بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة المعاد / المجلد العاشر / القسم الثانی: مکان الجنة، الجنة محل الاطهار، الممنوعین من الجنة

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

أين‌ تقع‌ الجنّة‌؟

هل‌ الجنّة‌ علی‌ الارض‌؟

 بَيدَ أنّ عبارة‌ الآية‌ كانت‌ علی‌ النحو التالي‌: أَوْرَثَنَا الاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ، ممّا يدلل‌ علی‌ وجود الترابط‌ العضويّ بين‌ الارض‌ والجنّة‌. والامر علی‌ هذه‌ الشاكلة‌ أيضاً في‌ باقي‌ الآيات‌ التي‌ تحدثت‌ عن‌ توريث‌ الارض‌، كما في‌ الآية‌: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الاْرْضَ مِن‌ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن‌ لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـ'هُم‌ بِذُنُوبِهِمْ.[1]  والآية‌: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـ'رِقَ الاْرْضِ وَمَغَـ'رِبَهَا الَّتِي‌ بَـ'رَكْنَا فِيهَا. [2]

 والخلاصة‌، فقد تابعت‌ آيات‌ كثيرة‌ هذا النهج‌، وأشارت‌ تصريحاً أو تلميحاً إلی أنّ الجنّة‌ واقعة‌ علی‌ هذه‌ الارض‌؛ مثل‌ الآية‌: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّـ'رُ لِمَنْ عُقْبَي‌ الدَّارِ.[3]

 وأصرح‌ منها دلالة‌، الآية‌ الكريمة‌: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَو'ةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَـ'هُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَـ'ئِِكَ لَهُمْ عُقْبَي‌ الدَّارِ * جَنَّـ'تُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن‌ صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَ ' جِهِمْ وَذُرِّيَّـ'تِهِمْ وَالْمَلَـ'ئِكَةُ يَدْخُلُونَ علیهِم‌ مِّن‌ كُلِّ بَابٍ * سَلَـ'مٌ علیكُم‌ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَي‌ الدَّارِ. [4]

 حيث‌ يلاحظ‌ في‌ هذه‌ الآية‌ أنّ « جنّـ'ت‌ عدن‌ » قد وردت‌ صفةً ل « عُقبي‌ الدار »، أو بدلاً منها أو معطوفةً علیها، وسيصبح‌ مضمونها في‌ كلّ الاحوال‌ أنّ عُقبي‌ الدار هي‌ نفسها « جَنَّـ'تُ عَدْنٍ ».

 وكما نعلم‌ أنّ تحقّق‌ معني‌ الدخول‌ يستلزم‌ الدخول‌ ضمناً، فيكون‌ مَثَل‌ الداخلين‌ في‌ الجنّة‌ كمثل‌ من‌ يسكن‌ الارض‌ ثمّ يبني‌ لنفسه‌ فيها منزلاً، ثمّ يزيّن‌ إحدي‌ غرف‌ ذلك‌ المنزل‌ فيدخلها؛ حيث‌ يُقال‌ حينئذٍ إنّه‌ دخل‌ هذه‌ الغرفة‌ الموجودة‌ في‌ هذا المنزل‌ الموجود علی‌ الارض‌.

 فالدخول‌ إلی الجنّة‌ إذَاً، هو الارتقاء بعد الكمالات‌، وهو الدخول‌ في‌ الاوج‌ من‌ بعد الحضيض‌.

 الرجوع الي الفهرس

الآيات‌ الدالّة‌ علی‌ أنّ الارض‌ يرثها المتّقون‌ في‌ هيئة‌ الجنّة‌

 وقد وردت‌ في‌ القرآن‌ الكريم‌ آيات‌ أُخري‌ بهذه‌ المثابة‌، كما في‌ الآية‌:

 قَالَ مُوسَي‌' لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَهِ وَاصْبِرُو´ا إِنَّ الاْرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن‌ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَـ'قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. [5]

 والآية‌: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي‌ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن‌ كَانَ تَقِيًّا. [6]

 والآية‌: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي‌´ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم‌ تَعْمَلُونَ. [7]

 وقد وردت‌ في‌ هذا الشأن‌ روايتان‌ فسّرتا الوراثة‌ علی‌ نحوٍ آخر، إلاّ أنّ أيّة‌ منهما لا تتنافي‌ مع‌ وراثة‌ الارض‌.

 الاُولي‌ في‌ « تفسير مجمع‌ البيان‌ »؛ فقد روي‌ عن‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌الله‌ علیه‌ وآله‌ أ نّه‌ قال‌: مَا مِنْ أَحَدٍ إلاَّ وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي‌ الجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي‌ النَّارِ؛ فَأَمَّا الكَافِرُ فَيَرِثُ المُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ فِي‌ النَّارِ؛ وَالمُؤْمِنُ يَرِثُ الكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ. [8] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ». [9]

 الثانية‌ في‌ كتاب‌ « ثواب‌ الاعمال‌ » للصدوق‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ سعد، عن‌ أحمدبن‌ الحسين‌، عن‌ عثمان‌ بن‌ عيسي‌، عن‌ بعض‌ أصحابه‌، عن‌ أبي‌ عبدالله‌ ( الصادق‌) علیه‌ السلام‌، قال‌:

 ما خلق‌ الله‌ خلقاً إلاّ جعل‌ له‌ في‌ الجنّة‌ منزلاً وفي‌ النار منزلاً، فإذا سكن‌ أهل‌ الجنّة‌ الجنّة‌ وأهل‌ النار النار نادي‌ منادٍ: يا أهل‌ الجنّة‌ أشرفوا! فيشرفون‌ علی‌ النار وتُرفع‌ لهم‌ منازلهم‌ في‌ النار، ثمّ يُقال‌ لهم‌: هذه‌ منازلكم‌ التي‌ لو عصيتم‌ ربّكم‌ دخلتموها. قال‌: فلو أنّ أحداً مات‌ فرحاً لمات‌ أهل‌ الجنّة‌ في‌ ذلك‌ اليوم‌ فرحاً لما صُرف‌ عنهم‌ من‌ العذاب‌. ثمّ ينادون‌: يامعشر أهل‌ النار! ارفعوا رؤوسكم‌ فانظروا إلی منازلكم‌ في‌ الجنّة‌. فيرفعون‌ رؤوسهم‌ فينظرون‌ إلی منازلهم‌ في‌ الجنّة‌ وما فيها من‌ النعيم‌. فيُقال‌ لهم‌: هذه‌ منازلكم‌ التي‌ لو أطعتم‌ ربّكم‌ دخلتموها. قال‌: فلو أنّ أحداً مات‌ حزناً، لمات‌ أهل‌ النار ذلك‌ اليوم‌ حزناً، فيورث‌ هؤلاء منازل‌ هؤلاء، وهؤلاء منازل‌ هؤلاء، وذلك‌ قول‌ الله‌ عزّ وجلّ:

 أُولَـ'ئِِكَ هُمُ الْوَ ' رِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـ'لِدُونَ. [10]

 والخلاصة‌، فإنّ هذا النحو من‌ توارث‌ منازل‌ الجنّة‌ والنار محفوظ‌ في‌ موضعه‌، إلاّ أ نّه‌ لا يتنافي‌ مطلقاً مع‌ كون‌ الجنّة‌ علی‌ هذه‌ الارض‌، وأنّ التوارث‌ المذكور يحصل‌ علیها.

 ولابدّ من‌ العلم‌ أنّ تلك‌ الارض‌ لن‌ تماثل‌ هذه‌ الارض‌، وأ نّها ستكون‌ أرضاً أُخري‌ طاهرة‌ ونورانيّة‌.

 يَوْمَ تُبَدَّلُ الاْرْضُ غَيْرَ الاْرْضِ. [11]

 وَأَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا. [12]

 وَالاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ و يَوْمَ الْقِيَـ'مَةِ. [13]

 والشاهد علی‌ كلامنا أنّ أصحاب‌ الجنّة‌ كلّما رزقوا من‌ رزق‌ يوم‌ القيامة‌ قالوا هذا الذي‌ رُزقنا من‌ قبلُ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن‌ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَـ'ذَا الَّذِي‌ رُزِقْنَا مِن‌ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَـ'بِهًا. [14]

 قال‌ علی‌ّ بن‌ إبراهيم‌ في‌ تفسيره‌ في‌ قوله‌ تعالي‌: وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَي‌ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَي‌'؛ [15] قال‌: في‌ السماء السابعة‌. وأمّا الردّ علی‌ من‌ أنكر خلق‌ الجنّة‌ والنار، فقوله‌: «عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَي‌'». أَي‌ْ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَي‌؛ فَسِدْرَةُ المُنْتَهَي‌ فِي‌ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَجَنَّةُ المَأْوَي‌ عِنْدَهَا. [16]

 ويستفاد من‌ كلامه‌ أنّ الجنّة‌ واقعة‌ في‌ السماء السابعة‌. أمّا العلاّمة‌ المجلسيّ رضوان‌ الله‌ علیه‌ فقد قال‌ في‌ مكان‌ الجنّة‌: « وأما مكانهما ( أي‌ مكان‌ الجنّة‌ والنار ) فقد عرفتَ أنّ الاخبار تدلّ علی‌ أنّ الجنّة‌ فوق‌ السماوات‌ السبع‌... وعلیه‌ أكثر المسلمين‌ ». [17]

