيت تلك الاناجيل كلّها لكانت أغزر ينابيع التأريخ في بابها، ما قبل منها أصلاً للدين وما لم يُقبَل، ولرأيت لعلماء هذا العصر من الحكم عليها والاستنباط منها بطرق العلم الحديثة المصونة بسياج الحرّيّة والاستقلال في الرأي والاءرادة ما لا يأتي مثله من رجال الكنيسة الذين اختاروا تلك الاربعة ورفضوا ما سواها. إنجيلُ المسيح عيسي ابن مريم عليه السلام واحدٌ، هو عبارة عن هَديه وبشارته بمن يجيء بعده ليتمّ دين الله الذي شرّعه علي لسانه وألسنة الانبياء من قبله، فكان كلّ منهم يبيّن للناس منه ما يقتضيه استعدادهم، وإنّما كثرت الاناجيل، لانّ كلّ مَن كتب سيرته عليه السلام سمّاها إنجيلاً، لاشتمالها علي ما بشَّر وهَدَي به الناس. من تلك الاناجيل (إنجيل برنابا)، وبرنابا حواريٌّ من أنصار المسيح الذين يلقّبهم رجال الكنيسة بالرسل، صحبه بولص زمناً.... ومقدّمة هذا الاءنجيل الذي تقدّم ترجمته لقرّاء العربيّة اليوم ناطقة بأنّ بولص انفرد بتعليم جديد مخالف لما تلقّاه الحواريّون عن المسيح. ولكنّ تعاليمه هي التي غلبت وانتشرت واشتهرت وصارت عماد النصرانيّة. ويذهب بعض علماء الاءفرنج إلي أنّ إنجيل مرقس وإنجيل يوحنّا من وضعه، كما في «دا |