بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة الامام / المجلد الثامن عشر/ القسم الثالث: جابر بن حیان تلمیذ الامام الصادق و اعتقاده فی الکیمیاء

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

الخبر يفيد تجرّد النفس‌ الناطقة‌ والمجرّدات‌ الاُخري‌

 قال‌ المجلسيّ في‌ آخر هذا الخبر: ثمّ اعلم‌ أنّ بعض‌ تلك‌ الفقرات‌ تومي‌ إلي‌ تجرّد النفس‌، وَاللَهُ يَعْلَمُ وَحُجَجُهُ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

 قال‌ أُستاذنا الاكرم‌ سماحة‌ العلاّمة‌ الطباطبائيّ قدّس‌ الله‌ تربته‌ في‌ تعلـيقه‌ علي‌ كلام‌ المجلسـيّ: بل‌ إلي‌ وجـود أُمورٍ أُخـري‌ غير النفـس‌ مجـرّدة‌ كما يشعر به‌ قوله‌ عليه‌ السلام‌: وَكَذَلِكَ الاُمُورُ الرُّوحَانِيَّةُ اللَّطِيفَةُ . ومنه‌ يظـهر أنّ وصف‌ شي‌ء بأنّه‌ روحاني‌ّ أو لطـيف‌ في‌ الاخبار يُشـعر بتجـرّده‌. ( ط‌ ( . [1]

 الرجوع الي الفهرس

  احتجاج‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ مع‌ الطبيب‌ الهندي‌ّ في‌ التوحيد

الخبر المرويّ عن‌ المفضَّل‌ بن‌ عمر في‌ التوحيد المشتهر بالإهليلجة‌ [2]

 إنّ ما ذكرناه‌ هنا بحمد الله‌ ومنّه‌ يدور حول‌ الخبر المشهور بتوحيد المفضّل‌. وما يأتي‌ بعدُ يحوم‌ حول‌ ما رواه‌ العلاّمة‌ المجلسيّ رضوان‌ الله‌ عليه‌ عن‌ المفـضّل‌ بن‌ عمـر، عن‌ الإمام‌ الصـادق‌ عليه‌ السـلام‌ فـي‌ خبـر « الإهليلجة‌ » التي‌ كانت‌ بِيَدِ طبيب‌ هندي‌ّ. قال‌:

 حدّثني‌ محرز بن‌ سعيد النحويّ بدمشق‌ قال‌: حدّثني‌ محمّد بن‌ أبي‌ مسهر[3] بالرملة‌، عن‌ أبيه‌، عن‌ جدّه‌ قال‌: كتب‌ المفضّل‌ بن‌ عمر الجعفي‌ّ إلي‌ أبي‌ عبد الله‌ جعفر بن‌ محمّد الصادق‌ عليهما السلام‌ يُعلمه‌ أنّ أقواماً ظهروا من‌ أهل‌ هذه‌ الملّة‌ يجحدون‌ الربوبيّة‌، ويجادلون‌ علي‌ ذلك‌، ويسأله‌ أن‌ يردّ عليهم‌ قولهم‌، ويحتجّ عليهم‌ فيما ادّعوا بحسب‌ ما احتجّ به‌ علي‌ غيرهم‌. فكتب‌ أبو عبد الله‌ عليه‌ السلام‌:

بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 أمّا بعد؛ وفّقنا الله‌ وإيّاك‌ لطاعته‌ ! وأوجب‌ لنا بذلك‌ رضوانه‌ برحمته‌ ! وصل‌ كتابك‌ تذكر فيه‌ ما ظهر في‌ ملّتنا، وذلك‌ من‌ قومٍ من‌ أهل‌ الإلحاد بالربوبيّة‌ قد كثرت‌ عدّتهم‌ واشتدّت‌ خصومتهم‌. وتسأل‌ أن‌ أصنع‌ للردّ عليهم‌ والنقض‌ لما في‌ أيديهم‌ كتاباً علي‌ نحو ما رددت‌ علي‌ غيرهم‌ من‌ أهل‌ البدع‌ والاختلاف‌.

 ونحن‌ نحمد الله‌ علي‌ النِّعَم‌ السابغة‌، والحجج‌ البالغة‌، والبلاء المحمود عند الخاصّة‌ والعامّة‌ ( النعمة‌ التي‌ يُثني‌ عليها الخاصّة‌ والعامّة‌ ويرونها قريبة‌ منّا هي‌ العلم‌، أو النعمة‌ التي‌ تصل‌ إلي‌ الخاصّة‌ والعامّة‌ من‌ ساحتنا ) .

 فكان‌ من‌ نعمه‌ العظام‌ وآلائه‌ الجسام‌ التي‌ أنعم‌ بها تقريره‌ قلوبهم‌ بربوبيّته‌، وأخذه‌ ميثاقهم‌ بمعـرفته‌، وإنزاله‌ عليـهم‌ كتاباً فيه‌ شـفاء لما في‌ الصدور من‌ أمراض‌ الخواطر ومشتبهات‌ الاُمور. ولم‌ يدع‌ لهم‌ ولا لشي‌ء من‌ خلقه‌ حاجة‌ إلي‌ من‌ سواه‌، واستغني‌ عنهم‌، وَكَانَ اللَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا.[4]

 ولعمري‌ ما أُتي‌ الجهّال‌ من‌ قبل‌ ربّهم‌ ( وما يصيبهم‌ من‌ جميع‌ أقسام‌ الضرر والهلاك‌ فهو من‌ أنفسهم‌ فحسب‌ ) وأنّهم‌ ليرون‌ الدلالات‌ الواضحات‌ والعلامات‌ البيّنات‌ في‌ خلقهم‌، وما يعاينون‌ من‌ ملكوت‌ السماوات‌ والارض‌، والصنع‌ العجيب‌ المتقن‌ الدالّ علي‌ الصانع‌، ولكنّهم‌ قوم‌ فتحوا علي‌ أنفسهم‌ أبواب‌ المعاصي‌، وسهّلوا لها سبيل‌ الشهوات‌، فغلبت‌ الاهواء علي‌ قلوبهم‌، واستحوذ الشيطان‌ بظلمهم‌ عليهم‌، وَكَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَهُ عَلَي‌ قُلُوبِ المُعْتَدِينَ. [5]

 والعجب‌ من‌ مخلوق‌ يزعم‌ أنّ الله‌ يخفي‌ علي‌ عباده‌، وهو يري‌ أثر الصنع‌ في‌ نفسه‌ بتركيب‌ يبهر عقله‌، وتأليف‌ يُبطل‌ حجّته‌.[6] ولعمري‌ لو تفكّروا في‌ هذه‌ الاُمور العظام‌ لعاينوا من‌ أمر التركيب‌ البيّن‌، ولطف‌ التدبير الظاهر، ووجود الاشياء مخلوقة‌ بعد أن‌ لم‌ تكن‌، ثمّ تحوّلها من‌ طبيعة‌ إلي‌ طبيعة‌، وصنيعة‌ بعد صنيعة‌ ما يدلّهم‌ ذلك‌ علي‌ الصانع‌ فإنّه‌ لا يخلو شي‌ء منها من‌ أن‌ يكون‌ فيه‌ أثر تدبير وتركيب‌ يدلّ علي‌ أنّ له‌ خالقاً مدبّراً، وتأليف‌ بتدبير يهدي‌ إلي‌ واحد حكيم‌.[7]

 أجل‌، هذا الحديث‌ مفصّل‌ أيضاً، وهو دلالة‌ تامّة‌ علي‌ حجّيّة‌ العقل‌. ولمّا كان‌ ذكره‌ بحذافيره‌ لا يناسب‌ كتابنا هذا، لذا نكتفي‌ هنا بذكر صدره‌ تأسّـياً بالشـيخ‌ العـلاّمة‌ المظـفّر رحمة‌ الله‌ علـيه‌. قال‌ في‌ كتـاب‌ « الإمام‌ الصادق‌ » : الإهليلجة‌.

