بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب نور ملكوت القرآن/ المجلد الثاني / القسم الثانی: القرآن تبیان لکل شیء، عدد آیات القرآن، معنی عزة القرآن، رسالة القرآن

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

الروايات‌ الواردة‌ في أنّ القرآن‌ تبيان‌ لكلّ شي‌ء

 يروي‌ محمّد بن‌ يعقوب‌ الكلينيّ في‌ «الكافي‌» بسنده‌ المتّصل‌، ضمن‌ حديث‌ أنّ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ قال‌:

 القُرآنُ هُدَيً مِنَ الضَّلاَلَةِ وَ تِبْيَانٌ مِنَ العَمَي‌؛ وَاسْتِقَالَةٌ مِنَ العَثْرَةِ؛ وَ نُورٌ مِنَ الظُّلْمَةِ؛ وَ ضِيَاءٌ مِنَ الاحْدَاثِ؛ [1] وَ عِصْمَةٌ مِنَ الهَلَكَةِ؛ وَ رُشْدٌ مِنَ الغَوَايَةِ؛ وَ بَيَانٌ مِنَ الفِتَنِ؛ وَ بَلاَغٌ مِنَ الدُّنْيَا إلَي‌ الآخِرَةِ؛ وَ فِيهِ كَمَالُ دِينِكُمْ؛ وَ مَا عُدِلَ عَنِ القُرْآنِ إلاَّ إلَي‌ النَّارِ. [2]

 و يروي‌ الكلينيّ أيضاً، بإسناده‌ عن‌ سَماعة‌ بن‌ مِهران‌ أنّ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ قال‌:

 إنَّ العَزِيزَ الجَبَّارَ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ، وَ هُوَ الصَّادِقُ البَارُّ؛ فِيهِ خَبَرُكُمْ وَ خَبَرُ مَن‌ قَبْلَكُمْ؛ وَ خَبَرُ مَنْ بَعْدَكُمْ؛ وَ خَبَرُ السَّمَاءِ وَ الاَرْضِ. وَ لَوْ أَتَاكُمْ مَنْ يُخْبِرُكُمْ عَن‌ ذَلِكَ لَتَعَجَّبْتُمْ. [3]

 لذا فمن‌ اعتمد علي‌ القرآن‌ فقد اعتمد علي‌ الحقّ و الواقع‌، فهو عزير، أي‌ مستقلّ و فاعل‌، و من‌ لجأ إلي‌ غيره‌ فهو ذليل‌، أي‌ منفعل‌ بلا داع‌.

 فالاوّل‌ يمتلك‌ بنفسه‌ القاهرة‌ حكومة‌ علي‌ أيّ موجود، و أيّ! علم‌، و أيّ مدرسة‌ يرد عليها، فيُلقّها من‌ قدرته‌ الفعليّة‌ و يؤثّر بها. أمّا الثاني‌، ذو النفس‌ المقهورة‌ المنفعلة‌، فمحكوم‌ لايّ علم‌ و فكر ـ مهما كان‌ باطلاً ـ يتلقّح‌ منه‌ و يأخذ عنه‌.

 العامل‌ بالقرآن‌ في‌ أمان‌ و حصنٍ حصين‌، و غيره‌ في‌ خوف‌ و قلقٍ و اضطراب‌.

 و يروي‌ الكلينيّ أيضاً بإسناده‌ عن‌ الإمام‌ جعفر الصادق‌ عليه‌ السلام‌، قال‌: كَانَ فِي‌ وَصِيَّةِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ أَصْحَابَهُ: اعْلَمُوا أَنَّ القُرْءَانَ هُدَي‌ النَّهَارِ؛ وَ نُورُ اللَّيْلِ المُظْلِم‌ عَلَي‌ مَا كَانَ مِنْ جُهْدٍ وَفَاقَةٍ. [4]

 أي‌ أنّه‌ عليه‌ السلام‌ كان‌ يوصي‌ أصحابه‌ باتّخاذ القرآن‌ نهاراً مصباحاً للهداية‌، و برنامجاً للعمل‌، و قدوة‌ و أسوة‌، و مفتاحاً لكلّ معضل‌ و مشكل‌، و باتّخاذه‌ نوراً لليل‌ البهيم‌، حين‌ يهجع‌ الكلّ و ينامون‌، فيتلوه‌ هؤلاء أحياناً في‌ صلاة‌ الليل‌ بقراءة‌ السور الطوال‌ و الآيات العجيبة‌، و يقتحمون‌ بقراءته‌ عالماً من‌ نور و صفاء و سرور و بساطة‌ و تجرّد، و يردون‌ بقراءة‌ كلّ اية‌ علي‌ روضة‌ خاصّة‌ ذات‌ أفنان‌، فتضي‌ء لهم‌ آيات‌ القرآن‌ كلّ عقبة‌ و مرتفع‌ تلفّه‌ الظلمة‌، و تسطع‌ بأنوارها الوهّاجة‌ المحيّرة‌ للعيون‌ و الابصا، ثمّ ينقضي‌ الليل‌ و يطلع‌ بياض‌ الفجر الصادق‌، و تطلّ أشعة‌ الشمس‌ من‌ وراء الاُفق‌ طلائع‌ بشارةٍ بقدوم‌ الشمس‌، لكنّ هؤلاء لم‌ يكونوا في‌ ظُلمة‌ أبداً، و لم‌ يحسّوا بافتقاد النور، مع‌ أنّهم‌ كانوا في‌ درجة‌ عالية‌ من‌ الفقر و الجهد و المشكلات‌ المادّيّة‌، لانّ باطنهم‌ و ذهنهم‌ مع‌ هذا كلّه‌ كان‌ مضيئاً و منورّاً بأنوار آيات‌ القرآن‌.

 آنكه‌ در خانه‌اش‌ صَنم‌ دارد گر نيايد برون‌ چه‌ غم‌ دارد؟ [5]

 و كذلك‌ يحدّث‌ الكلينيّ بإسناده‌: عن‌ الزهريّ أنّه‌ قال‌: سمعتُ عليّ بن‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌ يقول‌:

 آياتُ القُرآنِ خَزَائِنُ العِلْمِ فَكُلَّمَا فَتَحْتَ خِزَانَةً، يَنْبَغِي‌ لَكَ أَن‌ تَنْظُرَ مَا فِيهَا. [6]

 القرآن‌ كتاب‌ الحقيقة‌ و كتاب‌ معالجة‌ الافراد لإيصالهم‌ إلي‌ مقام‌ الكمال‌ و أوج‌ درجات‌ الإنسانيّة‌، و إخراجهن‌ من‌ مستوي‌ البهيميّة‌ إلي‌ أعلي‌ نقطة‌ من‌ ذروة‌ الآدميّة‌.

 فهو يشخّص‌ المرض‌ جيّداً، و يعالجه‌ كلّيّاً، في‌ سهولة‌ و يسر و سرعة‌، فلا يخطي‌ في‌ تشخيص‌ الداء و وضع‌ يدِه‌ علي‌ موطن‌ العلّة‌، و لا في‌ أُسلوب‌ العلاج‌ و المداواة‌، و لا يستبدل‌ دواءً بآخر، بل‌ يصف‌ الدوا و يشير علي‌ موارد الاحتراز و الاجتناب‌ بما يقتضي‌، دون‌ زيادةً أو نقصان‌، و لا ينقض‌ يده‌ عن‌ المعالجة‌ و يوقفها حتّي‌ يشفي‌ أفراد البشر من‌ كلّ الامراض‌ المزمنة‌ و الكامنة‌ و الخفيّة‌ و المضاعفة‌، و ذلك‌ بوصفاته‌ العلاجيّة‌ المتعاقبة‌ إلي‌ أن‌ يعطي‌ أخيراً شهادة‌ العافية‌ و السلامة‌ الشاملة‌.

 فهو في‌ أمره‌ أشبه‌ بجرّاح‌ لا نظير له‌ في‌ العمليّات‌ الجراحيّة‌، و كذا في‌ قوّة‌ التشخيص‌ و المعالجة‌، وهو يلحظ‌ علي‌ الفور النقطة‌ السوداء الخطرة‌ فيستأصلها من‌ مكانها بأسرع‌ وقت‌ و يريح‌ المريض‌ منها، و يصف‌ الدواء لمن‌ لا يحتاج‌ الجراحة‌ و يعالجه‌ حسب‌ مزاجه‌ و قابليّته‌.

 و لاميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ خطبة‌ ورد في‌ جملتها فقرة‌ يشير فيها إلي‌ حذاقة‌ و مهارة‌ رسول‌ الله‌ في‌ علاج‌ الامراض‌ الروحانيّة‌، و هي‌ تصدق‌ علي‌ القرآن‌ و مهارته‌ و حذاقته‌ أيضاً: طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ. قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ. وَ أَحْمَي‌ مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الحَاجَةُ إَلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْي‌. وَ آذَانٍ صُمُّ. وَ أَلْسِنَةٍ بُكمٍ. مُتَّبعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الغَفْلَةِ وَ مَوَاطِنَ الحَيْرَةِ. [7]

 فالادوية‌ النّافعة‌ للقلوب‌ العمي‌ هي‌ التي‌ تعطي‌ الفهم‌ بكشف‌ موانعه‌ و توقظ‌ الوجدان‌؛ و التي‌ تنفع‌ الآذان‌ الصمّ هي‌ الإنذار و الوعيد و الوعظ‌ و التخويف‌ و التحذير و الترغيب‌ و التحريض‌؛ و ما ينفع‌ الالسنة‌ البكم‌ هي‌ تلك‌ الادوية‌ التي‌ تنطق‌ اللسان‌ و تجريه‌ بذكر الله‌.

