|
|
|
الصفحة السابقةتواتر الاحاديث حول نزول آية التطهير في الخمسةيستفاد من الاحاديث المتقدّمة سواءً التي وردت عن طريق العامّة أو عن طريق الشيعة، و سواءً التي تكفّلت ببيان هذا الموضوع ابتداءاً واعتبرت نزول آية التطهير في الخمسة البررة علیهم السلام فقط، أو التي جيء بها في مجال الاحتجاج، و استشهد بها رسول الله، و أميرالمؤمنين، و فاطمة الزهراء، والحسنان، وإمام السجّاد علیهم السلام، و زينب، وفاطمة الصغري، وإمام الرضا علیه السلام، و سعدبن أبي وقّاص، وابن عبّاس، و أُمّ سلمة، و واثلة بن الاسقع، و لم ينكرها أحد أو يعارضها، يستشفّ منها أنّ حديث الكساء من الاحاديث المتواترة. و قد ورد فيه أكثر من سبعين حديثاً أغلبها عن طريق العامّة، و لها زهاء أربعين سنداً متّصلاً. و هذه الاحاديث ومدوّنة و مثبّتة في كتب العلماء الضليعين. [1]في الحديث و التفسير و التاريخ، وفيكتب الفضائل و المناقب مقرونة بكثير من الاسناد الصحيحة و الحسنة و الموثّقة. و كلّ من كان له اطّلاع علی كتب الاخبار إجمالاً، فلا يبقي أمامه أيّ مجال للشكّ و الترديد علی أنّ هذه الميزة، و هي العصمة، تخصّ فقط رسول الله، و أميرالمؤمنين علی بن أبي طالب، و فاطمة، و الحسن والحسين علیهم السلام وفق الاحاديث القطعيّة، لانّ الشواهد والقرائن القوليّة و العمليّة عن الرسول الاكرم صلّي الله علیه و آله و سلّم قد بلغت حدّاً، يستطيع معه كلّ خبير و بصير أن يقف علی حقيقتها و يستوعبها، ويجتاز مرحلة الشكّ و الظنّ و الاحتمال، ليبلغ ثغور اليقين و الاطمئنان. نساء النبيّ لا يمثّلن المصداق الحقيقيّ لاهل البيتأوّلاً: لقد جمع رسول الله أُولئك الخمسة في مكان واحد، و أجلسهم جنباً إلي جنب، ودعا لهم بالعصمة، فلم يجلسوا متفرّقين في الغرفة حتّي يحوم الشكّ حولهم، و يقول القائل إنّ آية التطهير لاتخصّهم، و لو فرضنا وجود أحد معهم في نفس المكان، فإنـّه سوف يحظي بهذه الفضيلة. ثانياً: أنـّه ألقي علیهم الكساء الخيبريّ، فجعلهم في مرتبة متّصلة مع بعضها، يشتركون في وجودهم مجتمعين تحت الكساء. ثالثاً: أنّ تخصيصهم بهذه الآية قد بلغ من القوّة درجة نجد معها أنّ رسول الله كان في غرفة أُمّ سلمة فألقي الكساء في مكان خال من الغرفة ليشعر من حوله أنّ العصمة تخصّ هؤلاء لاغيرهم لانّ الذي يُفهم من إلقاء الكساء في مكان خالٍ هو الحصر الحقيقيّ بالنسبة إلي جميع الاشخاص الحاضرين و الغائبين. أمّا لو كان المكان مكتظّاً بالناس، لاحتملنا أنّ هؤلاء الخمسة قد خُصّصوا من بين الحاضرين. فلايفهم عندئذ هذا الحصر بالنسبة إلي الآخرين. رابعاً: أنّ قوله صلّي الله علیه و آله و سلّم اللَهُمَّ إنَّ هؤلاءِ أهلُ بَيْتي يُشعر علی أنّ هؤلاء الاشخاص المعدودين هم فقط أهل بيته، و لو كان أشخاص غير هؤلاء كنساء النبيّ أو أقار به الآخرين في عداد أهل البيت لقال: هؤلاءِ مِن أهل بيتي، وَ لما قال: هؤلاء أهل بيتي. خامساً: أنّ قوله صلّي الله علیه و آله و سلّم لاُمّ سَلَمَةَ: تَنَحيّ عَن أهل بيتي يشعر علی أنـّها لو كانت من أهل البيت، فكيف يصحّ هذا الكلام؟ بل إنّ هذا الكلام يدلّنا علی أنّ عنوان أهل البيت لاينطبق علی زوجاته صلّي الله علیه و آله و سلّم، فأهل البيت أشخاص معيّنون محدّدون، و زوجاته لايدخلن في دائرتهم، بل هنّ في جانب، و هم في جانب آخر. سادساً: ليس في ذلك المكان الخالي أحد غير الخمسة و أُمّ سلمة. وقد استأذنت أُمّ سلمة للدخول تحت الكساء قائلة: يا رسول الله و أنا من أهل البيت ؟ فقال صلّي الله علیه و آله و سلّم قِفي بِمَكَانِكِ، إنّكِ علی خير، ولكن أنت لستِ من أهل بيتي، ليس لك أن تدخلي تحت الكساء الخيبريّ العائد لكِ، و إن كان الفراش لكِ و الغرفة غرفتكِ. و هيِ التي قالت: لو قال لي رسول الله: نعم، لكان أَحبّ إليّ ممّا تطلع الشمس وتغرب. و قالت: عندما رفعت طرف الكساء لاستأذن رسول الله بالدخول، اِجتَذَبَهُ مِن يَدي و قال: قفي بمكانك، أنتِ علی خير و إلي خير وما أرضاني عنكِ، و لكنّها خاصّة لي و لهم. سابعاً: أنّ إخراج رسول الله يده من تحت الكساء، و رفعها إلي السماء قائلاً: اللهُمّ لكلّ نبيٍّ أهلٌ و هؤلاء هم أهلي: يدلّ جيّداً علی أنّ انحصار الاهل يكمن في أُولئك البررة، كما جاء في بعض الاحاديث أنـّه وضع إحدي يديه علی رؤوسهم، و أخرج الاُخري من تحت الكساء و دعا لهم. ثامناً: أنّ تكرار هذا العمل من قبل رسول الله عدّة مرّات، و ما تفيده الاحاديث المأثورة من أنـّه كان في بيت أُمّ سلمة مرّتين، و في بيت فاطمة علیها السلام مرّة واحدة، مع أنّ آية التطهير نزلت مرّة واحدة فقط ـ علی ما يبدو ـ و في بيت أُمّ سلمة لاغير، كلّ ذلك يشعر أكثر فأكثر علی أنّ أهل البيت هم فقط الذين تحت الكساء خاصّة. تاسعاً: لِمَ كان يذهب النبيّ صلّي الله علیه و آله و سلّم إلي بيت فاطمة وقت الصلاة باستمرار و ينادي: الصَّلاةَ يرحمكم الله، السلام علیكم يا أهل البيت، ثمّ يقرأ علیهم آية التطهير، و يكرّر هذا العمل علی امتداد أربعين يوماً أو ستّة أشهر أو ثمانية أو تسعة، و عند صلاة الصبح مواصلاً هذا العمل حتّي آخر عمره ؟ ماذا كان يعني هذا العمل في قاموسه؟ و ما هو الهدف الذي كان يتوخّاه من وراء ذلك ؟ ألم تكفِ مرّة واحدة لقراءة آية التطهير تبياناً لشأنهم و عظمتهم ؟ إنّ قيامه المتواصل بهذا العمل كان من أجل أن يطّلع علیه الناس و المسلمون كافّة، سواء الذين كانوا في المدينة أو الذين كانوا يفدون إليها من شتّي الحواضر والامصار، ولكي ينقله هؤلاء إلي غيرهم. و العجيب أنـّه صلّي الله علیه و آله و سلّم لم يكتف بهذا النداء، بل كان يمسك عِضادتي الباب بيديه و ينادي: الصَّلاةَ يَرحَمْكُمُ اللهُ، السَّلامُ علیكُمْ يا أهلَ البَيتِ وَ رَحمَةُ اللهِ «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا». و لو كانت زوجاته في عداد أهل البيت، لقام ولو مرّة واحدة علی الاقلّ بإطلاق هذا النداء عند باب إحداهنّ، فم يدّع أحدٌ، حتّي بعض زوجاته اللائي كنّ يرغبن كثيراً أنْ يكنّ محترمات و معزّزات، لم يدّعين الانتماء إلي أهل البيت، و لم يرد هذا الامر في أيّ حديث و أيّ كتاب، بل إنّ عائشة نفسها، التي تروي هذا الحديث أيضاً، تقرّ بأنّ هذه الآية نزلت في رسول الله، و علیّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين علیهم السلام. و لم يشاهد بعد وفاة الرسول الاكرم أنّ إحدي زوجاته قد اعتبرت نفسها من أهل البيت، أو أنّها استشهدت بهذه الآية علی أنـّها نزلت في حقّها، كما لم يلاحظ قطّ أنّ أحد الصحابة أو التابعين قد اعتبر زوجات النبيّ من أهل البيت، أو استشهد بآية التطهير علی أنـّها فيهنّ. حتّي أنّ عائشة عندما تحرّكت إلي البصرة لحرب أميرالمؤمنين علیبن أبي طالب بمعيّة طلحة، والزبير، ومحمّد بن طلحة، و عبدالله بن الزبير، و مروان بن الحكم، و اثني عشر ألفاً من الصحابة و غيرهم، أرسلت كتبها إلي الكبار من صحابة النبيّ و غيرهم تدعوهم فيها لنصرتها، و كانت تكتب فيها ألقاباً خاصّة لنفسها نحو: حَبيبةُ رَسُولِ الله أو أُمّ المؤمنين، بَيدَ أنـّها لم تطلق علی نفسها عنوان أهل البيت قطّ، و ليس من حقّها ذلك كما لم تستطع أن تفعله. و لم ينقل المؤرّخون أنـّها استدلّت بآية التطهير علی نفسها مع أنّ ذلك كان ضروريّاً للغاية في تلك المواقف العجيبة، و المواطن الخطيرة من أجل كسب الناس إلي جانبها، و الدفاع عن جريمتها الشنيعة، فكان لها أن تتشبّث بأبسط ذريعة فيها رائحة من الفضيلة و الامتياز، لكنّها لم تفعل من ذلك شيئاً. مضافاً إلي ذلك كلّه فإنـّنا لم نجد أحداً علی مرّ التاريخ قد أنكر نزول آية التطهير بحقّ أُولئك الخمسة المطهّرين و ذلك عند تلاوتها بمحضر المعاندين المناوئين لاهل البيت، مثل معاوية و أشباهه. [2] نزاهة جميع المراتب الوجودية لاهل البيت بدلالة الآية علی ذهاب الرجس عن نفوسهمتحدّثنا لحدّ الآن عن شأن نزول الآية و بيان الاحاديث المأثورة في هذا الباب، و لابدّ لنا فيما يلي أن نتطرّق إلي تفسير الآية الشريفة، و بيان المراد منها: إنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ... «إنـَّمَا» من أدوات الحصر، بل هي أقواها جميعاً عند أهل العربيّة، و مفادها حصر إرادة الله في عصمة أهل البيت، إذ إنـّها تحصر إرادة الله في ضمير «كُم»، (لِيُذهِبَ عَنكُم)، أمّا «أهْلَ الْبَيْتِ» فإنـّها منصوبة إمّا علی الاختصاص أو المدح أو النداء، أي: أخُصُّ أهلَ البَيتِ أو أمدَحُ أهلَ البَيتِ أو يا أهلَ البَيتِ. علی أيّ حال فإنّها مفسّرة ومبيِنة لضمير عنكم، و بالتالي فَسَيَتَحَقَّق حصر إرادة الله في عصمة أهل البيت. و ينقسم هذا الحصر إلي قسمين: الاوّل: حصر إرادة الله في العصمة المتمثّلة بإذهاب الرجس و التطهير. و مفاد ذلك أنّ الله ليس له إرادة في أهل البيت غير إرادة العصمة. الثاني: حصر إرادة الله في العصمة تخصّ أهل البيت، و مفاد ذلك أنّ الله ليس له إرادة العصمة في غير أهل البيت، مثل ذلك مثل من يقول لك: أنا لم آت إلي بيتكم إلاّ لزيارتكم، فهذا يشعر أوّلاً: أنّ المجيء كان للزيارة فقط لا لشيءٍ آخر. و ثانياً:يشعر أنّ المجيء كان فقط لزيارتكم، لالزيارتكم و زيارة أفراد آخرين غيركم. و من الطبيعيّ فإنّ استفادة حصرين بمعزل عن واحدة من أدوات الحصر أمر عسير، بَيدَ أنّ ما تقدّم حصر واحد ينقسم إلي قسمين. و إرادة الله هذه هي إرادته التكوينيّة لا إرادته التشريعيّة المتمثّلة بالحكم و القانون والامر والنهي، لانّ من الواضح أنّ هذه الاشياء لاتخصّ أهل البيت، بل إنّ الاُمّة جميعها، بل البشريّة جميعها متساوية في هذه الإرادة، ولانّ إرادة الله بل كلّ إرادة، تكوينيّة كانت أو تشريعيّة لا تتخلّف عن المراد ؛ أمّا في التشريع، فإنّ المراد جعل الحكم، و في التكوين، فإنـّه عين الوقوع في العالم الخارجيّ، لذلك فإنّ إرادة عصمة الله هي عين تحقّق العصمة و واقعيّة العصمة فيهم، إِنَّمَا أَمْرُهُ و´ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ و كُن فَيَكُونُ. [3] المراد من الرجس في آية التطهيرو بكلمة بديلة، فإنّ إرادة الله هي سبب ظهور الموجودات، والعلّة لاتتخلّف عن المعلول، لذلك فإنّ إرادة العصمة تستلزم تحقّق العصمة. والمراد من الرجس [4]القَذَر. و الشيء القَذِر هو الشيء الذي يتنفّر منه الطبع، و تشمئزّ منه النفس. و يُدعي باللغة الفارسيّة (كَثَافَت، و آلودگي وپليدي) و قد يكون هذا الرجس أحياناً حسب الظاهر، مثل رجس الخنزير في قوله تعالي: أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ و رِجْسٌ، [5]و قد يكون حسب الباطن، و هو القذارة المعنويّة، كالكفر، والشرك، والشكّ في الله عزّوجلّ والعمل المستقبح، والاخلاق المذمومة، كما جاء ذلك في قوله تعالي: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلي' رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَـ'فِرُونَ. [6] علی أيّ حال فإنّ هذه القذارة المعنويّة تمثّل نوعاً من الاثر الشعوريّ والإدراك النفسانيّ المنبعث عن تعلّق القلب بالعقيدة الباطلة أو العمل القبيح، لانّ معني الرجس و حقيقته و مادّته في الاصل هو التزلزل والاضطراب و الحركة والتقلّب. و أنّ جميع العقائد الباطلة أو الاعمال القبيحة إنـّما تنشأ من اضطراب النفس و عدم الاطمئان. لذلك فإنّ إذهاب الرجس، هو إذهاب الاضطراب و التأرجح الروحيّ، و الشكّ، والترديد