بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب الشمس الساطعة / القسم التاسع: ، النعم المادیة و المعنویة لا یمکن ان تکون قسریة دائما، کیفیة نزول الوحی علی رسول الله ...

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

في‌ البيان‌ الوارد في‌ «الفتوحات‌ المكيّة‌» في‌ بقاء الاعيان‌ الثابتة‌ حال‌ الفناء

مسألة‌ بقاء العين‌ الثابتة‌ موجودة‌ في‌ بعض‌ كلمات‌ مُحيي‌ الدين‌ أيضاً، فهناك‌ في‌ «الفتوحات‌ المكيّة‌» إشارةٌ ما الی انّ عدم‌ زوال‌ الاعيان‌ الثابتة‌ للموجودات‌ التي‌ تفني‌ في‌ الحقّ، و انّ الزائل‌ هو وجودها، و حقيقة‌ وجودها التي‌ كانت‌ متحقّقة‌ بها في‌ الخارج‌؛ و الاّ فانّ العين‌ الثابتة‌ باقية‌. و هذا الفاني‌ (الذي‌ هو عبارة‌ عن‌ الحقّ) هو زيدٌ الذي‌ ضاع‌ حسب‌ تعيرنا، و هو أمر منسجمٌ لا إشكال‌ فيه‌. و لا يمكن‌ القول‌ بأنّ العين‌ الثابتة‌ موجودة‌ في‌ الحقّ.

 و نقول‌ إجمالاً: انّ العين‌ الثابتة‌ موجودة‌، و انّ زيداً ذا العين‌ الثابتة‌ الموجودة‌ قد فني‌ في‌ الحقّ.

 انّكم‌ مهما درتم‌ في‌ السبل‌، و من‌ أي‌ طريق‌ أتيتم‌ فأتممتم‌ هذه‌ المسألة‌، فانّ لدينا ضميراً هنا يجب‌ الإشارة‌ اليه‌.

 صحيحٌ أن‌ ليس‌ هناك‌ من‌ ضميرٍ في‌ ذات‌ الحقّ؛ و انّ  لاَ هُوَ إِلاَّ هُوَ  و  مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ  صحيحان‌ كلاهما؛ و لو قلتم‌ بأنه‌ ليس‌ هناك‌ من‌ زيد في‌  وَ لَكِنَّ اللَهَ رَمَي‌، و لذا فليس‌ لدينا «فني‌ زيد» و ليس‌ لدينا من‌ زيد ليفني‌.

 و لو قلتم‌: لدق‌ كان‌ زيد موجود وقتاً ما، امّا الآن‌ فليس‌ موجوداً؛ لذا فان‌ زيد لم‌ يفنَ، لان‌ جملة‌ «فني‌ زيد» لها ضمير. و هذه‌ المشكلة‌ يجب‌ علاجها. انظروا الی الكثرة‌! و انظروا الی الوحدة‌! أينما أحببتم‌ النظر فإنّ ذلك‌ الضمير سيحتاج‌ مرجعاً في‌ نهاية‌ الامر، و عليكم‌ أن‌ تشيروا اليه‌؛ بينما لا يمكنكم‌ الإشارة‌ اليه‌.

 لا تقولوا: فليس‌ من‌ فناءٍ اذاً؛ بلي‌، ليس‌ من‌ فناءٍ بهذا المعني‌؛ أمّا الفناء الموجود في‌ جملة‌ «فني‌ زيد» الذي‌ عينه‌ الثابتة‌ محفوظة‌، فموجود، و لا تفاوت‌ في‌ الامر بين‌ الفناء في‌ الصفات‌ و الاسماء و الفناء في‌ الذات‌.

 و علی كلّ حال‌ فان‌ الضمير يحتاج‌ مرجعاً، و العين‌ الثابتة‌ يجب‌ ان‌ تكون‌ باقية‌. و حين‌ نقول‌ في‌ كلّ الاحوال‌ و في‌ كلّ مرحلة‌ للفناء: «انّ الموجود الفلاني‌ قد فني‌ في‌ الحقّ»، فانّ هذا الموجود له‌ ضمير يجب‌ بيان‌ مرجعه‌، و هو تلك‌ العين‌ الثابتة‌ التي‌ كان‌ لها سابقاً وجود و مضاف‌ اليه‌، ففقدت‌ الآن‌ وجودها بسبب‌ الفناء الذي‌ حصل‌ لها، الاّ انّ عينها الثابتة‌ لا تزول‌.

 الرجوع الي الفهرس

 في‌ تبديل‌ و تبدّل‌ الهويّات‌ مثل‌ تحوّل‌ دودة‌ الماء بعوضة‌؛ و معني‌ الكريمة‌ الشريفة‌:  لِمَنِ الْمُلْكَ الْيَوْمَ لِلَهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

   التلميذ:  هل‌ قولنا «صار لدودة‌ الماء أجنحة‌ فحلّقت‌ في‌ السماء «صحيح‌ أم‌ لا؟ ذلك‌ انّ الديوان‌ التي‌ تولد في‌ المياه‌ الراكدة‌ تظهر لها أجنحة‌ و تنحوّل‌ بعوضاً فتخلّق‌ في‌ السماء. أفحلّقت‌ هذه‌ الديوان‌ ـ يا تري‌ ـ في‌ حالتها الدوديّة‌، أم‌ حين‌ اكتسبت‌ أجنحة‌ و صارت‌ بعوضاً؟ بالطبع‌ انّها حلّقت‌ حين‌ صارت‌ بعوضاً. الاّ أنّ من‌ الجليّ انّ قولنا في‌ هذه‌ الجملة‌ «ظهر للدودة‌ أجنحة‌ فطارت‌» تعبيرٌ مسامحٌ فيه‌، ذلك‌ لانّ الدودة‌ لا تطير حال‌ كونها دودة‌.

 «طارت‌ الدودة‌» يعني‌ انّ ما كان‌ سابقاً دودة‌، قد طار الآن‌، فقد تبدّل‌ الی ماهيّة‌ طائرة‌ فطار و حلّق‌.

 «فني‌ زيد في‌الحقّ» يعني‌ انّ من‌ كان‌ له‌ قبل‌ الفناء عيناً ثابتة‌ وز يديّة‌ زيد و هويّة‌ إنسانيّة‌، قد غيّر وجوده‌ فورد من‌ عالم‌ التعيّن‌ و الوجود الی عالم‌ الإطلاق‌ و العدم‌، أي‌ أنّه‌ زال‌ و امّحي‌.

 فذلك‌ الضمير ليس‌ راجعاً ـ من‌ ثمّ ـ الی زيد؛ فالحقّ هو الحقّ، لا انّ زيداً هو الحقّ.

 و كما انّ الدودة‌ كانت‌ دودة‌، أمّا الآن‌ فالبعوضة‌ بعوضة‌؛ بحيث‌ لو قلنا «طارت‌ الدودة‌» لكان‌ ذلك‌ مسامحة‌ منّا؛ إذ الدودة‌ لا تقدر علی الطيران‌، و الجميع‌ يعلم‌ انّ هذا التعبير علی نحو التجريد. أي‌ انّ ذلك‌ الموجود الذي‌ كان‌ يمتلك‌ تعيّناً دوديّاً، قد طار بعد أن‌ تجرّد من‌ تلك‌ الماهيّة‌ الدوديّة‌ و تلبّس‌ بماهيّة‌ الطائر.

 فكذلك‌ انّ زيداً في‌ حال‌ الفناء ليس‌ بزيد، بل‌ هو ذلك‌ الوجود المطلق‌ البسيط‌، ذلك‌ الوجود المطلق‌ البسيط‌ الذي‌ أطلقنا عليه‌ اسم‌ زيد، و تخيّلناه‌ متعيّناً بهذا الحدّ، و ها نحن‌ قد حطّمنا الآن‌ هذا الحدّ، و وردنا في‌ خضمّ بحر الإطلاق‌ الواسع‌. فليس‌ لدينا ـ و الحال‌ هذه‌ ـ من‌ حدٍّ لندعوه‌ زيداً، و ليس‌ لدينا من‌ إنيّة‌ و لا هويّة‌.

 لِمَنِ الْمُلكُ الْيَوْمَ لِلَهِ الوَاحِدِ الْقَهَّارِ. [1]

 هناك‌ الالوهيّة‌ و الإنيّة‌ و السلطان‌ مختصّة‌ بالله‌ تعالي‌؛ الله‌ الواحد القهّار الذي‌ يسحق‌ جميع‌ الإنيّات‌، و يدكّ جميع‌ الهويّات‌؛ و الذي‌ وحدته‌ ملازمة‌ لقهّاريته‌.

 انّنا لا نستطيع‌ إنكار الفناء في‌ ذات‌ الله‌، كما لا يمكننا تغيير معني‌ الفناء، و لا أن‌ نتصوّر انّ زيديّة‌ زيد و عينه‌ الثابتة‌ قد وردنا في‌ ذات‌ الحقّ القدسيّة‌، بيد اننا نقول‌ في‌ نفس‌ الوقت‌: «فني‌ زيد في‌ الحقّ».

 حسناً جداً، فليكن‌ في‌ عُهدتكم‌ تشخيص‌ مرجع‌ ضمير زيد، و تعيين‌ محلّ عينه‌ الثابتة‌. فأنتم‌ تقولون‌ انّ له‌ عيناً ثابتة‌، امّا نحن‌ فقد ذكرنا انّها تتحطّم‌ و تندكّ عند الفناء في‌ ذات‌ الحقّ، فلا يبقي‌ له‌ عين‌ و لا أثر و لا إسم‌ و لا رسم‌.

 هل‌ معرفة‌ الله‌ ممكنة‌ للبشر أم‌ لا؟ بلي‌، هي‌ ممكنة‌ لعباد الله‌ المخلَصين‌. سُبْحَـ'نَ اللَهِ عَمَّا يَصِفُونَ  إِلاَّ عِبَادَ اللَهِ الْمُخلَصِينَ.[2]

 و هل‌ المعرفة‌ التامّة‌ ممكنة‌ بدون‌ الفناء أم‌ لا؟ أبداً، ليست‌ ممكنة‌، لانّ هناك‌ الغيريّة‌ و الانانيّة‌ حال‌ غير الفناء، و كيف‌ يمكن‌ لغيرالله‌ أن‌ يعرف‌ الله‌؟

 و مهما أخذنا من‌ درجة‌ من‌ درجات‌ ما دون‌ الفناء، فانّ المعرفة‌ بذات‌ الحقّ ستكون‌ نسبيّة‌، و ستكون‌ المعرفة‌ الحقّة‌ غير حاصلة‌.

 و لو سألنا زيداً حال‌ الفناء: من‌ أنت‌؟ فماذا سيجيب‌؟ أيجيب‌: أنا زيد؟ أيجيب‌: أنا الحقّ؟ أبدا أبداً!

 انّه‌ لن‌ يجيب‌ أصلاً، لانّنا انّما نسأل‌ زيداً، و زيد فانٍ حال‌ الفناء، فليس‌ هناك‌ من‌ زيد.

 هنا تخرس‌ الالسن‌ و تصمّ الاسماع‌، و يُجيب‌ الله‌ بعزّته‌ و عظمته‌:

 لِلَّهِ الْوَاحِدِ القَهَّارِ.  يقول‌: الحقّ حقٌ.

 و لقد تفضّلتم‌ سماحتكم‌: كان‌ هناك‌ درويش‌ يسير في‌ تبريز، فيمرّ علی السوق‌ و الازقّة‌ و هو يرّدد باستمرار: «وِي‌ جويم‌ وِي‌ جويم‌ = أبحث‌ عنه‌ أبحث‌ عنه‌»، و استمرّ علی هذا الموال‌ مدّة‌، ثم‌ انّه‌ كان‌ يقول‌: «خود جويم‌ خود جويم‌ = أبحث‌ عن‌ نفسي‌ أبحث‌ عن‌ نفسي‌» فما الذي‌ يعنيه‌؟ أليس‌ معني‌ ذلك‌ أنّه‌ كان‌ يبحث‌ عن‌ الله‌، ثم‌ انّه‌ بعد نيل‌ مُناه‌ و حصول‌ حال‌ الفناء، قد أضاع‌ نفسه‌، فكان‌ يبحث‌ عنها باستمرار عسي‌ أن‌ يجد لها عيناً أو أثراً،  وَ هَيْهَاتَ وَ أَنَّيَ لَه‌ ذَلِكَ، فليس‌ ذلك‌ ممكناً حال‌ الفناء، اللهمّ الاّ إذا عاد ثانيةً و رجع‌ الی عالم‌ البقاء.