 ولا تتنافي‌ هذه‌ المطالب‌ مع‌ كون‌ محلّ الجنّة‌ علی‌ الارض‌، لعدم‌ وضوح‌ أنّ السماوات‌ السبع‌ هي‌ هذه‌ السماوات‌ الطبيعيّة‌ أم‌ لا، لانّ جميع‌ هذه‌ السماوات‌ بنجومها من‌ الشمس‌ والكواكب‌ والسيّارات‌ والمنظومات‌ والمجرّات‌ تشكّل‌ سماء الدنيا تبعاً للآية‌ الشريفة‌: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَ ' كِبِ. [18]

 ومن‌ هنا، فإنّ كون‌ السماء السابعة‌ ومافوقها مختفٍ في‌ بطون‌ عالم‌ المُلك‌ وطبقاته‌ الكامنة‌، لا يتنافي‌ مع‌ كونها في‌ ملكوت‌ الارض‌، إذ يمكن‌ أن‌ يكون‌ ملكوت‌ الارض‌ وباطنها هو السماء السابعة‌ حيث‌ محلّ الجنّة‌. ويشهد علی‌ هذا المطلب‌ أنّ الارض‌ ستشبه‌ هذه‌ الارض‌ من‌ جهة‌، وستختلف‌ عنها من‌ جهة‌ أُخري‌. فهي‌ حينذاك‌ كهذه‌ الارض‌ باعتبار أ نّها مثلها، وهي‌ مختلفة‌ عن‌ الارض‌ باعتبار أ نّها قد أُبدلت‌ بأرض‌ أُخري‌ مشرقة‌ ونورانيّة‌، وأ نّها في‌ قبضة‌ الله‌ تعالي‌.

 ويدعم‌ هذه‌ الكلام‌ آيتان‌ قرآنيّتان‌ كريمتان‌، تدلاّن‌ علی‌ أنّ عرض‌ الجنّة‌ بقدر السماوات‌ والارض‌؛ الاُولي‌: الآية‌ 133، من‌ السورة‌ 3: آل‌عمران‌:

 وَسَارِعُو´ا إلَي‌' مَغْفِرَةٍ مِّن‌ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَـ'وَ ' تُ وَالاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.

 والثانية‌: الآية‌ 21، من‌ السورة‌ 57: الحديد:

 سَابِقُو´ا إِلَي‌' مَغْفِرَةٍ مِّن‌ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالاْرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَهِ وَرُسُلِهِ.

 الرجوع الي الفهرس

الجنّة‌ والنار كالنهار والليل‌، لا يتزاحمان‌ ولا يجتمعان‌

 وقد سئل‌ الرسول‌ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌: إذَا كَانَتِ الجَنَّةُ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالاَرْضِ، فَأَيْنَ تَكُونُ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِي‌ُّ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَهِ! إذَا جَاءَ النَّهَارُ فَأَيْنَ اللَّيْلُ؟ [19]

 وهو كلام‌ مُثقل‌ بالدرر يمكن‌ أن‌ تستخرج‌ منه‌ أبواب‌ في‌ العلم‌ والمعرفة‌، وأن‌ يُتوصَّل‌ من‌ خلاله‌ إلی حقيقة‌ الجنّة‌ والنار؛ فقد أراد النبي‌ّ بيان‌ أنّ الليل‌ والنهار أمران‌ عارضان‌ علی‌ الارض‌، وأ نّهما لايجتمعان‌ معاً.

 فحين‌ يأتي‌ الليل‌ سيطبق‌ الظلام‌ علی‌ أرجاء العالم‌، وتتلاشي‌ جميع‌ نقاط‌ النور؛ أمّا حين‌ يأتي‌ النهار، فسيعمّ النور العالم‌ ويزيح‌ عنه‌ عتمة‌ الليل‌. وكذا الامر بالنسبة‌ إلی الجنّة‌ والنار باعتبارهما أمران‌ عارضان‌ علی‌ السماء والارض‌. فالجنّة‌ هي‌ الباطن‌ والملكوت‌ وفي‌ عالم‌ القُرب‌؛ أمّا النار ففي‌ عالم‌ الظاهر والمُلك‌ وفي‌ عالم‌ البُعد. وهما لايتعارضان‌ مع‌ بعضهما أبداً.

 موطن‌ الجنّة‌ هو عالم‌ المعني‌ والحقيقة‌، وهو عالم‌ العلم‌ والعرفان‌ ورفع‌ الحجب‌ وكشف‌ المجهولات‌؛ أمّا موطن‌ النار فعالم‌ الباطل‌ والمجاز، وعالم‌ الجهل‌ والعمي‌ والحجب‌ وتراكم‌ المجهولات‌. ولا يمكن‌ لهذه‌ الاُمور أن‌ تجتمع‌ مع‌ بعضها.

 إنّ العلم‌ يأتي‌ فيُزيح‌ الجهل‌، والحقّ يأتي‌ فيمحق‌ الباطل‌، والحجب‌ تنكشف‌ فتُسفر عن‌ طلعة‌ الحبيب‌، والجنّة‌ تأتي‌ فتزيل‌ النار، والنهار يطلع‌ فيعقب‌ الليل‌ ويمحوه‌.

 ومن‌ هنا، فإنّ الجنّة‌ موجودة‌ في‌ السماوات‌ والارض‌، وعرضها بقدر السماوات‌ والارض‌، وكذا الحال‌ بالنسبة‌ إلی جهنّم‌. بَيدَ أنّ الجنّة‌ إذا وجدت‌، فُقدت‌ النار لا نّها موجودة‌ في‌ زمن‌ آخر وفي‌ رتبة‌ البُعد الملكوتي‌ّ، وليس‌ ثمّة‌ تزاحم‌ بينهما، كما أ نّهما لا يجتمعان‌ أبداً.

 وفي‌ مرحلة‌ النفس‌ البشريّة‌، فحين‌ تحقّق‌ طلوع‌ العلم‌ والعرفان‌ وكشف‌ الحجب‌ النورانيّة‌ والظلمانيّة‌، فسيزول‌ الجهل‌ والعماء والحجب‌ من‌ أرجاء تلك‌ النفس‌.

 ولو نظرنا إلی مرحلة‌ ظهور نور العلم‌ وإشراقه‌ علی‌ هياكل‌ عالم‌ الكثرة‌ وعلی‌ الموجودات‌ الارضيّة‌ والسماويّة‌، لوجدنا للجنّة‌ تجلّياً؛ أمّا مرحلة‌ الخفاء وا لعماء التي‌ ينظر فيها كلّ موجود من‌ الموجودات‌ الارضيّة‌ والسماويّة‌ نظراً استقلاليّاً، فإنّها تمثّل‌ تجلّي‌ النار وظهورها.

 ويتلخّص‌ المطلب‌ في‌ أنّ الجنّة‌ التي‌ عرضها كعرض‌ السماوات‌ والارض‌ هي‌ عالم‌ الواقع‌ والملكوت‌ الذي‌ لايتعارض‌ مع‌ النار. وهي‌ ملكوت‌ الارض‌ الذي‌ يصدق‌ في‌ شأنه‌ قوله‌ تعالي‌: وَأَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.

 وقوله‌: يَوْمَ تُبَدَّلُ الاْرْضُ غَيْرَ الاْرْضِ.

 وقوله‌: وَالاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ و يَوْمَ الْقِيَـ'مَةِ.

 ويتّضح‌ بهذا البيان‌ جواب‌ إشكال‌ آخر يقول‌: إذا كانت‌ الجنّة‌ في‌ السماء، فكيف‌ يكون‌ عرضها كعرض‌ السماوات‌ والارض‌؟ كما تتّضح‌ سخافة‌ وضحالة‌ الاجوبة‌ التي‌ نقلها صاحب‌ « تفسير مجمع‌ البيان‌ » عن‌ أنس‌بن‌ مالك‌، وعن‌ قتادة‌، وعن‌ أبي‌ بكر أحمد بن‌ علی‌ّ، وعن‌ آخرين‌ غيرهم‌. [20]

 الرجوع الي الفهرس

الجنّة‌ والنار موجودتان‌ حاليّاً

 وعلینا أن‌ نري‌ الآن‌ هل‌ الجنّة‌ والنار موجودتان‌ فعلاً؟ أم‌ أ نّهما ستُخلقان‌ فيما بعد؟

 لقد علمنا من‌ خلال‌ كثير من‌ المباحث‌ السابقة‌ ـكمسألة‌ تجسّد الاعمال‌، وعدم‌ ضياع‌ شي‌ء في‌ عالم‌ التكوين‌، ومسألة‌ المعاد الجسماني‌ّـ أنّ الجنّة‌ والنار موجودتان‌ فعلاً. وقد صرّحت‌ بهذا المطلب‌ الآية‌ المباركة‌ في‌ سورة‌ يس‌:

 قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَـ'لَيْتَ قَوْمِي‌ يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَلِي‌ رَبِّي‌ وَجَعَلَنِي‌ مِنَ الْمُكْرَمِينَ. [21]

 كما أنّ الآية‌ المباركة‌ في‌ سورة‌ نوح‌: مِمَّا خَطِي´ــَـ'تِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا. [22] صريحة‌ في‌ هذا الشأن‌ أيضاً.