 و قد ذكر المرحوم‌ المولي‌ فتح‌ الله‌ الكاشانيّ في‌ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» أنّ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ أراد بقوله‌ طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ نفسه‌ النفيسة‌ [8]، لكنّ هذا بعيد كما هو ظاهر من‌ السياق‌.

 نعم‌، فكما كانت‌ الروح‌ المقدّسة‌ لرسول‌ الله‌؛ والتي‌ هي‌ حقيقة‌ القرآن‌؛ طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، كان‌ القرآن‌ أيضاً طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، ينقذ البشر من‌ الامراض‌ المهلكة‌ المدمّرة‌ للاُسر و البيوت‌.

الرجوع الي الفهرس

القرآن‌ يرفع‌ الإنسان‌ إلي‌ أعلي‌ درجات‌ الإنسانيّة‌

 كم‌ هي‌ قبيحة‌ ظلمات‌ النفس‌! و كم‌ هو حسن‌ و جميل‌ الخروج‌ منها! فالقرآن‌ هو الذي‌ يمدّ يده‌ ليخرج‌ البشر من‌ ظلمات‌ الباطن‌، و يعالج‌ أمراضه‌ الروحيّة‌ و المعنويّة‌ جميعاً فيصير الإنسان‌ إذ ذاك‌ إنساناً مستقيماً و بشراً سويّاً.

 ففي‌ الزوايا العميقة‌ المتشابكة‌ للنفس‌ الامّارة‌ يجد الإنسان‌ نفسه‌ أمام‌ ألف‌ ألم‌ و عقدة‌ و محنة‌، و ألف‌ خصلة‌ سيئّة‌، و آلاف‌ من‌ الخواطر المشوّشة‌ المضطربة‌؛ فكيف‌ سيميّز الخلل‌ و يضع‌ يده‌ علي‌ مكان‌ الداء؟ و بما أنّه‌ ـ علس‌ سبيل‌ الفرض‌ ـ في‌ ظلام‌، فكيف‌ سيشخّص‌ طريق‌ العلاج‌ الناجع‌؟ أو كيف‌ يعرف‌ حقيقة‌.يّ خصلةٍ و صفة‌ قد ألقته‌ في‌ معرض‌ الردي‌ و الهلاك‌؟

 لكنّ بزوغ‌ شمس‌ القرآن‌ ينير ساحة‌ النفس‌، فيري‌ الإنسان‌ عيوبه‌ و نقائصه‌ رأي‌ العين‌، ثمّ لا يقرّ له‌ قرار قبل‌ استئصالها، لوجود باعث‌ باطنيّ قويّ يدفعه‌ ليعمل‌ بتعاليم‌ القرآن‌، فينتهي‌ إلي‌ مراده‌ و يجني‌ رغائبه‌ و يصل‌ إلي‌ غاياته‌ في‌ الوصول‌ إلي‌ مقام‌ الإنسانيّة‌ و معرفة‌ نفسه‌.

 العلم‌ بالنفس‌ هذا و معرفتها هو نفسه‌ معرفة‌ المعبود تعالي‌، لانّ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ. [9]

 و جلي‌ٌّ أنّ هذا هو الصراط‌ المستقيم‌ الذي‌ يوصل‌ الإنسان‌ بأقصر فاصلة‌ و سبيل‌ و أقصر زمن‌ و أقصر معالجة‌ إلي‌ هذا الهدف‌ العالي‌ والغاية‌ السامية‌، لا أن‌ يبطي‌ في‌ معالجته‌ و يتعثّر و يتكاسل‌ حتّي‌ تطول‌ الفترة‌، فيؤدّي‌ ذلك‌ إلي‌ تشتّت‌ قوي‌ الإنسان‌ و إضعافها، و وضعه‌ علي‌ شفا الموت‌ و الهلاك‌.

الرجوع الي الفهرس

وَ إِنَّهُ و لَكِتَـ'بٌ عَزِيزٌ * لاَّ  يَأْتِيهِ الْبَـ'طِلُ مِن‌ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ  مِنْ خَلْفِه

 وَ إِنَّهُ و لَكِتَـ'بٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الْبَـ'طِلُ مِن‌ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِن‌ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن‌ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقَابٍ أَلِيمٌ * وَ لَوْ جَعَلْنَـ'هُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَاقُوا لَوْ لاَ فُصِّلَتْ ءَايَـ'تُهُ و وَ عَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًي‌ وَ شِفَآءٌ وَ الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ فِي‌´ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًّي‌ أُولَـ'ئِكَ يُنَادُونَ مِن‌ مَّكَانٍ بَعِيدٍ. [10]

 لقد وصفت‌ هذه‌ الآيات القرآن‌ بالعزّة‌: وَ إِنَّهُ و لَكِتَـ'بٌ عَزِيزٌ، و العزيز ضدّ الذليل‌؛ و الذليل‌ هو القابل‌ للتأثّر و الانفعال‌، و يقال‌ لذلّة‌ الحال‌ التأثّر و الانكسار.

الرجوع الي الفهرس

معني‌ عزّة‌ القرآن‌ عدم‌ انفعاله‌ بأيّ! وجه‌، و امتناعه‌ عن‌ الخسران‌

 القرآن‌ عزيز، أي‌ أنّ موضوعاته‌ و أحكامه‌ و محتوياته‌ ليست‌ في‌ معرض‌ الانكسار و البطلان‌ و النسخ‌، و لن‌ يمكن‌ للعلوم‌ البشريّة‌ الانتقاص‌ منه‌، و لن‌ يعتري‌ أحكامه‌ و مواضيعه‌ الوهن‌ و لن‌ يتسّرب‌ إلي‌ فرضيّاته‌ الخلل‌ و البطلان‌ كما في‌ بقيّة‌ الكتب‌.

 لا يأتيه‌ الباطل‌ من‌ بين‌ يديه‌: فما ورد عن‌ السابقين‌ من‌ الانبياء و المرسلين‌، و الاولياء المقرّبين‌، و الحكماء الإلهيّين‌، و العلماء و المؤرّخين‌، و الاطبّاء الروحانيّين‌ و النفسانيّين‌، و الاطباء المادّيّين‌ و الطبيعيّين‌، و الاُمم‌ و الطوائف‌ السالفة‌، و ما بيّنوه‌ إلي‌ زمن‌ آدم‌ أبي‌ البشر؛ فقد وقف‌ القرآن‌ أمام‌ كلّ ذلك‌ ثابتاً دون‌ تأثّر أو انفعال‌، و لن‌ يتمكّن‌ أيّاً منهم‌ من‌ أن‌ يوجّه‌ له‌ نقداً أو طعناً.

 فلقد ورد علي‌ التوراة‌ و الإنجيل‌ الفعليّينِ مئات‌ الانتقادات‌ و الإشكالات‌ العقليّة‌ و النقليّة‌، أظهرت‌ بوضوح‌ تحريفها عنا لوحي‌ السماوي‌ّ الاوّل‌، بالشكل‌ الذي‌ عجز فيه‌ حماتها و مدافعوها عن‌ الإجابة‌، و تراجعوا أذلاّء أمام‌ أسئلة‌ السائلين‌ التي‌ بقيت‌ تنتظر الإجابة‌.

 لذا، فقد خرج‌ هذا الكتابان‌ فعلاً من‌ المجتمعات‌ العلميّة‌ و البحث‌ و الدراسة‌ و التحليل‌، بحيث‌ صارا منزويّين‌ منعزلَين‌ بين‌ زوايا الصوامع‌ و الكنائس‌.

 لقد تخبّط‌ الدين‌ المسيحيّ في‌ مسألة‌ التثليث‌، و لم‌ تذكر التوراة‌ شيئاً عن‌ المعاد، و عزت‌ الفجائع‌ و الدواهي‌ إلي‌ ساحة‌ الانبياء، و ابتُليت‌ مطالبها الواقعيّة‌ بانتقادات‌ العلوم‌ و الاكتشافات‌ و إشكالاتها.

 و يعدّ الإنجيل‌ شرب‌ الخمر حلالاً، لانّه‌ قد عبّر عنه‌ بدم‌! و لا يمكن‌ لمن‌ سار علي‌ نهج‌ التوراة‌ و الإنجيل‌ من‌ الوصول‌ إلي‌ مقام‌ التوحيد، لانّ سيره‌ هذا مخالف‌ لبرنامج‌ التوحيد و تعاليمه‌.

 أمّا القرآن‌ الكريم‌ فهو كتاب‌ عزيز، له‌ مجد و عزّة‌ و كرامة‌، يعامل‌ و يواجه‌ بالعظمة‌ و السيادة‌، و ليس‌ بإمكان‌ أيًّ كان‌ أن‌ ينقد حتّي‌ جزئيّات‌ مضامينه‌ و آياته‌ و قصصه‌، أو أن‌ يعثر في‌ طيّاته‌ علي‌ موضوع‌ يخالف‌ التأريخ‌ و الاكتشافات‌ و نتائج‌ الحفريّات‌ الاثريّة‌، أو يناقض‌ العقل‌ أو القواعد الرياضيّة‌ و النجوم‌ و الهيئة‌ و أمثالها.