 لقد كان‌ لزيد إسماً و ماهيّة‌ و حدوداً شخصيّة‌، فزال‌ الحدّ و اتّسع‌ وجود زيد تدريجاً و تخطّي‌ الحدّ (لا الوجود)، ثم‌ فقد حدّه‌ و اكتسب‌ لنفسه‌ حدّاً أكبر، ثم‌ فقده‌ و اتّخذ حدّاً أكبر، حتّي‌ فقد في‌ النهاية‌ جميع‌ الحدود و تخلّي‌ عن‌ الرداء، و ورد في‌ مكانٍ بلاحدّ، فليس‌ هناك‌ من‌ حدّ و لا اسم‌، و ليس‌ هناك‌ ـ من‌ ثمّ ـ من‌ زيد.

 العلاّمة‌:  انّ جملة‌ «صارت‌ الدودة‌ بعوضةً و طارت‌» يحتاج‌ ضميرها هو الآخر الی مرجع‌، و أخيراً فليس‌ في‌ الإمكان‌ تكوين‌ جملة‌ دون‌ مرجع‌ للضمير و الاّت‌ لما استقرّت‌ النسبة‌، و ذلك‌ المرجع‌ يجب‌ الإشارة‌ اليه‌.

 فإن‌ كان‌ معني‌ الفناء في‌ ذات‌ الحقّ، أن‌ يوجد الحقّ فحسب‌، و كان‌ زيد غير موجود بأي‌ّ كيفيّة‌؛ فقد زالت‌ ـ إذاً ـ عينه‌ الثابتة‌، و لن‌ يمكن‌ تسمية‌ الفناء حينذاك‌ فناءً، و لا أن‌ يُقال‌ «فني‌ زيد».

 الموجود في‌ هذه‌ الحال‌ هو الحقّ تبارك‌ و تعالي‌؛ و لانّه‌ الحقّ، فانّنا لانعلم‌ بعدُ أين‌ صار الشي‌ء الذي‌ فني‌ فيه‌.

 امّا حاصل‌ المعرفة‌ بالله‌ تبارك‌ و تعالي‌، فهو أن‌ تقول‌: انّ هذا الموجود «زيداً» الذي‌ كان‌  منسوباً للحقّ و قائماً بالحقّ، قد زال‌ ذلك‌ الجزء من‌ قيامه‌ بالحقّ، فلم‌ يبقَ الاّ الحقّ.

 أي‌ انّه‌ يمكن‌ القبول‌ بقول‌: «زيدٌ حقٌ»، اما القول‌: لم‌ يبقَ الاّ الحقّ، وو بأن‌ ضمير زيد قد زال‌، فأمر لايبدو صحيحاً بحسب‌ الظاهر.

 امّا معرفة‌ الحقّ في‌ حال‌ الفناء، فأمر ممكن‌ سواءً لعباد الله‌ المخلَصين‌ و المقرّبين‌، و لا كلام‌ لنا فيه‌، و هو أمر في‌ غاية‌ الصواب‌؛ الاّ انّنا مهما تلفّتنا و من‌ أي‌ سبيلٍ وردنا فانّ ضمير زيد هذا لا يزول‌؛ و ذلك‌ لانّ زيداً هذا قد فني‌، و صار زيدٌ «هو»، أي‌ ان‌ «هو» صار قائماً مقام‌ زيد، فلا شي‌ء الاّ «هو».

 أمّا أين‌ ذهب‌ زيد، فهو ما لا نستطيع‌ قوله‌.

 و لو سألنا زيداً: من‌ أنت‌؟ فانّه‌ لن‌ يقول‌: أنا زيد؛ بل‌ سيقول‌ أنا الحقّ.

 و كان‌ قصد ذلك‌ الدرويش‌ من‌ قوله‌ «خود جويم‌ = أبحث‌ عن‌ نفسي‌»: أبحث‌ عن‌ الحقّ تبارك‌ و تعالي‌.

 الرجوع الي الفهرس

 

في‌ حقيقة‌ معني‌ آية‌:  وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ

 و آنذاك‌ فأيّ موقع‌ يمكن‌ فرضه‌ لزيد حينما نقول‌: فني‌ زيد في‌ الحقّ تعالي‌؟ لقد عبرّ القرآن‌ بهذه‌ العبارة‌:  وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.

 التلميذ:  إن‌ قلنا بأنّ معرفة‌ ذات‌ الحقّ ممكنة‌ للبشر، و أنّ معني‌ الفناء العدم‌ المطلق‌، و أنّ معرفة‌ الحقّ ـ حقّ المعرفة‌ ـ غير ممكنة‌ بدون‌ الفناء، و أنّ مراتب‌ المعرفة‌ الادني‌ من‌ الفناء نسبيّة‌.

 و مع‌ علمنا من‌ جهة‌ أُخري‌ بأن‌ ليس‌ هناك‌ من‌ تعيّن‌ يرد في‌ ذات‌ الحقّ، لانّه‌ سيستلزم‌ التجزئة‌،  وَ جَلَّ جَنَابُ الحَقِّ   أَنْ يَكُونَ مَثَارًا لِلْكَثْرَةِ وَ التَّعيُّنِ، وَ لاَ هُوَ إِلاَّ هُوَ.

 و ليس‌ من‌ شي‌ء ـ الاّ الحقّ ـ متصوّر في‌ ذات‌ الحقّ المقدّسة‌ ليقول‌: لا شي‌ء الاّ الحقّ. فيكف‌ سيمكن‌ الجمع‌ في‌ هذه‌ الحال‌ بين‌ هذه‌ المسائل‌ العديدة‌؟

 اننا لا نستطيع‌ القول‌ بوجهٍ من‌ الوجوه‌: صار زيدٌ الحقَّ؛ فيعود الضمير الی التعيّن‌، و التعيّن‌ خلاف‌ الإطلاق‌، و الحقّ تعالي‌ مطلقٌ و في‌ أعلي‌ درجات‌ الإطلاق‌. فذلك‌ الموجود الفاني‌ في‌ الحقّ حين‌ كان‌ له‌ تعيّن‌ و كان‌ زيداً، فانّه‌ لم‌ يكن‌ قد فني‌ بعدُ، أمّا حين‌ فني‌ فانّه‌ لم‌ يعد زيداً و لم‌ يعد ذا تعيّن‌؛ تماماً كقولنا: عُدم‌ زيد و هلك‌ و فني‌ و اضمحلّ.

 و صحيحٌ انّ الضمير في‌الفعل‌ يحتاج‌ الی مرجع‌ في‌ كلّ الاحوال‌، الاّ انّه‌ ليس‌ ضروريّا أن‌ يكون‌ مرجعه‌ تلك‌ العين‌ الثابتة‌

  و ماذا سنفعل‌ ـ يا تري‌ ـ في‌ القضايا التي‌ ليس‌ لموضوعاتها عين‌ ثابتد، كقولنا «اجتماع‌ النقيضين‌ محال‌» أو «شريك‌ الباري‌ معدوم‌»؟ و الی أي‌ّ شي‌ء سنُرجع‌ الضمير؟

 اننا نُرجعه‌ الی مفهوم‌ من‌ جمع‌ النقيضتين‌ و الی مفهوم‌ من‌ شريك‌ الباري‌، نفترضه‌ و نتصوّر تحقّقه‌ في‌ الخارج‌، ثم‌ نحكم‌ باستحالته‌ و انعدامه‌؛ فنحن‌ كذلك‌ نقول‌ هنا: انّ ذلك‌ الفرد من‌ الماهيّة‌ الإنسانيّة‌ الذي‌ كان‌ له‌ تشخّص‌ الزيديّة‌، و ذلك‌ المفهوم‌ الذي‌ كان‌ قد ارتدي‌ رداء الزيديّة‌ و تعيّنها قد فني‌. أي‌ انّه‌ فقد التعيّن‌ و خلع‌ رداء الوجود، فلم‌ يبقَ الاّت‌ مفهوماً صرفاً و من‌ الجليّ! انّ مجرّد المفاهيم‌ و الماهيّات‌ غير متلبّس‌ بالوجود، خصوصاً علی مذاق‌ أصالة‌ الوجود، فهي‌ ليست‌ الاّ محض‌ اعتبار و عدم‌.

 و لدينا لكلّ واحد من‌ أمثلة‌ الحمل‌ التي‌ ذكرناها: «طارت‌ الدودة‌» و «احترقت‌ الفراشة‌» شبيهٌ و نظير.

 افرضوا انّ هناك‌ كومةً من‌ النار، نار متالئة‌، فتلقي‌ الفراشة‌ بنفسها في‌ النار و تحترق‌ و تسحيل‌ ناراً، و تصبح‌ مطلقة‌، و تستحيل‌ نوراً؛ فنقول‌: احترقت‌ الفراشة‌ و استحالت‌ ناراً.

 أين‌ الفراشة‌؟ أين‌ عينها الثابتة‌؟ لقد كانت‌ الفراشة‌ فراشةً حين‌ لم‌ تكن‌ قد سقطت‌ في‌ النار بُعد؛ امّا حين‌ هوت‌ في‌ النار فاستحالت‌ ناراً، فليست‌ فراشة‌ ناريّة‌، بل‌ هي‌ نار محضة‌. فمن‌ نظر الی النار سيقول‌: النارُ هي‌ النار.

 انّ الفراشة‌ ـ اذاً ـ كانت‌ تُدعي‌ فراشة‌ مادامت‌ لم‌ تقترب‌ من‌ حريم‌ النار، و كانت‌ تمتلك‌ عيناً و أثراً، و خصائص‌ و آثار، و نفساً و عيناً ثابتة‌، و كان‌ اسمها و رسمها كذا و كذا. امّا حين‌ استحالت‌ ناراً، فاننا لايمكننا ـ من‌ ثَمّ ـ اطلاق‌ اسم‌ الفراشة‌ عليها، إذ ليس‌ من‌ اسم‌ و رسم‌، و لا من‌ تعيّن‌ أو عين‌ أو أثر منها. و مهما نظرنا فانّ هناك‌ ناراً لا غير. هناك‌ شغلة‌ النار، و نور النار و سطوعها. و إذاً فالنار هي‌ النار.

 و حين‌ نقول‌ في‌ الجملة‌ التي‌ نبحثها هنا: صارت‌ الفراشة‌ ناراً؛ فانّما نقوله‌ بعنوان‌ تلك‌ المادّة‌ الاوّلية‌ و مادّة‌ المواد و الهيولي‌ التي‌ لها؛ أي‌ تلك‌ المادّة‌ التي‌ كان‌ لها صوة‌ الفراشة‌ ثم‌ فقدتها و استحالت‌ ناراً. و نسأل‌ الآن‌: انّ هذه‌ الفراشة‌ ألقت‌ بنفسها في‌ النار فاستحالت‌ ناراً، فالنار الآن‌ هي‌ النار فحسب‌؛ فهل‌ العين‌ الثابتة‌ للفراشة‌ موجودة‌ في‌ ذات‌ هذه‌ النار؟ أهناك‌ هويّة‌ و إنيّة‌ للفراشة‌ في‌ النار؟

 كيف‌ يمكن‌ القول‌ الآن‌، إذ الحقّ يري‌ الحقّ، و إذ ليس‌ من‌ فراشة‌، و إذ ليس‌ في‌ ذات‌ الحقّ من‌ فراشة‌؛ بأنّ العين‌ الثابتة‌ موجودة‌ في‌ الحقّ؟

 أفهل‌ الحقّ متعيّن‌؟ انّ الفناء في‌ ذات‌ الحقّ مع‌ بقاء العين‌ الثابتة‌ يستلزم‌ وجود العين‌ الثابتة‌ في‌ الذات‌، و هو ممّا لا يمكن‌ القبول‌ به‌.

 إن‌ قلنا بأن‌ الوجود في‌ جميع‌ عوالم‌ الوجود واحد لا اكثر، و هو وجود الحقّ تبارك‌ و تعالي‌، و انّ هذه‌ الموجودات‌ لا تمتلك‌ وجوداً أصيلاً و حقيقيّاً، بل‌ هي‌ عناوين‌ و أسماء و حدود للوجود، و تعيّنات‌ و مظاهر للوجود؛ و انّ هذه‌ الاسماء التي‌ وضعناها لها، كزيد و عمرو و شَجَر و حَجَر و أمثالها، تشخّص‌ تعيّن‌ الوجود و حدوده‌؛ و انّ هذه‌ الاسماء ليست‌ أسماءً للوجود، بل‌ لتعيّنات‌ الوجود. فانّنا ـ اذاً ـ حين‌ ندعو زيداً ب «زيد»، لا نقصد بذلك‌ وجوده‌، و انّما نقصد تعيّن‌ وجوده‌.

 و حين‌ يفني‌ زيد، فانّه‌ يتخلّي‌ عن‌ التعيّن‌، و يتخطّي‌ الحدّ؛ و الاّ فانّ أصل‌ الوجود هو نفسه‌ الذي‌ كان‌ في‌ الوهلة‌ الاولي‌ علی نحو الإطلاق‌، و هو الآن‌ كذلك‌. غاية‌ الامر انّ إسم‌ زيد كان‌ في‌ الوهلة‌ الاولي‌ لهذا الحدّ من‌ الوجود، فرُفع‌ الآن‌ هذا الحدّ. فنحن‌ لم‌ ننظر الی هذا الحدّ حال‌ الفناء هذه‌، بل‌ نظرنا الی الإطلاق‌.

 و سيكون‌ معني‌ الفناء انّ ذلك‌ الوجود باعتباره‌ ضمن‌ حدود و.طر معينّة‌، كان‌ ينظر الی نفسه‌ نظراً استقلاليّاً؛ امّا الآن‌ فقد انصرف‌ ذلك‌ النظر و صار نظراً تبعيّاً و اندكاكيّاً، لانّ حقيقة‌ الكثرات‌ ليست‌ الاّ امراً إعتباريّاً.

 و الفرق‌ الذي‌ حصل‌ لزيد، انّما حصل‌ بلحاظ‌ معرفته‌؛ إذ حصل‌ في‌ مقام‌ الإدراك‌ تفاوت‌ و اختلاف‌ في‌ معرفته‌، و عدا ذلك‌ فانّه‌ لم‌ يتغيّر في‌ حقيقة‌ الامر أدني‌ تغيير، فقد كان‌ سابقاً حقّاً، و هو الآن‌ حقّ.

 الرجوع الي الفهرس

 

في‌ حقيقة‌ رجوع‌ الحمل‌ في‌ «فني‌ زيد» و «صارت‌ دودة‌ الماء بعوضة‌» و غير ذلك‌

 و هناك‌ الكثير من‌ المفاهيم‌ نُخطرها علی أذهاننا علی نحو التجريد، فنحمل‌ عليها آنذاك‌ أشياء معيّنة‌. فالوجود الذهني‌ ـ مثلاً ـ  بمِا أنّه‌ في‌ الذهن‌، فانّه‌ يقع‌ موضوعاً لبعض‌ المحمولات‌؛ أو اننا بلحاظ‌ التعيّن‌ الذهني‌ نقوم‌ بسلخه‌ و انتزاعه‌، فنجعله‌ ناظراً الی حقيقة‌ المفهوم‌ و نحمل‌ عليه‌ بعض‌ الاشياء.

 فالتجريد  ـ من‌ ثمّ ـ أحد المعاملات‌ الذهنيّة‌.

 و هذا العمل‌ نفسه‌ نقوم‌ به‌ بالنسبة‌ الی زيد؛ أي‌ اننا نجرّد زيداً الذي‌ كان‌ له‌ هذا التعيّن‌ من‌ تعيّنه‌، و نقول‌: هو فانٍ في‌ ذات‌ الله‌.

 و ليس‌ في‌ ذات‌ الله‌ من‌ تعيّن‌ بعدُ، فالوجود المطلق‌ هو الوجود المطلق‌.

 و بعبارةٍ اُخري‌ فانّ ذلك‌ الوجود الذي‌ كنّا نعدوه‌ زيداً و كان‌ له‌ هذا الإسم‌، كان‌ موجوداً ذا تعيّن‌ حال‌ امتلاكه‌ هذا الحظّ من‌ الوجود؛ فصرفنا النظر عن‌ التعيّن‌، فتحوّل‌ حينذاك‌ وجوداً. الوجود هو الوجود؛ و الوجود المطلق‌ هو وجود الحقّ تبارك‌ و تعالي‌.

 و لو شئنا الإنتظار لنجد مرجعاً تامّاً كاملاً لضمير زيد الفاني‌، فانّ علينا الانتظار طويلاً.

  و لدينا ـ مثلاً نظير هذه‌ الضمائر في‌ باب‌ الوصول‌؛ فنقول‌: وصل‌ زيدٌ الی ذات‌ الحقّ. و جليٌّ انّ زيداً مادام‌ زيداً و ما برح‌ له‌ عنوان‌ الزيديّة‌، فانّه‌ لا يمكن‌ أن‌ يكون‌ واصلاً. و مسلّماً فانّ الوصول‌ سيكون‌ صادقاً حين‌ يكون‌ زيد في‌ حال‌ الفناء؛ لانّ المراد من‌ الوصول‌ ليس‌ ضخّ شي‌ء الی شي‌ء آخر، أو لقاء فردٍ بآخر؛ جلّ الله‌ سبحانه‌ و تعالي‌.

 بل‌ المراد من‌ الوصول‌ معرفة‌ الله‌ تعالي‌، و هذه‌ المعرفة‌ (أي‌ معرفة‌ التوحيد الذاتي‌ و التوحيد الصفاتي‌ و التوحيد الافعالي‌) انّما تحصل‌ بواسطة‌ الفناء؛ أي‌ بالاعتراف‌ بالعجز و الهلاك‌ في‌ جميع‌ مراحل‌ الوجود، و اعتبار القدرة‌ والعلم‌ و الحياة‌ و الذات‌ منحصرة‌ بالذات‌، و تسليم‌ الامور له‌ جمعاء.

 و اذاً، و كما قلنا في‌ باب‌ الوصول‌ بأنّ زيداً مادام‌ زيداً فانّه‌ ليس‌ واصلاً، فكذلك‌ الامر في‌ باب‌ الفناء.

 و لدينا في‌ القرآن‌ الكريم‌: وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ؛ [3]  فما معني‌ هذه‌ الآية‌؟

 و لدينا أيضاً:  وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَـ'كِنَّ اللَهَ رَمَي‌. [4]

 حين‌ يقول‌ الله‌: انّك‌ لم‌ ترمِ السهم‌، بل‌ الله‌ هو الرامي‌. و لم‌ يكن‌ هناك‌ من‌ أحد غير الله‌ سبحانه‌. «أنت‌» عدم‌؛ «رميتَ» عدم‌.

 فلماذا نقول‌: زيد موجود، و عينُه‌ الثابتة‌ موجودة‌؟

 الرجوع الي الفهرس

 

في‌ معني‌:  كَانَ اللَهُ وَ لَمْ يَكُن‌ مَعَهُ شَيْءٌ وَ الآنَ كَمَا كَانَ

 لقد زال‌ زيد وانعدم‌ و خُتم‌ أمره‌، و ليس‌ من‌ باقٍ الاّ ذات‌ الحقّ، و الاّ إدراك‌ ذات‌ الحقّ لذاته‌:  كَانَ اللَهُ وَ لزمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَ الآنَ كَمَا كَانَ.

 اي‌ برتر از آنكه‌ عقل‌ گويد                بالاتر از آنكه‌ روح‌ جويد

 اي‌ آنكه‌ وراي‌ اين‌ و آني                 ‌ كيفيّت‌ خويش‌ را تو داني‌

 كَس‌ واقف‌ تو بهيچ‌ رو نيست‌                      آنكس‌ كه‌ ترا شناخت‌ او نيست[5]‌ و[6]

 الرجوع الي الفهرس

 

بقاء الضمير أخيراً في‌ جميع‌ أقسام‌ الفناء ليصدق‌ الفناء، و ذلك‌ الضمير عبارة‌ عن‌ الاعيان‌ الثابتة‌

 العلاّمة‌:  انّ القول‌ «صار زيدٌ الحقَّ» يعني‌ انّ الحقّ صار حاكماً في‌ وجود زيد بدلاً منه‌، و انّه‌ صار يده‌ و عينه‌ و أذنه‌. فلم‌ يعد زيد زيداً، بل‌ زيد هو الحقّ، و هو مطلب‌ صحيح‌ و مقبول‌.

 لكنّكم‌ مَهما عبّرتم‌، فانّ زيداً ـ مع‌ ذلك‌ ـ قد فني‌. و إن‌ لم‌ يكن‌ زيد موجوداً، فمن‌ الذي‌ فني‌؟ انّ الله‌ تبارك‌ و تعالي‌ ما برح‌ موجوداً و سيقي‌؛ والحقّ كان‌ حقّا و سيبقي‌، لكنّ ما حصل‌ هنا هو فناء زيد. فإن‌ نحيّنا نسبة‌ الفناء هذه‌ عن‌ زيد و صرفا العلاقة‌ بينهما، فإنّ شيئاً لن‌ يبقي‌ آنذاك‌، لكأنّ فناءً لم‌ يحصل‌. ذلك‌ لانّ النسبة‌ قائمة‌ بزيد، فإن‌ انتفي‌ زيد وانتفت‌ عينُه‌ الثابتة‌، فليس‌ ـ ثمّ ـ مِن‌ نسبة‌. و لن‌ يكون‌ لدينا عند فقدان‌ النسبة‌ من‌ محمول‌ و لا موضوع‌ و لاجلمة‌. بينما لدينا هذه‌ القضيّة‌، و مع‌ عدم‌ إمكاننا إنكار أمر فناء زيد.

 حين‌ نقول‌: «فني‌ زيد»، اي‌ انّ زيداً تحوّل‌ الی الحقّ؛ فان‌ الضمير يعود الی زيد؛ يعني‌ انّ التعيّن‌ و العين‌ الثابتة‌ و ذلك‌ الفاني‌! في‌ عالم‌ الواقع‌ و متن‌ نفس‌ الامر هو زيد. و هذا أمر صائب‌ بحسب‌ الظاهر، امّا خلافه‌ فغير صحيح‌ و لا يمكنني‌ تعقّله‌ بصورة‌ صحيحة‌.

 و نقول‌ في‌ النهاية‌ في‌ مسألة‌ الفراشة‌: طارت‌ الدودة‌؛ أو استحالت‌ الفراشة‌ ناراً؛ فإن‌ انتفت‌ الفراشة‌، فهي‌ ـ اذاً ـ لم‌ تستحل‌ ناراً. و لذا فانّ جملة‌ «استحالت‌ الفراشة‌ ناراً» ستكون‌ بلا معني‌.

 انّ لديكم‌ ضميراً، فأنتم‌ تحوّلونه‌ الی هذه‌ الجهة‌ تارةً، و الی تلك‌ تارةً أخري‌، محاولين‌ حفظ‌ الفراشة‌ في‌ النهاية‌، و انّها ـ مع‌ ذلك‌ ـ تصير ناراً و تفني‌، و أن‌ لا يكون‌ غير النار من‌ شي‌ء، و أن‌ النار هي‌ النار. و حيئنذٍ يتكرّر الامر من‌ جديد!

  لقدانسحبت‌ المادّة‌ و الهيولي‌ عند احتراق‌ الفراشة‌، فلم‌ يبقَ الاّ عين‌ الفراشة‌ الثابتة‌؛ ثمّ انّ هذا الموجود تحوّل‌ الی الحقّ تبارك‌ و تعالي‌ 7 و ليس‌ من‌ موجود الاّ الحقّ فحسب‌. و اذاً فالعين‌ الثابتة‌ ثابتة‌!

 اننا لا نستطيع‌ القول‌ حين‌ استحالت‌ الفراشةُ ناراً: «الفراشة‌ موجودة‌»؛ و كلّ ما ذكرناه‌ بلفظ‌ «موجودة‌» فانّ وجود الفراشة‌ سيكون‌ معه‌ محفوظاً و لن‌ يمكن‌ ـ مع‌ حفظ‌ وجود الفراشة‌ ـ القول‌ بأنّها فنيت‌.

 ذلك‌ انّ قول‌ «فنيت‌ الفراشة‌» يعني‌ انّ الوجود الخارجي‌ للفراشة‌ كان‌ قد امتلك‌ تحقّقاً، و انّ ذلك‌ التحقّق‌ قد أُزيل‌. أي‌ ليس‌ من‌ شي‌ء الاّ النار فحسب‌.

 و تبعاً لذلك‌ فانّ قولنا «استحالت‌ الفراشة‌» يُبقي‌ للفراشة‌ عينها الثابتة‌ لا غير.

 و الامر الواقع‌ في‌ الخارج‌ عبارة‌ عن‌ فناء وجود الفراشة‌ و تحقّق‌ النار و استبدالها محلّ الفراشة‌. و لقد كانت‌ الفراشة‌ تري‌ نفسها قبل‌ أن‌ تستحيل‌ ناراً، امّا الآن‌ فهي‌ تري‌ النار، و ليس‌ للفراشة‌ من‌ أثر. لقد كان‌ زيد يري‌ زيداً مادام‌ لم‌ يفنَ بعدُ، امّا الآن‌ فهو يري‌ الحقّ تبارك‌ و تعالي‌، و ليس‌ لزيد من‌ اثر.

 اننا لا نقول‌ بأنّ العين‌ الثابتة‌ لزيد موجودة‌ في‌ ذات‌ الحق‌؛ كما لا نقول‌ بأن‌ عين‌ الفراشة‌ الثابتة‌ موجودة‌ في‌ النار. إذ ليس‌ في‌ ذات‌ الحقّ من‌ شي‌ء الاّ ذات‌ الحقّ، كما ليس‌ في‌ النار الاّ النار فحسب‌.