 ونكتفي‌ في‌ هذا المجال‌ بذكر عدّة‌ روايات‌:

 فقد روي‌ الشيخ‌ الصدوق‌ في‌ « عيون‌ أخبار الرضا » و « التوحيد » عن‌ علی‌ّبن‌ إبراهيم‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ الهروي‌ّ؛ وروي‌ الشيخ‌ الطبرسي‌ّ في‌ « الاحتجاج‌ » مرسلاً عن‌ الهروي‌ّ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا علیهِ السَّلاَمُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَهِ! أَخْبِرْنِي‌ عَنِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَهُمَا اليَوْمَ مَخْلُوقَانِ؟

 فَقَالَ: نَعَمْ، وَإنَّ رَسُولَ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَرَأَي‌ النَّارَ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إلی السَّمَاءِ.

 قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ قَوْماً يَقُولُونَ: إنَّهُمَا اليَوْمَ مُقَدَّرَتَانِ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ!

 فَقَالَ علیهِ السَّلاَمُ: مَا أُولَئِكَ مِنَّا وَلاَ نَحْنُ مِنْهُمْ. مَنْ أَنْكَرَ خَلْقِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِي‌َّ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَكَذَّبَنَا، وَلَيْسَ مِنْ وَلاَيَتِنَا علی‌ شَي‌ْءٍ، وَخُلِّدَ فِي‌ نَارِ جَهَنَّمَ! قَالَ اللَهُ عَزَّ وَجَلَّ: «هَـ'ذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي‌ يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ».

 وَقَالَ النَّبِي‌ُّ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا عُرِجَ بِي‌ إلی السَّمَاءِ أَخَذَ بِيَدِي‌ جَبْرَئِيلُ فَأَدْخَلَنِي‌ الجَنَّةَ فَنَاوَلَنِي‌ مِنْ رُطَبِهَا فَأَكَلْتُهُ، فَتَحَوَّلَ ذَلِكَ نُطْفَةً فِي‌ صُلْبِي‌، فَلَمَّا هَبَطْتُ إلی الاَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ؛ فَفَاطِمَةُ حَوْرَاءُ إنْسِيَّةٌ.

 فَكُلَّمَا اشْتَقْتُ إلی رَائِحَةِ الجَنَّةِ شَمَمْتُ رَائِحَةَ ابْنَتِي‌ فَاطِمَةَ. [23]

 ووفق‌ هذا النهج‌، فقد ورد في‌ « تفسير علی‌ّ بن‌ إبراهيم‌ »: كان‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ يكثر تَقْبِيلَ فاطمة‌ علیها وعلی‌ أبيها وبعلها وأولادها ألف‌ ألف‌ التحيّة‌ والسلام‌، فأنكرتْ ذلك‌ عائشة‌، فقال‌ رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌: يا عائشة‌! إنّي‌ لمّا أُسري‌ بي‌ إلی السماء دخلتُ الجنّة‌ فأدناني‌ جبرائيل‌ من‌ شجرة‌ طوبي‌ وناولني‌ من‌ ثمارها فأكلتُه‌ فحوّل‌ اللهُ ذلك‌ ماءً في‌ ظهري‌، فلمّا هبطتُ إلی الارض‌ واقعتُ خديجةَ فحملت‌ بفاطمةَ، فما قبّلتُها قطّ إلاّ وجدتُ رائحة‌ شجرة‌ طوبي‌ منها. [24]

 وروي‌ الصدوق‌ في‌ « الخصال‌ » عن‌ ابن‌ الوليد، عن‌ الصفّار، عن‌ ابن‌ أبي‌ الخطّاب‌، عن‌ محمّد بن‌ عبدالله‌ بن‌ هلال‌، عن‌ علاء، عن‌ محمّد، عن‌ أبي‌جعفر ( الباقر) علیه‌ السلام‌، قَالَ:

 وَاللَهِ مَا خَلَتِ الجَنَّةُ مِنْ أَرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ مُنْذُ خَلَقَهَا، وَلاَ خَلَتِ النَّارُ مِنْ أَرْوَاحِ الكُفَّارِ العُصَاةِ مُنْذُ خَلَقَهَا عَزَّ وَجَلَّ ـ الخبر. [25]

 وجاء في‌ « تفسير النعماني‌ّ » في‌ الرواية‌ الواردة‌ عن‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌؛ قال‌: وأمّا الردّ علی‌ مَن‌ أنكر خلق‌ الجنّة‌ والنار، فقال‌ الله‌ تعالي‌: عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَي‌' * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَي‌'. [26]

 وقال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ واله‌ وسلّم‌: دخلتُ الجنّة‌ فرأيتُ فيها قصراً من‌ ياقوت‌ أحمر، يُري‌ داخله‌ من‌ خارجه‌، وخارجه‌ من‌ داخله‌ من‌ نوره‌، فقلتُ: يا جبرئيل‌! لمن‌ هذا القصر؟!

 فقال‌: لِمَنْ أَطَابَ الكَلاَمَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.

 فقلت‌: يا رسول‌ الله‌! وفي‌ أُمّتك‌ مَن‌ يطيق‌ هذا؟

 فقال‌ لي‌: ادنُ منّي‌! فدنوت‌.

 فقال‌: ما تدري‌ ما إطابة‌ الكلام‌؟

 فقلتُ: الله‌ ورسوله‌ أعلم‌.

 فقال‌: هو سُبْحَانَ اللَهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ وَاللَهُ أَكْبَرُ. أتدري‌ ما إدامة‌ الصيام‌؟

 فقلتُ: الله‌ أعلم‌ ورسوله‌.

 فقال‌: مَنْ صام‌ شهر رمضان‌ ولم‌ يفطر منه‌ يوماً. أتدري‌ ما إطعام‌ الطعام‌؟

 فقلتُ: الله‌ ورسوله‌ أعلم‌.

 فقال‌: مَنْ طلب‌ لعياله‌ ما يكفّ به‌ وجوههم‌. أتدري‌ ما التهجّد بالليل‌ والناس‌ نيام‌؟

 فقلتُ: الله‌ ورسوله‌ أعلم‌.

 فقال‌: من‌ لا ينام‌ حتّي‌ يصلّي‌ العشاء الآخرة‌. ويريد بالناس‌ هاهنا اليهود والنصاري‌، لا نّهم‌ ينامون‌ بين‌ الصلاتينِ.

 وقال‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌: لمّا أُسري‌ بي‌ إلی السماء، دخلت‌ الجنّة‌ فَرَأَيْتُ فِيهَا قِيعَانَ وَرَأَيْتُ فِيهَا مَلاَئِكَةً يَبْنُونَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَرُبَّمَا أَمْسَكُوا. فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ قَدْ أَمْسَكْتُمْ؟

 فَقَالُوا: حَتَّي‌ تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ.

 فَقُلْتُ: وَمَا نَفَقَتُكُمْ؟

 قَالُوا: قَوْلُ المُؤْمِنُ: «سُبْحَانَ اللَهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، وَاللَهُ أَكْبَرُ» فَإذَا قَالَ بَنَيْنَا، وَإذَا سَكَتَ أَمْسَكْنَا.

 وقال‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌: لمّا أُسري‌ بي‌ إلی سبع‌ سماواته‌، وأخذ جبرئيل‌ بيدي‌ وأدخلني‌ الجنّة‌ وأجلسني‌ علی‌ درنوك‌ من‌ درانيك‌ الجنّة‌ وناولني‌ سفرجلة‌، فانفلقت‌ نصفين‌ وخرج‌ حوراء منها فقامت‌ بين‌ يدي‌ وقالت‌: السَّلاَمُ علیكَ يَا مُحَمَّدُ! السَّلاَمُ علیكَ يَا أَحْمَدُ! السَّلاَمُ علیكَ يَا رَسُولَ اللَهِ!

 فقلتُ: وَعلیكِ السَّلاَمُ، مَن‌ أنتِ؟

 فقالت‌: أنا الراضية‌ المرضيّة‌، خلقني‌ الجبّار من‌ ثلاثة‌ أنواع‌، أعلاي‌ من‌ الكافور، ووسطي‌ من‌ العنبر، وأسفلي‌ من‌ المسك‌، عُجنت‌ بماء الحيوان‌؛ قال‌ لي‌ ربّي‌: كوني‌ فكنتُ لاخيك‌ ووصيّك‌ علی‌ّبن‌ أبي‌ طالب‌.

 وهذا ومثله‌ دليل‌ علی‌ خَلْق‌ الجنّة‌، وبالعكس‌ من‌ ذلك‌ الكلام‌ في‌ النار. [27]

 وروي‌ الشيخ‌ الطوسيّ في‌ « الامالي‌ » صدر هذه‌ الرواية‌ بسنده‌ المتّصل‌ عن‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌. [28]

 وفي‌ « تفسير علی‌ّ بن‌ إبراهيم‌ » بإسناده‌ إلی حذيفة‌ بن‌ اليمان‌، قال‌: دخلت‌ عائشة‌ علی‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ وهو يقبّل‌ فاطمة‌ علیها السلام‌ وقالت‌: يا رسول‌ الله‌! أتقبّلها وهي‌ ذات‌ بعل‌؟!