 و لا يأتيه‌ الباطل‌ من‌ خلفه‌؛ أي‌ من‌ زمن‌ نزوله‌ إلي‌ يوم‌ القيامة‌، فأيّ بشر شاء أن‌ يرد ميدان‌ المواجهة‌ معه‌، في‌ أيّ علم‌ أو أيّ تجربة‌، فلا مناص‌ له‌ من‌ التسليم‌ بمقام‌ عزّ القرآن‌، لانّ أساسه‌ متين‌ و محكم‌ لا يتغيّر، فُصِّل‌ علي‌ أساس‌ من‌ الثبات‌ و الاستقرار، لانّ علومه‌ لا تستند إلي‌ الحسّ و الخيال‌ لتزول‌ بزوال‌ الحسّ و الخيال‌. و استناداً إلي‌ هذا الاساس‌ الذي‌ بُيِّن‌ فإنّه‌ لم‌ يستفد أحد لحدّ الآن‌ من‌ التقدّم‌ العلميّ المادّيّ و الطبيعيّ و التجريبيّ في‌ الهيئة‌ و النجوم‌ و الطبيعيّات‌، و تسخير النور و الامواج‌ الكهربائيّة‌، و فلق‌ الذرّة‌، والحركة‌ إلي‌ القمر، و بالاستمداد من‌ التقدّم‌ الصناعيّ! وا لطبّيّ المدهش‌، و من‌ سائر العلوم‌، من‌ الابحاث‌ النفسيّة‌ و الحقوقيّة‌، و من‌ العلوم‌ الخارجة‌ عن‌ الطبع‌ و الطبيعة‌، و بالاتّصال‌ بعالم‌ النفس‌، لم‌ يمكنه‌ بهذا كلّه‌ أن‌ يأتي‌ بموضوع‌ أسمي‌ و أفضل‌ من‌ القرآن‌.

 بل‌ كان‌ الكلّ خاضعين‌ خاشعين‌ و مسلّمين‌ معترفين‌ باحتياجهم‌ للقرآن‌، و بأن‌ لا فائدة‌ من‌ التقدّم‌ في‌ هذه‌ العلوم‌ المادّيّة‌ و الطبيعيّة‌ لنجاة‌ البشريّة‌ من‌ سجن‌ الجهل‌، إن‌ تمّ ذلك‌ بمعزل‌ عن‌ متابعة‌ تعاليم‌ القرآن‌ السامية‌، بل‌ سيزيد ذلك‌ الطين‌ بلّة‌ و المشكلة‌ تعقيداً.

 و هذا هو معني‌ عزّة‌ القرآن‌ الذي‌ يمثّل‌ كلام‌ الخالق‌، فهو لا يتراجع‌ و لا يهتزّ أمام‌ المنطق‌ و الفرضيّات‌ التي‌ تواجهه‌، بل‌ هو ثابت‌ راسخ‌، قائم‌ بنفسه‌، دائم‌ علي‌ كرّ الدهور، مضي‌ء كالمصباح‌ المنير في‌ سجن‌ الجهل‌، و كالشمس‌ التي‌ تستوعب‌ العالم‌ وت‌ نيره‌ بأعتها و ضيائها، و هو معني‌ عدم‌ ورود الباطل‌ مِن‌ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ.

 و ليس‌ من‌ منهج‌ القرآن‌ تخويف‌ الناس‌ و إرعابهم‌ باستمرار، فيدفعهم‌ ذلك‌ إلي‌ حافّة‌ القنوط‌، أو ترغيبهم‌ حتّي‌ يصلوا إلي‌ حافّة‌ التمادي‌ و الطغيان‌.

 يقول‌ الله‌ سبحانه‌، بعد الآية‌ السالفة‌:

 مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن‌ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ.

 فلو جئنا بهذا القرآن‌ بلغات‌ مبهمة‌ مضطربة‌ غير مُبيَّنة‌ مليئة‌ بالالغاز و الاحاجي‌، و لو جئنا به‌ بلسان‌ عييّ غير فصيح‌، أو بغير اللسان‌ العربيّ الفصيح‌، لتساءل‌ المغرضون‌: لماذا أُبهمت‌ آياته‌! و لِمَ لَمْ يفصّل‌ مطالبه‌ و يبيّنها؟

 و لقالوا: ما الفائدة‌ من‌ كتاب‌ مجمل‌ غير فصيح‌ لاُناس‌ فصحاء بلغاء؟ قل‌ لهم‌ أيّها النبيّ: كفّوا عن‌ هذه‌ المقولات‌! فلقد جئنا بكتاب‌ لسانه‌ عربيّ مبين‌، لا إبهام‌ فيه‌ و لا ايهام‌، و قد فصّلناه‌ و بيّناه‌.

 و هو كتاب‌ للمؤمنين‌ الذين‌ فتحوا بصائر قلوبهم‌، كتاب‌ هداية‌ و إرشاد للغاية‌ القصوي‌ المنشودة‌ إلي‌ آخر منزل‌ المقصود، و للوصول‌ إلي‌ أعلي‌ درجات‌ الإنسانيّة‌ و نيل‌ مقام‌ التوحيد، و شفاء للامراض‌ العُضال‌ المتراكمة‌.

 أمّا الذين‌ لم‌ يؤمنوا به‌ فقد صُمّت‌ أسماعهم‌ و عُميت‌ قلوبهم‌ و بصائرهم‌، فلم‌ يعد يمكنهم‌ سماع‌ آيات‌ الله‌ أو مشاهدتها.

 فما الذي‌ يجنيه‌ الكفّار بإعراضهم‌ عن‌ القرآن‌ سوي‌ صمم‌ آذان‌ القلوب‌، و عمي‌ البصائر و عجزهما عن‌ الإصغاء و الرؤية‌؟

 أُولئك‌ هم‌ الذين‌ يُنادَون‌ من‌ مكان‌ بعيد، نداء الهداية‌ الإلهيّة‌ يطرق‌ أسماعهم‌ من‌ البعيد، و لا يعدو أن‌ يكون‌ لديهم‌ إلاّت‌ همهمد غير مفهمومة‌؛ علي‌ العكس‌ من‌ المومنين‌ الذين‌ عاشوا بانقيادهم‌ و طاعتهم‌ و تبعيّتهم‌ للقرآن‌ في‌ حرم‌ و حريم‌ القران‌، يستمعون‌ نداءه‌ من‌ مكان‌ قريب‌، فيفهمون‌ ألفاظه‌ و كلماته‌ و جملاته‌، فيأخذون‌ جميع‌ القرآن‌ بحسّهم‌ و عقلهم‌ و وجدانهم‌ و يدركونه‌ و يفهمونه‌ جيّداً.

 يروي‌ الكلينيّ بسنده‌ عن‌ سفيان‌ بن‌ عُيَينة‌، عن‌ الزُّهريّ، قال‌: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لَوْ مَاتَ مَن‌ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، لَمَا اسْتَوْحَشْتُ بَعْدَ أَن‌ يَكُونَ القُرْآنُ مَعِي‌.

 وَ كَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذَا قَرَأَ «مَـ'لِكِ يَوْمِ الدِّينِ» يُكَرِّرُهَا حَتَّي‌ كَادَ أَن‌ يَمُوتَ. [11]

 فالإنسان‌ غنيّ بمعيّة‌ القرآن‌ لانّه‌ حقّ، و متحقّق‌ بالحقّ، و معلّم‌ العلوم‌ الحقيقيّة‌ الحقّة‌؛ و هو بدونه‌ فقير و يبقي‌ فقيراً و إن‌ طالع‌ جميع‌ كتب‌ مكتبات‌ الدنيا، لانّه‌ قد حاد عنا لعلوم‌ الحقيقيّة‌ و الوجدانيّة‌، و ارتمي‌ بين‌ العلوم‌ التخيّليّة‌.

 و يروي‌ الكلينيّ بسنده‌ عن‌ معاوية‌ بن‌ عمّار، قال‌: قال‌ لي‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌: مَن‌ قَرَأ القُرْآنَ فَهُوَ غَنِيُّ وَ لاَ فَقْرَ بَعْدَهُ، وَ إِلاَّ مَا بِهِ غِنَيً. [12]

الرجوع الي الفهرس

في‌ تفسير: لاَ يَمَسَّهُ و إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ

 القرآن‌ كتاب‌ عميق‌ له‌ درجات‌ و مراتب‌، يتزوّد منه‌ الجميع‌ كلُّ بقدر فهمه‌، و يمتلك‌ في‌ الوقت‌ نفسه‌ ظاهراً واضحاً قابلاً لدرك‌ عامّة‌ الناس‌، و باطناً ذا منازل‌ و درجات‌، فكلُّ يمضي‌ فيه‌ إلي‌ درجة‌ و منزلة‌ ما لا يعدوها إلي‌ غيرها من‌ منازل‌ القرآن‌، و لا يفهم‌ معانيه‌ العميقة‌ و بواطنه‌، مضافاً علي‌ ما يتطلّبه‌ فهم‌ باطن‌ القرآن‌ و حقيقته‌ من‌ التزكية‌ و الطهارة‌؛ فحيقة‌ القرآن‌ و عمقه‌ و باطنه‌ ليست‌ ممّا ينال‌ بالمطالعة‌ و القراءة‌ فقط‌:

 فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعُ النُّجُومِ * وَ إِنَّهُ و لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ و لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ * فِي‌ كِتَـ'بٍ مَّكُنُونٍ * لاَ يَمَسَّهُ و إِلاَّ الْمُطَّهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن‌ رَّبِّ الْعَـ'لَمِينَ. [13]

 لذا، فعلي‌ من‌ ينشد الوصول‌ إلي‌ حقيقة‌ القرآن‌ و معانيه‌ العميقة‌ و أسراره‌ الباطنيّة‌ أن‌ يصل‌ أوّلاً إلي‌ حقيقة‌ الطهارة‌ المطلقة‌، و ذلك‌ بمتعابعة‌ و السير علي‌ نهجه‌ و خطّه‌، و يعبور عالم‌ النفس‌ الامّارة‌ ليقع‌ ناظره‌ علي‌ جمال‌ الحضرة‌ الاحديّة‌ و يصل‌ إلي‌ مقام‌ التوحيد المطلق‌.