 لكننا نقول‌: انّ عين‌ زيد الثابتة‌ باقية‌ حين‌ فني‌ زيد و استحال‌ حقّاً، كما انّ عين‌ الفراشة‌ الثابتة‌ باقية‌ حين‌ استحالت‌ الفراشة‌ ناراً. و هذا لا يستلزم‌ تعيّن‌ ذات‌ الحقّ، بل‌ انّ الحقيقة‌ الخارجيّة‌ للحقّ تبارك‌ و تعالي‌ ـ مع‌ حفظ‌ الإطلاق‌ ـ قدحلّت‌ محلّ وجود زيد، و انّها تتجلّي‌ و تظهر مع‌ عينه‌ الثابتة‌ بعد محو الوجود و حصول‌ حال‌ الفناء.

 كما انّ تباين‌ درجة‌ معرفة‌ زيد من‌ المحدوديّة‌ الی السعة‌ والإطلاق‌، يعود في‌ النهاية‌ الی حلول‌ الحقّ محلّ زيد. و الحقّ هو الواقع‌ تبارك‌ و تعالي‌. و يجب‌ ـ إجباراً ـ أن‌ يكون‌ للضمير مرجعاً، بينما لم‌ يبق‌ من‌ شي‌ء يعود له‌ الضمير غير عين‌ زيد الثابتة‌ بعد فرض‌ الفناء و فقدان‌ الوجود.

 اننا حين‌ نقول‌ «فني‌ زيد» فاننا نكون‌ قد حكينا عن‌ فناء زيد؛ فنكون‌ ـ اذاً ـ قد فرضنا زيداً لنحمل‌ الفناء عليه‌. و لانّ هناك‌ ضمير يحتاج‌ الی مرجع‌، فانّ هذا الضمير هو تلك‌ العين‌ الثابتة‌. و ليس‌ الامر بأكثر من‌ ذلك‌، و هذه‌ هي‌ الطريقة‌ التي‌ أفكّر بها.

 و قولكم‌ «فني‌ زيد، و لم‌ يبقَ له‌.ثر» فانّ أثراً لم‌ يبقَ لزيد في‌ هذه‌ الجملة‌، و سيبقي‌ فعل‌ «فني‌» دونما ضمير، فما الذي‌ سنفعله‌ به‌؟

 و ليس‌ هناك‌ من‌ تفاوت‌ بين‌ جملتي‌ وصال‌ زيد و فناء زيد؛ و ينبغي‌ إيضاح‌ هذا الامر أيضاً. لا يمكن‌ أن‌ يكون‌ زيد موجوداً، و مع‌ ذلك‌ يكون‌ الفناء و الوصال‌ واقعاً. و هو أمرٌ مقبول‌.

 أمّا حين‌ نقول‌ «فني‌ زيد» فأين‌ سيكون‌ زيد يا تري‌؟ أيِّ زيد ذلك‌ الذي‌ التحق‌ برحمة‌ الله‌؟

 ليس‌ لدينا من‌ جهة‌ الفناء الخارجي‌ من‌ شي‌!ء الاّ الحقّ، فما الذي‌ سيبقي‌ لزيد حينذاك‌؟ لا أعلم‌ بماذا أجيب‌!

 الرجوع الي الفهرس

 

استدلال‌ الشيخ‌ عبدالكريم‌ الجيلي‌ بآية‌:  وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ  في‌ فناء جميع‌ الموجودات‌

 و هم‌ يستدّلون‌ بالآية‌ الشريفة‌:  وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ  علی بقاء العين‌ الثابتة‌؛ و قد رأيتُ في‌ كتاب‌ «الإنسان‌ الكامل‌» للشيخ‌ عبدالكريم‌ الجيلي‌ انّه‌ يستدلّ بهذه‌ الآية‌ علی الفناء المطلق‌ للموجودات‌ في‌ مقام‌ العود و الرجوع‌ الی الله‌ عزّ وجلّ.

 وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَـ'كِنَّ اللَهَ رَمَي‌  هي‌ أمرٌ صحيح‌، و ليس‌ هناك‌ ـ في‌ أيّ فرض‌ ـ من‌ شي‌ء غير الله‌ المتعال‌؛  وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.

 و حين‌ نقول‌ «صار زيد فانياً»، فهل‌ ستزول‌ «صار» حينما نقول‌ صار زيد فانياً؟

 ان‌ زيد سيفني‌، و لن‌ يبقي‌ الاّ الفناء المحض‌. و ينبغي‌ إصلاح‌ هذه‌ الجملة‌ التي‌ تقولون‌ فيها: لم‌ يبقَ الاّ الحقّ؛ و الحقّ يدرك‌ ذاته‌.

 و كيف‌ ذلك‌ الاّ الحقّ؟ لقد كان‌ زيد موجوداً، فلمّا زال‌ لم‌ يبقَ الاّ الفناء بلا ضمير يرجع‌ الی موضع‌ ما؛ فكيف‌ يمكن‌ إصلاح‌ الامر حينذاك‌؟

 و لو أزلنا الضمير في‌ جميع‌ هذه‌ الامثلة‌ و نظائرها فانّنا سنبقي‌ حائرين‌ بلا تكليف‌، و ستبقي‌ الجملة‌ بلا ضمير و لا رابط‌.

 التلميذ:  ليس‌ لدينا أيّ كلام‌ خارج‌ عن‌ المعهود و عن‌ قواعد العربية‌ و اسناد الضمير و إرجاعه‌ الی موضعه‌، بل‌ اننا نقول‌: انّ الإسناد في‌ جملة‌ «صار زيد فانياً» يعود الی زيد نفسه‌.

 و ليس‌ لدينا الاّ كلام‌ واحد، و هو انّ هذه‌ الجملة‌ «صار زيد فانياً» لا تمتاز بشي‌ء عن‌ سائر الجمل‌. و بنفس‌ العناية‌ التي‌ صار فيها اسناد «صار» في‌ جمل‌ «صارت‌ الفراشة‌ ناراً» و «صارت‌ القطرة‌ ماءً» و «صارت‌ حبّة‌ السكّر ذائبة‌» و «صارت‌ الدودة‌ بعوضة‌ طائرة‌» ذا معني‌؛ فإنّ اسناد «صار» في‌ جملة‌ «صار زيد فانياً» سيكون‌ ذا معني‌ بنفس‌ تلك‌ العناية‌.

 أفكنّا نقول‌ في‌ تلك‌ الجملات‌ بالاعيان‌ الثابتة‌ للفراشة‌ و القطرة‌ و حبّة‌ السكّر و دودة‌، الماء في‌ النار والماء و الذوبان‌ و البعوضة‌ الطائرة‌، لنقول‌ هنا بالعين‌ الثابتة‌ لزيد؟

 انّنا نقول‌ بأنّ الفراشة‌ حين‌ استحالت‌ ناراً، فانّه‌ لم‌ يَعد من‌ فراشة‌ في‌ البَيْن‌، و لا من‌ أثر للفراشد. و كلّ ما هو الموجود: النار هي‌ النار.

 لقد كان‌ هناك‌ فراشة‌ سابقاً، فانعدم‌ وجودها و اتّخذ لنفسه‌ وجود النار، و ليس‌ لدينا أكثر من‌ وجودي‌ الفراشة‌ و النار. أمّا العين‌ الثابتة‌ فلا يمكن‌ تصوّرها في‌ مقابل‌ الوجود. كما انّ الماهيّة‌ أمر انتزاعي‌، و لن‌ يكون‌ هناك‌ بعد زوال‌ الوجود و تحطّم‌ تلك‌ الهيئة‌ الاّ مفهوم‌ فحسب‌ لا تحقّق‌ له‌ و لا حقيقة‌.

 كمثل‌ قولنا: صار التراب‌ شجرة‌؛ و صارت‌ الشجرة‌ خشباً؛ و صار الخشب‌ فحماً؛ و صار الفحم‌ رماداً.

 فما قصدنا من‌ كلمات‌ «صار» هذه‌؟ و بأيّ عناية‌ نُسند «صار» الی الموضوع‌؟ فنحن‌ كذلك‌ نُسند الفناء الی زيد في‌ جملة‌ «صار زيد فانياً» بنفس‌ العناية‌. انّ تعبير «صار التراب‌ شجرةً» يعني‌ انّ هيولي‌ الارض‌ و مادّتها الاوّلية‌ التي‌ كانت‌ قد اتّخذت‌ لنفسها صورة‌ التراب‌، قد فقدت‌ تلك‌ الصورة‌ و اكتسبت‌ صورة‌ الشجرة‌ فتبدّلت‌ شجرة‌.

 و تعبير صار الخشب‌ فحماً يعني‌ انّ المادّة‌ الاوّلية‌ التي‌ كان‌ لها صورة‌ الخشب‌ قد تخلّت‌ عن‌ تلك‌ الصورة‌ و اتّخذت‌ لنفسها صورة‌ الفحم‌ فتبدّلت‌ الی فحم‌. و انّ تلك‌ المادّة‌ الاوّلية‌ قد تخلّت‌ عن‌ تعيّنها و اكتسبت‌ تعيّناً آخر.

 و نحن‌ بنفس‌ هذا الطريق‌ نقلو بشأن‌ «صار زيد فانياً» انّ زيداً كان‌ يمتلك‌ تعيّناً من‌ ذلك‌ الوجود البحت‌ البسيط‌ الذي‌ كان‌ قد طبق‌ أرجاء العالم‌، و كان‌ إسم‌ هذه‌ التعيّن‌ زيداً. ثمّ انّه‌ سار في‌ طريق‌ العبوديّة‌ سيراً تكامليّاً درجةً درجة‌ و مرتبةً مرتبة‌، فتخطّي‌ الحدود الواحد بعد الآخر حتّي‌ وصل‌ الی حيث‌ فقد تعيّنه‌ بصورة‌ كاملة‌.

 و بذلك‌ فانّ ما كان‌ حتّي‌ الآن‌ يمثّل‌ في‌ زيد وجوده‌، قد صار الآن‌ غريباً عنه‌ لا نسبةَ له‌ معه‌. و لقد كان‌ اسم‌ زيد موضوعاً لهذا التعيّن‌ الخاصّ، امّا حال‌ الفناء فليس‌ هناك‌ من‌ تعيّن‌.

 كَمَا بَدَأَكُم‌ تَعُودُونَ  فَرِيقًا هَدَي‌ وَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَـ'لَةُ.  [7]

 الرجوع الي الفهرس

معني‌ فناء الإنسان‌ هو الإندكاك‌ في‌ وجود الله‌ و إلغاء التعيّن‌ و مشاهدة‌ حقّ جماله‌

 و وفقاً لآيات‌ القرآن‌ الكريم‌ فانّ من‌ المسلّم‌ انّ نقطة‌ عودة‌ جميع‌ الناس‌ ستكون‌ الی حيث‌ موضع‌ بدايتهم‌. فالإنسان‌ يمتلك‌ وجوداً و تعيّناً الی ذلك‌ الحدّ، امّا بعد ذلك‌، و حيث‌ يفقد الإنسان‌ ذاته‌، فهناك‌ عالم‌ الفناء.

 اي‌ انّ الإنسان‌ يمكنه‌ السير الی حيث‌ كان‌ مبدؤه‌ مع‌ حفظ‌ إنيّته‌ و عينه‌ الثابتة‌.

 امّا بعد ذلك‌ فانّ عليه‌ أن‌ يفقد وجوده‌، إذ ليس‌ من‌ عين‌ ثابتة‌ بعد تلك‌ المرحلة‌، فالعين‌ الثابتة‌ تبدأ من‌ نقطة‌ البداية‌ و تُختم‌ في‌ نقطة‌ العودة‌. العين‌ الثابتة‌ تشرع‌ من‌ نقطة‌ ابتداء الوجود، و تُختم‌ هناك‌؛ و عالم‌ الفناء فوق‌ عالم‌ الوجود. عالم‌ الفناء هو عالم‌ العدم‌ و الزوال‌.

 انّ معني‌ وجود زيد و انعدامه‌ هو انّ الذات‌ المقدّسة‌ للخقالق‌ كانت‌ تري‌ زيداً، أمّا الآن‌ فانّه‌ يُشاهد نفسه‌.