 ( فيذكر رسول‌ الله‌ حديث‌ المعراج‌ حتّي‌ يصل‌ إلی قوله‌: )

 ثمّ أخذ جبرئيل‌ علیه‌ السلام‌ بيدي‌ فأدخلني‌ الجنّة‌ وأنا مسرور، فإذا أنا بشجرة‌ من‌ نورٍ، فإذا أنا بتفّاح‌ لم‌ أر تفّاحاً أعظم‌ منه‌، فأخذتُ واحدة‌ ففلقتها، فخرجت‌ علی منها حوراء كأنّ أجفانها مقاديم‌ أجنحة‌ النسور.

 فقلتُ: لمن‌ أنت‌؟

 فبكت‌، وقالت‌: لاِبْنِكَ المَقْتُولُ ظُلْماً: الحُسَيْنِ بْنِ علی‌ِّبْنِ أَبِي‌ طَالِبٍ علیهِمَا السَّلاَمُ.

 ثمّ تقدّمتُ أمامي‌ فإذا أنا برطب‌ ألين‌ من‌ الزبد وأحلي‌ من‌ العسل‌، فأخذتُ رطبة‌ فأكلتُها وأنا أشتهيها، فتحوّلت‌ الرطبة‌ نطفة‌ في‌ صلبي‌، فلمّا هبطت‌ إلی الارض‌ واقعتُ خديجة‌ فحملتْ بفاطمة‌، ففاطمة‌ حوراء إنسيّة‌، فإذا اشتقت‌ إلی رائحة‌ الجنّة‌ شممتُ رائحة‌ ابنتي‌ فاطمة‌ علیها السلام‌. [29]

 وفي‌ « مجموعة‌ ورّام‌ بن‌ أبي‌ فراس‌ » عن‌ أبي‌ أيّوب‌ الانصاري‌ّ، عن‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌، قال‌:

 لَيْلَةَ أُسْرِي‌ بِي‌ مَرَّ بِي‌ إبْرَاهِيمُ علیهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا مِن‌ غَرْسِ الجَنَّةِ! فَإنَّ أَرْضَهَا وَاسِعَةٌ وَتُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ.

 قُلْتُ: وَمَا غَرْسُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ. [30]

 الرجوع الي الفهرس

مَن‌ ذكر الله‌، غرس‌ الله‌ له‌ شجرة‌ في‌ الجنّة

 وروي‌ الكليني‌ّ في‌ « الكافي‌ » عن‌ جماعة‌ من‌ الاصحاب‌، عن‌ الفضيل‌ ابن‌عبدالوهاب‌، عن‌ إسحاق‌ بن‌ عبيد الله‌، عن‌ عبيد الله‌بن‌ الوليد، وروي‌ الصافي‌ّ مرفوعاً عن‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌، قال‌:

 مَنْ قَالَ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، غُرِسَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي‌ الجَنَّةِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مَنْبَتُهَا فِي‌ مِسْكٍ أَبْيَضَ، أَحْلَي‌ مِنَ العَسَلِ وَأَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحاً مِنَ المِسْكِ، فِيهَا أَمْثَالُ ثَدْي‌ِ الاَبْكَارِ تَعْلُو عَنْ سَبْعِينَ حُلَّة‌.

 وَقَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ العِبَادَةِ قَوْلُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ.

 وَقَالَ: خَيْرُ العِبَادَةِ الاسْتِغْفَارُ؛ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي‌ كِتَابِهِ: «فَاعْلَمْ أَ نَّهُ و لآ إلَـ'هَ إِلاَّ اللَهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ». [31]

 وروي‌ الصدوق‌ في‌ « الامالي‌ » عن‌ أحمد بن‌ هارون‌ الفامي‌ّ، عن‌ محمّدبن‌ عبدالله‌ الحميري‌ّ، عن‌ أبيه‌، عن‌ أحمد بن‌ محمّدبن‌ خالد، عن‌ أبي‌عبدالله‌ ( الصادق‌) علیه‌ السلام‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ جدّه‌ علیهم‌ السلام‌، قال‌:

 قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَهِ، غَرَسَ اللَهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً فِي‌ الجَنَّةِ. وَمَنْ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، غَرَسَ اللَهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً فِي‌ الجَنَّةِ؛ وَمَنْ قَالَ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، غَرَسَ اللَهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً فِي‌ الجَنَّةِ؛ وَمَنْ قَالَ: اللَهُ أَكْبَرُ، غَرَسَ اللَهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً فِي‌ الجَنَّةِ.

 فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: يَا رَسُولَ اللَهِ! إنَّ شَجَرَنَا فِي‌ الجَنَّةِ لَكَثِيرٌ!

 قَالَ: نَعَمْ! وَلَكِنْ إيَّاكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا علیهَا نِيرَاناً فَتُحْرِقُوهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «يَـ'´أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو´ا أَطِيعُوا اللَهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُو´ا أَعْمَـ'لَكُمْ». [32]

 فإن‌ قال‌ شخص‌ ما: إذا كانت‌ الجنّة‌ والنار مخلوقتين‌، وكان‌ من‌ المسلّم‌ أنّ موضع‌ النار علی‌ الارض‌، وكان‌ موضع‌ الجنّة‌ ـ كما هو مستفاد من‌ الآيات‌ القرآنيّة‌ علی‌ وجه‌ التقريب‌ـ في‌ ملكوت‌ الارض‌، فلماذا إذاً لايراهما الناس‌؟

 والإجابة‌ علی‌ ذلك‌ هي‌ أنّ الناس‌ لم‌ يمتلكوا أعيناً تري‌ الجنّة‌ والنار. ولو تطلّعوا بتلك‌ الاعين‌ لرأوهما. وقد برهنّا في‌ بحث‌ تجسّد الاعمال‌ علی‌ أنّ أيّ عمل‌ سوف‌ لن‌ يضمحلّ في‌ عالم‌ التكوين‌، وأ نّه‌ يمتلك‌ صوراً مختلفة‌ في‌ النشآت‌ المختلفة‌؛ وأنّ الجنّة‌ والنار ليستا إلاّ ظهوراً لحقائق‌ الاعمال‌.

 وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ. [33]

 وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن‌ يَرَي‌'. [34]

 ولهذا فإنّ أعين‌ الناس‌ حين‌ تبصر الحقائق‌ وتدركها يوم‌ القيامة‌، فإنّما تبصرها إثر التجرّد الذي‌ سيحصل‌ لها. ولو أُعطيت‌ ذلك‌ التجرّد في‌ هذا العالَم‌، لشاهدت‌ الجنّة‌ والنار عياناً كما عاينها رسول‌ الله‌ والائمّة‌ المعصومون‌ وأولياء الله‌ تعالي‌.

 وتعبير أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ له‌ دلالة‌ جليّة‌ علی‌ هذا المعني‌، في‌ قوله‌ تعالي‌: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. [35]

 لانّ الزلفي‌ والقرب‌ إنّما يقالان‌ للشي‌ء الموجود البعيد الذي‌ يقرّب‌، ومن‌ الجلي‌ّ أنّ تقريب‌ الجنّة‌ هو تقريب‌ إدراك‌ الإنسان‌ لحقيقتها شأنها في‌ ذلك‌ شأن‌ العبادات‌ التي‌ نقوم‌ بها تقرّباً إلی الله‌ تعالي‌، ونهدف‌ بها رفع‌ الحجب‌ وتقريب‌ الإدراك‌، ولا نقصد والعياذ بالله‌ أ نّنا بعيدون‌ عن‌ الله‌ وأ نّنا نقترب‌ منه‌ بالعبادة‌.

 وقد ورد في‌ القرآن‌ الكريم‌ أنّ لجهنّم‌ سبعة‌ أبواب‌:

 لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَ ' بٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ. [36]

 الرجوع الي الفهرس

الجنّة‌ ذات‌ ثمانية‌ أبواب‌

 أمّا أبواب‌ الجنّة‌، فليس‌ من‌ آية‌ في‌ القرآن‌ تتحدّث‌ عن‌ عددها، بَيدَ أ نّه‌ قد ورد في‌ أخبار كثيرة‌ أنّ لها ثمانية‌ أبواب‌. وربّما كان‌ السرّ في‌ ذلك‌ هو أنّ رحمة‌ الله‌ سبقت‌ غضبه‌، وفقاً للآية‌ الكريمة‌: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم‌ مِّنَّا الْحُسْنَي‌'´ أُولَـ'ئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. [37]

 ولهذا السبب‌، فإنّ أبواب‌ الرحمة‌ والفضل‌ والعافية‌ والخير تفوق‌ دائماً أبواب‌ النقمة‌ والنكبة‌ والشرّ، كما أنّ الماء ( وهو مظهر رحمة‌ الله‌ في‌ هذا العالم‌ ) سبق‌ النار ( وهي‌ مظهر غضبه‌ تعالي‌ ) فهو يُخمِد لهبها ويُطفؤها.