 سُمّي‌ هذا التوحيد بالإهليلجة‌ لانّ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ كان‌ مناظراً فيه‌ لطبيب‌ هنديّ في‌ إهليلجة‌ كانت‌ بِيَدِ الطبيب‌. وذلك‌ أنّ المفضّل‌ بن‌ عمر كتب‌ إلي‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ يخبره‌ أنّ أقواماً ظهروا من‌ أهل‌ هذه‌ الملّة‌ يجحدون‌ الربوبيّة‌ ويجادلون‌ علي‌ ذلك‌، ويسأله‌ أن‌ يردّ عليهم‌ قولهم‌ ويحتجّ عليهم‌ فيما ادّعوا بحسب‌ ما احتجّ به‌ علي‌ غيرهم‌.

 فكتـب‌ إليه‌ الصـادق‌ عليه‌ السـلام‌ فيما كتب‌: وقد وافاني‌ كتابـك‌ ورسمت‌ لك‌ كتاباً كنت‌ نازعتُ فيه‌ بعض‌ أهل‌ الاديان‌ من‌ أهل‌ الإنكار. وذلك‌ أنّه‌ كان‌ يحضرني‌ طبيب‌ من‌ بلاد الهند، وكان‌ لا يزال‌ ينازعني‌ في‌ رأيه‌ ويجادلني‌ عن‌ ضلالته‌. فبينا هو يوماً يدقّ إهليلجة‌ ليخلطها دواءً احتجت‌ إليه‌ من‌ أدويته‌ إذ عرض‌ له‌ شي‌ء من‌ كلامه‌ الذي‌ لم‌ يزل‌ ينازعني‌ فيه‌ من‌ ادّعائه‌ أنّ الدنيا لم‌ تزل‌ ولا تزال‌ شجرة‌ تنبت‌ وأُخري‌ تسقط‌، ونفس‌ تولد وأُخري‌ تتلف‌. وزعم‌ أنّ انتحالي‌ المعرفة‌ للّه‌ دعوي‌ لا بيّنة‌ عليها ولا حجّة‌ لي‌ فيها، وأنّ ذلك‌ أمر أخذه‌ الآخر عن‌ الاوّل‌ والاصغر عن‌ الاكبر، وأنّ الاشياء المختلفة‌ والمؤتلفة‌ والباطنة‌ والظاهرة‌ إنّما تعرف‌ بالحواسّ الخمس‌: النظر، والسمع‌، والشمّ، والذوق‌، واللمس‌. ثمّ قاد منطقه‌ علي‌ الاصل‌ الذي‌ وضعه‌، فقال‌: لم‌ يقع‌ شي‌ء من‌ حواسّي‌ علي‌ خالق‌ يؤدّي‌ إلي‌ قلبي‌ ( فلا أستطيع‌ أن‌ أقرّ بالخالق‌ ) إنكاراً للّه‌ تعالي‌.

 الرجوع الي الفهرس

عدم‌ الوجدان‌ لا يدلّ علي‌ عدم‌ الوجود

 ثمّ قال‌: أخبـرني‌ بم‌ تحـتجّ في‌ معـرفة‌ ربّك‌ الذي‌ تصـف‌ قـدرته‌ وربوبيّته‌. وإنّما يعرف‌ القلب‌ الاشياء كلّها بالدلالات‌ التي‌ وصفت‌ لك‌ ؟ قلتُ: بالعقل‌ الذي‌ في‌ قلبي‌، والدليل‌ الذي‌ أحتجّ في‌ معرفته‌ ! قال‌: فأ نّي‌ يكون‌ ما تقول‌ وأنت‌ تعرف‌ أنّ القلب‌ لا يعرف‌ شيئاً بغير الحواسّ ؟! فهل‌ عاينت‌ ربّك‌ ببصر، أو سمعتَ صوته‌ بأُذُن‌ أو شممته‌ بنسيم‌، أو ذقته‌ بفم‌، أو مسسته‌ بِيَدٍ، فأدّي‌ ذلك‌ المعرفة‌ إلي‌ قلبك‌ ؟!

 قلتُ: أرأيت‌ إذا أنكرت‌ الله‌ وجحدته‌ لا نّك‌ زعمت‌ أ نّك‌ لا تحسّه‌ بحواسّك‌ التي‌ تعرف‌ بها الاشياء وأقررتُ أنا به‌، هل‌ بدّ من‌ أن‌ يكون‌ أحدنا صادقاً، والآخر كاذباً ؟!

 قال‌: لا.

 قلتُ: أرأيت‌ إن‌ كان‌ القول‌ قولك‌، فهل‌ تخاف‌ عَلَيَّ شيئاً ممّا أُخوّفك‌ به‌ من‌ عقاب‌ الله‌ ؟

 قال‌: لا !

 قلتُ: أفرأيت‌ إن‌ كان‌ كما أقول‌ والحقّ في‌ يدي‌، ألستَ قد أخذتَ فيما كنتُ أُحاذر من‌ عقاب‌ الله‌ بالثقة‌، وأ نّك‌ قد وقعتَ بجحودك‌ وإنكارك‌ في‌ الهلكة‌ ؟!

 قال‌: بلي‌ !

 قلتُ: فأيّنا أولي‌ بالحزم‌ وأقرب‌ من‌ النجاة‌ ؟!

 قال‌: أنت‌ ! إلاّ أ نّك‌ من‌ أمرك‌ علي‌ ادّعاء وشبهة‌، وأنا علي‌ يقين‌ وثقة‌، لا نّي‌ لا أري‌ حواسّـي‌ الخمـس‌ أدْرَكَـتْهُ. وما لم‌ تدركه‌ حواسّـي‌ فليس‌ عندي‌ بموجود !

 قلتُ: إنّه‌ لمّا عجزت‌ حواسّك‌ عن‌ إدراك‌ الله‌ أنكرتَه‌، وأنا لمّا عجزت‌ حواسّي‌ عن‌ إدراك‌ الله‌ صدّقت‌ به‌ ! قال‌: وكيف‌ ذلك‌ ؟!

 قلتُ: لانّ كلّ شي‌ء جري‌ فيه‌ أثر التركيب‌ لجسم‌، أو وقع‌ عليه‌ بصر للون‌ . فما أدركته‌ الابصار ونالته‌ الحواسّ فهو غير الله‌ سبحانه‌ ، لأنّه‌ لا يشبه‌ الخلق‌ ولا يشبهه‌ الخلق‌، وأنّ هذا الخلق‌ ينتقل‌ بتغيير وزوال‌، وكلّ شي‌ء أشبه‌ التغيير والزوال‌ فهو مثله‌، وَلَيْسَ المَخْلُوقُ كَالخَالِقِ وَلاَ المُحْدَثُ كَالْمُحْدِثِ.

 ثمّ إنّ الصادق‌ عليه‌ السـلام‌ قال‌: قلـتُ له‌: أخبـرني‌ هل‌ أحطـتَ بالجهات‌ كلّها وبلغتَ منتهاها ؟ قال‌: لا ؟ قلتُ: فهل‌ رقيت‌ إلي‌ السماء التي‌ تري‌، أو انحدرت‌ إلي‌ الارض‌ السفلي‌ فجلتَ في‌ أقطارها ؟! أو هل‌ خضتَ في‌ غمرات‌ البحور، واخترقتَ نواحي‌ الهواء فيما فوق‌ السماء أو تحتها إلي‌ الارض‌ وما أسفل‌ منها فوجدت‌ ذلك‌ خلاءً من‌ مدبّر حكيم‌ عالم‌ بصير ؟!

 قال‌: لا !

 قلتُ: فما يدريك‌ لعلّ الذي‌ أنكره‌ قلبك‌ هو في‌ بعض‌ ما لم‌ تدركه‌ حواسّك‌ ولم‌ يُحط‌ به‌ علمك‌ !