 و بعبارة‌ أخري‌: انّ ذات‌ الحقّ كانت‌ حتّي‌ الآن‌ تتطّلع‌ الی التعيّن‌؛ فصارت‌ الآن‌ تتطّلع‌ الی وجودها دونما تعيّن‌. أفهذا الكلام‌ صحيح‌ و صائب‌؟

 انّنا كما قلنا بأنّ هناك‌ مسامحة‌ في‌ النسبة‌ في‌ عبارة‌ «صار زيد واصلاً»، لانّ الوصول‌ دالّ علی التعدّد، و ليس‌ هناك‌ من‌ زيد و لاحقّ بحيث‌ يمثّلان‌ شيئين‌، احدهما واصل‌ و الآخر موصولٌ به‌، فاننا كذلك‌ نقول‌ في‌ فناء زيد «صار زيد فانياً» بأنّ في‌ النسبة‌ تسامحاً، و انّ معناها الحقيقيّ انّ ذات‌ الحقّ، ذلك‌ الوجود البحت‌ البسيط‌ المجرّد المطلق‌ كان‌ حتّي‌ الآن‌ ناظراً الی التعيّن‌، امّا الآن‌ فصاعداً فانّه‌ ناظرٌ الی الإطلاق‌.

 اننا لا يمكننا تحقيقاً أن‌ نقول‌ في‌ فناء زيد بأنّ العين‌ الثابتة‌ موجودة‌ في‌ الذات‌، لذا فانّها في‌ نهاية‌ الامر ستكون‌ من‌ لوازم‌ الاسماء و الصفات‌. و في‌ النتيجة‌ فانّ قولنا «صار زيد فانياً في‌ الذات‌» يجب‌ أن‌ يكون‌ جملة‌ تسامحيّة. و علينا في‌ النهاية‌ امّا أن‌ نغيّر معني‌ الفناء، أو أن‌ نعبّر كما عبّرتم‌ الآن‌ بأنّها كانت‌ قبل‌ الآن‌ ناظرة‌ الی الكثرة‌، فهي‌ الآن‌ ناظرة‌ الی الوحدة‌.

 و هذه‌ التعبير في‌ غاية‌ الرفعة‌ و السموق‌، كمثل‌ قولنا: انّ زيداً كان‌ يتطّلع‌ حتّي‌ الآن‌ الی خاتمه‌، امّا الآن‌ فهو يتطّلع‌ الی نفسه‌. فنحن‌ لا نُدخل‌ الضمير ـ من‌ ثمّ ـ في‌ البين‌، و لا نبحث‌ عن‌ العين‌ الثابتة‌، و لا نقول‌ بأنّ «صار زيد فانياً» يعني‌ انّ تعينه‌ قد فني‌. بل‌ نقول‌ بأنّ ذات‌ القدسيّة‌ للحقّ كانت‌ قبل‌ الآن‌ تري‌ جمالها في‌ تعيّن‌ زيد و عمرو و بَكر، و تشاهد نفسها في‌ هذه‌ المرايا و التجليّات‌، امّا الآن‌ فهي‌ تشاهد نفسها دونما حجاب‌ و لا مرآة‌.

 و هو نفسه‌ معني‌  وَ إِلزيْهِ تُقْلَبُونَ؛  أي‌ انّ التعيّن‌ سيزال‌، و انّ وجود التعيّن‌ سيُقلب‌.

  العلاّمة‌:  انّ هذا الكلام‌ موجود في‌ جملة‌ «صارت‌ الفراشة‌ ناراً» و نظائر ذلك‌، كأن‌ نقول‌ «صار زيد تراباً» و «فلان‌ ليس‌ موجوداً»؛ فنحن‌ إذا أزحنا الضمير فسنبقي‌ بلا تكليف‌، إذ لا يصحّ الامر دونما ضمير. و يجب‌ أن‌ يكون‌ هناك‌ مضمر حتماً ليكون‌ صادقاً. و ذلك‌ الضمير هو العين‌ الثابتة‌.

 لقد كان‌ هناك‌ وجود و حقيقة‌، و كان‌ ـ من‌ ثم‌ ـ زيد؛ ثم‌ انّه‌ يفقد تلك‌ الحقيقة‌ فم‌ يبقي‌ حينذاك‌ الاّ مسألة‌ العين‌ الثابتة‌.

 و المعضلة‌ التي‌ تواجهنا انّنا مهما تصرّفنا، و من‌ أيّ بابٍ وردنا، و بأيّ وسيلةٍ تشبّثنا، فاننا لا نستطيع‌ ان‌ نفقد هذه‌ العين‌ الثابتة‌، باعتبار امتلاكنا للضمير.

 و في‌ مسألة‌ فناء زيد الذي‌ كان‌ يقول‌ «أنا»، فانّ هذا الضمير خاصّ بالله‌ تعالي‌، فقد صار زيد فانياً في‌ الله‌، و هو أمر صحيح‌ و كامل‌؛ أما زيد ذلك‌ الذي‌ كان‌ ضميراً فصار فانياً، فقد امتلك‌ ارتباطاً بذلك‌ الضمير، و ليس‌ بإمكاننا تجاهل‌ ذلك‌ و تركه‌. علينا أن‌ نقول‌: كان‌ زيد، فحلّ الله‌ المتعال‌ (الذي‌ كان‌ موجوداً ثابتاً) محلّ زيد. و كان‌ الشخص‌ القائل‌ «أنا» يُشاهد زيداً قبل‌ الآن‌، أمّا من‌ الآن‌ فصدعداً فانّ القائل‌ «أنا» هو الله‌ الذي‌ يُشاهد؛ و هذا المعني‌ صحيح‌ بحسب‌ الظاهر.

 و قولكم‌ بأن‌ الحقّ المتعال‌ كان‌ حتّي‌ الآن‌ يتطلّع‌ الی التعيّن‌، فهو من‌ الآن‌ فصاعداً يُشاهد نفسه‌ دونما تعيّن‌، قولٌ حسن‌. فليُشاهد! فنحن‌ موافقون‌ و لا كلام‌ لدينا في‌ ذلك‌. لكنّ عليكم‌ ايضاح‌ هذا الامر، و هو انّ ذلك‌ التطلّع‌ من‌ الحقّ قد حصل‌ بواسطة‌ زيد؛ فقد كان‌ الحقّ المتعال‌ يشاهد زيداً، فصار الآن‌ يُشاهد نفسه‌ بواسطة‌ زيد. و لو زال‌ زيد، فكيف‌ سيمكننا قبول‌ ذلك‌! تقولون‌ بأنّ ذات‌ الحقّ المقدّسة‌، ذلك‌ الوجود البسيط‌ المطلق‌، كانّ حتّي‌ الآن‌ تتطلّع‌ الی هذا التعيّن‌؛ ثم‌ انّها من‌ الآن‌ فصاعداً تتطلّع‌ الی الإطلاق‌. و هو قول‌ صحيح‌ بأجمعه‌ و في‌ أتمّ الصحّة‌. لكنّ زيداً صار فانياً، و نحن‌ نريد العثور علی مآل‌ زيد و مصيره‌، و معرفة‌ ماهيّة‌ زيد ذلك‌!

 أَوَ يمكن‌ أن‌ يكون‌ شيئاً غير العين‌ الثابتة‌؟ و العين‌ الثابتة‌ لا يمكن‌ أن‌ تكون‌ في‌ الذات‌. بلي‌ يمكن‌ أن‌ تكون‌ من‌ لوازم‌ الاسماء و الصفات‌.

 لكنّه‌ لا يمكن‌ القول‌ بأنّ جملة‌ «صار زيد فانياً» جملة‌ تسامحيّة‌، و انّ هذا النسبة‌ قد أعطيت‌ مسامحةً، لانّ مرجع‌ هذا القول‌ سيكون‌ الی انّ الفناء هو الآخر بيانٌ حجازيّ، و التفاتٌ مجازيّ، و هو ممّا لا ينسجم‌.

 من‌ المقبول‌ بأن‌ الله‌ المتعال‌ كان‌ قبل‌ الفناء يري‌ بواسطة‌ التعيّن‌ الزيدي‌ و بواسطة‌ التعيّن‌ العمري‌ و بواسطة‌ التعيّن‌ الكبري‌ و بواسطة‌ التعيّن‌ الخالدي‌. و كذلك‌ بواسطة‌ التعيّنات‌ التي‌ كانها زيد و عمرو و بكر و غيرهم‌، و انّ هؤلاء بأجمعهم‌ فنوا في‌ الحقّ تبارك‌ و تعالي‌. و حين‌ فنوا فانّ الضمير سيأتي‌ من‌ جديد في‌ البين‌. و إن‌ كان‌ معني‌  وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ  هو أن‌ لا تبقي‌ لزيد عين‌ ثابتة‌، و انّ الحقّ يُشاهد الحقّ. فلا تقولو ـ إذاً ـ «صار زيد فانياً».

 انّ تطلّع‌ زيد الی خاتم‌ يده‌، و الی خطّه‌ الجميل‌، و تطلّع‌ الحقّ الی آثاره‌، هي‌ بأجمعها شؤون‌ تمتلك‌ ضمائر، و هذه‌ الضمائر يجب‌ العثور عليها. كما انّ هذه‌ الضمائر باقية‌ في‌ مواضعها حال‌ الفناء.

 التلميذ:  حين‌ نتكلّم‌ عن‌ الوجود المطلق‌ دون‌ أن‌ ننظر الی التعيّن‌، فلايّ شي‌ءٍ نريد الضمير من‌ ثمّ؟ حين‌ لا يكون‌ لهذا الضمير سبيلٌ في‌ عالم‌ الذات‌، و حين‌ يكون‌ من‌ لوازم‌ الاسماء و الصفات‌، فهو ـ اذاً ـ موجود في‌ موضعه‌. و زيد موجود في‌ موضعه‌. و معني‌ الفناء تطلّع‌ ذات‌ لاحقّ الی ذاته‌ المقدّسة‌.

 فلتَدَعوا هذا الضمير و زيداً ذلك‌ مقهوريّن‌ منكوبين‌ في‌ موضعيهما، و ساقطين‌ مهملين‌ لالف‌ سنة‌!

 ما الذي‌ يعنينا بزيد، لنُعني‌ ـ من‌ ثمّ ـ بضميره‌؟

 انّ هذا الإصرار من‌ سماحتكم‌ لحفظ‌ ضمير زيد و عينه‌ الثابتة‌ أمرٌ حسن‌ بحسب‌  أصالة‌ الماهيّة‌.  امّا تبعاً لاصالة‌ الوجود فليس‌ هناك‌ من‌ شي‌ء الاّ الحقّ تبارك‌ و تعالي‌ فحسب‌، و لا يمكن‌ إدراك‌ الحقّ من‌ قبل‌ غير الحقّ تعالي‌.

 لقد سعي‌ عبدالله‌ المطيع‌ «زيد» و تحمّل‌ المشاقّ و وصل‌ في‌ المسار الوجودي‌ الی موضعٍ ما، و التحقق‌ بوجود الحقّ، و فقد شؤونه‌، و ورد داراً صفتها:  لَيْسَ فِي‌ الدَّارِ غَيْرَهُ دَيَّارُ.

 فكيف‌ ـ و الحال‌ هذه‌ ـ سيُسمح‌ لزيد بالورود هناك‌، بينما نحن‌ نقول‌ بأنّ زيداً و هذا العنوان‌ ليسا الاّ عنوان‌ صاحب‌ الدار؟

 هنالك‌ تبرق‌ غيرته‌ و تتلالا، فلا يبقي‌ زيد و لا عمرو، و لا ولي‌ و لا مولي‌، و لا إسم‌ و لا رسم‌.

 مَن‌ سَيستطيع‌ الورود في‌ ذلك‌ المكان‌؟ و كيف‌ يرغب‌ زيد بالذهاب‌ هناك‌؟ و كيف‌ يوسّع‌ من‌ جلده‌ و ثوبه‌ هناك‌؟ و كيف‌ يفتح‌ دكّانه‌ هناك‌؟

 الرجوع الي الفهرس

 

الوحدة‌ الحقّة‌ للذات‌ الاحديّة‌ لا تحمل‌ أيّ تعيّن‌ أو تقيّد

 إن‌ شاء زيد الذهاب‌ هناك‌ بذاته‌ فانّه‌ سيصدّ و يُمنع‌؛ بلي‌ لا سبيل‌ لزيد هناك‌ مادام‌ زيداً، امّا زيد الفاني‌ فليس‌ ـ من‌ ثمّ زيداً، فلقد رفض‌ التعيّنات‌ واحدة‌ بعد أخري‌، و قدّم‌ وجوده‌ في‌ نهاية‌ الامر في‌ طبق‌ الإخلاص‌ و فقده‌، فزالت‌ في‌ النتيجة‌ ذاته‌ و فُقدت‌. أي‌ انّ تلك‌ الحدود تتبدّل‌ الی اللاحدود، و ذلك‌ الضيق‌ يتحوّل‌ الی الإطلاق‌.

 وجود اندر كمال‌ خويش‌ ساري‌ است                        ‌  تعيّن‌ها امور اعتباري‌ است[8]

 انّ زيداً هذا المتحرّك‌ ليس‌ زيديّد زيد، بل‌ وجود زيد هو المتحرّك‌. فهو يسير حتّي‌ يصل‌ الی الوجود المطلق‌. فماذا يعني‌ ذلك‌! يعني‌ انّه‌ يفقد حيّزه‌ و يكتسب‌ لنفسه‌ حيّزاً أعلي‌، ثم‌ يفقد ذلك‌ الحيّز و يكون‌ له‌ أعلي‌ منه‌ و أرقي‌، حتّي‌ يصل‌ الی حيث‌ يحوزه‌ الله‌ تعالي‌.