 أيّ أنّ نفس‌ القرآن‌ و العمل‌ به‌ سيأخذان‌ بيده‌ شيئاً فشيئاً و درجة‌ درجة‌ إلي‌ الاعلي‌ ليفوز بالدرجة‌ العليا و يحظي‌ بالسهم‌ الاوفي‌.

 فالعلم‌ بالقرآن‌ يستوجب‌ العمل‌ به‌، و ذلك‌ العمل‌ يستلزم‌ و يستتبع‌ علماً أعلي‌، ثمّ إنّ ذلك‌ العلم‌ سيورث‌ عملاً أعلي‌، و ذاك‌ العمل‌ الاعلي‌ سيورث‌ علماً أعلي‌، و هلمّ جرّا.

 فكلّ مرتبة‌ من‌ مراتب‌ العلم‌ و العمل‌ في‌ المرتبة‌ الادني‌ تورث‌ العلم‌ و العمل‌ في‌ المرتبة‌ الاعلي‌ حتّي‌ يصلان‌ به‌ إلي‌ العلم‌ المطلق‌ و العمل‌ المطلق‌، أي‌ العلم‌ اللامتناهي‌ و العمل‌ الطاهر الخالص‌ المحض‌ الذي‌ لا تشوبه‌ شائبة‌ من‌ أنانيّة‌ أو هوي‌ أو نزوع‌ إلي‌ غير الله‌ سبحانه‌.

 و هذا هو مقام‌ الفناء في‌ الله‌ تعالي‌ الذي‌ يحصل‌ للعامل‌ بالقرآن‌، و هنا تصبح‌ حقيقة‌ كتاب‌ الله‌ مشهودة‌ و محسوسة‌ و ملموسة‌، فينظر بالعين‌ الإلهيّة‌ إلي‌ كتابه‌، و يسمع‌ بالاُذن‌ الإلهيّة‌ كلامه‌، و يقرأ باللسان‌ الإلهيّ قرآنه‌،ف‌ هنا عبدٌ و لا ربّ، و هو لا يدّعي‌ الربوبيّة‌ و مقامها، بل‌ هنا عبدٌ، هنا محوٌ و إطلاق‌، و لا شي‌ء هنا غير الذات‌ القدسيّة‌ للحضرة‌ الاحديّة‌.

 قطره‌ درياست‌ اگر با درياست‌ ورنه‌ قطره‌ قطره‌ و دريا درياست‌ [14]

 و هذا المقام‌ مختصّ بالمقرّبين‌ إلي‌ مقام‌ الحقّ تعالي‌، و السالكين‌ الواصلين‌، و المحترقين‌ الوالهين‌ الحياري‌؛ أمّا سائر الناس‌ فكلُّ سيستفيد من‌ علوم‌ القرآن‌ بحسب‌ فهمه‌ و قدرته‌ العقليّة‌، و كذلك‌ بقدر تقواه‌ و طهارته‌ المكتسبة‌؛ فمن‌ حاز التقوي‌ و الطهارة‌ قوي‌ عقله‌، و قاده‌ القرآن‌ و أرشده‌ إلي‌ درجة‌ أفضل‌.

 إنّ درجات‌ و مراتب‌ فهما لقرآن‌ أشبه‌ بدرجات‌ سلّم‌ البناء، فللوصول‌ إلي‌ الدرجة‌ الاعلي‌ لابدّ من‌ عبور الدرجة‌ التي‌ تسبقها، و الدرجة‌ الادني‌ هي‌ ممهّد و معدُّ للصعود و الرقيّ إلي‌ الدرجة‌ الاعلي‌، وَ هَكَذَا إلَي‌ أنْ يَصِلَ السَّطْحَ فَهُوَ نُورٌ عَلَي‌ نُورٍ.

 يروي‌ الكلينيّ بإسناده‌ عن‌ جابر، عن‌ الإمام‌ محمّد الباقر عليه‌ السلام‌ أنّه‌ قال‌:

 يَجِي‌ءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي‌ أَحْسَنِ مَنْظُورٍ إلَيْهِ صُورَةً، فَيَمُرُّ بِالمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنَّا.

 فَيُجَاوِزُهُمْ إلَي‌ النَّبِيِّنَ: فَيَقُولُونَ: هُوَ مِنَّا.

 فَيُجَاوِزُهُمْ إلَي‌ المَلاَئِكَةِ المُقَرَّبِينَ؛ فَيَقُولُونَ: هُوَ مِنَّا.

 حَتَّي‌ يَنتَهِي‌ إلَي‌ رَبِّ العِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ: فَيَقُولُ:

 يَا رَبِّ! فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، أَظْمَأْتُ هَوَاجِرَهُ، وَ أَسْهَرْتُ لَيْلَهُ فِي‌ دَارِ الدُّنْيَا! وَ فُلاَنُ بْنُ فُلانٍ، لَمْ أُظْلِمي‌ء هَوَاجِرَهُ؛ وَ لَمْ أُسْهِرْ لَيْلَهُ!

 فَيَقُولُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَي‌: أَدْخِلْهُمُ الجَنَّةَ عَلَي‌ مَنَازِلِهِمْ!

 فَيَقُومُ؛ فَيَتْبَعُونَهُ؛ فَيَقُولُ لِلْمُؤمِنٍ: اقْرَأْ، وَ ارْقَه‌!

 قَالَ: فَيَقْرَأُ وَ يَرْقَي‌ حَتَّي‌ يَبْلُغَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي‌ هِيَ لَهُ فَيَنْزِلُهَا. [15]

الرجوع الي الفهرس

مجموع‌ عدد الآيات القرآنيّة‌

 و يستفاد من‌ هذه‌ الرواية‌، أوّلاً: أنّ منازل‌ الجنّة‌ تقع‌ في‌ درجات‌ و مراتب‌ متباينة‌، و أنّ عددها كثير، بعدد آيات‌ القرآن‌ التي‌ ذكروا أنّها ـ بأعلي‌ التقديرات‌ ـ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و ستّ و ثلاثون‌ آية‌. [16]

 و ثانياً: أنّ هذه‌ المنازل‌ ليست‌ في‌ عرض‌ بعضها، بل‌ هي‌ في‌ طول‌ بعضها البعض‌، فالوصول‌ إلي‌ الدرجة‌ الاعلي‌ يستلزم‌ العبور من‌ الدرجة‌ الادني‌ منها.

 و ثالثاً، أنّ هذه‌ المنازل‌ مرتّبة‌ طبقاً لآيات‌ القرآن‌، فمن‌ حاز حظاً أو فر من‌ الفهم‌ و العلم‌ و الدراية‌ و التلاوة‌ عن‌ تدبّر لآيات‌ القرآن‌، كان‌ نصيبه‌ منزلاً أعلي‌ و أرفع‌.

 فقد وضع‌ الله‌ سبحانه‌ رتب‌ و درجات‌ في‌ الجنّة‌ للعاملين‌ بالقرآن‌ و العالمين‌ العاملين‌ به‌.

 لذا، فقد توجّب‌ علي‌ المؤمن‌ ـ مادام‌ لم‌ يصل‌ إلي‌ حقية‌ القرآن‌ و لم‌ يدرك‌ معانيه‌ الباطنيّة‌ ـ أن‌ لا يهمل‌ شأن‌ قراءته‌ و التدبّر و التفكّر في‌ آياته‌، و أن‌ لا يترك‌ التزكية‌ و تطهير النفس‌ و العبادة‌ الهادفة‌ الموصلة‌، و العمل‌ المنتج‌ المثمر، لينال‌ مراده‌ و يدرك‌ غايته‌.

 يروي‌ الكلينيّ بسنده‌ عن‌ الإمام‌ جعفر الصادق‌ عليه‌ السلام‌، قال‌: يَنْبَغِي‌ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لاَ يَمُوتَ حَتَّي‌ يَتَعَلَّمَ القُرْآنَ أَوْ يَكذونَ فِي‌ تَعْلِيمِهِ. [17]

الرجوع الي الفهرس

في‌ معني‌ قول‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌: إنَّ القرآن‌ حمّالٌ ذو وجوه‌

 نعم‌، يكفي‌ في‌ عظمة‌ القرآن‌ و كلّيّته‌ أن‌ يستدلّ به‌ المستدلّون‌ في‌ كلّ عصر و زمان‌ لإثبات‌ ادّعاءاتهم‌ و يوردونه‌ شاهداً علي‌ صدق‌ أقوالهم‌، مع‌ تباين‌ و اختلاف‌ كلّ تلك‌ الادّعاءات‌ و المواضيع‌ و المقاصد.