 قال‌: لا أدري‌ ! لعلّ في‌ بعض‌ ما ذكرت‌ مدبّراً، وما أدري‌ لعلّه‌ ليس‌ في‌ شي‌ءٍ من‌ ذلك‌ !

 قال‌ المظفّر : ربّما يتوهّم‌ بأنّ في‌ كلام‌ الصادق‌ هذا إشعاراً بالتجسيم‌، لأنّه‌ جوّز أن‌ يكون‌ في‌ جهة‌ معيّنة‌، وهو من‌ شؤون‌ الجسم‌، ولكن‌ ذلك‌ كان‌ منه‌ إنكاراً علي‌ الطبيب‌ الذي‌ يريد أن‌ يستدلّ علي‌ عدم‌ الوجود بعدم‌ الوجدان‌، وإنّما أراد الصادق‌ أن‌ يكذِّب‌ دعواه‌ بعدم‌ الوجدان‌، فيورد عليه‌ احتمال‌ وجوده‌ في‌ جهة‌ لم‌ يصل‌ إليها الطبيب‌، وأنّ احتمال‌ وجوده‌ في‌ جهةٍ كافٍ في‌ ردّ دعواه‌ بعدم‌ الوجدان‌. وهذا من‌ باب‌ الإلزام‌ للخصم‌ وإبطال‌ حجّته‌، لا من‌ باب‌ إثبات‌ وجوده‌ في‌ جهة‌. وقد سبق‌ من‌ كلامه‌ إنكار إدراكه‌ بالحواسّ، والمثبت‌ في‌ جهة‌ خاصّة‌ مدرك‌ بالحواسّ.

 ثمّ قال‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌: قلتُ: أما إذ خرجت‌ من‌ حدّ الإنكار إلي‌ منزلة‌ الشكّ فإنّي‌ أرجو أن‌ تخرج‌ إلي‌ المعرفة‌ !

 قال‌: فإنّما دخل‌ عَلَي‌َّ الشكّ لسؤالك‌ إيّاي‌ عمّا لم‌ يُحط‌ به‌ علمي‌، ولكن‌ من‌ أين‌ يدخل‌ عَلَي‌َّ اليقين‌ بما لم‌ تدركه‌ حواسّي‌ ؟!

 قلتُ: من‌ قِبَل‌ اهليلجتك‌ هذه‌ ! قال‌: ذاك‌ إذن‌ أثبت‌ للحجّة‌، لأنّها من‌ آداب‌ الطبّ الذي‌ أُذعن‌ بمعرفته‌ ! [8]

 الرجوع الي الفهرس

 شرح‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ للإهليلجة‌ وإقرار المخالف‌

ثمّ إنّ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ صار يلقي‌ عليه‌ الاسئلة‌ عمّا يخصّ الإهليلجة‌ من‌ كيفيّة‌ صنعتها، ومن‌ وجود أمثالها في‌ الدنيا، والطبيب‌ يراوغ‌ في‌ الجواب‌ حذراً من‌ الالتزام‌ بالصنعة‌ الدالّة‌ علي‌ الصانع‌، إلي‌ أن‌ ألزمه‌ بما لا يجد محيصاً من‌ الاعتراف‌ به‌، وهو أنّها خرجت‌ من‌ شجرة‌.

 ثمّ قال‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌:

 أَرَأَيْتَ الإهْلِيلَجَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْقِدَ ؟! إذْ هِيَ فِي‌ قَمِعِهَا [9] مَاءٌ بِغَيْرِ نَوَاةٍ، وَلاَ لَحْمٍ، وَلاَ قِشْرٍ، وَلاَ لَوْنٍ، وَلاَ طَعْمٍ، وَلاَ شِدَّةٍ ؟!

 قَالَ: نَعَمْ.

 قَالَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَرْفُقِ[10] الخَالِقُ ذَلِكَ المَاءَ الضَّعِيفَ الَّذِي‌ هُوَ مِثْلُ الخَرْدَلَةِ فِي‌ القِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَلَمْ يُقَوِّهِ بِقُوَّتِهِ، وَيُصَـوِّرْهُ بِحِكْمَتِهِ وَيُقَدِّرْهُ بِقُدْرَتِهِ، هَلْ كَانَ ذَلِـكَ المَاءُ يَزِيدُ عَلَي‌ أَنْ يَكُونَ فِي‌ قَمِعِهِ غَيْرَ مَجْمُوعٍ بِجِسْمٍ وَلاَ قَمِعٍ وَتَفْصِيلٍ ؟!

 فَإنْ زَادَ زَادَ مَاءً مُتَرَاكِباً غَيْرَ مُصَوَّرٍ، وَلاَ مُخَطَّطٍ، وَلاَ مُدَبَّرٍ بِزَيَادَةِ أَجْزَاءٍ وَلاَ تَألِيفِ أَطْبَاقٍ ؟!

 قال‌: أريتني‌ من‌ تصوير شجرتها وتأليف‌ خلقتها وحمل‌ ثمرتها وزيادة‌ أجزائها وتفصيل‌ تركيبها أوضح‌ الدلالات‌ وأظهر البيّنات‌ علي‌ معرفة‌ الصانع‌. ولقد صدقت‌ بأنّ الاشياء مصنوعة‌، ولكنّي‌ لا أدري‌ لعلّ الإهليلجة‌ والاشياء صنعت‌ نفسها.

 ثمّ إنّ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ أثبت‌ له‌ أنّها مصنوعة‌ لغيرها، لسبقها بالعدم‌[11]، ولان‌ صنعتها تدلّ علي‌ أنّ صانعها حكيم‌ عالم‌، إلي‌ غير ذلك‌ من‌ البراهين‌.

 ثمّ ما زال‌ الصادق‌ يسايره‌ في‌ الكلام‌، ومحور الكلام‌ الإهليلجة‌، إلي‌ أن‌ أرغمه‌ الدليل‌ علي‌ الاعتراف‌ بالصانع‌ الواحد، بعد أن‌ صار كلامهما إلي‌ النجوم‌ والمنجّمين‌.

 ثمّ صار الصادق‌ يدلي‌ عليه‌ بالبيان‌ عن‌ تلك‌ العلامات‌ علي‌ ذلك‌ الصانع‌ الواحد، والدلالات‌ علي‌ ذلك‌ الحكيم‌ القدير والعالم‌ البصير من‌ مصنوعاته‌ من‌ السماء، والارض‌، والشجر، والنبات‌، والانعام‌، وغيرها، وكيفيّة‌ دلالتها عليه‌. ثمّ أخذ في‌ بيان‌ صفاته‌ من‌ اللطف‌، والعلم‌، والقوّة‌، والسمع‌، والبصر، والرأفة‌، والرحمة‌، والإرادة‌.

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ المرحوم‌ المظفّر حول‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌

 قال‌ المظفّر : وما حداني‌ علي‌ الإشارة‌ إلي‌ مواضع‌ هذه‌ الرسالة‌ دون‌ إيرادها إلاّ رعاية‌ الإيجاز، علي‌ أنّ هذه‌ الرسالة‌ جمعت‌ فنوناً من‌ العلم‌ إلي‌ قوّة‌ الحجّة‌ وجودة‌ البيان‌، وما كان‌ محور المناظرة‌ فيها إلاّ إهليلجة‌، وهي‌ من‌ أضعف‌ المصنوعات‌، وأصغرها جرماً وشأناً.[12]

 وقال‌ الشيخ‌ المظفّر أيضاً: تعرف‌ المواهب‌ الغزيرة‌ من‌ المقدرة‌ في‌ البيان‌، فبينا تجده‌ يطنب‌ في‌ الدليل‌ كما في‌ توحيد المفضّل‌ وغيره‌، إذ تراه‌ يأتي‌ بأوجز بيان‌ في‌ البرهان‌ مع‌ الوفاء بالقصد، وذلك‌ حين‌ يُسأل‌ عن‌ الدليل‌ علي‌ الخالق‌ فيقول‌ عليه‌ السلام‌: مَا بِالنَّاسِ مِنْ حَاجَةٍ.[13]