 ومن‌ جملة‌ تلك‌ الاخبار، الرواية‌ الواردة‌ في‌ « الخصال‌ » للصدوق‌ بسنده‌ المتّصل‌ عن‌ الإمام‌ أبي‌ عبدالله‌ الصادق‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ جدّه‌ علی‌ّبن‌ أبي‌طالب‌ علیهم‌ السلام‌، قال‌:

 إنّ للجنّة‌ ثمانية‌ أبواب‌، بابٌ يدخل‌ منه‌ النبيّون‌ والصدّيقون‌، وباب‌ يدخل‌ منه‌ الشهداء والصالحون‌، وخمسة‌ أبواب‌ يدخل‌ منها شيعتنا ومحبّونا، فلا أزال‌ واقفاً علی‌ الصراط‌ أدعو وأقول‌: ربِّ سلِّم‌ شيعتي‌ ومحبّي‌ وأنصاري‌ ومَن‌ تولاّني‌ في‌ دار الدنيا، فإذا النداء من‌ بطنان‌ العرش‌: قد أُجيبتْ دعوتك‌ وشُفّعتَ في‌ شيعتك‌، ويشفع‌ كلّ رجل‌ من‌ شيعتي‌ ومَن‌ تولاّني‌ ونصرني‌ وحارب‌ مَن‌ حاربني‌ بفعلٍ أو قول‌ في‌ سبعين‌ ألف‌ من‌ جيرانه‌ وأقربائه‌؛ وبابٌ يدخل‌ منه‌ سائر المسلمين‌ ممّن‌ شهد أن‌ لا إله‌ إلاّ الله‌ ولم‌ يكن‌ في‌ قلبه‌ مقدار ذرّة‌ من‌ بُغضنا أهل‌ البيت‌. [38]

 وقد فصّلنا البحث‌ في‌ هذه‌ المطالب‌ في‌ المجلس‌ السادس‌ عشر من‌ الجزء الثالث‌ من‌ بحث‌ « معرفة‌ المعاد » وأوضحنا أن‌ جهنّم‌ هي‌ مقرّ المنكرين‌ والمستكبرين‌. ولذا، فإنّ العامّة‌ سيذهبون‌ إلی الجنّة‌ إذا أقرّوا بالشهادتين‌ وكان‌ عدم‌ قبولهم‌ للولاية‌ غير نابع‌ عن‌ الإنكار والاستكبار، وكان‌ ناشئاً عن‌ القصور. وأوردنا رواية‌ مفصّلة‌ عن‌ « كتاب‌ سليم‌بن‌ قيس‌ الهلالي‌ّ » عن‌ أميرالمؤمنين‌ ذات‌ دلالة‌ علی‌ أنّ الناس‌ ينقسمون‌ إلی ثلاث‌ وسبعين‌ فرقة‌، منها فرقة‌ واحدة‌ ناجية‌، أمّا الهالكون‌ فهم‌ قادة‌ المذاهب‌ والمتعصّبون‌ لها. وأمّا الباقون‌ فخارجون‌ عن‌ هذا التقسيم‌، وهم‌ الذين‌ يشكّلون‌ السواد الاعظم‌ من‌ الاُمم‌ المختلفة‌، وهم‌ المستضعفون‌ الذين‌ يخضعون‌ في‌ كلّ عصر إلی هيمنة‌ مستكبري‌ ذلك‌ العصر، وهم‌ مسلوبو الاستقلال‌ وحريّة‌ الرأي‌ والعقيدة‌.

 ومن‌ هنا، فإنّ العامّة‌ من‌ غير المنكرين‌ والمستكبرين‌ هم‌ من‌ أصحاب‌ الجنّة‌، إلاّ أ نّهم‌ يدخلون‌ الجنّة‌ من‌ باب‌ خاصّ، وأ نّهم‌ لايساوون‌ الشيعة‌ في‌ درجتهم‌ ومقامهم‌.

 روي‌ الصدوق‌ في‌ « الخصال‌ » بسنده‌ عن‌ جابر، عن‌ أبي‌ جعفر الباقر علیه‌ السلام‌ أ نّه‌ قال‌:

 أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، عَرْضُ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنةً. [39]

 وروي‌ الصدوق‌ في‌ « الامالي‌ » عن‌ أنس‌ بن‌ مالك‌، قال‌:

 تُوفّي‌ ابن‌ لعثمان‌ بن‌ مظعون‌ رحمة‌ الله‌ علیه‌ فاشتدّ حزنه‌ علیه‌ حتّي‌ اتّخذ من‌ داره‌ مسجداً يتعبّد فيه‌، فبلغ‌ ذلك‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌، فقال‌ له‌: يا عثمان‌! إنّ الله‌ تبارك‌ وتعالي‌ لم‌ يكتب‌ علینا الرهبانيّة‌، إنّما رهبانيّة‌ أُمّتي‌ الجهاد في‌ سبيل‌ الله‌. يا عثمان‌ بن‌ مظعون‌! للجنّة‌ ثمانية‌ أبواب‌ وللنار سبعة‌ أبواب‌، أفما يسرّك‌ أن‌ لا تأتي‌ باباً منها إلاّ وجدتَ ابنك‌ إلی جنبك‌ آخذاً بحجزتك‌ يشفع‌ لك‌ إلی ربّك‌؟

 قال‌: بلي‌.

 فقال‌ المسلمون‌: ولنا يا رسول‌ الله‌ في‌ فرطنا ما لعثمان‌؟

 قال‌: نعم‌، لمن‌ صبر منكم‌ واحتسب‌. ثمّ قال‌: يا عثمان‌! من‌ صلّي‌ صلاة‌ الفجر في‌ جماعة‌، ثمّ جلس‌ يذكر الله‌ تعالي‌ حتّي‌ تطلع‌ الشمس‌، كان‌ له‌ في‌ الفردوس‌ سبعون‌ درجة‌، بُعد ما بين‌ كلّ درجتينِ كحضر[40] الفرس‌ الجواد المضر سبعين‌ سنة‌؛ ومَن‌ صلّي‌ الظهر في‌ جماعة‌، كان‌ له‌ في‌ جنّات‌ عدن‌ خمسون‌ درجة‌، بُعد ما بين‌ كلّ درجتينِ كحضر الفرس‌ الجواد خمسين‌ سنة‌؛ ومَن‌ صلّي‌ العصر في‌ جماعة‌ كان‌ له‌ كأجر ثمانية‌ من‌ ولد إسماعيل‌ كلّ منهم‌ ربّ بيت‌ يعتقهم‌؛ ومَن‌ صلّي‌ المغرب‌ في‌ جماعة‌، كان‌ له‌ كحجّة‌ مبرورة‌ وعُمرة‌ متقبّلة‌؛ ومَن‌ صلّي‌ العشاء في‌ جماعة‌، كان‌ له‌ كقيام‌ ليلة‌ القدر. [41]

 الرجوع الي الفهرس

الكلمات‌ المكتوبة‌ علی‌ أبواب‌ الجنّة‌

 وروي‌ المجلسيّ رضوان‌ الله‌ علیه‌ عن‌ كتاب‌ « فضائل‌ ابن‌ شاذان‌ » وعن‌كتاب‌ «الروضـة‌ » بالإسـناد يرفعه‌ إلی عبدالله‌ بن‌ مسـعود، عن‌ رسول‌الله‌ صلّي‌الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ أ نّه‌ قال‌:

 لمّا أُسري‌ بي‌ إلی السماء، قال‌ لي‌ جبرئيل‌ علیه‌ السلام‌: قد أمرتُ الجنّة‌ والنار أن‌ تُعرَض‌ علیك‌. قال‌: فرأيتُ الجنّة‌ وما فيها من‌ النعيم‌، ورأيت‌ النار وما فيها من‌ العذاب‌. والجنّة‌ فيها ثمانية‌ أبواب‌، علی‌ كلّ باب‌ منها أربع‌ كلمات‌، كلّ كلمة‌ خير من‌ الدنيا وما فيها لمن‌ يعلم‌ ويعمل‌ بها؛ وللنار سبعة‌ أبواب‌، علی‌ كلّ باب‌ منها ثلاث‌ كلمات‌، كلّ كلمة‌ خير من‌ الدنيا وما فيها لمن‌ يعلم‌ ويعمل‌ بها.

 فقال‌ لي‌ جبرئيل‌ علیه‌ السلام‌: اقرأْ يا محمّد ما علی‌ الابواب‌!

 فقرأتُ ذلك‌، أمّا أبواب‌ الجنّة‌ فعلی‌ أوّل‌ باب‌ منها مكتوب‌: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ لكلّ شي‌ء حيلة‌، وحيلة‌ العيش‌ أربع‌ خصال‌: القناعة‌، وبذل‌ الحقّ، وترك‌ الحقد، ومجالسة‌ أهل‌ الخير.

 وعلی‌ الباب‌ الثاني‌ مكتوب‌:

 لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ لكلّ شي‌ء حيلة‌، وحيلة‌ السرور في‌ الآخرة‌ أربع‌ خصال‌: مسح‌ رؤوس‌ اليتامي‌، والتعطّف‌ علی‌ الارامل‌، والسعي‌ في‌ حوائج‌ المؤمنين‌، والتفقّد للفقراء والمساكين‌.

 وعلی‌ الباب‌ الثالث‌ مكتوب‌:

 لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ لكلّ شي‌ء حيلة‌، وحيلة‌ الصحّة‌ في‌ الدنيا أربع‌ خصال‌: قلّة‌ الكلام‌، وقلّة‌ المنام‌، وقلّة‌ المشي‌، وقلّة‌ الطعام‌.