 و قد أوصي‌ مولي‌ الموالي‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ عبدالله‌ بن‌ عبّاس‌ حين‌ بعثه‌ للاحتجاج‌ علي‌ الخوارج‌ و إلزامهم‌ أن‌:

 لاَ تُخَاصِمْهُمْ بِالقُرآنِ! فإنَّ القُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ. تَقُولذ وَ يَقُولُونَ! وَ لَكِن‌ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصَاً. [18]

 لقد استدلّ المحقّقون‌ من‌ علماء الرياضيّات‌ و أهل‌ الهيئة‌ القائلون‌ بثبات‌ الارض‌ و سكونها و دوران‌ الشمس‌ حولها، و المعتقدون‌ بأنّ للسيّارات‌ أفلاكاً و تداوير و ممثّلات‌، استدلّوا بالقرآن‌ أنّ: وَ كُلُّ فِي‌ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. [19]

 قال‌ القدماء: إنّ المراد بالفلك‌ كرة‌ مجوّفة‌، سطحها الخارجيّ يقابل‌ السطح‌ الداخليّ لكرة‌ أُخري‌ فوقها، و سطحها الداخليّ يواجه‌ السطح‌ الخارجيّ لكرة‌ أُخري‌ تحتها، و كلّ من‌ السيّارات‌ و القمر مُحكم‌ ثابت‌ في‌ هذا الفلك‌، أي‌ في‌ سمكه‌، لا حركة‌ له‌ أبداً، بل‌ إنّ جرم‌ الفلك‌ هو المتحرّك‌، و في‌ النتيجة‌، فإنّ السيّارات‌ التي‌ هي‌ ثابتة‌ عليه‌ تتحرّك‌ بحركته‌ و تدور.

 و يقول‌ المتأخّرون‌: إنّ المراد بالفلك‌ هو نفس‌ المدار الدائريّ الشكل‌، و لكنّ السيّارات‌ و القمر هي‌ نفسها في‌ حركة‌، و ليس‌ هناك‌.فلاك‌ لها جرم‌ غير نفس‌ أجرام‌ الكواكب‌؛ و إنّ القمر و الشمس‌ و المرّيخ‌ و زحل‌ و المشتري‌ و عطارد و الزهرة‌ و يورانيوس‌ و نبتون‌ و بلوتون‌ ـ حيث‌ اكتشف‌ هذين‌ الاخيرين‌ مؤخّراً ـ هي‌ كواكب‌ و كلُّ منها يشبه‌ كرة‌ سباحة‌ في‌ الفضاء في‌ مدار خاصّ بها، ليس‌ لها وقوف‌ و سكون‌ و لو للحظة‌.

الرجوع الي الفهرس

رسالة‌ القرآن‌ هي‌ بناء الإنسان‌، لا حلّ المسائل‌ العلميّة‌

 لكنّ ما يراه‌ هذا الحقير أنّ القرآن‌ الكريم‌ لم‌ يأت‌ في‌ الاساس‌ لحلّ مثل‌ هذه‌ الاُمور و المسائل‌، فهو كتاب‌ تعليم‌ و تربية‌ و بناء الإنسان‌، و ليس‌ كتاب‌ طبّ و تشريح‌ و هيئة‌ و نجوم‌، و لا كتاب‌ طبيعيّات‌ و رياضيّات‌ و كيمياء و فيزياء.

 و إذا ما أشار في‌ مورد لإرائة‌ الطريق‌ و هداية‌ البشر للصراط‌ المستقيم‌ في‌ مثل‌ هذه‌ الامور، فمع‌ أنّ قوله‌ و بيانه‌ عين‌ الواقع‌ و الصدق‌ المطلق‌، فإنّه‌ لا يشير للامر بشكل‌ يثير الاضطراب‌ بين‌ الناس‌ و يسبّب‌ الصخب‌ و الغوغاء بين‌ علماء العصر؛ و لم‌ يبيّن‌ ما يريد بيانه‌ الاّ بالاعتماد علي‌ القواعد العلميّة‌ التي‌ تؤيّدها التجارب‌ الطويلة‌ الموزونة‌، لاحتمال‌ عدم‌ قبول‌ الناس‌ لما لا تؤيّده‌ التجربة‌ في‌ عصر ما بعد أن‌ يحتاجوا لقبولها إلي‌ البحث‌ الطويل‌ و التديقيق‌ و التحقيق‌ المتمادي‌؛ و قد يفتح‌ القرآن‌ الطريقَ في‌ مثل‌ هذه‌ المواضيع‌، أو يشير إليها دون‌ ذكر الاسباب‌ و الدواعي‌ بشكل‌ صريح‌.

 و قد كانت‌ مسألة‌ حركة‌ الارض‌ من‌ المسائل‌ التي‌ لا تزال‌ مستعصية‌ بالنسبة‌ للكثيرين‌ علي‌ الرغم‌ من‌ جميع‌ الادلّة‌ و البراهين‌ التي‌ أُقيمت‌ عليها؛ إذ لم‌ يتمكّنوا من‌ الوصول‌ بها إلي‌ أبعد من‌ مرحلة‌ الفرضيّات‌، مضافاً علي‌ ذلك‌ فإنّ سكون‌ الارض‌ أمر وجدانيّ، وا لكلّ يري‌ بالوجدان‌ سكون‌ الارض‌ و ثباتها.

 فعلي‌ افتراض‌ أنّ عصر نزول‌ القرآن‌ كان‌ بعد مرور ما يقرب‌ من‌ خمسمائة‌ عام‌ [20] علي‌ هيئة‌ بطليموس‌، و كانت‌ دنيا العلم‌ آنذاك‌ قد أقرّت‌ بسكون‌ الارض‌ و كونها مركز العالم‌، و أنّ الشمس‌ و القمر و السيّارات‌ تدور حول‌ الارض‌؛ فلو قال‌ القرآن‌ صراحة‌؛ إنّ الارض‌ تدور حول‌ الشمس‌، و إنّها متحرّكة‌، و إنّ السكون‌ الذي‌ ترونه‌ ليس‌ إلاّ خيال‌ و وهم‌، فمن‌ الواضح‌ أنّه‌ لم‌ يكن‌ ليمكنه‌ أن‌ يُقيم‌ دليلاً لهذا المدّعي‌ من‌ بندول‌ فوكو [21] و من‌ الشواهد الاُخري‌، إذ إنّ ذلك‌ ليس‌ من‌ صلب‌ رسالته‌ و مهمّته‌، فتكون‌ النتيجة‌ أن‌ يثار الصخب‌ و الضوضاء حول‌ الرسالة‌ من‌ جرّاء هذه‌ المسألة‌ الصغيرة‌، فيؤدّي‌ ذلك‌ إلي‌ عرقلة‌ تطبيق‌ النبيّ للاحكام‌ الإنسانيّة‌ لمئات‌ السنين‌.

 و علي‌ اساس‌ هذا الامر المهمّ و السرّ العظيم‌ نري‌ في‌ الاخبار و الادعية‌ و الروايات‌ تذكيراً بحركة‌ الشمس‌ و سيرها؛ لانّ من‌ يفتح‌ عينيه‌ صباحاً سيري‌ بالبداهة‌ طلوع‌ الشمس‌ من‌ الشرق‌؛ ثمّ حركتها شيئاً فشيئاً حتّي‌ تصل‌ إلي‌ منتصف‌ النهار، ثمّ حركتها تدريجيّاً نحو المغرب‌ حتّي‌ تختفي‌ أخيراً وراء أُفق‌ الغرب‌.

 و إنّما تستند هذا الروايات‌ و الادعية‌ علي‌ المشاهدة‌ الوجدانيّة‌ و الإحساس‌ الفعليّ، و إلاّ فقد كان‌ ينبغي‌ أن‌ يُعرض‌ كلّيّاً عن‌ باب‌ الادعية‌ و بيان‌ عجائب‌ الشمس‌ و حركتها في‌ مدارها فلا يتفوّه‌ بشأنها شيئاً، و هذا الامر واضح‌ و بيّن‌ و معهود للدرجة‌ التي‌ نلاحظ‌ معها أنّ علماء الرياضيّات‌ الكبار و المنجّمين‌ العظام‌ الحاليتين‌ الين‌ أثبتوا حركة‌ الارض‌ قد اعتقدوا بذلك‌، و تراهم‌ يتحدّثون‌ عن‌ حركة‌ الارض‌ في‌ الكتب‌ و المجلاّت‌، لكنّهم‌ حين‌ يريدون‌ إلقاء كلمد أو التحدّث‌ في‌ محيط‌ المنزل‌ يقولون‌: جاءت‌ الشمس‌، ذهبت‌ الشمس‌؛ يقول‌ أحدهم‌: اذهب‌ إلي‌ المدرسة‌ يا بني‌ حين‌ ترتفع‌ الشمس‌ عن‌ الاُفق‌ مقدار قامة‌، و لا يقول‌: اذهب‌ إلي‌ المدرسة‌ حين‌ تدور الارض‌ من‌ جهة‌ الغرب‌ إلي‌ الشرق‌ بمقدار قامة‌! لانّه‌ لو تفوّه‌ بشي‌ء من‌ ذاك‌ لضحكوا منه‌.