 قال‌ المظفّر : ما أوجزها كلمةً، وأكبرها حجّةً ! فإنّا نجد الناس‌ في‌ حاجة‌ مستمرّة‌ في‌ كلّ شأن‌ من‌ شؤون‌ الحياة‌. وهذه‌ الحاجة‌ تدلّ علي‌ وجود مآل‌ لهم‌ في‌ حوائجهم‌ غنيّ عنهم‌ بذاته‌، وأنّ ذلك‌ المآل‌ واحد. إلاّ لاختلف‌ السير والنظام‌. [14]

 ويسأله‌ مرّة‌ هشام‌ بن‌ الحكم‌ بقوله‌: مَا الدَّلَيلُ عَلَي‌ أنَّ اللَهَ تَعَالَي‌ وَاحِدٌ ؟! فَيَقُولُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: اتِّصَالُ التَّدْبِيرِ، وَتَمَامُ الصُّنْعِ.[15]

 قال‌ المظفّر : إنّ كلّ واحدة‌ من‌ هاتين‌ الكلمتين‌ تصلح‌ لان‌ تكون‌ دليلاً برأسـه‌، وذلك‌ لانّ اتّصال‌ التدبير شاهـد علي‌ وحدانيّة‌ المدبِّر، إذ لو كان‌ اثنين‌ أو أكثر لكان‌ الخـلاف‌ بينهما سبباً لحـدوث‌ فترة‌ أو تضارب‌، فلا يكون‌ التدبير متّصلاً والتقدير دائماً. كما أنّ تمام‌ الصنعة‌ في‌ الخلقة‌ دائماً شاهد آخر علي‌ الوحدانيّة‌، لانّ استمرار الاتّفاق‌ في‌ الاثنين‌ مع‌ التكافؤ في‌ كلّ شأن‌ لا يكون‌ أبداً، كما نشاهده‌ في‌ الذين‌ يديرون‌ دولاب‌ البلاد. فإن‌ حصل‌ اختلاف‌ ولو برهة‌، فسد المخلوق‌، فأين‌ تمام‌ الصنع‌ ؟ فالتمام‌ دليل‌ الوحدة‌ أيضاً. [16]

 الرجوع الي الفهرس

  دروس‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ في‌ العلوم‌ المختلفة‌

دروس‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ في‌:

 الكلام‌، الفلسفة‌، الحكمة‌، الطبّ، الكيمياء، الصيدلة‌،

 وجميع‌ العلوم‌ الطبيعيّة‌ من‌ المعدن‌، النبات‌، الحيوان‌،

 الإنسان‌، التنجيم‌، وغير ذلك‌

 ذكر العالم‌ الجليل‌ والحبر النبيل‌ الشيخ‌ محمّد حسين‌ المظفّر في‌ كتابه‌ ما نصّه‌:

 الرجوع الي الفهرس

 علم‌ الطبّ

 نزّل‌ الله‌ تعالي‌ الكتاب‌ تبياناً لكلّ شي‌ء،[17] وقد جمع‌ الكتاب‌ الطبّ كما يقولون‌ في‌ كلمتين‌، وهما قوله‌ تعالي‌: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْـرِفُوا [18]. فلا غرابة‌ إذن‌ لو كان‌ العلماء بما في‌ القرآن‌ علماء في‌ الطبّ أيضاً، وكان‌ ما يظهر منهم‌، من‌ البيان‌ عن‌ طبائع‌ الاشياء والامزجة‌ والمنافع‌ والمضارّ يرشدنا إلي‌ وجود هذا العلم‌ لديهم‌. ولقد جمع‌ بعض‌ علماء السلف‌ شيئاً كثـيراً من‌ كلامـهم‌ في‌ ذلـك‌، وسمّاه‌ « طبّ الائمّة‌ » . وأخال‌ أنّ الكـتاب‌ لا وجود له‌ اليوم‌، غير أنّ المجلسيّ طاب‌ ثراه‌ يروي‌ عنه‌ كثيراً في‌ « بحار الانوار » ، كما يروي‌ عنه‌ الحرّ العامليّ في‌ « وسائل‌ الشيعة‌ » .

 وكفي‌ دلالة‌ علي‌ علم‌ الصادق‌ بالطبّ ما جاء في‌ « توحيد المفضّل‌ » من‌ الاخبار عن‌ الطبائع‌ وفوائد الادوية‌، وما جاء فيه‌ من‌ معرفة‌ الجوارح‌ التي‌ تكفّل‌ بها علم‌ التشريح‌. وسيأتي‌ ما في‌ بعض‌ مناظراته‌ مع‌ الطبيب‌ الهنديّ ممّا يدلّ علي‌ ذلك‌.

 ويسـع‌ الكاتـب‌ أن‌ يجـمع‌ كتاباً فيما ورد عنه‌ في‌ خـواصّ الاشـياء وفوائدها، وفي‌ علاج‌ الامراض‌ والاوجاع‌، وفي‌ الحميّة‌ والوقاية‌. وهي‌ متفرّقة‌ في‌ غضون‌ كتب‌ الاحاديث‌ ونحوها. وربّما لم‌ يكشف‌ عنها إلاّ العلم‌ الحديث‌ مثل‌ مداواة‌ الحمّي‌ بالماء البارد، فإنّه‌ ذكروا له‌ الحمّي‌، فقال‌ عليه‌ السلام‌: إنَّا أهْلُ بَيْتٍ لاَ نَتَداوَي‌ إلاَّ بِإفَاضَةِ المَاءِ البَارِدِ يُصَبُّ عَلَيْنَا.

 ونحن‌ نحـيلك‌ علي‌ كتاب‌ الاطعـمة‌ والاشربة‌ من‌ « الوسـائل‌ » : ج‌ 3 ، ص‌ 276 إلي‌ 311 ، لتري‌ الشي‌ء الكثير من‌ ذلك‌.

 الرجوع الي الفهرس

 علم‌ الجَفْر

 الجفر في‌ الاصل‌ ولد الشاة‌ إذا عظم‌ واستكرش‌. ولعلّ مبدأ هذا العلم‌ كان‌ يكتب‌ علي‌ جلد ولد الشاة‌ فسمّي‌ به‌. وعلم‌ الجفر علي‌ الحروف‌ الذي‌ تعرف‌ به‌ الحوادث‌ المستقبلة‌.

 وجاء عن‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ أنّ عندهم‌ الجفر وفسّره‌ بأنّه‌ وعاء من‌ أدم‌ فيه‌ علم‌ النبيّين‌ وعلم‌ العلماء الذين‌ مضوا من‌ بني‌ إسرائيل‌. وجاء عنهم‌ الشي‌ء الكثير عن‌ الجفر الذي‌ عندهم‌. وإنّا وإن‌ لم‌ نعرف‌ هذا العلم‌ وما القصد منه‌ إلاّ أ نّنا نعرف‌ من‌ هاتيك‌ الاحاديث‌ التي‌ ذكرت‌ الجفر، وأنّه‌ من‌ مصادرهم‌، أنّ هذا العلم‌ شريف‌ منحهم‌ الله‌ إيّاه‌. وجاء في‌ « الكافي‌ » أحاديث‌ كثيرة‌ عن‌ الجفر الذي‌ عندهم‌.