وبالتالي إذهاب العقائد الباطلة، و الاخلاق المذمومة، و الملكات الرديئة الوضيعة، و أخيراً إذهاب الاعمال القبيحة المشينة. و لمّا كانت الطهارة في مقابل القذارة، و تطهير أهل البيت ملازم لإزالة الاقذار الروحيّة والاخلاقيّة، و الإثم، لذلك فإنّ قوله: وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا يعني أنّ كلّ صفة محمودة، و كلّ ملكة صالحة، و كلّ عقيدة طاهرة، و كلّ عملٍ مرضيّ، هذه كلّها ستحلّ بديلة عن تلك الاقذار المشينة. أيّ أنّ اليقين سيحلّ بديلاً عن الشكّ، و أنّ الإنفاق، والإيثار، والصفح، والعفو، و حبّ الله، و ذلّ العبوديّة في مقابل، عظمة ربّ الارباب، كلّ هذه الاشياء ستحلّ بديلة عن البخل، و الإثرة، و الحسد، و الحقد، و حبّ الظهور، و حبّ الجاه، و كنز المال، و حبّ الرئاسة، و تلك هي ملكة العصمة المستفادة من الآية. في ضوء ما تقدّم، لمّا كانت نفس أهل البيت متنزّهة عن كلّ عيب وقذارة معنويّة بإرادة إلهيّة، لذلك فإنّ ملكاتهم و أخلاقهم التي تمثّل قواهم النفسيّة، ستكون طاهرة و منزّهة تبعاً لطهارة نفوسهم. و أنّ أعمالهم المنبعثة عن تلك الملكات و الاخلاق ستكون صالحة و حميدة تبعاً للملكات و الاخلاق نفسها. لذلك فالمعصية لاتصدر عن أهل البيت، لانـّهم لاينوون ارتكابها. و أنـّهم لا ينوون ارتكاب المعصية لعدم رغبتهم فيها، وأنّ عدم رغبتهم فيها منبعث عن طهارة نفوسهم من كلّ لطخة قائمة أو وصمة سوداء، أو بقعة قذرة ملوَّثة، ممّا يستدعي ذلك عدم ظهور تلك الرغبة التي هي في حكم الطفل المتولّد عن القوي النفسانيّة. و لمّا كانت الآية المباركة مشعرة بذهاب الرجس من نفوسهم، لذلك فإنّ ذهاب الرجس سيتحقّق في جميع مراتبهم الوجوديّة التابعة لنفوسهم. و هذه هي أعلی درجات العصمة، أي، العصمة في السرّ، و العصمة في النفس، و العصمة في القوي الخياليّة و الوهميّة، و العصمة في الافعال الخارجيّة، عَصَمَكُمْ اللهُ مِنَ الزَّلَلَ وَ آمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ وَ طَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ وَ أَذهَبَ عَنكُمُ الرِّجسَ وَ طَهَّرَكُمْ تَطهيراً. [7] ومن هنا، يمكن الاستدلال علی إمامة أميرالمؤمنين علیّ بن أبيطالب علیه السلام لانـّه ادّعي الخلافة بعد الرسول الاكرم، صلّي الله علیه و آله و سلّم و ادّعاها بعده ولداه الحسن، و الحسين علیهما السلام، وكانت الزهراء علیها السلام أيضاً تري إمامتهم. و لمّا كان هؤلاء الاربعة المطهّرون هم من أهل البيت، و أنـّهم معصومون بحكم الآية الكريمة، والمعصوم لايكذب، لانّ الكذب رجس، لذلك فإنّ إمامة علیّ بن أبي طالب ثابتة بالاستلزام، و لا مناصّ للعامّة الَّذين ينكرون إمامته من هذا الاستدلال. و يمكن الاستدلال أيضاً علی غصب فدك، لانّ الصدّيقة الطاهرة فاطمة علیها السلام معصومة بحكم الآية المباركة، و المعصوم لايكذب ولايغصب مال الناس، و لو كانت فدك للمسلمين، فكيف يدّعي المعصوم ملكيّته لها ؟! يقول المرحوم السيّد عبدالحسين شرف الدين رضوان الله علیه: أورد النبهانيّ في أوّل كتابه «الشرف المؤيّد» هذه الآية (آية التطهير) فنقل عن جماعة من الاعلام (أعلام العامّة) ما يدلّ علی أنـّهم قد فهموا منها عصمة أهلها (أهل البيت علیهم السلام)، و إليك ما نقله بعين لفظه. قال: قال إمام أبوجعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تفسيره: يقول الله تعالي: اِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ السُّوءَ وَالْفَحشَاءَ يَا أَهْلَ مُحَمَّدٍ وَيُطَهِّرَكُم مِنَ الدَّنَسِ الَّذِي يَكُونُ فِي مَعاصِي اللهِ تَطهيراً. و روي عن أبي زيد: إنَّ الرِّجسَ هـ'هُنَا الشَّيطانُّ. و ذكر الطبريّ أيضاً بسنده إلي سعيد بن قتادة أنـّه قال: قوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا». قال: فهم أهلُ بَيتٍ طَهَّرَهُمُ اللهُ مِنَ السُّوءِ وَ خَصَّهُم بِرَحمَةٍ مِنُه. و قال ابن عطيّة: و الرجس اسم يقع علی الإثم و العذاب، و علی النجاسات و النقائص، فأذهب اللهُ جميعَ ذلك عن أهل البيت. و قال إمام النَوَويّ، قيل هو الشكّ، و قيل العذاب، و قيل الإثم. قال الازهريّ: الرجس اسم لكلّ مستقذر من عمل إنسان و غيره. و فسّر الشيخ محي الدين بن العربيّ لفظ الرجس في الباب 29، من فتوحاته، بكلّ ما يشين، و إليك عبارته عند ذكر النبيّ: قَد طَهَّرَهُ اللهُ وَ أهلَ بَيتِهِ تَطهيراً وَ أَذهَبَ عَنْهُمُ الرِّجسَ، وَ هُوَ كُلُّ ما يَشينُهُم فإنَّ الرِّجسَ هُوَ القَذَرُ عِندَ العَرَبِ، هَكَذَا حَكيَ الفَرّاءُ. [8] روي الصدوق بسنده المتّصل عن عبدالغفّار الجازيّ، عن إمام الصادق علیه السلام فِي قَولِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» قالَ: الرِّجسُ هُوَ الشَّكُّ. [9] و روي محمّد بن الحسن الصفّار في «بصائر الدرجات» بسنده عن إمام محمّد الباقر علیه السلام أنـّه قال: الرِّجسُ هُوَ الشَّكُّ وَ لا نَشُكُّ في رَبِّنَا أبَداً. [10] و نقل محمّد بن يعقوب الكلينيّ مثل هذا المعني بسنديه المتّصلين عن أبي بصير، عن إمام الصادق علیه السلام في ذيل رواية مفصّلة. [11]و قد نقلنا في هامش الصفحات المتقدّمة هذا المعني عن «تاج العروس» و«لسان العرب» حيث ذكر صاحبا هذين الكتابين نقلاً عن إمام أبي جعفرٍ، الباقر علیه السلام: إنّ الرجس يعني الشكّ. المراد بالرجس في آية التطهير كلّ قذارة ظاهريّة و باطنيّةو روي عن محمّد بن العبّاس بن ماهيار بسنده المتّصل عن إمام الصادق، عن إمام الباقر، عن إمام أميرالمؤمنين علیّ بن أبي طالب علیهم السلام قَالَ علی بنُ أبي طالِبٍ في قَولِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ: فَضْلُ أهلِالبَيتِ لايَكُونُ كَذلِكَ، واللهُ عَزَّوَجَلَّ يَقُولُ: «إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» فَقَدْ طَهَّرَنَا اللهُ مِنَ الْفَواحِشِ ما ظَهَرَ مِنها وَ مَا بَطَنَ علی مِنهاجِ الْحَقِّ. [12] و جاء في تفسير «الدرّ المنثور» ج 5، ص 199 قوله: أخرج ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» قَالَ: هُمْ أهلُ بَيتٍ طَهَّرَهُمُ اللهُ مِنَ السُّوءِ وَاختَصَّهُم بِرَحْمَتِهِ، قَالَ: وَحَدَّثَ الضّحاكُ بن مُزاحم: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّي اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: نَحْنُ أهلُ بَيتٍ طَهَّرَهُمُ اللهُ مِن شَجَرَةِ النُّبُوَّةِ وَ مَوضِعِ الرِّسالَةِ وَمُختَلَفِ المَلائِكَةِ وَ بَيتِ الرَّحمَةِ وَ مَعْدِنِ الْعِلمِ. وَ أَخرَجَ التَّرمَذِيُّ وَالطَّبرانيُّ، وابنُ مَردَويه وأبو نَعِيمٍ، والْبَيْهَقِيُّ مَعاً فِي الدَّلائلِ عَنِ ابنِعبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللهَ قَسَمَ الْخَلْقَ قِسمَينِ فَجَعَلَنِي فِي خَيرِهِما قِسماً، فَذَلِكَ قَولُهُ: «وَ أَصْحَـ'بُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ»، فَأَنَا مِن أصحابِ الْيَمِينِ (ثمّ ساق الحديث إلي أن قال:) فَأَنَا وَ أَهلُ بَيتي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ. يقول أميرالمؤمنين علی بن أبي طالب علیه السلام كما جاء في الخطبة 86، من «نهج البلاغة»: فَأينَ تَذهَبُونَ وَ أَنَّي تُؤفَكُونَ وَالاعلامُ قَائِمَةٌ وَالآياتُ واضِحَةٌ والْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأينَ يُتاهُ بِكُم وَ كَيفَ تَعمَهُونَ وَبَينَكُم عِترَةُ نَبِيِّكُمْ وَ هُم أَزِمَّةُ الحَقِّ وَ أعلامُ الدِّينِ وَألسِنَةُ الصِّدقِ فَاَنزِلُوهُمْ بِأحسَنِ مَنازِلِ القُرآنِ، وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الهِيمِ العِطاشِ. [13] يقول ابن أبي الحديد في شرح هذه الفقرات: و قد بيّن رسول الله عترته من هي، لمّا قال: إنِّي تَاركٌ فيكُمُ الثَّقَلينِ، فقال: عِترَتي أهلَ بيتي وبيّن في مقام آخر مَن أهل بيته حيث طرح علیهم كساءً. و قال حين نزلت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا: اللَهُمَّ هَؤلاءِ أهلُ بَيتي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجسَ. قال ابن أبي الحديد: فإن قلتُ: فمن هي العترة التي عناها أميرالمؤمنين علیه السلام بهذا الكلام ؟ قلتُ: نفسه و ولداه ] ولديه [ ؛ والاصل في الحقيقة نفسه، لانّ ولديه تابعان له، ونسبتهما إليه مع وجوده كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة. و قد نبّه النبيّ صلّي الله علیه و آله علی ذلك بقوله: و أبُوكُما خيرٌ مِنكُما و قوله: وَ هُمْ أزِمَّةُ الْحَقِّ جمع زمام ؛ كأنـّه جعل الحقّ دائراً معهم حيثما داروا، و ذاهباً معهم حيثما ذهبوا، كما أنّ الناقة طوع زمامها، وقدنبّه رسول الله صلّي الله علیه و آله علی صدق هذه القضيّة بقوله: وَادِرِ الحَقَّ مَعَهُ حيْثُ دارَ. و قوله: وألسِنَةُ الصِّدقِ من الالفاظ الشريفة القرآنيّة، قال الله تعالي: وَ اجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاْخِرِينَ لما كان لايصدر عنهم حكم و لاقول إلاّ و هو موافق للحقّ ؛ و الصواب جَعَلَهُم كَأنـّهم ألسنة صدق لا يصدر عنها قول كاذب أصلاً ؛ بل هي كلاّ مطبوعة علی الصدق. و قوله: «فَأنزِلُوهُم مَنازِلَ القُرآنِ» تحته سرٌّ عظيم، وذلك أنـّه أمر المكلّفين بأن يجروا العترة في إجلالها و إعظامها والانقياد لها و الطاعة لاوامرها مجري القرآن. فإن قلت: فهذا القول منه يشعر بأنّ العترة معصومة، فما قول أصحابكم في ذلك ؟ قلتُ: نصّ أبو محمّد بن متَّويه في كتاب «الكفاية» علی أنّ علیاً علیه السلام معصوم، و إن لم يكن واجب العصمة، و لا العصمة شرط في إمامة، لكنّ أدلّة النصوص قد دلّت علی عصمته، والقطع علی باطنه و مغيبه، و أنّ ذلك أمرٌ اختصّ هو به دون غيره من الصحابة؛ والفرق ظاهر بين قولنا: زيد معصوم، و بين قولنا: زيد واجب العصمة لانـّهُ إمام. ومن شرط إمام أن يكون معصوماً، فالاعتبار الاوّل مذهبنا، والاعتبار الثاني مذهب إماميّة. [14] لقد ذكرنا هنا إجمالاً كلام المؤالف و المخالف في معني الرجس حتّي يُفَهم أنّ الجميع متّفقون علی هذا المعني و هو أنّ المراد منه في هذه الآية هو كلّ قذارة ظاهريّة نحو: الاعمال القبيحة المذمومة، و كلّ قذارة باطنيّة نحو: الشكّ، و الشرك، والكفر، و الملكات السيّئة، والاخلاق المشينة، و النوايا و الخواطر المستقبحة، و أهل البيت معصومون من كلّ الجهات، و لا منافاة بين هذه العصمة و اختيارهم في العمل و كيفيّته، لانّ إرادة الله هنا غير خارجة عن مرحلة الاختيار لكن عن طريق الاختيار هي محقّقة للاختيار و مثبّتة له، فالله قد طهّر ذواتهم، و طهّر جميع مراحل وجودهم، و الاختيار يمثّل إحدي هذه المراحل. إذَن، فالافعال الصادرة عنهم كلّها مرتكزة علی الاختيار. و لمّا كان الاختيار ناتجاً عن نفس شريفة طاهرة نقيّة، لذلك فإنـّهم يقومون بالافعال و الاعمال المحمودة مختارين لامجبرين أو مضطرّين. و في مقابل هؤلاء المطهّرين، ثمّة أشخاص ذواتهم ملوّثة و شقيّة، فلا تلحظ فيهم نقطة بيضاء صافية، و تبعاً لتلك الذوات الشقيّة تكون ملكاتهم و أخلاقهم قبيحة و مذمومة، و كذلك تكون نواياهم و خواطرهم تبعاً لذلك، ثمّ تكون أعمالهم قبيحة و مذمومة تبعاً لتلك النوايا و الخواطر. و بين هذين الفريقين أشخاص آخرون خلطوا بين طهارة النفس و قذارتها، فكلّما كانت القذارة أقلّ و الطهارة أكثر، فإنّ أفعالهم المتحقّقة في الخارج تكون أفضل و أنقي و أرضي. و كلّما كانت الطهارة أقلّ و القذارة أكثر، فإنّ تلك الافعال تكون أكثر ظلمة، وأبعد عن الإخلاص، و أقذر. و بين هاتين المرحلتين أُناس لايعدّون و لايحصون في درجات متنوّعة. و أعمالهم وليدة نيّاتهم، و نيّاتهم وليدة ملكاتهم النفسيّة، وملكاتهم النفسيّة تتباين تبعاً لاختلاف درجات القذارة و الطهارة التي علیها نفوسهم، و كلّ إناء بالذي فيه يرشح. مَلَكْنَا فَكانَ الْعَفْوُ مِنّا سَجِيَّةً فَلَمَّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّمِ أبطَحُ وَ حَلَّلْتُمْ قَتلَ الاُسَارِي فَطَالَمَا غَدَوْنَا علی الاَسْري فَنَعْفُو وَ نَصْفَحُ وَ حَسْبُكُمُ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا وَ كُلُّ إنَاءٍ بِالَّذي فِيه يَرْشَحُ إنّ عفو أميرالمؤمنين علیّ علیه السلام عن أعدائه مثل: مروان بن الحكم، و عائشة بعد معركة الجمل قد أدهش العقل و حَيّره. فعلیّ و غيره من أئمّة أهل البيت علیهم السلام يتوكّلون علی العصمة و ينطلقون في أعمالهم من العصمة، و ما لم تكن النفوس في هذه الدرجة من العصمة والطهارة و النزاهة فإنـّها أفعالها الخارجيّة سوف لن تكون طاهرة و نزيهة إلي هذا الحدّ. وَ إنَّ أرْوَاحَكُمْ وَ نُورَكُمْ وَ طِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ طابَتْ و طَهُرَتْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، خَلَقَكُمْ اللَهُ أنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ. [15] إلَي أهلِ بَيتٍ أُذهِبَ الرِّجسُ عَنهُمُ وَصُفُّوا مِنَ الادناسِ طُرّاً وَ طُيِّبُوا إلَي أهلِ بَيتٍ ما لِمَنْ كان مُؤمِناً مَنَ النّاسِ عَنهُمْ فِي الوِلاَيَةِ مَذْهَبُ وَ حُبُّهُمْ مِثلُ الصَّلاَةِ وَ إنَّهُ علی النَّاسِ مِن بَعضِ الصَّلاةِ لاَوْجَبُ [16] الشبهات المثارة علی الآيةأمّا الشبهات المثارة علی الآية الاُولي: أنّ المراد من الإرادة هنا هي الإرادة التشريعيّة. أي أنّ الله يريد أن يطهّركم بالامر و النهي و الوعد و الوعيد و تشريع الاحكام والسنن. فالطهارة هنا ستكون مرتكزة علی أفعالهم بسبب اتّباع الاحكام الإلهيّة كما جاء في قوله تعالي: مَا يُرِيدُ اللَهُ لِيَجْعَلَ علیكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـ'كِن يُرِيدُ لِيُطَّهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ و علیكُمْ. [17] هذه الشبهة غير صحيحة، لانـّه لو كان المراد من إرادة التطهير، هي الإرادة التشريعيّة، فهذه لا تخصّ أهل البيت، بل تشمل جميع المسلمين، بل جميع الناس، فالحكم و القانون و الامر و النهي، كلّ هذه الاشياء تكون للجميع، و قد ذكرنا فيما تقدّم أنّ الآية بدأت بكلمة «إِنَّمَا» و هي تفيد الحصر، أي أنّ الله أراد تطهير أهل البيت علی سبيل الحصر، و هذه الإرادة طبعاً هي الإرادة التكوينيّة المستلزمة للعصمة، كما جاء في مريم، قوله تعالي: وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلَـ'´نءِكَةُ يَـ'مَرْيَمُ إِنَّ اللَهَ اصْطَفَب'كِ وَ طَهَّرَكِ وَاصْصَفَـ'كِ علی' نِسَاءِ الْعَـ'لَمِينَ. [18] فمن الواضح أنّ هذه الطهارة هي طهارة ذاتيّة قبل العمل، لاطهارة مسبَّبة عن العمل و بعد العمل، بل يمكن القول إنّ آية التطهير (اِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ) في الإرادة التكوينّية و إفادة العصمة من هذه الآية أكثر صراحة، لانّ من الممكن أن يطرح احتمال و هو أنّ طهارة مريم ناتجة عن الطهارة في الامر والنهي والتشريع، مع أنّ هذا الاحتمال هو خلاف الظاهر، بَيدَ أنـّه ليس خلاف النصّ والتصريح أمّا في آية التطهير، لمّا كانت الإرادة إِنَّما نصّ في الحصر، و الحصر ينافي عموميّة التكليف بالنسبة إلي جميع الاشخاص، لذلك فإنّ آية التطهير أقوي في إفادة معني العصمة لاهل البيت من الآية التي تفسِّر معني العصمة لمريم. و لو قيل: إنّ المراد من إذهاب الرجس، والتطهير، هو إرادة التقوي في أعلی درجاتها، إذ إنّ الله أرادها من أهل البيت فقط، و جعل تكليفهم أشقّ من تكليف غيرهم، كما في وجوب صلاة الليل علی الرسول الاكرم وجواز صوم الوصال، و أمثال ذلك من التكاليف الشاقّة و العسيرة، لذلك فإنّ المراد من إرادة الله في هذه الآية إرادته التشريعيّة و جعل الحكم. وهذا لاينافي حصر هذه الإرادة في أهل البيت. و جواب هذه: أنّ أهل البيت خمسة بلاريب، و أنّ رسول الله هو منهم، و أنّ عصمته ليست مسبّبة عن العمل قطعاً بل هي موهبة إلهيّة لذلك فلا معني لان يكون سرّ التكليف بالنسبة إليه مقدّمة للطهارة. وملخص الكلام أنّ هذه الآية هي في مقام الامتنان، و تمثّل موهبة في أمر استثنائيّ. و ما هي المنّة من وراء التحلّي بالطهارة بواسطة التكليف الشاقّ. و لمّا كانت إرادة إذهاب الرجس و التطهير في الآية المباركة بالنسبة إلي أهل البيت جميعهم في سياقٍ واحد، و منهج واحد، لذلك فإنّ المراد من الإرادة هو ليس الإرادة التشريعيّة و جعل الحكم. الشبهة الثانية علی آية التطهير و جوابهاالثانية: أنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية زوجات النبيّ صلّي الله علیه و آله و سلّم. و أنّ المراد من إرادة إذهاب الرجس و التطهير، هو ملازمة التقوي في أعلی درجاتها و مراعاة الاحكام الشرعيّة أكثر من بقيّة المسلمين، و القرينة في ذلك هو ما صرّحت به الآيات المتقدّمة علی هذه الآية أنّ الله يؤتيهنّ أجرهنّ مرّتين عند طاعتهنّ و قنوتهنّ لله و رسوله وأنـّه يضاعف لهنّ العذاب ضعفين عند مخالفتهنّ و اتيانهنّ فاحشة مبيّنة. وكذلك صرّحت إحدي الآيات إنهنّ لسنَ كأحد من النساء. مضافاً إلي ذلك فإنّ آية التطهير جاءت مبثوثة بين الآيات التي تحوم حول نساء النبيّ، فما جاء قبلها و بعدها بيّن أحكامهنّ و تكاليفهنّ، فكيف يمكن أن يكون هذا القسم الضئيل من الآية خارجاً عن نطاق تلك الآيات، و متحدّثاً عن أشخاص غيرهنّ، بحيث إنّ صدر الآية يخصّ نساء النبيّ، و ذيلها يخصّ الخمسة أصحاب الكساء ؟ و الشاهد علی هذا الكلام هو الاحاديث المأثورة التي جعلت آية التطهير خاصّة بنساء النبيّ. أمّا الآيات المتقدّمة علی هذه الآية و المتأخرّة عنها فهي: يَـ ' ´أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاّزْوَ ' جِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَو'ةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَ إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَهَ وَ رَسُولَهُ و وَالدَّارَ الاْخِرَةَ فَإِنَّ اللَهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـ'تِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَـ'نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـ'حِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَـ'عَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَ كَانَ ذَ ' لِكَ علی اللَهِ يَسِيرًا * وَ مَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صَـ'لِحًا نُّؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَـ'نِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَـ'هِليَّةِ الاْولَي وَأَقِمْنَ الصَّلَو'ةَ وَءَاتِينَ الزَّكَو'ةَ وَ أَطِعْنَ اللَهَ وَ رَسُولَهُ و´ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَ اذْكُرْنَ مَا يُتْلَي' فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـ'تِ اللَهِ وَالْحِكْمَةِ إنَّ اللَهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.[19]
و أمّا الاحاديث، فقد قال السيوطيّ في تفسيره، و ابن حجر الهيثميّ في «الصواعق المحرقة»: نسب هذا القول إلي ابن عبّاس. [20] و قال السيوطيّ: روي ابن أبي حاتم و ابن عساكر، عن عِكرَمَة، عن ابن عبّاس أنـّه قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ» نزلت في أزواج النبيّ صلّي الله علیه ] و آله [ و سلّم و قال عكرمة: مَن شاءَ باهَلْتُهُ، إنَّها نَزلَت في أزواجِ النَّبِيِّ صلّي الله علیه ] و آله [ و سلّم. و روي ابن مردويه عن طريق سعيد بن جبير، عن عكرمة، عن ابنعبّاس أنـّه قال: «نزلت في أزواج النبيّ». و الحديث الثالث رواه ابن جرير، و ابن مردويه، عن عكرمة، أنـّه قال في قول الله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ»: لَيسَ بِالَّذِي تَذهَبُونَ، إِنَّمَا هُوَ نِساءُ النَّبِيِّ صَلَّي اللَهُ علیهِ ] وَآلِهِ [ وَسَلَّمَ. والحديث الرابع رواه ابن سعد عن عُروة في آية التطهير، قال: نزلت هذه الآية في حجرة عائشة، و يراد بأهل البيت أزواج النبيّ. [21] فهذا عدد من الاحاديث التي اختلقها حثالة من أعداء أهل البيت ودعاة الخوارج، و صنائع بني أُميّة. فذهبوا في صرف الآية عن أهلها كلّ مذهب، و عملوا علی تشويش أذهان البعض من غير المطّلعين علی التفاسير و الاخبار. و نحن بحول الله و قوّته سنكشف كذب هؤلاء وافتراءهم بدرجة لايبقي معها ريب في قلب أحد. نقل رواة الاحاديث المتقدّمة هذا القول عن طريقين: الاوّل: عن طريق عِكرَمة، و الآخر: عن طريق مقاتل بن سليمان، و كلاهما من الكذّابين المعروفين، و الوضّاعين المشهورين. و ليس لروايتهما قيمة عند العامّة. فهذان الشخصان أرادا أن يحرّفا مدلول الآية عن اتّجاهه الطبيعيّ طوعاً لما يحملانه من روح عدائيّة لاهل بيت العصمة. أحوال عكرمة غلام ابن عبّاسأمّا عِكرَمَة غلام ابن عبّاس فقد كان يري رأي الخوارج، و بالاخص رأي نجدة الحروريّ، وكان نجدة من أشدّ الخوارج عداوة لاميرالمؤمنين علیه السلام. و عكرمة من الدعاة إلي الخوارج، يجوب الامصار داعياً إلي عداوة علیّ ساعياً في تضليل الناس عنه بكلّ طريق، و لمّا كان غلاماً لابنعبّاس، و ابن عبّاس من مشاهير الصحابة، و أصحاب العلاقة الوطيدة مع النبيّ، و السوابق المشهودة في الإسلام، لذلك فإنّ كلّ حديث كان يفتريه عكرمة علی النبيّ، كان ينقله عن ابن عبّاس فيقول مثلاً حدّثني مولاي ابن عبّاس عن رسول الله كذا و كذا، و نجده في آية التطهير أيضاً ينقل عن ابن عبّاس أنـّه قال بأنّ المراد من أهل البيت نساء النبيّ. ذكر الذهبيّ في «ميزان الاعتدال» [22]ترجمة عكرمة بالتفصيل. و ذكر المرحوم السيّد عبدالحسين شرف الدين ملخّص ذلك عند البحث في آية التطهير. [23]و محصّل ذلك: أنّ عِكرمة كان من غلاة الخوارج مبالغاً في الدعوة إليهم. فقد نقل عن ابن المدائنيّ أنـّه قال: كان عكرمة يري رأي نجدة الحروريّ (و كان نجدة من أشدّ الخوارج عداوة لاميرالمؤمنين). و قال يعقوب الحضرميّ: لمّا كان عكرمة من الإباضيّة (و هم من غلاة الخوارج) لذلك كان يكفّر جميع المسلمين. و كان يقف علی باب المسجد، و يقول: ما فيه إلاّ كافر. و قال مصعب الزبيريّ: كان عكرمة يري رأي الخوارج. و عن عطاء: كان عكرمة إباضيّاً. و قال أحمد بن حنبل: كان عكرمة يري رأي الصُفريّة (و هم من غلاة الخوارج أيضاً). و قال يحيي بن بكير: قدم عكرمة مصر و هو يريد المغرب. قال: الخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا ] دينهم [. و قال خالد بن أبي عمران: كنّا في المغرب و عندنا عكرمة في وقت الموسم (الحجّ)، فقال: وددتُ أنّ بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يميناً و شمالاً (لبنائه علی كفر من عدا الخوارج من أهل القبلة). ] وله في القرآن رأي سيّء [. وحدّث أيّوب عن عكرمة أنـّه قال: إنـّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس. هذا عن مذهبه و عقيدته ! و أمّا كذبه فقد نقلوا عنه قصصاً في ذلك. قال ابن أبي شعيب: سألت محمّد بن سيرين عن عكرمة، فقال:...