 فبيان‌ الصيغ‌ و المعادلات‌ و الاُسلوب‌ العلميّ شي‌ء، و الكلام‌ مع‌ الناس‌، مع‌ الاب‌ و الاُمّ و الابن‌ شي‌ء آخر. لذا تدعي‌ حركة‌ السماء بهذه‌ الكيفيّة‌ بالحركة‌ الظاهريّة‌.

 و علي‌ هذا فقد جاء في‌ دعاء الصباح‌ مثلاً: [22] وَ أَتْقَنَ صُنْعَ الفَلَكِ الدَّوَّارِ فِي‌ مَقَادِير تَبَرُّجِهِ. [23]

 و نستنتج‌ من‌ هذا: أولاً: أن‌ لا نتساءل‌: لماذا لم‌ يرد ذكر الامر الفلانيّ في‌ القرآن‌؟ و لِمَ لَم‌ يُبحث‌ في‌ القرآن‌ عن‌ حركة‌ السفينة‌ الفضائيّة‌؟ و عن‌ فلق‌ الذرّة‌؟ أو عن‌ المثلّثات‌ الكرويّة‌؟

الرجوع الي الفهرس

ليس‌ من‌ الصحيح‌ تطبيق‌ الآيات القرآنيّة‌ علي‌ العلوم‌ العصريّة‌

 و ثانياً: أنّ الذين‌ بذلوا الجهود المضنية‌ في‌ هذا المجال‌ محاولين‌ تطبيق‌ آيات‌ القرآن‌ علي‌ العلوم‌ العصريّة‌، كالمرحوم‌ آية‌ الله‌ السيّد هبة‌ الدين‌ الشهرستانيّ في‌ كتاب‌ «الهئية‌ و الإسلام‌» و الشيخ‌ طنطاوي‌ الجوهريّ في‌ تفسير «الجواهر» لم‌ يسلكوا سبيلاً صحيحاً و صائباً. [24]

 بما أنّ علوم‌ العصر ليست‌ علماً قائماً علي‌ برهان‌ قويم‌، فلا يمكن‌ أن‌ تكون‌ مبيّنة‌ لحقائق‌ الدين‌ و معارفه‌، و لا تستطيع‌ أن‌ تكون‌ سدّاً في‌ طريق‌ الدين‌ و حائلاً دون‌ مسيرته‌، لذا فإنّ من‌ مصلحة‌ هذه‌ العلوم‌ وحامليها أن‌ توظّف‌ في‌ طريق‌ الدين‌ و خدمته‌.

الرجوع الي الفهرس

افتقار النظريّات‌ إلي‌ الثبات‌، و ارتباطها بنظريّات‌ أُخري‌

 و ما هذه‌ العلوم‌ إلاّ نظريّات‌ و فرضيّات‌ و آراء قد أُخذت‌ من‌ تجارب‌ ناقصة‌ و استقراء ناقص‌ غير كامل‌، و هي‌ تعليلات‌ تختلف‌ باختلاف‌ الآراء و وجهات‌ النظر، ينشئونها أحياناً و يرفعونها كما يفعل‌ البنّاء ثمّ يضيفون‌ عليها، و أحياناً أُخري‌ ينقضونها فيهدمونها؛ يثبّتونها و يحكمونها ثمّ يعودون‌ فينقضونها من‌ أساسها. فهي‌ تمثّل‌ في‌ زمن‌ عنوفانها و قبولها أفضل‌ المطالب‌ التي‌ يستشهد بها الناس‌، ثمّ يُعدل‌ عنها و ينكص‌ عن‌ الإيمان‌ بها في‌ الازمان‌ التالية‌، مثلها في‌ ذلك‌ مثل‌ الحرب‌ و الصلح‌ بين‌ طائفتين‌، تغلب‌ اليوم‌ هذه‌ فيُدقّ طبل‌ أمجادها و علوّها إلي‌ عنان‌ السماء، و تعلب‌ في‌ غد تلك‌ فتمرّغ‌ أُنوف‌ دولة‌ خصومها و منافسيها القدماء في‌ تراب‌ الذلّ و الهوان‌.

 نعم‌، فلقد كان‌ لكلٍّ من‌ العليلات‌ و الاسباب‌ الكامنة‌ لنظام‌ الكون‌ و عالم‌ الوجود عصر تتسلّط‌ فيه‌ و تحكم‌ علي‌ الافكار السائدة‌ فيه‌، فتغلب‌ غيرها من‌ الفرضيّات‌ والنظريّات‌، و يتّفق‌ أصحاب‌ النظر و المتخصّصون‌ في‌ ذلك‌ الفنّ أن‌ لا بديل‌ لهذه‌ النظريّة‌ و لا منازع‌؛ و لانّ الناس‌ تابعون‌ للعلماء في‌ كلّ زمان‌ فإنّهم‌ يعتقدون‌ أنّ هذا الاكتشاف‌ و الرأي‌ الجديد من‌ الحقائق‌ الثابتة‌ التي‌ لا تزول‌ أبداً، و أنّ العقول‌ لن‌ تتمخّض‌ عن‌ أفضل‌ منها و أحسن‌، فهي‌ أمر ثابت‌ و خالد أبد الدهر.

 و لكن‌ بمرور زمن‌ غير طويل‌ تري‌ كوكب‌ ذلك‌ الاكتشاف‌ و الرأي‌ يأفل‌، و تألّقهما يخبو وراء الاُفق‌. و حكومتهما و سطوتهما تنهار، وع‌ ند ذلك‌ تحلّ محلّها فرضيّة‌ و نظريّة‌ جديدة‌. و هذه‌ الاُخري‌ لها كسابقتها كرّ و فرّ إلي‌ حين‌، و صولة‌ في‌ الميدان‌، تصول‌ وحيدة‌ فريدد حتّي‌ تخرّ فجأة‌ إلي‌ الارض‌ بالسيف‌ القاطع‌ لنظريّة‌ و فرضيّة‌ ثالثة‌. لقد كان‌ نظام‌ سكون‌ الارض‌ حركة‌ الافلاك‌ مورد قبول‌ و إجماع‌ العلماء ما يقرب‌ من‌ ألفَي‌ سنة‌، و كان‌ معدوداً من‌ العلوم‌ الواضحة‌ و من‌ الاوّليّات‌ و يعتبرون‌ منكره‌ كمنكر و جاحد البديهيّات‌.

 و لقد كُتِبَ في‌ هذه‌ المدّة‌ المديدة‌ عدد لا يُحصي‌ من‌ الكتب‌ بهذا الشأن‌، في‌ أوضاع‌ الفلك‌ و كيفيّتها و عدد المدوّرات‌ و ممثّلاتها، و دُرِّسَ و بُحث‌ في‌ المدارس‌ العلميّة‌، لكنّ عصره‌ انقضي‌ و انهار و جاء بعده‌ نظام‌ حركة‌ الشمس‌ حول‌ الارض‌ و حركة‌ السيّارات‌ حول‌ الشمس‌، و لم‌ تمضِ مدّة‌ طويلة‌ حتّي‌ انهار هو الآخر و جاء نظام‌ حركة‌ الارض‌ و جميع‌ السيّارات‌ حول‌ الشمس‌، والله‌ هو العالم‌ ما هي‌ الفرضيّة‌ التي‌ ستحلّ فيما بعد محلّ هذه‌ الفرضيّة‌ السائدة‌ اليوم‌؟ [25]

الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

 الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـ في‌ نسخة‌ «الكافي‌» بهذا اللفظ‌، أمّا في‌ «المحجّة‌ البيضاء» عن‌ «الكافي‌» فروي‌ بلفظ‌ الاجداث‌ بالجيم‌ المعجمة‌.

[2] ـ «أُصول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 600، الطبعة‌ الحروفيّة‌، المطبعة‌ الحيدريّة‌.

[3] ـ «أُصول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 599.

[4] ـ «أُصول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 600.

[5] ـ يقول‌: «ماذا يضير مَن‌ كان‌ في‌ وجوده‌ الحقّ إن‌ ظلّ في‌ بيته‌ قابعاً؟».

[6] ـ «أُصول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 609.

[7] ـ «نهج‌ البلاغة‌» الخطبة‌ 106، و في‌ طبعة‌ مصر بتعليقة‌ محمّد عبده‌: ج‌ 1، ص‌ 207.

 [8] ـ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» للمولي‌ فتح‌ الله‌، ص‌ 193، الطبعة‌ الحجريّة‌.

[9] ـ «الميزان‌ في‌ تفسير القرآن‌» ج‌ 6، ص‌ 182، عن‌ «الغرر و الدرر» للامديّ.

[10] ـ الآيات‌ 41 إلي‌ 44، من‌ السورة‌ 41: فصّلت‌.

[11] ـ «أُصولُ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 602.

[12] ـ «أُصول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 605.

[13] ـ الآيات‌ 75 إلي‌ 80، من‌ السورة‌ 56: الواقعة‌.

[14] ـ يقول‌: «القطرةُ بحرٌ قد ذابت‌ في‌ البحر، أمّا خارجه‌ فالبحرُ بحر و القطرة‌ قطرة‌».

[15] ـ «أُصُول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 601.