 وذكر بعض‌ علماء أهل‌ السنّة‌ الجفر، وأنّه‌ ممّا يعلمه‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌. قال‌: الشلبنجيّ في‌ « نور الابصار » ص‌ 131 : وفي‌ « حياة‌ الحيوان‌ الكبري‌ » فائدة‌. قال‌ ابن‌ قتيبة‌ في‌ كتاب‌ « أدب‌ الكاتب‌ » : وكتاب‌ الجفر كتبه‌ الإمام‌ جعفر الصادق‌ بن‌ محمّد الباقر، فيه‌ كلّ ما يحتاجون‌ إلي‌ علمه‌ إلي‌ يوم‌ القيامة‌. وإلي‌ هذا الجفر أشار أبو العلإ بقوله‌:

 لَقَدْ عَجِبُوا لآلِ البَيْتِ لَمَّا             أَتَاهُمْ عِلْمُهُمْ فِي‌ جِلْدِ جَفْرِ

 فَمِرآةُ المُنَجِّمِ وَهِيَ صُغْرَي                   ‌ تُرِيهِ كُلَّ عَامِرَةٍ وَقَفْرِ [19]

 وقال‌ في‌ « الفصول‌ المهمّة‌ » : نقل‌ بعض‌ أهل‌ العلم‌ أنّ كتاب‌ الجفر الذي‌ بالمغرب‌ يتوارثونه‌ بنو عبد المؤمن‌ بن‌ عليّ من‌ كلام‌ جعفر الصادق‌. وله‌ فيه‌ المنقبة‌ السنيّة‌، والدرجة‌ التي‌ في‌ مقام‌ الفضل‌ عليه‌.[20]

 الرجوع الي الفهرس

 الكيمياء وجابر بن‌ حيّان‌ تلميذ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌

 الكيمياء وجابر بن‌ حيّان‌

 ذكر علم‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ بالكيمياء كثير من‌ المؤلّفين‌. وإنّ تلميذه‌ جابر بن‌ حيّان‌ الصوفيّ الطرطوسيّ أخذ عنه‌ هذا العلم‌، وألّف‌ خمسمائة‌ رسالة‌ فيه‌ في‌ ألف‌ ورقة‌، وهي‌ تتضمّن‌ رسائل‌ جعفر الصادق‌ عليه‌ السلام‌. [21]

 وللقدماء والمتأخّـرين‌ من‌ المسـتشـرقين‌ كلام‌ كثير في‌ شـأن‌ جابر. وقد ذكره‌ ابن‌ النديم‌ في‌ « الفهرست‌ » ، ص‌ 498 إلي‌ 503 . وأطال‌ فيه‌ الكلام‌ وذكر له‌ من‌ الكتب‌ والرسائل‌ في‌ مختلف‌ العلوم‌ لا سيّما الكيمياء، والطبّ، والفلسفة‌، والكلام‌ شيئاً كثيراً لا يكاد يتّسع‌ وقت‌ الإنسان‌ في‌ العمر الطبيعيّ لتأليفها. نعم‌ إلاّ لافذاذ في‌ الدهر منحوا ذكاءً وفطنة‌ مفرطين‌ وانكبّوا علي‌ الكتابة‌ والتأليف‌. وذكر أنّ له‌ تآليف‌ علي‌ مذاهب‌ الشيعة‌. ومن‌ ثمّ استظهر تشيّعه‌. ولعلّ أخذه‌ عن‌ الصادق‌ وائتمان‌ الصادق‌ به‌ علي‌ هذا العلم‌ شاهد علي‌ تشيّعه‌.

 وذكره‌ في‌ « الذريعة‌ » في‌ عداد مؤلّفي‌ الشيعة‌ في‌ ج‌ 2 ، ص‌ 451 و 452 عند ذكره‌ لكتابه‌ « الإيضاح‌ » في‌ الكيمياء.

 ولو تصفّحت‌ شيئاً من‌ رسائله‌ التي‌ نشرها المستشرق‌ « كراوس‌ » لايقنت‌ بتشيّعه‌ وأخذه‌ عن‌ الإمام‌ الصادق‌، لأنّه‌ أخذ عنه‌ كإمام‌ مفترض‌ الطاعة‌ متّبع‌ الرأي‌، ولعرفت‌ أنّه‌ لم‌ يأخذ عنه‌ الكيمياء فحسب‌، بل‌ الكلام‌ وغيره‌.

 وقد أكبـر مؤلّفو الإسـلام‌ منـزلة‌ جابـر وعدّوه‌ مفخـرة‌ من‌ مفاخـر الإسلام‌، ولا بدع‌ فإنّ من‌ تزيد مؤلّفاته‌ علي‌ ثلاثة‌ آلاف‌ كتاب‌ ورسالة‌ في‌ مختلف‌ العلوم‌، وجلّها من‌ العلوم‌ النظريّة‌ والطبيعيّة‌ التي‌ تحتاج‌ إلي‌ زمن‌ طويل‌ في‌ تجاربها وتطبيقها ـ هذا عدا الفلسفة‌ والكلام‌ ـ لجدير بالتقدير والإكبار وأن‌ يكون‌ مفخرة‌ يعتزّ به‌.

 وقد كبر علي‌ المستشرقين‌ أن‌ يكون‌ عربيّ مسلم‌ ومن‌ أهل‌ القرن‌ الثاني‌ للهجرة‌ يمتاز بتلك‌ الآراء السديدة‌، وتكون‌ نظريّاته‌ الاُسس‌ العامّة‌ التي‌ قام‌ عليها علم‌ الكيمياء قديمه‌ وحديثه‌، فصاروا يخبطون‌ في‌ تعرّضهم‌ لكتبه‌ كحاطب‌ ليل‌، فمرّة‌ يشكّون‌ في‌ وجوده‌، وتارة‌ في‌ زمانه‌، وأُخري‌ فيما نُسب‌ إليه‌ من‌ تلك‌ الكتب‌، ورابعة‌ في‌ نسبة‌ البعض‌ ممّا يرويه‌ عن‌ أُستاذه‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌، وخامسة‌ في‌ التبويب‌ والوضع‌ والاُسلوب‌، لأنّه‌ لم‌ يكن‌ يعرفه‌ أهل‌ ذلك‌ العصر، إلي‌ غير ذلك‌.

 وقد فنّـد بعـض‌ تلـك‌ الشـكوك‌ والمـزاعم‌ الكاتـب‌ إسماعيل‌ مظهر صاحب‌ مجـلّة‌ « العصـور » فيما نشـره‌ في‌ « المقتطف‌ » ( 68 / 544 ـ 551 ومن‌ 617 625 ) . وجري‌ في‌ هذه‌ الحلبة‌ الاُستاذ أحمد زكي‌ صالح‌ فيما كتبه‌ في‌ مجلّة‌ « الرسالة‌ » المصريّة‌، السنة‌ الثامنة‌ ( ص‌ 1204 ـ 1206 ، ومن‌ 1235 1237 ، ومن‌ 1268 1270 ، ومن‌ 1299 1302 ) ، ولقد فنّد تلك‌ الاوهام‌ والمزاعم‌ تفنيداً حكيماً علميّاً. وصرّح‌ مراراً بتشيّعه‌.

 وقال‌ في‌ مناقشـة‌ رأي‌ الاُستاذ كراوس‌، ص‌ 1299 : ومـن‌ الجـليّ الواضح‌ لدي‌ كلّ من‌ درس‌ علم‌ الكلام‌ أنّ فِرَق‌ الشيعة‌ كانت‌ أنشط‌ الفرق‌ الإسلامـيّة‌ حركةً، وكانـت‌ أُولي‌ من‌ أسّـس‌ المذاهـب‌ الدينيّة‌ علي‌ أُسـس‌ فلسفيّة‌، حتّي‌ أنّ البعض‌ ينسب‌ فلسفة‌ خاصّة‌ لعلي‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌.

 وكان‌ هذا الكلام‌ من‌ أحمد زكي‌ لتصحيح‌ ما يُنسب‌ إلي‌ جابر من‌ المقارنة‌ بين‌ الآراء الكلاميّة‌ والفلسفيّة‌.

 وجملة‌ القول‌: أنّه‌ قد أصبح‌ من‌ الواضح‌ تشيّع‌ جابر وتقدّمه‌ في‌ عدّة‌ علوم‌ لا سيّما الكلام‌، والفلسـفة‌، والطبّ، والكيمياء، والطبيعـيّات‌ عامّة‌. وما كادت‌ لتكون‌ آراؤه‌ الاُسّ العامّ لدعائم‌ علم‌ الكيمياء إلاّ لأنّه‌ أخذ ذلك‌ من‌ معدنه‌ الصحيح‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌.