 وعلی‌ الباب‌ الرابع‌ مكتوب‌:

 لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ مَن‌ كان‌ يؤمن‌ بالله‌ واليوم‌ الآخر فليكرم‌ ضيفه‌؛ من‌ كان‌ يؤمن‌ بالله‌ واليوم‌ الآخر فليكرم‌ جاره‌؛ من‌ كان‌ يؤمن‌ بالله‌ واليوم‌ الآخر فليكرم‌ والديه‌؛ من‌ كان‌ يؤمن‌ بالله‌ واليوم‌ الآخر فليقل‌ خيراً أو يسكت‌.

 وعلی‌ الباب‌ الخامس‌ مكتوب‌: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ من‌ أراد أن‌ لا يُظلَم‌ فلا يَظلم‌؛ ومن‌ أراد أن‌ لايُشتَم‌ فلايَشتم‌، ومن‌ أراد أن‌ لا يذلّ فلا يذلّ، ومن‌ أراد أن‌ يستمسك‌ بالعروة‌ الوثقي‌ في‌ الدنيا والآخرة‌ فليقل‌: لا إله‌ إلاّ الله‌، محمّد رسول‌ الله‌، علی‌ّ ولي‌ّ الله‌.

 وعلی‌ الباب‌ السادس‌ مكتوب‌: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ من‌ أراد أن‌ يكون‌ قبره‌ وسيعاً فسيحاً فليبن‌ المساجد، ومن‌ أراد أن‌ لاتأكله‌ الديدان‌ تحت‌ الارض‌ فليكنس‌ المساجد بالبسط‌.

 وعلی‌ الباب‌ السابع‌ مكتوب‌: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدُ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ بياض‌ القلب‌ في‌ أربع‌ خصال‌: عيادة‌ المريض‌، واتّباع‌ الجنائز، وشراء الاكفان‌، وردّ القرض‌.

 وعلی‌ الباب‌ الثامن‌ مكتوب‌: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَهِ، علی‌ٌّ وَلِي‌ُّ اللَهِ؛ من‌ أراد الدخول‌ من‌ هذه‌ الابواب‌ فليتمسّك‌ بأربع‌ خصال‌: السخاء، حُسن‌ الخُلق‌، والصدقة‌، والكفّ عن‌ أذي‌ عباد الله‌ تعالي‌.

 ( ثمّ يذكر رسول‌ الله‌ الكلمات‌ المكتوبة‌ علی‌ أبواب‌ جهنّم‌ السبعة‌ بالتفصيل‌ )؛ [42] وسنذكر هذا القسم‌ من‌ الرواية‌ في‌ بحث‌ جهنّم‌ إن‌ شاءالله‌ تعالي‌.

 وروي‌ الصدوق‌ في‌ « معاني‌ الاخبار » بإسناده‌ عن‌ أنس‌ بن‌ مالك‌، قال‌: قال‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌:

 إنَّ لِلْجَنَّةِ بَاباً يُدْعَي‌ الرَّيَّانَ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إلاَّ الصَّائِمُونَ. [43]

 ولا يفوتنا القول‌ بأنّ غرف‌ الجنّة‌ قد ورد ذكرها في‌ القرآن‌ الكريم‌ وفي‌ الروايات‌، حيث‌ يستفاد من‌ مضمون‌ ما ورد أنّ تلك‌ الغرف‌ محلّ خاصّ ذو أهمّيّة‌ كبيرة‌.

 ويُطلق‌ لفظ‌ الغُرفة‌ في‌ اللغة‌ علی‌ العلیة‌، وهي‌ الحجرة‌ التي‌ تُبني‌ فوق‌ حجرات‌ وتشكّل‌ الموضع‌ المرتفع‌ من‌ البيوت‌ والقصور، وهي‌ في‌ الآيات‌ والروايات‌ كناية‌ عن‌ المقام‌ العالي‌ في‌ الجنّة‌ الذي‌ يُمنّ به‌ علی‌ أفراد معيّنين‌.

 فقد ورد ـ مثلاً ـ في‌ الآية‌ 20، من‌ السورة‌ 39: الزمر: لَـ'كِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِن‌ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي‌ مِن‌ تَحْتِهَا الاْنْهَـ'رُ وَعْدَ اللَهِ لاَ يُخْلِفُ اللَهُ الْمِيعَادَ.

 وجاء في‌ الآية‌ 75، من‌ السورة‌ 25: الفرقان‌: أُولَـ'ئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـ'مًا.

 ( والحديث‌ عن‌ عباد الرحمن‌ الذين‌ ورد ذكرهم‌ في‌ الآيات‌ الاثني‌ عشرة‌السابقة‌ ). أي‌ أنّ عباد الرحمن‌ يُسكنون‌ في‌ تلك‌ الغُرفات‌ جزاء صبرهم‌ واستقامتهم‌ في‌ طاعة‌ الله‌ وفي‌ اجتناب‌ معصيته‌. وهو لاينفكّ عن‌ الصبر في‌ النوائب‌ والشدائد. وأُولئكم‌ يتلقّاهم‌ الملائكة‌ من‌ قِبل‌ ربّهم‌ بالتحية‌ والسلام‌ والامن‌ من‌ كلّ خوف‌ وفزع‌.

 روي‌ المرحوم‌ الصدوق‌ في‌ « الامالي‌ » عن‌ العطّار، عن‌ سعد، عن‌ ابن‌ عيسي‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ ابن‌ أبي‌ عمير، عن‌ ابن‌ أبي‌ حمزة‌، عن‌ أبي‌ بصير، عن‌ أبي‌عبدالله‌ ( الصادق‌ ) علیه‌ السلام‌، عن‌ آبائه‌، عن‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌، قَالَ:

 قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إنَّ فِي‌ الجَنَّةِ غُرَفاً يُرَي‌ ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، يَسْكُنُهَا مِنْ أُمَّتِي‌ مَنْ أَطَابَ الكَلاَمَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَي‌ السَّلاَمَ، وَصَلَّي‌ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ـ الخبر. [44]

 وهناك‌ كثير من‌ الذنوب‌ لها تأثير عميق‌ في‌ النفوس‌، بحيث‌ تُبعد مرتكبيها عن‌ رحمة‌ الله‌ تعالي‌، وقد ورد أ نّهم‌ لا يجدون‌ رائحة‌ الجنّة‌ مع‌ أنّ ريحها توجد من‌ مسيرة‌ خمسائة‌ عام‌ أو ألف‌ عام‌.

 الرجوع الي الفهرس

أصحاب‌ الفحشاء لا يردون‌ الجنّة‌

 روي‌ الصدوق‌ في‌ « معاني‌ الاخبار » عن‌ أبيه‌، عن‌ سعد بن‌ عبدالله‌، عن‌ أحمد بن‌ أبي‌ عبدالله‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ أحمد بن‌ النضر، عن‌ عمروبن‌ الشمر، عن‌ جابر، عن‌ أبي‌ جعفر ( الباقر ) علیه‌ السلام‌، قال‌:

 قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَخْبَرَنِي‌ جَبْرَئِيلُ علیهِ السَّلاَمُ أَنَّ رِيحَ الجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، مَا يَجِدُهَا عَاقٌّ، وَلاَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَلاَ شَـيْخٌ زَانٍ، وَلاَ جَارُّ إزَارَهُ خُيَلاَءَ، وَلاَ فَتَّـانٌ، وَلاَ مَنَّانٌ، وَلاَجَعْظَرِي‌ٌّ.

 قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الجَعْظَرِي‌ٌّ؟

 قَالَ: الَّذِي‌ لاَيَشْبَعُ مِنَ الدُّنْيَا. [45]

 وجاء في‌ حديث‌ آخر: وَلاَ جَيُّوفٌ وَهُوَ النَّبَّاشُ، وَلاَ زَنُوقٌ وهُوَ المُخَنَّثُ، وَلاَ جَوَّاضٌ [46] ] وَهُوَ الجَلْفُ الجَافِي‌ [ وَلاَ جَعْظَرِي‌ٌّ وَهُوَ الَّذِي‌ لاَ يَشْبَعُ مِنَ الدُّنْيَا. [47]

 وروي‌ في‌ « نوادر الراونديّ » بإسناده‌ عن‌ أبي‌ عبدالله‌ ( الصادق‌ ) علیه‌ السلام‌، عن‌ آبائه‌ علیهم‌ السلام‌، قال‌: قال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌:

 لمّا خلق‌ الله‌ تعالي‌ جنّة‌ عدن‌، خلق‌ لبنها من‌ ذهب‌ يتلالا ومسك‌ مدوف‌، ثمّ أمرها فاهتزّت‌ ونطقتْ فقالت‌: أَنْتَ اللَهُ لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ الحَي‌ُّ القَيُّومُ. فطوبي‌ لمن‌ قدّر له‌ دخولي‌. قال‌ الله‌ تعالي‌:

 وَعِزَّتِي‌ وَجَلاَلِي‌ وَارْتِفَاعِ مَكَانِي‌ لاَ يَدْخُلُكِ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلاَمُصِرٌّ علی‌ رِباً، وَلاَ قَتَّاتٌ وَهُوَ النَّمَّامُ، وَلاَ دَيُّوثٌ وَهُوَ الَّذِي‌ لاَ يَغَارُ وَيَجْتَمِعُ فِي‌ بَيْتِهِ علی‌ الفُجُورِ، وَلاَ قَلاَّعٌ وَهُوَ الَّذِي‌ يَسْعَي‌ بِالنَّاسِ عِنْدَ السُّلْطَانِ لِيُهْلِكَهُمْ، وَلاَ خَيُّوفٌ وَهُوَ النَّبَّاشُ، وَلاَ خَتَّارٌ وَهُوَ الَّذِي‌ لاَ يُوفِي‌ بِالعَهْدِ. [48]

 هذه‌ حال‌ أمثال‌ هؤلاء المحجوبين‌ والعاصين‌، وشتّان‌ بين‌ حالهم‌ وحال‌ سكنة‌ الجنان‌ الذين‌ أسكرهم‌ عبق‌ رائحتها! بل‌ شتّان‌ بينهم‌ وبين‌ السائرين‌ إلی الجنان‌ الذين‌ يثملهم‌ عطرها علی‌ البُعد!