 فالتعيّنات‌ محفوظة‌ كلاّ في‌ موضعه‌، و موطن‌ كلّ منها في‌ محلّ الاسماء و الصفات‌.

و مدارج‌ كمال‌ زيد و معارجه‌ ثابتة‌ مصونة‌ عن‌ أن‌ يتلاعب‌ بها أحد.

 و لو سُئل‌ آنذاك‌: من‌ أنت‌ و من‌ أين‌ قدمت‌؟ فسيجيب‌: لستُ شيئاً؛ لستُ زيداً.

 من‌ أين‌ جئت‌؟ من‌ عالم‌ الكثرة‌. هنا عالم‌ التوحيد؛ هنا حيث‌ لا زمان‌ و لا مكان‌، و حيث‌ لا زيد و لا عمرو.

 يقول‌ با يزيد: «لم‌ أتكلّم‌ مع‌ غير الحقّ ثلاثين‌ سنة‌؛ فكان‌ الحقّ هو الذي‌ يسألني‌، و كان‌ الحقّ هو الذي‌ يجيب‌.» فماذا يعني‌ بذلك‌؟

 يعني‌: انني‌ في‌ عالم‌ الفناء منذ ثلاثين‌ سنة‌؛ اي‌ انني‌ معدوم‌ فان‌. أنا في‌ عالم‌ الكثرة‌. أنا هنا الحقّ تبارك‌ و تعالي‌.

 الرجوع الي الفهرس

 

في‌ معني‌ الرباعي‌ الخمري‌:  رَقَّ الزُّجَاجُ وَ رَقَّتَ الخَمْرُ

 بلي‌، حين‌ ترقّ الخمر و يرقّ الزجاج‌، بحيث‌ يتطلّع‌ الناظر الی الزجاج‌ أو الی الخمر فيري‌ شيئاً واحداً. فكيف‌ ـ من‌ ثمّ ـ يتصوّر التمييز والفصل‌ و الإنيّة‌؟

 رَقَّ الزُّجَاجُ وَ رَقَّتِ الخَمْرُ                        فَتَشَابَهَا وَ تَشَاكَلَ الاَمْرُ

 فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَ لاَ قَدَحٌ                  وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَ لاَ خَمْرٌ

فما الذي‌ يفعله‌ الضمير هنا يا تري‌؟ و ما نصيب‌ العين‌ الثابتة‌ هنا؟

 لقد زال‌ الضمير، و يبقي‌ الله‌ فحسب‌.  وَ لَـ'كِنَّ اللَهَ رَمَي‌'

 أَكْؤُسٌ تَلاَلاَتْ بِمُدام‌                   أَمْ شُمُوسٌ تَهَلَّلَتْ بِغَمَام‌

 از صفاي‌ مي‌ و لطافت‌ جام                    ‌ بهم‌ آميخت‌ رنگ‌ جام‌ و مدام‌

 همه‌ جام‌ است‌ نيست‌ گوئي‌ مي‌                      يا مُدَام‌ است‌ نيست‌ گوئي‌ جام‌ [9]

 العلاّمة‌:  لا يمكن‌ رفع‌ اليد عن‌ زيد، فجميع‌ الامور مرتبطة‌ به‌، إذ نريد القول‌ بأنّه‌ صار فانياً، و حينذاك‌ فانّنا حين‌ نبسط‌ مسألة‌ «صار زيد فانياً» و نقلبها يمنة‌ و يسره‌، فكيف‌ ـ تري‌ ـ سيضيع‌ زيدها؟

 من‌ الصواب‌ انّه‌ صار فانياً، و انّ في‌ «صار» ضميراً يجب‌ أن‌ يعود الی موضعٍ ما، و تعبيرنا بحسب‌ أصالة‌ الوجود، إذ لا نقول‌ بأصالة‌ الماهيّة‌.

 لقد سعي‌ عبدالله‌ المطيع‌ «زيد» و جاهد و سار في‌ طريق‌ الوجود، و فني‌ في‌ مسار الوجود، و لكن‌ لا تقولوا بأنّ زيدا فني‌ في‌ الذات‌. فمن‌ أين‌ فتحت‌ هذه‌ الباب‌ لنقول‌ بأنّ هناك‌ تعيّناً يظهر في‌ ذات‌ الحقّ تعالي‌؟

 انّ تعبير فني‌ زيد في‌ الله‌ يعني‌ انّ الله‌ يري‌ بتعيّن‌ زيد، و يسمع‌ و يتكلّم‌ به‌.

 لقد قضي‌ زيد عمراً في‌ التعيّن‌، ثمّ انّ الحقّ المطلق‌ صار يري‌ دونما تعيّن‌، و سيصبح‌ زيد في‌ الوهلة‌ الاخيرة‌ بحيث‌ يفقد تعيّنه‌. و سيكون‌ الضمير موجوداً في‌ موضعه‌ من‌ جديد.

 حين‌ يجيب‌ زيد: أنا لست‌ أنا، بل‌ أنا الحقّ؛ فانّ نفس‌ الضمير سيوجد من‌ جديد في‌ موضعه‌. و لو لم‌ يكن‌ زيد الحقَّ، و لم‌ يرتبط‌ بالحقّ، فكيف‌ يجيب‌ زيد: لماذا تخاطبوني‌، و لماذا تدعون‌ زيداً؟ ذلك‌ لان‌ «أنا» ليس‌ موجوداً ليُخاطب‌. ليس‌ هناك‌ من‌ زيد في‌ البين‌.

 انّ المراد من‌ مقولة‌ بايزيد البسطامي‌ نفس‌ حال‌ الفناء و حين‌ يقول‌: لستُ أنا أنا من‌ ثمّ، بل‌ أنا الحقّ. فإن‌ هذا يمثّل‌ نفس‌ الضمير.

و حين‌ تقولون‌: لقد فقد زيد نفسه‌، فهو يتطلّع‌ بعين‌ الحقّ فيري‌؛ فانّها بأجمعها موضوع‌ و محمول‌. و ذك‌ المرجع‌ لازم‌ لها بأجمعها.و الاشعار الخمريّة‌ في‌ غاية‌ اللطافة‌، لكنّ قولكم‌ «كأن‌ الخمر زجاج‌، و كأنّ الزجاج‌ خمر» فيه‌ ضمير هو الآخر؛ و علی كلّ حال‌، فهمهما كان‌ الطريق‌ و السبيل‌، فلا مفرّ من‌ العين‌ الثابتة‌، و يجب‌ الإلتزام‌ بثبوتها حال‌ الفناء. [10]

 الرجوع الي الفهرس

 

في‌ معني‌:  إِلاَّ عِبَادَ اللَهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ

   التلميذ:  ورد في‌ القرآن‌ الكريم‌: الآيات‌ الشريفة‌:

 إِلاَّ عِبَادَ اللَهِ الْمُخْلَصِينَ  أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ  فَوَاكِهُ وَ هُمْ مُّكْرَمُونَ  فِي‌ جَنَّـ'تِ النَّعِيمِ. [11]

 حيث‌ انّ «فَوَاكِه‌» في‌ الآية‌ الشريفة‌ عطف‌ بيان‌ علی « رِزْقُ مَّعْلُومٌ ».

 فكيف‌ قُدّر لعباد الله‌ المخلَصين‌ الفانين‌ في‌ الله‌ تعالي‌ جزاء و رزق‌ معلوم‌ معيّن‌؟ أو ليس‌ انّ الواصلين‌ الی مقام‌ الفناء، لهم‌ جميع‌ النعم‌ الإلهيّة‌ بلا حساب‌؟ كيف‌ ينسجم‌ الخلوص‌ مع‌ محدوديّة‌ الاجر و الجزاء و معلوميّته‌؟

 العلاّمة‌:  الظاهر انّ المراد بالرزق‌ المعلوم‌، الاهميّة‌ التي‌ يمنحها الرزق‌ لهم‌، و هذا ما يأمل‌ (الرزق‌) بنفسه‌ تحقّقه‌. و باعتبار انّهم‌ في‌ نهاية‌ الامر من‌ عباد الله‌ المخلَصين‌، فانّ المقدوريّة‌ والمعلوميّة‌ ستكون‌ رزقهم‌ و نصيبهم‌.

 و قد أقرّ بعض‌ العرفاء بهذا المعني‌، و هو تعبير حسن‌. حيث‌ انّ الهويّة‌ و الماهويّة‌ (أي‌ ماهويّة‌ الاشخاص‌) لا تزول‌ في‌ النشأة‌ الآخرة‌، و أعيانهم‌ الثابتة‌ ستبقي‌. و الامر ـ أصولاً ـ علی هذا النحو، ذلك‌ لانّهم‌ مع‌ فنائهم‌، يمتلكون‌ في‌ نهاية‌ الامر تعيّنا و تشخصّاً من‌ الوجود. و لا منافاة‌ لبقاء أعيانهم‌ الثابتة‌ مع‌ كونهم‌ في‌ نفس‌ الوقت‌ عباد الله‌ المخلَصين‌.

 الرجوع الي الفهرس

 

النعم‌ الماديّة‌ و المعنويّة‌ لا يمكن‌ أن‌ تكون‌ قسريّة‌

 التلميذ:  يقول‌ الفلاسفة‌  القَسْرُ لاَ يَكُونُ دَائِميّاً و لاَ أَكْثَرِيّاً.

   أفلا يتنافي‌ امتناع‌ القسر مع‌ الخلود في‌ نار جهنّم‌؟ و هل‌ عدم‌ جواز القسر أمر مختصّ بالحركات‌ الطبيعيّة‌،.م‌ يشمل‌ الامور المعنويّة‌.يضاً! و هل‌ امتناع‌ الحركة‌ القسريّة‌ بالنسبة‌ الی المتحرّك‌، أم‌ انّه‌ كذلك‌ بالنسبة‌ الی المحرّك‌؟

 العلاّمة‌:  يقولون‌ انّ القسر لا ينسجم‌ مع‌ العنايات‌ الإلهيّد؛ فالعنايات‌ الإلهيّة‌ سواءً من‌ جهة‌ التوفيقات‌ و الإفاضات‌ التي‌ يهبها للبعض‌، أو من‌ جهة‌ الكمالات‌ والنعم‌ التي‌ يمحنها لهم‌، لا يمكن‌ أن‌ تكون‌ ناقصة‌، إذ لا يهب‌ الله‌ نعماً خداحاً.

 و لو أعطي‌ الله‌ أحداً نعمةً ما قسراً ثم‌ سلبها منها لي‌ الابد بعد هنيئة‌، لما انسجم‌ ذلك‌مع‌ العنايات‌ الإلهيّة‌. لذا فانّ تلك‌ النعمة‌ الإلهيّة‌. لذا فانّ تلك‌ النعمة‌ الإلهيّة‌ يجب‌ أن‌ تُحبس‌ دوماً. فإن‌ أعطي‌ نعمةً ما، فانّه‌ سيكون‌ قد وهبها دائميّةً دونما حبس‌ و حدّ.

 امّا بشأن‌ الخلود في‌ جهنّم‌، فانّ التأويل‌ الذي‌ يضعونه‌ له‌ هو انّه‌ لا يمكن‌ أن‌ يكون‌ المخلّدون‌ في‌ جهنّم‌ قد امتلكوا نعمة‌ قسريّة‌. فالوجود الذي‌ يوجده‌ الحقّ تعالي‌، أو الوجود الذي‌ يوجده‌ فيمنح‌ موجوداً ما خاصيّة‌ وجوديّة‌، لا محدوديّة‌ له‌. و ليس‌ الامر بحيث‌ يكون‌ ذلك‌ الوجود ايّاماً معدودة‌ ثمّ يُسترجع‌ منه‌. فهذا ممّا لا ينسجم‌ مع‌ العناية‌ الإلهيّة‌. و هو ما يعني‌ انّ النعم‌ الإلهيّة‌ لا تصلنا قسراً. أي‌ اننا لا نُعطي‌ نعمةً ما أياماً معدودةً ثم‌ تقطع‌ عنّا. لذا فانّ المخلّدين‌ في‌ جهنّم‌ لم‌ يمتلكوا نعمة‌ قسريّة‌ منذ الوهلة‌ الاولي‌.

 امّا الحركات‌ القسريّة‌ فهي‌ قسر بالنسبة‌ الی المتحرّك‌، و الاّ فلا قسر هناك‌ (بل‌ هو طبيعي‌) بالنسبة‌ الی العلّة‌ العاملة‌.