 وكنت‌ قد جمعت‌ عدّة‌ مصادر عن‌ جابر لاتبسّط‌ في‌ترجمته‌، غير أ نّي‌ اكتفيتُ بهذا الوجيز عن‌ الإطالة‌ فيها. فإنّا لو استقصينا الكلام‌ علي‌ كلّ ما يقتضي‌ التوسعة‌ في‌ البحث‌ عنه‌ لكان‌ هذا الكتاب‌ عدّة‌ أجزاء، وهو وإن‌ كان‌ لا يخلو من‌ فائدة‌، غير أنّه‌ يكون‌ أبعد عن‌ حياة‌ الصادق‌ الخاصّة‌.

 الرجوع الي الفهرس

 سائر العلوم‌ المتنوّعة‌ للإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌

 سائر العلوم‌

 لا نعني‌ بما ذكرناه‌ من‌ العلوم‌ التي‌ كتبنا عنها وأوضحنا أخذ الناس‌ عن‌ الصادق‌ فيها أنّ تلك‌ جميع‌ ما لديه‌، بل‌ إنّ الإمام‌ علي‌ رأي‌ الإماميّة‌ يجب‌ أن‌ يكون‌ عالماً بكلّ شي‌ء وأعلم‌ الناس‌ في‌ كلّ علم‌ وفنّ ولسان‌ ولغة‌، كما يقتضيه‌ حكم‌ العقل‌.

 ولو نظرنا إلي‌ الدليل‌ السمعيّ من‌ دون‌ أن‌ نثبت‌ له‌ الإمامة‌ الإلهيّة‌ لفهمنا منه‌ أنّ في‌ كلّ زمان‌ عالماً من‌ العترة‌ بالكتاب‌ والسنّة‌ كما هو مفاد حديث‌ الثقلين‌، وأنّ عالم‌ الكتاب‌ الذي‌ نزل‌ علي‌ الرسول‌ تبياناً لكلّ شي‌ء يجب‌ أن‌ يكون‌ عالماً بكلّ شي‌ء. وما دام‌ الكتاب‌ موجوداً فالعالم‌ به‌ من‌ العترة‌ موجود إلي‌ يوم‌ الحشر، ولا يعدو أن‌ يكون‌ ذلك‌ العالم‌ في‌ عهد الصادق‌ عليه‌ السلام‌ نفسه‌، إذ ليس‌ في‌ زمانه‌ مَن‌ هو أعلم‌ منه‌ في‌ العترة‌. وكفت‌ آثاره‌ دلالة‌ علي‌ ذلك‌ العلم‌.

 فصادق‌ أهل‌ البيت‌ إذن‌ عالم‌ أهل‌ البيت‌ في‌ عصره‌، وعالم‌ العترة‌ بالكتاب‌ الجامع‌ للعلوم‌ والفنون‌. فمن‌ ثمّة‌ نستغني‌ بما سلف‌ عن‌ التعرّض‌ لبقيّة‌ العلوم‌، والشواهد علي‌ علمه‌ فيها. فليس‌ غريباً لو جاء الحديث‌ أنّ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ كلّم‌ الفُرْس‌ بلسانهم‌ وأهل‌ اللغات‌ بلغاتهم‌. وناظر أهل‌ كلّ علم‌ وفنّ فخصمهم‌، مثل‌ علماء النجوم‌، والفلك‌، والطبيعيّات‌، والطبّ وما عداها. وكلّ ذلك‌ نطقت‌ به‌ الاخبار ودلّت‌ عليه‌ الآثار.[22]

 الرجوع الي الفهرس

جابر بن‌ حيّان‌ مؤسّس‌ علم‌ الكيمياء

 قال‌ المستشار عبد الحليم‌ الجندي‌ّ : جابربن‌ حيّان‌ أوّل‌ مَن‌ استحقّ في‌ التأريخ‌ لقب‌ كيميائيّ، كما تسمّيه‌ أُوربّة‌ المعاصرة‌.[23]

 وهو الذي‌ يُشـير إليه‌ أبو زكـريّا الرازيّ ( 240 ـ 320 ) ـ جاليـنوس‌ العرب‌ فيقول‌: « أُستاذنا أبو موسي‌ جابر بن‌ حيّان‌ » . والمؤرّخون‌ ـ إلاّ بعضاً من‌ غير المسـلمين‌ ـ متّفقـون‌ علي‌ تلمـذته‌ للإمام‌، وعلي‌ صلته‌ أو تأثّره‌ به‌ في‌ العلم‌ والعقيـدة‌. وأكثـرهم‌ علي‌ أنّه‌ صار بعد موت‌ الإمام‌ من‌ الشـيعة‌ الإسماعيليّة‌.

 يقول‌ جابر في‌ كتابه‌ « الحاصل‌ » : لَيْسَ فِي‌ الَعَالَمِ شَي‌ءٌ إلاَّ وَفِيهِ مِنْ جَمِيعِ الاَشْيَاءِ، وَاللَهِ لَقَدْ وَبَخَّـنِي‌ سَيِّـدِي‌ (يقصد الإمام‌ الصادق‌) عَلَي‌ عَمَلِي‌ فَقَالَ: وَاللَهِ يَا جَابِرُ ! لَوْلاَ أَنِّي‌ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا العِلْمُ لاَ يَأْخُذُهُ عَنْكَ إلاَّ مَنْ يَسْتَأهِلُهُ، وَأَعْلَمُ عِلْماً يَقِيناً أنّه مِثْلُكَ لاَمَرْتُكَ بِإبْطَالِ هَذِهِ الكُتُبِ مِنَ العِلْمِ.

 وكانت‌ له‌ كتب‌ رياضة‌ وكيمياء تسبق‌ العصور بجدّتها . قيل‌ : إنّه‌ أخذ علمه‌ عن‌ خالد بن‌ يزيد، ثمّ أخذ عن‌ الإمام‌ جعفر. وهو يشير إلي‌ الإمام‌ دائماً بقوله‌: سيّديّ، ويحلف‌ به‌. ويعتبره‌ مصدر الإلهام‌ له‌.

 يقول‌ في‌ مقدّمة‌ كتابه‌ « الاحجار » : وَحَقِّ سَيِّدي‌ لَوْلاَ أَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ بِاسْمِ سَيِّدي‌ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ لَمَا وَصَلْتُ إلي‌ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ إلي‌ الاَبَدِ.

 ذكر له‌ المستشرق‌ كراوس‌ Kraus ناشر كتبه‌ في‌ العصر الحديث‌ أربعين‌ مؤلّفاً. وأضاف‌ ابن‌ النديم‌ فـي‌ القرن‌ الرابع‌ للهجرة‌ عشرين‌ كتاباً أُخري‌. وينقل‌ ابن‌ النـديم‌ قوله‌: « أ لّفـتُ ثلثمائة‌ كتاب‌ في‌ الفلسـفة‌ وألفاً وثلاثمائة‌ رسالة‌ في‌ صنائع‌ مجموعة‌، وآلات‌ الحرب‌، ثمّ ألّفت‌ في‌ الطبّ كتاباً عظيماً، ثمّ أ لّفت‌ كتباً صغاراً وكباراً، وألّفت‌ في‌ الطبّ نحو خمسمائة‌ كتاب‌. ثمّ ألّفت‌ في‌ المنطق‌ علي‌ رأي‌ أرسطاطاليس‌. ثمّ ألّفت‌ كتاب‌ الزيج‌ أيضاً نحو ثلثمائة‌ ورقة‌. ثمّ ألّفت‌ كتاباً في‌ الزهد والمواعظ‌. وألّفت‌ كتباً في‌ العزائم‌ كثيرة‌ حسنة‌. ( وهي‌ الادعية‌ والعوذ التي‌ يكتبونها ويحملونها معهم‌ ) . وألّفت‌ في‌ الاشياء التي‌ يعمل‌ بخواصّها كتباً كثيرة‌. ثمّ أ لّفت‌ بعد ذلك‌ نحو خمسمائة‌ كتاب‌ نقضاً علي‌ الفلاسفة‌. ثمّ ألّفت‌ كتاباً في‌ الصنعة‌ يعرف‌ بـ « كتب‌ الملك‌ » . وكتاباً يعرف‌ بـ « الرياض‌ » .[24]