 «و ز سَقاهُم‌ رَبُّهُم‌ بين‌ جملة‌ أَبْرار مست‌» [49]

 طوبي‌ و سدره‌ گر به‌ قيامت‌ به‌ من‌ دهند                    يكجا فداي‌ قامت‌ رعنا كنم‌ ترا

 مستانه‌ كاش‌ بر حرم‌ و دير بگذري               ‌ تا قبله‌ گاه‌ مؤمن‌ و ترسا كنم‌ ترا

 با صد هزار جلوه‌ برون‌ آمدي‌ كه‌ من              ‌ با صد هزار ديده‌ تماشا كنم‌ ترا

 بالاي‌ خود در آينة‌ چشم‌ من‌ ببين               ‌ تا با خبر ز عالم‌ بالا كنم‌ ترا

 خواهم‌ شبي‌ نقاب‌ ز رويت‌ بر افكنم‌             خورشيد كعبه‌، ماه‌ كليسا كنم‌ ترا

 زيبا شود به‌ كار گه‌ عشق‌ كار من               ‌ هرگه‌ نظر به‌ صورت‌ زيبا كنم‌ ترا [50]

 خدايا زاهد از تو حور مي‌خواهد قصورش‌ بين        ‌ به‌ جنّت‌ مي‌گريزد از درت‌ يا رب‌ شعورش‌ بين‌ [51]

 الرجوع الي الفهرس

 

الدرس‌ التاسع‌ والستّون‌:

 الجنّة‌ محلّ الاطهار

 

بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للَّه‌ ربّ العالمين‌ ولا حول‌ ولا قوّة‌ إلاّ بالله‌ العلی‌ّ العظيم‌

وصلَّي‌ الله‌ علی‌ محمّد وآله‌ الطاهرين‌

ولعنة‌ الله‌ علی‌ أعدائهم‌ أجمعين‌ من‌ الآن‌ إلی قيام‌ يوم‌ الدين‌

 

الجنّة‌ محلّ القداسة‌ والطهارة‌

 قال‌ الله‌ الحكيم‌ في‌ كتابه‌ الكريم‌:

 إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـ'لِحَـ'تِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم‌ بِإِيمَـ'نِهِمْ تَجْرِي‌ مِن‌ تَحْتِهِمُ الاْنْهَـ'رُ فِي‌ جَنَّـ'تِ النَّعِيمِ * دَعْوَن'هُمْ فِيهَا سُبْحَـ'نَكَ اللَهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـ'مٌ وَءَاخِرُ دَعْوَن'هُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـ'لَمِينَ. [52]

 الجنّة‌ هي‌ محلّ الطهر والطهارة‌، وموضع‌ القدس‌ والنزاهة‌؛ وفي‌ المقابل‌ فإنّ جهنّم‌ هي‌ محلّ الرجس‌ والدنس‌ وموضع‌ القذارة‌ والنجاسة‌ والغلّ والغش‌.

 وعلی‌ هذا الاساس‌، فإنّ الجنّة‌ بذاتها وأبوابها ودرجاتها طاهرة‌ مطهَّرة‌، كما أنّ خدّامها وساكنيها ووارديها طاهرون‌ مطهّرون‌، في‌ السيرة‌ والسلوك‌ وفي‌ الملكات‌ والصفات‌ والعقائد. ولا مكان‌ هناك‌ لفعل‌ القبيح‌ والقول‌ الذميم‌ وا لنيّة‌ المدنّسة‌، ولا للمكر والخدعة‌ والحرص‌ والطمع‌ والبُخل‌ والحقد والحسد والمداهنة‌ والتملّق‌ والنفاق‌ والغرور والاستكبار والانانيّة‌.

 وليس‌ هناك‌ مَن‌ يدعو إلی الكفر والشرك‌ والنفاق‌، أو يميل‌ إلی الباطل‌ والآراء الفاسدة‌، ولا مكان‌ للغو والعبث‌ والباطل‌ من‌ القول‌.

 فدأب‌ الجميع‌ هناك‌ الحمد والسلام‌ والتحيّة‌ والإكرام‌ والتهنئة‌ والتسبيح‌ والتقديس‌، وشأنهم‌ التمجيد والتهليل‌ والتكبير والذكر، أمرهم‌ التلاقي‌ والتزاور والنضارة‌ والسرور والبهجة‌ والحبور، يملؤهم‌ الإحساس‌ بالخفّة‌ والنشاط‌ فيحلّقون‌، وتطفح‌ فيهم‌ اللذّة‌ والنعمة‌ والخير والبركة‌ والعافية‌ والرحمة‌؛ ويفيض‌ منهم‌ العطف‌ والودّ والحبّ والشوق‌ والإحسان‌ والإخلاص‌.

 ولقد كانت‌ الصدمات‌ والمشاكل‌ الدنيويّة‌ والبؤس‌ والضرّاء والمجاهدات‌ في‌ تكميل‌ النفوس‌ والقابليّات‌ تستهدف‌ ورود هذا المقام‌ المنيع‌ وبلوغ‌ هذه‌ الذروة‌ الرفيعة‌. وكانت‌ شدائد سكرات‌ الموت‌ وعذاب‌ عالم‌ القبر والبرزخ‌، وسؤال‌ منكر ونكير، وتطاول‌ عالم‌ الصورة‌، والنفخ‌ في‌ الصور، والقيام‌ عندالله‌ تعالي‌، وعالم‌ الحشر والنشور، وصحائف‌ الاعمال‌، والحساب‌ والجزاء والعرض‌ والصراط‌ والميزان‌ والشفاعة‌ والاعراف‌ والوسيلة‌ وغيرها، تشكّل‌ بأجمعها دروساً تربويّة‌ لتطهير النفوس‌ وتزكيتها لنيل‌ مقام‌ القداسة‌ وورود الجنّة‌.

 كما أنّ جهنّم‌ بدورها هي‌ نوع‌ من‌ التطهير والتزكية‌ بالنسبة‌ إلی غير المخلّدين‌ فيها، لا نّهم‌ يذوقون‌ جزاء ما ارتكبوا من‌ قبائح‌، من‌ أجل‌ أن‌ توجد فيهم‌ القابليّة‌ لنيل‌ العفو والغفران‌. ثمّ إنّهم‌ يخرجون‌ منها فيغتسلون‌ في‌ ماء الكوثر، وينهلون‌ من‌ معين‌ الولاية‌، فتنالهم‌ الشفاعة‌ إثر ذلك‌، ويتوجّهون‌ صوب‌ الجنّة‌.

 وما أجمل‌ هذه‌ الآية‌ الشريفة‌ وهي‌ تنطق‌ بلسان‌ أصحاب‌ الجنّة‌ في‌ مناجاتهم‌ المستمرّة‌ لربّهم‌، وترنّمهم‌ ب « سُبحانك‌ اللهّم‌ » وسلامهم‌ وتحيّتهم‌، وأنّ آخر دعواهم‌ وكلامهم‌ يتمثل‌ في‌ حصر جميع‌ مراتب‌ التمجيد والثناء والحمد في‌ الذات‌ القدسيّة‌ لربّ العالمين‌. أي‌ أ نّهم‌ قد بلغوا آنذاك‌ مقام‌ العرفان‌ الحقيقي‌ّ، فحصروا الافعال‌ والصفات‌ والاسماء والذوات‌ في‌ الذات‌ القدسيّة‌ لحضرة‌ ذي‌ الجلال‌، وصاروا يرون‌ نوره‌ متجلّياً في‌ جميع‌ مظاهر وعوالم‌ المُلك‌ والملكوت‌، ويشاهدون‌ العالم‌ بأسره‌ نوراً وضياءً وشعاعاً من‌ بريق‌ الشمس‌ الساطعة‌ للحضرة‌ الاحديّة‌.

 إِنَّ اللَهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـ'لِحَـ'تِ جَنَّـ'تٍ تَجْرِي‌ مِن‌ تَحْتِهَا الاْنْهَـ'رُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن‌ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُو´ا إلی الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُو´ا إِلَي‌' صِرَ ' طِ الْحَمِيدِ. [53]

 ونلحظ‌ في‌ هذا المجال‌ أنّ الآية‌ عدّت‌ أفضل‌ هدايا الجنّة‌ وتُحفها مجسّدة‌ في‌ القول‌ الطيّب‌ وسبيل‌ العزّة‌ الذي‌ يرتضيه‌ الله‌ تعالي‌. والحقّ أنّ هذا الكلام‌ الحقيقي‌ّ الحاكي‌ عن‌ محض‌ الواقع‌ وحقيقة‌ العرفان‌ يفوق‌ كلّ لذّة‌ وبهجة‌ وسرور.