[16] ـ قال‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ قدّس‌ الله‌ نفسه‌ في‌ كتاب‌ «قرآن‌ در اسلام‌» (= القرآن‌ في‌ الاءسلام‌) ص‌ 128، طبعة‌ دار الكتب‌ الاءسلاميّة‌، 1391 هجريّ: واختلفوا في‌ عدد مجموع‌ الآيات‌ علي‌ ستّة‌ أقوال‌ ذكرها أبو عمر الدانيّ («الاءتقان‌» للسيوطيّ ج‌ 1، ص‌ 69)، فقيل‌ ستّة‌ آلاف‌ آية‌، و قيل‌ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و أربع‌ آيات‌، و قيل‌ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و أربع‌ عشرة‌ آية‌، و قيل‌ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و تسع‌ عشرة‌ اية‌، و قيل‌ ستّة‌ الاف‌ و مائتان‌ و أربع‌ عشرة‌ آية‌، و قيل‌ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و تسع‌ عشرة‌ آية‌، و قيل‌ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و خمس‌ و عشرون‌ آية‌، و قيل‌ ستّة‌ آلاف‌ و مائتان‌ و ستّ و ثلاثون‌ آية‌. قولان‌ من‌ هذه‌ الاقوال‌ الستّة‌ لقرّاء أهل‌ المدينة‌، و أربعة‌ أقوال‌ لاربعة‌ قرّاء بقيّة‌ المدن‌ التي‌ كانت‌ لديهم‌ مصحف‌ عثمان‌، و هي‌ مكّة‌ و الكوفة‌ و البصيرة‌ و الشام‌، و كلّ صاحب‌ قول‌ من‌ هذه‌ الاقوال‌ يسند رأيه‌ إلي‌ عصر الصحابة‌، ثمّ يعتبرونها روايات‌ موقوفة‌ فينسبونها إلي‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ و سلّم‌، و من‌ هنا اعتبر الجمهور عدد الآيات‌ و التمييز بينها توقيفيّاً. لاهل‌ المدينة‌ عددان‌ كما ذكرنا أحدهما لابي‌ جعفر يزيد بن‌ القعقاع‌ و شيبة‌ بن‌ نصّاح‌، و الثاني‌ عدد إسماعيل‌ بن‌ جعفر بن‌ أبي‌ كُثَير الانصاريّ؛ و عدد أهل‌ مكّة‌ هو عدد ابن‌ كثير عن‌ مجاهد عن‌ ابن‌ عبّاس‌ بن‌ كعب‌؛ و عدد أهل‌ الكوفة‌ عدد حمزة‌ و الكسائيّ و خلف‌، و يرويه‌ حمزة‌ عن‌ ابن‌ أبي‌ ليلي‌ عن‌ أبي‌ عبدالرحمن‌ السلميّ عن‌ عليّ عليه‌ السلام‌؛ و عدد أهل‌ البصرة‌ عدد عاصم‌ بن‌ العجّاج‌ الجحدريّ؛ و عدد أهل‌ الشام‌ عدد ابن‌ ذكوان‌ و هشام‌ بن‌ عمّار و ينسب‌ إلي‌ أبي‌ الدرداء. و يجب‌ أن‌ يُعلم‌ أنّ الاختلاف‌ في‌ عدد مجموع‌ الآيات‌ لا في‌ زيادتها و نقصانها، لانّ من‌ المسلّم‌ أنّ آية‌ واحدة‌ لم‌ تنقص‌ أو تزيد في‌ القرآن‌ الكريم‌، و لا شبهة‌ في‌ هذا الامر، و هو من‌ المُجمع‌ عليه‌ بين‌ العامّة‌ و الخاصّة‌؛ بل‌ إنّ ذلك‌ لدخول‌ بعض‌ الآيات‌ في‌ البعض‌ الآخر بالشكل‌ الذي‌ يعدّون‌ فيه‌ آيتين‌ علي‌ أنّهما آية‌ واحدة‌؛ أو يعدّون‌ الآيات‌ المقطّعة‌ في‌ أوائل‌ السور آيةً منفصلة‌، و البعض‌ يعدّها مع‌ الآية‌ التي‌ تليها آية‌ واحدة‌ فهذه‌ الاختلافات‌ سبّبت‌ اختلافهم‌ في‌ عدد آيات‌ القرآن‌.

[17] ـ «أُصُول‌ الكافي‌»، ج‌ 2، ص‌ 607؛ و قد وردت‌ الرواية‌ في‌ نسخة‌ «الكافي‌» بهذا اللفظ‌، أمّا في‌ «المحجّة‌ البيضاء» نقلاً عن‌ «الكافي‌» فأوردها بلفظ‌ «في‌ تعلّمه‌».

[18] ـ «نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 2، باب‌ الرسائل‌، الرسالة‌ رقم‌ 77، و في‌ طبعة‌ مصر مع‌ تعليقة‌ محمّد عبده‌: ص‌ 136.

[19] ـ الآيات‌ 38 إلي‌ 40، من‌ السورة‌ 36: يس‌. وَ الشَّمْسُ تَجْرِي‌ لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرٌ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنَـ'هُ مَنَازِلَ حَتَّي‌ عَادَ كَالْعُرْجُونَ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي‌ لَهَا أَن‌ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ الَّيْلُ سَابِقذ النَّهَارِ وَ كُلُّ فِي‌ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.

[20] ـ لعلمنا أنّ بطليموس‌ قد عاش‌ سنة‌ 139 ميلاديّة‌، و كانت‌ ولادة‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ و سلّم‌ سنة‌ 571 ميلاديّة‌، لذا فقد كانت‌ ولادة‌ النبيّ سنة‌ 432 ميلاديّة‌ بعد حياة‌ بطليموس‌، و لانّه‌ بُعث‌ في‌ الاربعين‌ من‌ عمره‌ الشريف‌ و استغرق‌ نزول‌ القرآن‌ 23 سنة‌ فسيكون‌ آخر زمن‌ نزوله‌ 495 سنة‌ بعد بطليموس‌.

[21] ـ ثبت‌ في‌ الميكانيك‌ أنّ مستوي‌ اهتزاز البندول‌ ثابت‌ غير متغيّر و لو دارت‌ نقطة‌ تعليقه‌. و علي‌ هذا القانون‌ عمد فوكو العالم‌ الفيزيائي‌ّ الفرنسيّ سنة‌ 1851 م‌ في‌ باريس‌ إلي‌ عمل‌ بندول‌ عظيم‌ في‌ أحد الابنيّة‌ العليا المسمّاة‌ «بنتيون‌» من‌ كرة‌ ضخمة‌ منا لنحاس‌ وزنها 28 كيلو غراماً، و ربطها بطرف‌ سلك‌ طوله‌ 64 متراً و علّقه‌ تحت‌ قبّة‌ تلك‌ البناية‌، ثمّ أبعد الكرة‌ قدراً من‌ محلّ التعادل‌ و ربطها بحبل‌ قام‌ بإشعاله‌ ليتحرّك‌ البندول‌ لوحده‌ بدون‌ أيّ عامل‌ خارجيّ يزيغه‌ عن‌ الجهة‌ الاصليّة‌، أي‌ عن‌ المستوي‌ الرأسيّ الذي‌ كان‌ فيه‌ التذبذب‌.

 و لانّ فوكو كان‌ قد فرش‌ الارضيّة‌ بالرمل‌، و وضع‌ علي‌ سطح‌ الكرة‌ إبرة‌، فقد شاهد و من‌ كان‌ معه‌ أنّ سطح‌ ذبذبة‌ البندول‌ كان‌ يزوغ‌ بشكل‌ منتظم‌ عن‌ المستوي‌ الرأسيّ الاصليّ من‌ الشرق‌ إلي‌ الغرب‌ حول‌ محور يمرّ ينقطة‌ تعليق‌ البندول‌.

 و قد استنتج‌ فوكو أنّ سبب‌ انحراف‌ سطح‌ البندول‌ هو دوران‌ الارض‌ علي‌ محورها من‌ الغرب‌ إلي‌ الشرق‌. فلو كان‌ البندول‌ معلّقاً في‌ القطب‌، فإنّ مستوي‌ ذبذبته‌ خلال‌ يوم‌ نجوميّ كان‌ سيدور دوراناً كاملاً بالجهة‌ المعاكسة‌ للدوران‌ الظاهريّ للكرة‌ السماويّة‌؛ و لو نُصب‌ البندول‌ عند خطّ الاستواء لكان‌ دورانه‌ صفراً، أي‌ أنّ البندول‌ سيبقي‌ عند خطّ الاستواء في‌ مستوي‌ واحد؛ و كانت‌ درجة‌ انحراف‌ سطح‌ ذبذبة‌ البندول‌ سيبقي‌ عند خطّ الاستواء في‌ مستوي‌ واحد؛ و كانت‌ درجة‌ انحراف‌ سطح‌ ذبذبة‌ البندول‌ في‌ باريس‌ 11 درجة‌ في‌ ساعة‌.

 و لانّه‌ ثبت‌ في‌ الميكانيك‌ أنّ مقدار الانحراف‌ أو الزوغان‌ في‌ مدّة‌ معينّة‌ يتناسب‌ مع‌ جيب‌ عرض‌ المكان‌ أو النقطة‌ التي‌ أُجريت‌ فيها التجربة‌؛ فلو مثّلنا عدد الساعات‌ النجوميّة‌ بحرف‌ (أ)، و إلي‌ عرض‌ مكان‌ التجربة‌ بحرف‌ (ب‌)، فإنّ مقدار زاوية‌ الانحراف‌ (ج‌) في‌ الزمان‌ المفترض‌ تصبح‌:

 ج‌ = أ * جيب‌ زاوية‌ ب‌ * 15 درجة‌.