 الرجوع الي الفهرس

جابر بن‌ حيّان‌ في‌ كلام‌ هنري‌ كوربان‌

 قال‌ هنـري‌ كوربان‌ مديـر التـدريـس‌ في‌ معـهد الدراسـات‌ العالـي‌ وصاحـب‌ كرسي‌ التخـصّـص‌ في‌ الشـؤون‌ الشـيعيّة‌ في‌ جامعـة‌ السـوربـون‌ والمدير العام‌ لقسم‌ الإيرانيّات‌ في‌ المعهد الإيرانيّ الفرنسيّ بطهران‌ حول‌ جابر بن‌ حيّان‌:

 1 ـ إنّ المجموعة‌ الضخمة‌ من‌ المؤلّفات‌ التي‌ تحمل‌ اسم‌ جابر بن‌ حيّان‌ هي‌ بدورها أيضاً هرمسيّة‌ في‌ عدد من‌ مصادرها. ولا يسعنا إلاّ أن‌ نحيل‌ القاري‌ إلي‌ العمل‌ الضخم‌ الذي‌ وقفه‌ لها المستشرق‌ بول‌ كراوس[25]‌ الذي‌ بقي‌ ردحاً من‌ الزمن‌ المرشد الامين‌ في‌ الدراسات‌ الجابريّة‌.

 إنّ إعطاء الحكم‌ الفصل‌ علي‌ هويّة‌ مؤلّف‌ هذه‌ المجموعة‌ لهو موضوع‌ خطير، بَيدَ أنّ المستشرق‌ برتلو[26] الذي‌ انصرف‌ بشكل‌ خاصّ إلي‌ دراسة‌ مؤلّفات‌ جابر اللاتينيّة‌ انتهي‌ به‌ البحث‌ إلي‌ إنكار كلّيّ وغير مدعوم‌ برهانيّاً، لكون‌ الوثائق‌ صعبة‌ المنال‌. مقابل‌ ذلك‌ قام‌ المستشرق‌ هوليمار[27] بجمع‌ عدد من‌ الوثائق‌ الملائمة‌ التي‌ تدعم‌ العُرف‌ السائد. فهو يؤكّد أنّ جابراً عاش‌ في‌ حدود القرن‌ الثامن‌ الميلاديّ ( الثاني‌ للهجرة‌ ) ، وأنّه‌ كان‌ تلميذاً للإمام‌ جعفر الصادق‌ ] عليه‌ السلام‌ [ ، الإمام‌ السادس‌، وهو فعلاً صاحب‌ المجموعة‌ الضخمة‌ التي‌ تُنسب‌ إليه‌ والتي‌ يناهز عددها نحواً من‌ ثلاثة‌ آلاف‌ رسالة‌ ( وليس‌ هذا الامر ببعيد التصديق‌، إذا ما قايسناه‌ بمؤلّفات‌ ابن‌ عربي‌ أو المجلسيّ مثلاً ) .

 حاول‌ المستشرق‌ رسكا[28] أن‌ يجد سبيلاً وسطاً بنفيه‌ التأثير المباشر للإمام‌ جعفر ( وهذا النفي‌ يتجاهل‌ وجود تراث‌ شيعيّ ثابت‌ ولكنّه‌ يقرّ بوجود تراث‌ له‌ مراكزه‌ في‌ إيران‌ ) . أمّا بول‌ كراوس‌ فقد خلص‌ من‌ أبحاثه‌ وانتقاداته‌ المتحفّظة‌ إلي‌ إثبات‌ عدّة‌ مؤلّفين‌. وتكون‌ هكذا قد نشأت‌ مجموعات‌ عدّة‌ من‌ المؤلّفات‌ حول‌ نواة‌ أصليّة‌؛ وذلك‌ وفق‌ ترتيب‌ نكاد علي‌ وجه‌ التقريب‌ نتوصّل‌ إلي‌ إقامته‌ من‌ جديد. ويجعل‌ ( كراوس‌ ) تأريخ‌ نشأة‌ هذه‌ المجموعات‌ في‌ حدود القرنين‌ التاسع‌ والعاشر للميلاد ( الثالث‌ أو الرابع‌ للهجرة‌ ) لا في‌ حدود القرن‌ الثامن‌ ( الثاني‌ للهجرة‌ ) . ونحبّ أن‌ نشير إلي‌ أنّه‌ بالرغم‌ من‌ التناقض‌ القائم‌ بين‌ « المجموعات‌ التقنيّة‌ » والمجموعات‌ الاُخري‌ هناك‌ صلة‌ عضويّة‌ بينها جميعاً ومصدر إلهاميّ ثابت‌.

 وإذا كان‌ صحيحاً أنّ واحدة‌ من‌ هذه‌ المجموعات‌ تُسند إلي‌ كتاب‌ « سرّ الخليقة‌ » المنسوب‌ لابولونيوس‌ الطواني‌ّ [29] في‌ القرن‌ التاسع‌ للميلاد ( الثالث‌ للهجرة‌ ) فلسنا علي‌ شي‌ء من‌ اليقين‌ من‌ أنّ صاحب‌ هذه‌ المجموعة‌ قد أوجد هو بنفسه‌ تعابير الخاصّة‌ وموضـوعاته‌ الخاصّة‌، وأنّه‌ لم‌ يسـتقها هو الآخر من‌ مفكّر غيره‌.[30]

 إنّ شهادة‌ الفيلسوف‌ سليمان‌ المنطقيّ السجستانيّ ( المتوفّي‌ حوالي‌ سنة‌ 371 ه ـ 981 م‌ ) التي‌ يوردها ضدّ جابر بن‌ حيّان‌ لتتناقض‌ مع‌ ذاتها. وإذا شئنا أن‌ نتكلّم‌ صراحة‌ فإنّنا نعتقد في‌ مثل‌ هذا الميدان‌ ( حيث‌ ضاع‌ قسم‌ كبير من‌ مؤلّفات‌ ذلك‌ العصر ) أنّ الرغبة‌ في‌ إظهار ما يفسّر التقليد والعُرف‌، وما يدلّ عليه‌ هذا التقليد، هي‌ أشدّ خصباً وفائدة‌ من‌ الانتقاد التأريخيّ المتطرّف‌ الذي‌ يطأ أرضاً غير ثابتة‌ لا تلبث‌ في‌ كلّ لحظة‌ أن‌ تنخسف‌ وتغور.[31] وإذا كنّا حقّاً لا نودّ أن‌ نبخس‌ أئمّة‌ الشيعة‌ حقّهم‌، ولا أن‌ نتجاهل‌ جملةً كلّ ما روي‌ لنا عنهم‌ ( وتأخّر الدراسات‌ الشيعيّة‌ يظهر بشكل‌ خاصّ هنا ) . وإذا كنّا نذكر أنّ الإسماعيليّة‌ تكوّنت‌ في‌ البدء مع‌ أتباع‌ الإمام‌ إسماعيل‌ بن‌ الإمام‌ جعفر، فإنّ الصلات‌ بين‌ جابر والإسماعيليّة‌ وبين‌ جابر والإمام‌ جعفر تظهر لنا علي‌ وجهها الحقيقيّ. وإذا كانت‌ السيرة‌ المتلاحمة‌ لحياة‌ جابر التي‌ استخلصها الكيميائيّ « الجلدكي‌ » من‌ مجمل‌ المصنّفات‌ الجابريّة‌ تؤكّد أنّ هناك‌ بالفعل‌ رجلاً يدعي‌ جابر بن‌ حيّان‌، وأنّه‌ كان‌ كيميائيّاً وتلميذاً للإمام‌ السادس‌ ] عليه‌ السلام‌ [ ومن‌ أتباع‌ الإمام‌ الثامن‌ عليّ الرضا ] عليه‌ السلام‌ [ ، وأنّه‌ مات‌ في‌ طوس‌ ( في‌ خراسان‌ ) في‌ العام‌ 200 ه / 804 م‌، فإنّه‌ لم‌ يعـد هناك‌ سبـب‌ وجـيه‌ لإنكار ذلـك‌. وأمّا أن‌ تفـتـرض‌ المجموعات‌ المختلفة‌ عدّة‌ مؤلّفين‌، فليس‌ في‌ ذلك‌ شي‌ء من‌ الخلف‌، إذ سوف‌ نري‌ أخيراً أنّ الفكر الجابريّ، والشخصيّة‌ الجابريّة‌ أخذت‌ في‌ النهاية‌ معنيً خاصّاً يتخطّي‌ حدود وضع‌ محدود ومتحجّر في‌ تأريخ‌ الحوادث‌.