كذّاب. و قال عفّان: حدّثنا وهيب، قال: شهدت يحيي بن سعيد الانصاريّ و أيّوب، فذكروا عكرمة، فقال يحيي: كذّاب. و قال إبراهيم بن مَيسرةَ عن طاووس اليمانيّ: قال: لو أنّ عبد ابن عبّاس اتّقي الله و كفّ عن حديثه لشدّت إليه المطايا. وقال إبراهيم بن المنذر: حدّثنا هشام بن عبدالله المخزوميّ: قال: سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة، و كان غير ثقة. و قال محمّد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم و الحديث، و ليس يحتجّ بحديثه، و يتكلّم الناس فيه. ] و لا ريب في وضعه الحديث [. وعن عبدالله بن الحارث، قال: دخلت علی علیّ بن عبدالله بن عبّاس، فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحشّ (الخلإ) فقلت له: ألا تتّقي الله ؟ فقال: إنّ هذا الخبيث يكذب علی أبي (ويكذب علی رسول الله به). و نقل ياقوت الروميّ في ترجمة عكرمة من معجمه هذه القصّة نفسها. وكذلك نقلها عن يزيد بن زياد أنـّه قال: دخلت علی علیّ بن عبدالله بن مسعود وعكرمة مقيّد علی باب الحشّ. قلت: ما لهذا كذا ؟ قال: إنـّه يكذب علی أبي. فهو بمقتضي هاتين الروايتين تارة يكذب علی ابن عبّاس، فينكر علیه ابنه و يعزّره و يوثقه ؛ و تارة يكذب علی ابن مسعود، فينكر علیه ابنه ويعزّره و يقيّده. و لمّا عُرِف عكرمة بخيانة مولاه ابن عبّاس و كذبه علیه، لذلك قال ابن المسيّب لمولاه بُرْد: لاتكذب علیّ كما كذب عكرمة علی ابن عبّاس. ويروي ذلك عن عبدالله بن عمر ] أنـّه أيضاً قال لمولاه نافع: لاتكذب علیّ كما كذب عكرمة علی مولاه [. و علی هذا الاساس، رفض كبار المحدّثين من العامّة رواياته، و لم يثق أحد بها إلاّ البخاريّ. و كان مسلم بن الحجّاج يتجنّب الرواية عنه، و لم ينقل عنه إلاّ رواية أو روايتين في سياق روايات أُخري مقرونة بروايته ومؤيّدة لها. قال مطرف بن عبدالله: سمعت مالكاً يكره أن يُذكر عكرمة ولارأي أن يروي عنه. و قال أحمد بن حنبل: ما علمت أنّ مالكاً حدّث بشيء لعكرمة ] إلاّ في موضوع واحد [. و أمّا أفعاله الاُخري: فقد نقل عن كتاب علیّ بن المدينيّ أنـّه قال: سمعت يحيي بن سعيد يقول: حدّثني والدي عن أيّوب أنـّه ذكر له أنّ عكرمة لايحسن الصلاة. فقال أيّوب: و كان يصلّي ؟ و قال الفضل السِّينانيّ: رأيت عكرمة قد أُقيم قائماً في لعب النرد. و عن يزيد بن هارون أنـّه قال: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيّوب ويونس، و سليمان التيميّ، فسمع صوت غناء. فقال: اسكتوا، ثمّ قال: قاتله الله، لقد أجاد. فأمّا يونس و سليمان فما عادا إليه. و بسبب أفعاله هذه لم يشهد الناس جنازته عندما توفّي سنة 105 أو 106 أو 107 هـ. وورد عن سليمان بن معبد السِّنجيّ أنـّه قال: مات عكرمة، وكثير عَزَّة في يوم، فشهد الناسُ جنازة كُثير، و تركوا جنازة عكرمة، ] و لم يشهدها إلاّ سُودان المدينة [. و قال مصعب الزبيريّ: كان عكرمة يري رأي الخوارج، فطلبه متولّي المدينه، فتغيّب عند داود بن الحصين حتّي مات عنده. ] و كان قد جاب الآفاق في الدعوة إلي مذهب الخوارج طيلة عمره [. و قال أبوطالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان عكرمة من أعلم الناس، و لكنّه كان يري رأي الصُفريّة، و لم يدع موضعاً إلاّ خرج إليه: خراسان، و الشام، واليمن، و مصر، وإفريقيا، كان يأتي الاُمراء فيطلب جوائزهم، و أتي الجَنَدَ إلي طاووس فأعطاه ناقة. فهذه نبذة موجزة عن ترجمة عكرمة، نقلناها عن كتاب «ميزان الاعتدال». فلمّا كان يري رأي الخوارج، و كان معروفاً بالكذب، و يجيزه علی وجه الخصوص، من أجل تأييد اعتقاده، لذلك يتّضح السرّ من وراء وضع تلك الروايات، و تفسير أهل البيت بنساء النبيّ. لقد كان الخوارج أعداء أميرالمؤمنين علیه السلام ولاسيّما عكرمة الذي كان من غلاتهم ودعاتهم، و كان يجوب البلدان من أجل الدعوة إلي مذهبه و ترويج عقيدته بين الناس. فهل نتوقّع من عكرمة، و هو بهذه المواصفات، أن يقول بنزول آية التطهير في أميرالمؤمنين علیّ بن أبيطالب علیه السلام ويري فيه إماماً معصوماً مفترض الطاعة بين أُناس كان يرمي إلي تنفيرهم عنه ؟ كلاّ. و لقد كان عالماً و هو يقول عن نفسه: لازمت ابن عبّاس أربعين سنة، و كنت أحدّث الناس، و ألممتُ بفنون العلم. و لمّا كان عكرمة آثماً و من أهل المعاصي و الكذب، لذلك رأي أنّ أفضل وسيلة لإغواء الناس ودعوتهم إلي مذهب الخوارج هي أن يصرف الآية عن أهل بيت العصمة ويفسّرها بنساء النبيّ. و لمّا لم يشهد النبيّ، فإنـّه استغلّ سمعة مولاه عبداللهبن عبّاس، فنسب إلي هذا الرجل الوجيه الذي يحترمه المسلمون الكذب غير متحرّج عن ذلك. و كان يقول: تأدّبتُ في بيت ابن عبّاس وعلّمت الناس العلم أربعين سنة فيه، فأنا أقول ما قال، فالآية نزلت في نساء رسول الله. و بلغ به التحمّس لاثبات مدّعاه أنـّه طلب المباهلة، و لنا أن نسأل: أنـّه لِمَ لَمْ يطلب المباهلة في المسائل الخلافيّة الاُخري و طلبها فقط في هذه المسألة التي تمسّ عقيدته في الصميم ؟ و يتّضح من قوله: لَيْسَ بِالَّذِي تَذهَبُونَ إنّ الاجواء الفكريّة للناس كانت تعرف أهل البيت علی أنـّهم أهل العصمة و الطهارة من آل محمّد صلوات الله علیهم و لم يألف الوسط الاجتماعيّ أحداً غيرهم، إلاّ أنّ عكرمة كان ينادي في الاسواق أيـّها الناس، ليس بالذي تذهبون، و ذلك من أجل صرف الناس عمّا يعلمون بتحريف أفكارهم، و بلغ في الصلافة مستوي لم يستطع معه علیّ بن عبدالله بن عبّاس أن يردعه عن عمله علی الرغم من التهديد و الوعيد، حتّي حبسه في بيته لئلاّ يختلط بالناس ويكذب علی أبيه أو علی رسول الله. هذا فيما يخصّ رواية عكرمة إذ اتّضح سندها و هويّتها، و انكشف كذبها، مع أنّ الواحديّ في «أسباب النزول» نقل في هذا الحقل رواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس بدون ذكر عكرمة. [24]بَيدَ أنـّا كما نقلنا عن السيوطيّ رواية عن ابن مردويه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس بواسطة عكرمة، فإنـّه يبدو أنّ هاتين هما خبر واحد. و وقع في الخبر الواحد تدليس، فأسقطوا منه عكرمة الكذّاب من أجل بلبلة الافكار. أحوال مقاتل بن سليمانو أمّا مُقاتل بن سليمان فإنـّه أيضاً يروي هذا الحديث. و هو من الكذّابين و الوضّاعين المشهورين، لم يختلف عن عكرمة، و عدّه النسائيّ من الكذّابين المعروفين بوضع الحديث علی رسول الله. [25]و قال الجوزجانيّ كما جاء في ترجمة مقاتل عن «ميزان الاعتدال»: كان مقاتل كذّاباً جسوراً. [26]و كان يقول للمنصور ] الدوانيقيّ [: انظر ما تحبّ أن أحدّثه فيك حتّي أُحدّثه. و قال للمهديّ ] الخليفة العبّاسيّ [ إن شئت وضعتُ لك أحاديث في العبّاس ! قال: لا حاجة لي فيها. [27] يقول السيّد شرف الدين: كان عدوّاً لاميرالمؤمنين، وكان دأبه صرف الفضائل والمناقب التي قالها فيه رسول الله صلي الله علیه و آله وسلم عنه حتّي افتضح بذلك. و جاء في «و فيات الاعيان» لابن خَلّكان أنّ إبراهيم الحربيّ قال: قعد مقاتل بن سليمان فقال (إطفاءً لنور أميرالمؤمنين و عناداً له): سَلُوني عَمّا دُونَ الْعَرشِ. فقال له رجل: أخبرني، من حلق رأس آدم حين حجّ ؟ فبهت ] مقاتل [. و قال الجوزجانيّ: سمعت أبا اليمان يقول: قدم ] مقاتل [ هاهنا فأسند ظهره إلي القبلة، و قال: سَلُوني عَمّا دونَ الْعَرشِ. قال: و حُدّثت أنـّه قال مثلها بمكّة، فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النملة، أين أمعاؤها؟ فسكت. و نقل ابن خلّكان هذه الحكاية في ترجمة مقاتل فقال: وإضافة إلي ما كان علیه من الكذب، فإنـّه كان يذهب عند علماء اليهود و النصاري، و يفسّر القرآن حسب كتبهم. و قال أبو حاتم البُستيّ، كَانَ مُقَاتِلٌ يَأخُذُ عَنِ الْيَهُود وَالنَّصاري عِلْمَ القُرآنِ الَّذِي يُوافِقُ كُتُبَهُمْ. و كان مشبّهاً يشبّه الربّ بالمخلوقين ] و يقول إن لله يد ورجل وعين وأُذن و غير ذلك [. و قال ابن خلّكان: كان مقاتل من رجال المرجئة و غلاة المشبّهة جماعة منهم ابن حزم في ص 205 من الجزء الرابع من كتابه «الفصل» وعدّه الشهرستانيّ في كتاب «الملل و النحل» من رجال المرجئة. و نقل الذهبيّ في «ميزان الاعتدال» في ترجمة مقاتل عن أبي حنيفة أنـّه قال: أفرط جهم في نفي التشبيه حتّي قال: إنـّهُ تعالي لَيسَ بشيءٍ. وأفرط مقاتل في الإثبات حتّي جعله مثل خلقه. و قصاري القول إنّ رجلاً بهذه المواصفات تسقط روايته من درجة الاعتبار، و لايحتاج إلي بحث طويل عند أصحاب الاختصاص و أهل الجرح و التعديل. و لاسيّما إذا كانت المسألة تتعلّق بآية التطهير و شأن نزولها إذ تمسّ عقيدتهم في الصميم. بَيدَ أنّ هذه الحقائق لمّا كانت خافية علی بعض الاعلام من العامّة، لذلك أقاموا لرواياتهم وزناً. نستعرض هنا متن و مفاد الروايات المنقولة عن أُولئك الرواة بغضّ النظر عن الخوض في شخوصهم، حتّي تتبيّن تفاهة هذه الروايات المنحولة. الإجابة علی الروايات التي تخصّص آية التطهير بنساء النبيّإنّ التأمّل في الروايات الواردة يحكي لنا أنّ كلمة «أهل» في اللغة العربيّة لاتطلق علی النساء إلاّ من باب التوسّع في اللغة و علی سبيل المجاز. جاء في «صحيح مسلم» عن زيد بن أرقم ] و قد قيل له [: مَن أهل بيته؟ نساؤه ؟ قال: لا، و أيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثمّ يُطلّقها (و تنقطع العلاقة بينهما) فترجع إلي أبيها و قومها. [28] قلنا فيما تقدّم إنّ أُمّ سلمة لمّا أرادت الدخول تحت الكساء، قال لها النبيّ: تنحِّي. فيتّضح من هذا أنّ عنوان الاهل لا يصدق علی أُمّ سلمة فنحّاها النبيّ بهذا العنوان مع أنـّها زوجته. و تفيد الرواية التي ينقلها السيوطيّ من أنّ أُمّ سلمة بعد أن سألت قائلةً: أَلَسْتُ مِن أَهلِكَ ؟ قَالَ: إنَّكَ إلَي خَيرٍ، إِنَّكَ مِن أَزْواجِ النَّبيِّ. [29]فرفع النبيّ عنها عنوان الاهل و استبدله بعنوان الزوجة، تفيد تلك الرواية أنّ النساء لسن أهل الرجل، و لعلّ المراد من كلمة «أهل» أشخاص تربطهم به علاقة و طيدة و راسخة لاتزول مثل: البنت، و الابن، و الحفيد ؛ والمرأة مع أنـّها ترتبط بالرجل من خلال عقد الزواج، بَيدَ أنّ هذا الارتباط يزول بالطلاق و غيره. مضافاً إلي ذلك، لو كان المراد من أهل البيت نساء النبيّ، لكان ذلك شرفاً لهنّ يتباهين و يفخرن به في الميادين الحسّاسة. بَيدَ أنـّه لم يشاهَد أنّ إحدي نساء النبيّ قد ادّعت ذلك وأضفت علی نفسها هذا اللقب حتّي يستغلّ الآخرين من أقربائهنّ هذا الشرف فينسبوا عنوان أهل البيت إليهنّ. و حتّي معاوية الذي استغلّ لقب أُمّ المؤمنين الموسومة به أُخته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان فصعد المنبر و أطلق علی نفسه لقب: خَالُ المؤمنين، فلو كان عنوان أهل البيت صادقاً علی أُخته، لطبّل و زمرّ قائلاً: أنَا أخوُ أهلِ الْبَيتِ، و لطبّل وزمرّ من قبله أبوبكر، وعمر قائلاً كلّ منهما: أنَا أبُو أهلِ البَيتِ. بَيدَ أنّ الجميع يقرّون و يعترفون أنّ هذه الآية نزلت في النبيّ، وعلیّ وفاطمة، و الحسن، و الحسين علیهم السلام. مضافاً إلي ذلك فإنّ الخطاب في هذه الآية المباركة جاء بلفظ جمع المذّكر: لِيُذْهِب |