 و علي‌ هذا فإنّ مدّة‌ الزمن‌ النجوميّة‌ (د) التي‌ ينطبق‌ فيها سطح‌ البندول‌ علي‌ وضعه‌ السابق‌ ستكون‌: د = جيب‌ زاوية‌ ب‌ 24 ساعة‌ نجوميّة‌

 و لانّنا نعلم‌ أنّ جيب‌ زاوية‌ 90 درجة‌ يساوي‌ واحداً، و أنّ جيب‌ زاوية‌ صفر يساوي‌ صفراً، فإنّ مقدار الزمن‌ اللازم‌ لدورة‌ كاملة‌ للبندول‌ المتحرّك‌ في‌ القطب‌ 24 ساعة‌ نجوميّة‌، و في‌ خطّ الاستواء صفراً. («تاريخ‌ نجوم‌ اسلامي‌» لنلّينو الاءيطالي‌، ترجمة‌ أحمد آرام‌ بالفارسيّة‌، ص‌ 314 و 315). و قد أجري‌ الميرزا غلام‌ حسين‌ خان‌ رهنما سنة‌ 1314 هجريّة‌ شمسيّة‌ تجربة‌ فوكو في‌ مسجد سبهسالار في‌ طهران‌.

[22] ـ روي‌ المجلسيّ دعاء الصباح‌ في‌ «بحار الانوار» ج‌ 18، ص‌ 606، كتاب‌ الصلاة‌، في‌ باب‌ نافلة‌ الفجر و كيفيّتها و تعقيبها، طبعة‌ الكمبانيّ، عن‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السّلام‌، و قال‌: و كان‌ عليه‌ السلام‌ يدعو به‌ بعد نافلة‌ الصبح‌، ثمّ يقول‌ في‌ بيانه‌ في‌ خاتمة‌ الدعاء: و هذا الدعاء من‌ الادعية‌ المشهورة‌، و لم‌ أعثر عليه‌ في‌ الكتب‌ المعتبرة‌ إلاّ في‌ «مصباح‌ السيّد ابن‌ باقي‌» و كذلك‌ عثرت‌ علي‌ نسخة‌ منه‌ قرأها مولانا الدرويش‌ محمّد الاصفهانيّ، و هو جدّ أبي‌ لاُمّي‌، علي‌ العلاّمة‌ نور الدين‌ عليّ بن‌ عبدالعالي‌ الكركيّ، و أجاز لجديّ قراءتها.

 و أورد المرحوم‌ المجلسيّ هذا الدعاء أيضاً في‌ كتاب‌ دعاء «البحار».

[23] ـ يجب‌ العلم‌ أنّ الفلك‌ بمعني‌ المدار، كما جاء في‌ القرآن‌ الكريم‌ أنّ الشمس‌ و القمر و الليل‌ وا لنهار يسبح‌ كلُّ منها في‌ فلك‌، أي‌ في‌ مدار خاصّ (الآيات‌ 38 إلي‌ 40، من‌ السورة‌ 36: ي´س‌): وَ الشَّمْسُ تَجْرِي‌ لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَّ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَ القَمَرَ قَدَّرْنَـ'ه‌ مَنَازِلِ حَتَّي‌ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي‌ لَهَا أَن‌ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَ كُلُّ فِي‌ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.

 أمّا في‌ هيئة‌ بطليموس‌ فالفلك‌ هو جسم‌ صلد كرويّ! الشكل‌ سُمّرت‌ فيه‌ الكواكب‌ و النجوم‌، و هذا الجسم‌ الكرويّ يتحرّك‌ مع‌ مجموعة‌ النجوم‌ التي‌ في‌ داخله‌؛ و لم‌ تكن‌ لفظة‌ «فَلَك‌» الواردة‌ في‌ الدعاء بمعني‌ الجسم‌ الكرويّ، و لم‌ ترد كلمة‌ التبرّج‌ في‌ اللغة‌ بمعني‌ كونه‌ أبراجاً، بل‌ هو من‌ إظهار الزينة‌ و المحاسن‌. و علي‌ هذا فإنّ معني‌ هذه‌ الفقرة‌ من‌ الدعاء المبارك‌ هو: أنّ الله‌ قد أتقن‌ و أحكم‌ هذه‌ المدارات‌ العجيبة‌ في‌ السماء التي‌ يدور فيها عدد معيّن‌ من‌ النجوم‌.

[24] ـ القرآن‌ هو عين‌ العلم‌ والحقيقة‌، و ليس‌ في‌ إمكان‌ العلم‌ و قدرته‌ أن‌ يشتبك‌ معه‌ مُخاصماً، بل‌ هو معه‌ دوماً رفيقاً يبيّن‌ معضلاته‌ و يشرح‌ كلّيّاته‌،؛ بخلاف‌ الحديث‌، فكلّ رواية‌ و حديث‌ يخالف‌ العلم‌ أو يخالف‌ القرآن‌ فهو مردود قبل‌ الرجوع‌ إلي‌ سنده‌، و كلّما ازاداد له‌ مخالفة‌ ازداد ضعفاً. و للشيخ‌ محمود أبو ريّة‌ في‌ كتاب‌ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 393 و 394، الطبعة‌ الثانية‌، كلام‌ يستلفت‌ النظر في‌ هذا الشأن‌، نورده‌ هنا عنه‌؛ يقول‌:

 كان‌ أحد الشيوخ‌ الازهريّين‌ قد أخذ علي‌ العلاّمة‌ السيّد رشيد رضا أنّه‌ انتقد كعب‌ الاحبار و وهب‌ بن‌ منبّه‌ و أظهر عدما لثقة‌ بروايتهما. فأجاب‌ رحمه‌ الله‌ يردّ طويل‌ ممتع‌ مفحم‌ ننقل‌ منه‌ ما يلي‌: إذا سلّمنا أنّ كلّ من‌ وثّقه‌ جمهور المتقدّمين‌ فهو ثقة‌ ـ و إن‌ ظهر خلاف‌ ذلك‌ بالدليل‌ ـ نفتح‌ باباً للطعن‌ في‌ أنفسنا بنبذ الدليل‌ و الاخذ في‌ مقدّماته‌ بالتقليد، و مخالفة‌ هداية‌ القرآنا لمجيد. و بعد أن‌ بيّن‌ أنّ نقد رواة‌ الحديث‌ قد بحث‌ فيه‌ رجال‌ الجرح‌ و التعديل‌، قال‌: أمّا تمحيص‌ متون‌ الروايات‌ و موافقتها أو مخالفتها للحقّ و الواقع‌ و للاُصول‌ أو الفروع‌ الدينيّة‌ القطعيّة‌ أو الراجحة‌ و غيرها، فليس‌ من‌ صناعتهم‌، (أي‌ رجال‌ الحديث‌)، و يقلّ الباحثون‌ فيه‌ منهم‌؛ و من‌ تعرّض‌ له‌ منهم‌ ـ كالاءمام‌ أحمد و البخاري‌ّ ـ لم‌ يوفه‌ حقّه‌، كما تراه‌ فيما يورده‌ الحافظ‌ ابن‌ حجر في‌ التعارض‌ بين‌ الروايات‌ الصحيحة‌ له‌ و لغيره‌، و منه‌ ما كان‌ يتعذّر عليهم‌ العلم‌ بموافقته‌ أو مخالفته‌ للواقع‌ كظاهر حديث‌ أبي‌ ذرّ عند الشيخين‌ و غيرهما: أين‌ تكون‌ الشمس‌ بعد غروبها؟ فقد كان‌ المتبادر منه‌ للمتقدّمين‌ أن‌ الشمس‌ تغيب‌ عن‌ الارض‌ كلّها و ينقطع‌ نورها عنها مدّة‌ الليل‌! إذ تكون‌ تحت‌ العرش‌ تنتظر الاءذن‌ لها بالطلوع‌ ثانية‌!! و قد صار من‌ المعلوم‌ القطعيّ لمئات‌ الملايين‌ من‌ البشر أنّ الشمس‌ لا تغيب‌ عن‌ الارض‌ في‌ أثناء الليل‌، و إنّما تغيب‌ عن‌ بعض‌ الاقطار و تطلع‌ علي‌ غيرها، فنهارنا ليل‌ عند غيرنا، و ليلنا نهار عندهم‌، كما هو المتبادر من‌ قوله‌ تعالي‌: يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَي‌ النَّهَارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَي‌ الَّيْلِ، و في‌ قوله‌: يُغْشِي‌ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ و حَثِيثًا.

[25] ـ لقد عمد بطليموس‌ بطل‌ فرضيّة‌ حركلة‌ الافلاك‌ و المدوّرات‌، كما ذكر نفسه‌ في‌ «التحرير المجسطيّ» في‌ سنة‌ 885 بعد بخت‌ نصر، و سنة‌ 451 بعد موت‌ الاءسكندر إلي‌ جمع‌ مجسطيّ، و باعتبار أنّ تحديد زمن‌ ذلك‌ هو 139 ميلاديّة‌، و أنّنا الآن‌ في‌ سنة‌ 1409 ه ق‌ و 1367 ه ش‌ و 1988 م‌، فقد مرّ علي‌ ذلك‌ 1849 سنة‌.

الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

 الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com