 و مثاله‌ أن‌ يقذف‌ الإنسان‌ مجراً الی الاعلي‌؛ فانّ هذا الحجر له‌ حركة‌ قسريّة‌ في‌ سيره‌ الی الاعلي‌، امّا الإنسان‌ الذي‌ قذف‌ به‌ الی الاعلي‌ فلا قسر له‌. و نظائر هذا المثل‌.

 من‌ الممكن‌ أن‌ تكون‌ قوّة‌ يد البشر الی الحدّ الذي‌ يفذف‌ معه‌ هذا الحجر فيسير باستمرار، أشبه‌ بهذه‌ السفن‌ الفضائيّة‌ التي‌ يُطلقونها فتتخطّي‌ جوّ الارض‌، و يسيّرون‌ معها علی الدوام‌ عِللاً و عواملَ لتسير بواسطتها الی حيث‌ تقوم‌ تلك‌ العلل‌ بعملها. حتّي‌ اذا أتّمت‌ عملها سقطت‌ تلك‌ السفن‌ أو احترقت‌ او انعدمت‌ علی نحوٍ آخر، أو خضعت‌ لجاذبيّةٍ أخري‌ فتحرّكت‌ في‌ ذلك‌ المدار و خضعت‌ لذلك‌ العامل‌.

 و يمكن‌ إطلاق‌ هذا التقريب‌ في‌ الامور المعنوية‌ في‌ عدم‌ دواما لقَسْر، بأن‌ ليس‌ هناك‌ في‌ الامور المعنويّة‌ و الرحمات‌ الإلهيّة‌ من‌ حركة‌ قسريّة‌ دائميّة‌ أو أكثريّة‌، و انّ العوامل‌ المعنويّة‌ لها إفاضة‌ مستمرّة‌ علی أساس‌ الحركات‌ الاولية‌ النفسيّة‌.

 الرجوع الي الفهرس

 

 

الابحاث‌ العرفانيّة‌

 

  بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم‌

كيفيّة‌ نزول‌ الوحي‌ علی رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ و آله‌ و سلّم‌

 التلميذ:  بالنسبة‌ لكيفيّة نزول‌ الوحي‌ علی رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، هل‌ كانت‌ حال‌ النبيّ! تتغيّر دوماً عند نزول‌ وحي‌ الآيات‌ القرآنيّة‌ و نزول‌ الآيات‌ و الاوامر و النواهي‌ الإلهيّة‌ عليه‌، فيخرج‌ عن‌ طوره‌ العاديّ، أم‌ انّ حاله‌ كانت‌ تتغيّر بعض‌ الاوقات‌ فقط‌ دون‌ بعضها الآخر؟ فقد ورد في‌ الاثر أنّ النبيّ كان‌ يصفّر و يمتقع‌ لونه‌ عند نزول‌ الوحي‌، و أنّ بدنه‌ كان‌ يثقل‌، و أنّه‌ كان‌ يبدو كشخصٍ مغميً عليه‌.

 و هل‌ كان‌ يقرأ علی الناس‌ و علی كتّاب‌ الوحي‌ تلك‌ الآيات‌ القرآنية‌ عند إفاقته‌ أم‌ خلال‌ تلك‌ الحال‌ غير العاديّة‌؟ و هل‌ كان‌ كتّاب‌ الوحي‌ يُلازمونه‌ دوماً فيكتبون‌ الوحي‌ فور نزوله‌، أم‌ كانوا يكتبونه‌ بعد ذلك‌؟ و هل‌ كان‌ نزول‌ الوحي‌ يحصل‌ بواسطة‌ جبرئيل‌، أم‌ انّ الحقّ كان‌ يتجلّيللنبيّ دونما واسطة‌ و لا حجاب‌؟

 العلاّمة‌:  لا يمكن‌ القول‌ بأنّ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ كان‌ يتغيّر دائماً عند نزول‌ الوحي‌،.ي‌ اننا لا نمتلك‌ دليلاً علی ذلك‌، فمن‌ أين‌ يمكن‌ القول‌ بذلك‌؟

 و لقد كان‌ يُصادف‌ أن‌ تتقلب‌ حال‌ رسول‌ الله‌ عند نزول‌ الوحي‌، فيسقط‌ علی الارض‌ كشخصٍ  مُقضِيّ عَلَيْه‌، ثم‌ يُفيق‌ بعد ذلك‌. أمّا أمر تلاوته‌ للآيات‌ خلال‌ تلك‌ الحال‌ غير العاديّة‌ أو بعد الإفاقة‌ فليس‌ واضحاً جداً.

  و الظاهر انّه‌ يستفاد من‌ بعض‌ الروايات‌ انّ الآيات‌ كانت‌ تُقرأ أيضاً في‌ حال‌ الإفاقة‌، حيث‌ كان‌ النبيّ يجد البقاء من‌ عالم‌ الفناء، فيسأل‌ آنذاك‌: كيف‌ قرأتم‌؟ و هو دليل‌ علی أنّه‌ يقرأ حال‌ الفناء و الإنقلاب‌، ثم‌ يقرأ أيضاً حين‌ تتغير حاله‌ فتعود الی وضعها الطبيعيّ.

 و في‌ الرواية‌ انّ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ سُئل‌: يا بن‌ رسول‌ الله‌! أكانت‌ الغشية‌ التي‌ كانت‌ تأخذ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ تكون‌ عند هبوط‌ جبرئيل‌؟ فقال‌: لا، إن‌ جبرئيل‌ عليه‌ السلام‌ إذا أتي‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ لم‌ يدخل‌ عليه‌ حتّي‌ يستأذنه‌، فإذا دخل‌ عليه‌ قعد بين‌ يديه‌ فعدة‌ العبد، و انّما ذلك‌ عند مخاطبة‌ الله‌ عزّوجلّ ايّاه‌ بغير ترجمان‌ و واسطة‌.

 و لدينا في‌ شأن‌ نزول‌ سورة‌ المائدة‌ و روايات‌ نزولها ـ مثلاً ـ انّها نزلت‌ علی النبيّ الاكرم‌ حين‌ ورد المدينة‌، فثقل‌ عليه‌ الوحي‌ حتّي‌ وقفت‌ ناقته‌ و تدلّي‌ بطنها حتّي‌ كادت‌ سرّتها تمسّ الارض‌.

  و الآيات‌ و الروايات‌ مختلفة‌ في‌ كيفيّة‌ نزول‌ السور القرآنيّة‌، و لبعضها دلالة‌ علی انّ الله‌ المتعال‌ كان‌ يتجلّي‌ و يوحي‌ الی نبيّه‌، وانّ هذا الوحي‌ كان‌ بلا واسطة‌، كما يُستفاد من‌ بعضها الآخر انّ الوحي‌ كان‌ يحصل‌ بواسطة‌ جبرئيل‌.

 الرجوع الي الفهرس

في‌ الآية‌ الكريمة‌:  إِلاَّ وَحيًْا أوْ مِن‌ وَرَایءحِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً

 و أساساً فقد جُعل‌ وحي‌ الله‌ قسيماً لإرسال‌ الرسل‌، و ذلك‌ في‌ الآية‌ الواردة‌ آخر سورة‌ الشوري‌ ح´م´س´ق‌´. في‌ قوله‌ تعالي‌:

 وَ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن‌ يُكَلِّمَهُ اللَهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن‌ وَرَاي‌ء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِي‌ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ. [12]

 أي‌ انّ الوحي‌ صار مقابلاً لإرسال‌ رسول‌ و مأمور و التكليم‌ من‌ وراء حجاب‌؛ فجبرئيل‌ ـ اذاً ـ لم‌ يكن‌ موجوداً حيثما كان‌ هناك‌ وحي‌.

 و لهذه‌ الآية‌ دلالة‌ واضحة‌ علی أنّ القرآن‌ حيثما كان‌ وحياً، فانّه‌ حصل‌ من‌ قبل‌ الحقّ المتعال‌ و نزل‌ علی الرسول‌ الاكرم‌ بلا واسطد؛ و بدون‌ جبرئيل‌ في‌ نهاية‌ الامر.

 أمّا في‌ المواضع‌ التي‌ كان‌ الوحي‌ ينزل‌ فيها بواسطة‌ جبرئيل‌، فانّ تجلّي‌ الله‌ لم‌ يكن‌ مباشراً آنذاك‌، و هذه‌ المسألة‌ في‌ غاية‌ الجلاء، لانّها دائرة‌ بين‌ النفي‌ و الإثبات‌ في‌ هيئة‌ الحصر المطلق‌:  إِلاَّ وَحْياً أوْ مِن‌ وَراي‌ء حِجَابٍ أَوو يُرْسِلَ رَسُولاً؛  فما كان‌ ينزل‌ بواسطة‌ جبرئيل‌ أو أعوانه‌ كان‌ مغايراً لمسألة‌ الوحي‌.

 و يبدو ـ بحسب‌ الظاهر ـ انّ الآيات‌ الواردة‌ في‌ بدء نزول‌ القرآن‌:

 بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَـ'نِ الرَّحِيمِ  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي‌ خَلَقَ  خَلَقَ الإنسَـ'نَ مِن‌ عَلَقٍ  اقْرَأ وَ رَبُّكَ الاْكْرَمُ  الَّذِي‌ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الإنْسَـ'نَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. [13]

 كانت‌ بعوان‌ الوحي‌ بواسطة‌ نفس‌ الحقّ المتعال‌؛ و أنّ جبرئيل‌ قد أورد ما بعدها.

 كما أنّ لدينا في‌ القرآن‌ آياتٍ ثلاث‌ لها دلالة‌ علی انّ القرآن‌ نزل‌ بواسطة‌ جبرئيل‌ و روح‌ القدس‌ و الروح‌ الامين‌:

 قُلْ مَن‌ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ و  نَزَّلَهُ و  علی قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَهِ. [14]

 قُلْ نَزَّلَهُ و  رُوحُ الْقُدُسِ مِن‌ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَّبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُوا. [15]

 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاْمِينُ  علی قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمنذَرِينَ  بِلِسَانٍ عَرَبِّيٍ مُّبِينٍ. [16]

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1]  ـ ذيل‌ الآية‌ 16، من‌ السورة‌ 40: غافر.

[2] ـ الآيتان‌ 159 و 160، من‌ السورة‌ 37: الصافّات‌.

[3] ـ ذيل‌ الآية‌ 21، من‌ السورة‌ 29: العنكبوت‌.

[4] ـ الآية‌ 17، من‌ السورة‌ 8: الانفال‌.

[5] ـ يقول‌: يا من‌ هو أسمي‌ ممّاتدّعيه‌ العقول‌، و أعلي‌ ممّا تنشده‌ الارواح‌

 يا من‌ هو علّة‌ هذا و ذاك‌؛ أنت‌ الذي‌ تعلم‌ ما أنت‌!

 و ليس‌ من‌ واقفٍ عليك‌ بوجهٍ من‌ الوجوه‌، فمَن‌ عرفك‌ فقد فَقَدَ نفسه‌!

 [6]- «مفاتیح الإعجاز » ص 75، و ما أجمل ما أورد الشعرانی هذا المعنی فی «طبقات الأخیار» ج 1، ص 182، عن العارف المشهور الشیخ ابراهیم الدسوقی، و نورد هنا شیئاًمنه:

تَجَلّی لِیَ المحبوبُ فی کلّ وِجهة                    فشاهدتُه فی کلّ معنی و صورة

و خاطبنی منّی بکشف سرائری                      فقال أتدری من أنا؟ قلت: مُنیتی

فأنت مُنای بل أنا أنت دائما                إذا کنت أنت الیوم عین حقیقتی

فقال کذاک الأمر لکنه إذا                  تعیّنت الأشیاء کنت کَنُسختی

فأوصلت ذاتی باتّحادی بذاته              بغیر حُلول بل بتحقیق نسبتی

فصرت فناء فی بقاء مؤبّد                  لذات بدَیمومة سَرمدیة

و غَیَّبنی عنّی فأصبحتُ سائلا                        لذاتیَ عن ذاتی لشُغلی بِغَیبتی

فأغدو و أمری بین أمرین واقف                        عُلومِیَ تَمحونی و وَهمِیَ مُثبِتی

[7] ـ ذيل‌ الآية‌ 29، و صدر الآية‌ 30، من‌ السورة‌ 7: الاعراف‌.

[8] ـ يقول‌: الوجود جارٍ و سارٍ في‌ كماله‌؛ و ليست‌ التعيّنات‌ الاّ اُموراً اعتباريّة‌.

[9] ـ «مفاتيح‌ الاعجاز» في‌ شرح‌ «گلشن‌ راز» ص‌ 61.