 جَنَّـ'تُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن‌ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي‌´ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي‌´ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن‌ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ. [54]

 حيث‌ إنّ عنوان‌ حمدالله‌، وإسناد إذهاب‌ الحَزَن‌ إلی الله‌ تعالي‌، والثناء علیه‌ عزّ وجلّ بصفتَي‌ « الغفور » و « الشكور »، ونسبة‌ الإحلال‌ في‌ دار المقامة‌ إليه‌ تعالي‌، إضافة‌ إلی عدم‌ حسّ التعب‌ واللغوب‌، هي‌ أُمور تدلّ بأجمعها علی‌ مقام‌ التوحيد والعرفان‌ الحقيقيّ لاصحاب‌ الجنّة‌، إذ ليس‌ في‌ عالم‌ لقاء الحضرة‌ الاحديّة‌ من‌ مشكلات‌ ولا صعوبات‌، ولاسبيل‌ للكدورات‌ إليه‌.

 الرجوع الي الفهرس

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـ الآية‌ 100، من‌ السورة‌ 7: الاعراف‌.

[2] ـ الآية‌ 137، من‌ السورة‌ 7: الاعراف‌.

[3] ـ الآية‌ 42، من‌ السورة‌ 13: الرعد.

[4] ـ الآيات‌ 22 إلي‌ 24، من‌ السورة‌ 13: الرعد.

[5] ـ الآية‌ 128، من‌ السورة‌ 7: الاعراف‌.

[6] ـ الآية‌ 63، من‌ السورة‌ 19: مريم‌.

[7] ـ الآية‌ 72، من‌ السورة‌ 43: الزخرف‌.

[8] ـ «مجمع‌ البيان‌» ج‌ 4، ص‌ 69، طبعة‌ صيدا.

[9] ـ وردت‌ هذه‌ التتمّة‌ في‌ رسالة‌ «الإنسان‌ بعد الدنيا» ص‌ 69؛ مخطوطة‌.

[10] ـ «ثواب‌ الاعمال‌» ص‌ 249 و 250. والآيتان‌ هما 10 و 11، من‌ السورة‌ 23: المؤمنون‌.

[11] ـ الآية‌ 48، من‌ السورة‌ 14: إبراهيم‌.

[12] ـ الآية‌ 69، من‌ السورة‌ 39: الزمر.

[13] ـ الآية‌ 67، من‌ السورة‌ 39: الزمر.

[14] ـ الآية‌ 25، من‌ السورة‌ 2: البقرة‌.

[15] ـ الآيتان‌ 13 و 14، من‌ السورة‌ 53: النجم‌.

[16] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 125، نقلاً عن‌ «تفسير القمّي‌ّ».

[17] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 205، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[18] ـ الآية‌ 6، من‌ السورة‌ 37: الصافّات‌.

[19] ـ «مجمع‌ البيان‌» ج‌ 1، ص‌ 504.

[20] ـ «مجمع‌ البيان‌» ج‌ 1، ص‌ 504.

[21] ـ الآيتان‌ 26 و 27، من‌ السورة‌ 36: يس‌؛ والآية‌ راجعة‌ إلي‌ الذي‌ آمن‌ بعيسي‌ ابن‌ مريم‌ وناصَرَ المرسلين‌ فقُتل‌. فذكر تعالي‌ قصّته‌، وأ نّه‌ قيل‌ له‌: ادخل‌ الجنّة‌! قال‌: «يَـ'لَيتَ قَوْمِي‌ يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي‌ رَبِّي‌ وَجَعَلَنِي‌ مِنَ الْمُكْرَمِينَ».

[22] ـ الآية‌ 25، من‌ السورة‌ 71: نوح‌؛ وهي‌ عائدة‌ إلي‌ قوم‌ نوح‌ الذين‌ أغرقهم‌ الله‌ بسبب‌ معاصيهم‌، فيقول‌ تعالي‌ أ نّهم‌ أغرقوا فأدخلوا ناراً، أي‌ بلا فاصلة‌ وتأخير.

[23] ـ «عيون‌ أخبار الرضا» ص‌ 65؛ «أمالي‌ الصدوق‌» ص‌ 276؛ «توحيد الصدوق‌» ص‌ 118، ضمن‌ الحديث‌ 21، طبعة‌ المطبعة‌ الحيدريّة‌؛ و«الاحتجاج‌» ج‌ 2، ص‌ 119، طبعة‌ النجف‌، ضمن‌ أسئلة‌ أبي‌ الصلت‌ الهروي‌ّ من‌ الإمام‌ الرضا عليه‌ السلام‌.

[24] ـ «تفسير القمّي‌ّ» ص‌ 341 و 342.

[25] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 133، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[26] ـ الآيتان‌ 14 و 15، من‌ السورة‌ 53: النجم‌.

[27] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 176، نقلاً عن‌ «تفسير النعماني‌ّ» ص‌ 105 إلي‌ 107.

[28] ـ «أمالي‌ الشيخ‌» ص‌ 293، الطبعة‌ الحجريّة‌.

[29] ـ «تفسير فرات‌» ص‌ 10.

[30] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 149، عن‌ كتاب‌ «تنبيه‌ الخاطر ونزهة‌ الناظر».

[31] ـ «أُصول‌ الكافي‌» ج‌ 2، ص‌ 517، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[32] ـ «أمالي‌ الصدوق‌» ص‌ 362، الطبعة‌ الحجريّة‌. والآية‌ هي‌ 33، من‌ السورة‌ 47: محمّد صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌.

[33] ـ الآيتان‌ 90 و 91، من‌ السورة‌ 26: الشعراء.

[34] ـ الآية‌ 36، من‌ السورة‌ 79: النازعات‌.

[35] ـ الآية‌ 31، من‌ السورة‌ 50: ق‌.

[36] ـ الآية‌ 44، من‌ السورة‌ 15: الحجر.

[37] ـ الآية‌ 101، من‌ السورة‌ 21: الانبياء.

[38] ـ «الخصال‌» باب‌ الثمانية‌، ص‌ 407 و 408، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[39] ـ «الخصال‌» باب‌ الثمانية‌، ص‌ 408، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[40] کحضر: کعدوة- عدا یعدو عدواً، أی کخطوة الفرس.

[41] ـ «الامالي‌» للصدوق‌، ص‌ 40 و 41.

[42] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 144 و 145، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[43] ـ «معاني‌ الاخبار» ص‌ 409، الحديث‌ 90 من‌ النوادر، طبعة‌ المطبعة‌ الحيدريّة‌.

[44] ـ «أمالي‌ الصدوق‌» ص‌ 198.

[45] ـ «معاني‌ الاخبار» ص‌ 330، طبعة‌ المطبعة‌ الحيدريّة‌.

[46] ـ جوّاظ‌ (بالظاء) بمعني‌ الغليظ‌ والجلف‌. ولم‌ نعثر عليه‌ بالضاد.

[47] ـ «معاني‌ الاخبار» ص‌ 330، طبعة‌ المطبعة‌ الحيدريّة‌.

[48] ـ «بحار الانوار» ج‌ 8، ص‌ 199، الطبعة‌ الحروفيّة‌.

[49] ـ يقول‌: «تطلّع‌ إلي‌ الابرار وهم‌ ثمالي‌ بأجمعهم‌ ممّا سقاهم‌ ربّهم‌».

[50] ـ مقتطفات‌ من‌ شعر غزليّ لفروغي‌ البسطاميّ.

 يقول‌: «لو أعطيتُ يوم‌ القيامة‌ شجرة‌ طوبي‌ وسدرة‌ المنتهي‌، لفديتُهما معاً لقامتك‌ الجميلة‌!

 وليتك‌ تمرّ ثملاً علي‌ الحرم‌ والدير، لاجعلك‌ قبلة‌ للمؤمن‌ واليهودي‌ّ.

 لقد تجليّتَ بمائة‌ ألف‌ جلوة‌، من‌ أجل‌ أن‌ أراك‌ بمائة‌ ألف‌.

 فانظر إلي‌ قامتك‌ في‌ مرآة‌ عيني‌، لاُخبرك‌ عن‌ العالم‌ العلوي‌ّ.

 سأزيح‌ النقاب‌ ليلةً عن‌ طلعتك‌، وأجعلك‌ شمسَ الكعبة‌ وقمرَ الكنيسة‌.

 ومهما تأمّلتُ في‌ محيّاك‌ الرائع‌، كان‌ فِعلي‌ مستحسناً لدي‌ العاشقين‌!».

[51] ـ يقول‌: «انظر يا ربّ إلي‌ قصور الزاهد حين‌ يطلب‌ منك‌ الحور (ويطلب‌ منك‌ سواك‌)، وتطلّع‌ إلي‌ شعوره‌ حين‌ يهرب‌ من‌ بابك‌ إلي‌ جنّتك‌!».

[52] ـ الآيتان‌ 9 و 10، من‌ السورة‌ 10: يونس‌.

[53] ـ الآيتان‌ 23 و 24، من‌ السورة‌ 22: الحجّ.

[54] ـ الآيات‌ 33 إلي‌ 35، من‌ السورة‌ 35: فاطر.

 الرجوع الي الفهرس

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com