 و ترجمة‌ الشعر تنطبق‌ علی البيتين‌ اللذين‌ ذُكرا للتوّ (رقّ الزجاج‌ و رقّت‌ الخمر...) (م‌)

[10] ـ  خطر بذهن‌ الحقير عند تحرير هذه‌ المحاورات‌ أن‌ أقول‌:

 انّ فناء أفراد الإنسان‌ في‌ الذات‌ المقدّسة‌ للحقّ يحصل‌ علی صورتين‌:

 الاولي‌:  أن‌ تكون‌ حياتهم‌ الطبيعية‌ و المادّية‌ باقية‌، فيوفّقون‌ في‌ تلك‌ الحال‌ بنيل‌ مقام‌ الفناء، و هذا الفناء يحصل‌ قبل‌ الموت‌. و حينذاك‌ فانّ الافراد المؤمنين‌ المخلِصين‌ الذين‌ طووا السبيل‌ إلی الله‌ تعالي‌ يفنون‌ خلال‌ حياتهم‌ الدينويّة‌. و تبعاً لذلك‌ فانّ مقام‌ الفناء هذا يشبه‌ الحالات‌ المختلفة‌ التي‌ تحصل‌ لهم‌.

 في‌ معني‌:  مَا يَتَقَرَّبُ الی عَبْدٌ مِن‌ عِبَادِي‌ بِشَي‌ءٍ أَحَبَّ الی مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَقرَّبُ الی بِالنَّوافِلِ حَتَّي‌ أُحِبَّهُ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنتُ سَمْعَهُ الَّذِي‌ يَسْمَعُ بِهِ

 و يمكننا القول‌ بأنّ زيداً في‌ حال‌ الفناء، كما يمكننا القول‌ بأنّ زيداً ليس‌ في‌ حال‌ الفناء. و آنذاك‌ فانّ حال‌ الفناء و ال‌ عدم‌ الفناء حالتان‌ مختلفتان‌ تحصلان‌ لزيد. و بالطبع‌ فانّنا حيث‌ نقول‌ بانّهما تحصلان‌ لزيد، فانّ من‌ الجليّ انّهما تحصلان‌ لزيد و لتعيّنه‌. أي‌ تحصلان‌ لزيد المتعيّن‌ الموجود. و بالطبع‌ فانّ العين‌ الثابتة‌ موجودة‌ في‌ هذه‌ الحال‌. و هذه‌ الحال‌ هي‌ الواردة‌ في‌ الروايات‌ في‌ قوله‌:

 مَا يَتَقَرَّبُ إلی عَبْدٌ مِن‌ عِبَادِي‌ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلی مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ؛ وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلی بِالنَّوافِلِ حَتَّي‌ أُحِبَّهُ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنتُ سَمْعَهُ الَّذِي‌ يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي‌ يَبْصُرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي‌ يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي‌ يَبْطِشُ بِهَا؛ إِن‌ دَعَانِي‌ أجَبْتُهُ وَ إِن‌ سَأَلْنِي‌ أَعطَيْتُهُ.

 و قد ذكر هذا الحديث‌ بأسانيد مختلفة‌ في‌ كتب‌ الشيعة‌ المعتبرة‌، كـ «محاسن‌ البرقي‌» و كتاب‌ «الكافي‌». و أورده‌ الغزالي‌ في‌ «إحياء العلوم‌» كتاب‌ المحبّة‌ و الشوق‌ إلی الله‌. و قال‌ المرحوم‌ آية‌ الحقّ و العرفان‌ الحاج‌ الميرزا جواد اقاي‌ الملكي‌ التبريزي‌ في‌ كتاب‌ «لقاء الله‌»: هذا الحديث‌ متّفقٌ عليه‌ بين‌ جميع‌ المسلمين‌.

 و الخلاصة‌، فانّ هذا الحديث‌ الشريف‌ يبيّن‌ حال‌ فناء المؤمن‌ هذه‌ خلال‌ حياته‌ في‌ ذات‌ الحقّ؛ فالحّ حينذاك‌ يري‌ بعين‌ المؤمن‌ و يسمع‌ بأذنه‌ و ينطق‌ بلسانه‌ و يبطش‌ بيده‌. و هو نفسه‌ مراد الملاّ الرومي‌ في‌ أشعاره‌، و ذلك‌ في‌ قوله‌:

 گفت‌ نوح‌ اي‌ سركشان‌ مَن‌ مَن‌ نيم‌                 من‌ ز جان‌ مردم‌ به‌ جانان‌ مي‌زيم‌

 چون‌ ز جان‌ مُردم‌ به‌ جانان‌ زنده‌ام‌                   نيست‌ مرگم‌ تا أبد پاينده‌ام‌

 چون‌ بمُردم‌ از حواسات‌ بشر                         حقّ مرا شد سَمع‌ و إدراك‌ و بَصَر

 چون‌ كه‌ مَن‌ مَن‌ نيسم‌ اين‌ دَم‌ ز هوست‌                       پيش‌ اين‌ دم‌ هر كه‌ دم‌ زد كافر اوست‌

 هست‌ اندر نقش‌ اين‌ روباه‌ شير                     سوي‌ اين‌ روبَه‌ نشايد شد دلير *

 و من‌ المسلّم‌ في‌ هذا النوع‌ من‌ الفناء أنّ تعيّن‌ زيد باقٍ بلحاظ‌ أصل‌ الخلقة‌، لانّ الحقّ يري‌ بعين‌ زيدٍ هذا، و يسمع‌ بأذنه‌؛ فالفناء ـ اذاً ـ حال‌ له‌.

 و جليّ انّ زيداً هو صاحب‌ هذه‌ الحال‌، حيث‌ تخلّي‌ عن‌ وجوده‌ حال‌ الفناء، لكنّ اصل‌ زيديّته‌ باقٍ في‌ موضعه‌.

 و الظاهر انّ قول‌ محيي‌ الدين‌ ببقاء العين‌ الثابتة‌ لدي‌ الاشخاص‌ الفانين‌ كان‌ ناظراً إلی هذا الفناء.

 كما انّ فناء جميع‌ الموجودات‌ من‌ الجمادات‌ و النباتات‌؛ كالاشجار و الجبال‌ و السماوات‌ والارض‌ و النجوم‌؛ في‌ ذات‌ الحقّ تعالي‌ من‌ هذا القبيل‌، لانّها تفني‌ مع‌ بقاء أعيانها الثابتة‌ و هويّاتها. فهي‌ جمعياً في‌ مقام‌ التذلّل‌ و الخشوع‌. و الآية‌ القرآنيّة‌ الشريفة‌:  إِن‌ كُلُّ مَن‌ فِي‌ السَّمَوَاتِ وَ الاْرْضِ إِلاَّ ءَاتِيَ الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَـ'هُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا؛  راجعة‌ هي‌ الاخري‌ إلی هذا النوع‌ من‌ الفناء، لانّ هذه‌ الدرجة‌ من‌ العبوديّة‌ (التي‌ تمثّل‌ الفناء التكويني‌) تحصل‌ بتحقّق‌ الاءنيّات‌ و التعيّنات‌. لذا يقول‌ بأنّ الجميع‌ آتون‌ إلی الرحمن‌ و انّه‌ أحصاهم‌ و عدّهم‌. و واضحٌ انّ المجي‌ء و الاءحصاء و العدّ يحصل‌ بالنسبة‌ للموجودات‌ المتعيّنة‌.

 الثانيّة‌:  الفناء للذين‌ فقدوا حياتهم‌ الطبيعيّة‌ و الماديّة‌ الدنيويّة‌، و طووا عقبات‌ البرزخ‌ و القيامة‌ بعد هذه‌ الدنيا، فهم‌ من‌ المقرّبين‌ المخلصين‌ الباقين‌ بمقام‌ الفناء في‌ ذات‌ الحقّ. و هم‌ الذين‌ تخلّوا عن‌ أبدانهم‌ فلا أجساد لهم‌؛ ثم‌ تخلّوا عن‌ البرزخ‌ و القيامة‌ فلا نفوس‌ لهم‌ و لا صورة‌؛ و ورودا في‌ حرم‌ الحقّ تعالي‌ و تخطّوا جميع‌ التعيّنات‌، فليس‌ لهم‌ من‌ عين‌ ثابتة‌ و لا إنيّة‌ و لا تعيّن‌ و لا إسم‌ و رسم‌.

 و ربّما أُشير إلی إلی هذا الفناء في‌ قول‌ الشيخ‌ وليّ الله‌ الدهلوي‌ في‌ كتاب‌ «الهمعات‌» في‌ قوله‌: انّ حصول‌ الفناء يحدث‌ للاءنسان‌ بعد الموت‌ بخمسمائة‌ سنة‌.

 و ليس‌ هناك‌ في‌ هذا النوع‌ من‌ الفناء عينٌ ثابتة‌؛ فتبدّل‌ زيد إلی مقام‌ الفناء كتبدّل‌ الفراشة‌ إلی نار، و كتبدّل‌ حبّة‌ السكّر إلی الماء، و القطرة‌ إلی البحر، و دودة‌ الماء إلی بعضوة‌ و أمثال‌ ذلك‌، ممّا يمثل‌ تبدّلاً ماهويّاً و وجوديّاً. ففي‌ هذا النوع‌ من‌ التغيّر لم‌ يحصل‌ تغيّر حال‌ إلی حال‌ مع‌ بقاء العين‌ الثابتة‌ و الاءنيّة‌ كما في‌ النوع‌ الاوّل‌. بل‌ انّ تغيّراً و تبدّلاً ذاتياً حصل‌ في‌ هذا النوع‌،.شبه‌ بكلب‌ استحال‌ إلی ملح‌ في‌ حوض‌ الملح‌؛ فلم‌ يبقَ منه‌ عينٌ و لا أثر. حيث‌ لن‌ يبقي‌ لسالك‌ طريق‌ الله‌ بعد موته‌ من‌ أثر

 هَنِيئاً لاِرْبَابِ النَّعِيمِ نَعِيمُهُمْ               وَ لِلْعَاشِقِ المِسْكِينِ مَا يَتَجَرَّعُ

 والظاهر انّ ما كان‌ أستاذنا آية‌ الله‌ و سند الحقّ و العرفان‌ المرحوم‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ رضوان‌ الله‌ عليه‌ يصرّ عليه‌ في‌ محاوراته‌ مع‌ هذا الحقير الذي‌ كان‌ يقتضي‌ النفائس‌ في‌ بحر علومه‌ الزاخر، و لا يتنازل‌ عنه‌ بأيّ وجهٍ من‌ الوجوه‌ كما هو مُلاحظ‌، و كان‌ مُلزماً ببقائه‌ في‌ كلّ الاحوال‌ بعنوان‌ العين‌ الثابتة‌ و بقاء مرجع‌ الضمير، قد كان‌ الفناء من‌ النوع‌ الاوّل‌ الذي‌ يحصل‌ للسائك‌ في‌ الدنيا خلال‌ حياته‌، و المحسوب‌ كمالاتٍ و ملكات‌ له‌. جَزاهُ اللهُ عَن‌ العِلْمِ أَفْضَلَ جَزَاء المُعَلِّمِينَ، وَ رَحْمَةُ اللَهِ عَلَيه‌ رَحَمَةً وَاسِعَةً. بالرغم‌ من‌ انّه‌ يمكن‌ الاستفادة‌ من‌ بعض‌ عباراته‌ شمولها لكلا النوعين‌ من‌ الفناء.

 * يقول‌: قال‌ نوح‌ لقومه‌: اعلموا أيّها المتمرّدون‌ أنّي‌ لستُ أنا، فقدمتُّ من‌ الروح‌ فأنا حي‌ّ بالحبيب‌ و لانّي‌ متّ من‌ الروح‌ و عشتُ بالحبيب‌، فليس‌ هناك‌ من‌ موتٍ لي‌، فأنا خالدٌ أبد الدهر. و لانّي‌ متّ من‌ حواس‌ البر، فقد صار الله‌ أذني‌ و سمعي‌ و إدراكي‌.

 و لانّي‌ لستُ أنا، فانّ النَفَس‌ الذي‌ أتنفّسه‌ منه‌، فمن‌ تنفّس‌ قبل‌ هذا النفس‌ (و أظهر وجوده‌) كان‌ كافراً. انّ هناك‌ ضيغماً تحت‌ نقش‌ هذا الثعلب‌، و يجب‌ عدم‌ اظهار الشجاعة‌ مقابل‌ هكذا ثعلب‌!

 

[11] ـ الآيات‌ 40 ـ 43، من‌ السورة‌ 37: الصافّات‌.

[12] ـ الآية‌ 51، من‌ السورة‌ 42: الشوري‌.

[13] ـ الآيات‌ 1 إلی 15، من‌ السورة‌ 96: العلق‌.

[14] ـ صدر الآية‌ 97، من‌ السورة‌ 2: البقرة‌.

[15] ـ صدر الآية‌ 102، من‌ السورة‌ 16: النحل‌.

[16] ـ الآيات‌ 193 إلی 195، من‌ السورة‌ 26: الشعراء.

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com