 2 ـ تميل‌ الابحاث‌ التي‌ قام‌ بها المستشرق‌ بول‌ كراوس‌ إلي‌ أنّ النظريّة‌ الجابريّة‌ عن‌ « الميزان‌ » « تمثّل‌ في‌ العصر الوسيط‌ محاولة‌ دقيقة‌ لبناء نظام‌ كمّيّ في‌ العلوم‌ الطبيعيّة‌ » .

 كان‌ من‌ الممكن‌ أن‌ تظهر صحّة‌ هذه‌ العبارة‌ واضحة‌ لولا أن‌ حالت‌ وفاة‌ بول‌ كراوس‌ دون‌ إنجاز أبحاثه‌. بقي‌ بعد ذلك‌ تحقيق‌ القصد الرامي‌ إلي‌ إظهار العلاقات‌ بين‌ الكيمياء الجابريّة‌ والفلسفة‌ الدينيّة‌ عند الإسماعيليّة‌، إذ إنّ العلوم‌ « الكمّيّة‌ » الجابريّة‌ لا تؤلّف‌ فقط‌ فصلاً في‌ التأريخ‌ البدائيّ للعلوم‌، كما نعني‌ اليوم‌ بكلمة‌ « علوم‌ » ولكنّها « نظرة‌ شاملة‌ في‌ الكون‌ » قائمة‌ بذاتها.

 فعلم‌ الميزان‌ يكاد يشمل‌ معطيات‌ المعرفة‌ البشريّة‌ بأكملها، وهو لا يطبّق‌ فقط‌ علي‌ العوالم‌ الثلاثة‌ المؤلّفة‌ لفلك‌ ما دون‌ القمر ] أي‌: الموادّ المرتبطة‌ بالحيوان‌ والنبات‌ والمعدن‌ [ ، ولكنّه‌ يشمل‌ أيضاً حركات‌ الكواكب‌ وأقانيم‌ العالم‌ الروحيّ. وكما يذكر كتاب‌ « الخمسينيّات‌ » فإنّ هناك‌ موازين‌ لقياس‌ كلّ من‌ العقل‌ ونفس‌ العالم‌، والطبيعة‌، والصور، والافلاك‌، والكواكب‌، والطبائع‌ الاربعة‌، والحيوان‌، والنبات‌، والمعدن‌، وأخيراً ميزان‌ الحروف‌ الذي‌ هو أشرف‌ الموازين‌ جميعاً. لذلك‌ يُخشي‌ أن‌ تخلق‌ كلمة‌ « كمّي‌ » في‌ إطلاقها علي‌ العلوم‌ الجابريّة‌ بعض‌ الإبهام‌ والالتباس‌.

 الرجوع الي الفهرس

اعتقاد جابر بابتناء علم‌ الكيمياء علي‌ روح‌ الاجسام‌ ونفسها

 إنّ ما قصد إليه‌ كتاب‌ « علم‌ الميزان‌ » هو اكتشاف‌ العلاقة‌ القائمة‌ في‌ كلّ جسم‌ من‌ الاجسام‌ بين‌ ظاهره‌ وباطنه‌. والعمليّة‌ الكيميائيّة‌ تظهر هكذا، كما أشرنا سابقاً، وكأنّها حالة‌ مثاليّة‌ من‌ حالات‌ التأويل‌، أي‌: إخفاء الظاهر، وإظهار الخفي‌. وكتاب‌ « ميدان‌ العقل‌ » يشرح‌ بإسهاب‌ أنّ قياس‌ طبائع‌ الشي‌ء ( من‌ حرارة‌، وبرودة‌، ورطوبة‌، ويبوسة‌ ) هو في‌ الآن‌ نفسه‌ قياس‌ للكمّيّات‌ التي‌ اختصّتها منه‌ نفس‌ العالم‌، أي‌: مدي‌ شوق‌ النفس‌ لحلولها في‌ المادّة‌. ومن‌ هذا الشوق‌ الذي‌ يحدو النفس‌ نحو العناصر الطبيعيّة‌ ينشأ المبدأ الذي‌ هو في‌ أصل‌ الموازين‌. وباستطاعتنا إذن‌ أن‌ نقول‌: إنّ تحوّل‌ الاجسام‌ مرهون‌ بتحوّل‌ النفس‌ المرتدّة‌ إلي‌ ذاتها. والنفس‌ هي‌ عين‌ المكان‌ الذي‌ يحـدث‌ فيه‌ التحوّل‌. فالعمليّة‌ الكيميائيّة‌ تظهر وكأنّها عمليّة‌ نفسـيّة‌ ـ روحيّة‌ . لا نقول‌ ذلك‌ لكي‌ نجعل‌ من‌ النصوص‌ الكيميائيّة‌ رموزاً خرافيّة‌ عن‌ النفس‌، ولكن‌ لانّ مراحل‌ العملية‌ المطبّقة‌ حقّاً علي‌ مادّة‌ حقيقيّة‌ ملموسة‌ ترمز إلي‌ مراحل‌ ارتداد النفس‌ إلي‌ ذاتها.

 إنّ المقاييـس‌ المعـقّدة‌، والاعداد الكبـيرة‌ التي‌ يتوصّل‌ إليها جابـر بدقّة‌ متناهية‌ ليس‌ لها أيّ معني‌ بالنسبة‌ لمختبراتنا اليوم‌. ولمّا كان‌ المبدأ والهدف‌ لـ « علم‌ الميزان‌ » هو الوصول‌ إلي‌ قياس‌ رغبة‌ « نفس‌ العالم‌ » وتشوّقها للحلول‌ في‌ المادّة‌، يصعب‌ علينا إذن‌ أن‌ نري‌ فيه‌ سبقاً في‌ موضوع‌ العلم‌ الكمّيّ الحديث‌، ولكنّه‌، بالمقابل‌، يمكن‌ أن‌ ينظر إليه‌ علي‌ أنّه‌ سبق‌ علميّ في‌ موضوع‌ « الطاقة‌ النفسيّة‌ » التي‌ تستدعي‌ في‌ أيّامنا هذه‌ مجموعة‌ كبيرة‌ من‌ الابحاث‌.

 كان‌ « ميزان‌ » جابر « علم‌ الجبر » الوحيد الذي‌ يخوّله‌ أن‌ يلاحظ‌ درجات‌ « الطاقة‌ الروحيّة‌ » للنفس‌ التي‌ تحلّ في‌ الطبائع‌، ثمّ تتحرّر من‌ هذه‌ بواسطة‌ الكيميائيّ الذي‌ بتحريره‌ للطبائع‌ يحرّر نفسه‌ أيضاً في‌ آن‌ واحد.

 3 ـ أشرنا إلي‌ أنّ جابر بن‌ حيّان‌ كان‌ ينظر لميزان‌ الحروف‌ علي‌ أنّه‌ أشرف‌ الموازين‌ جميعاً.

 وقد توسّع‌ الغنوصيّون‌ في‌ الإسلام‌ بنظريّة‌ حول‌ الغنوص‌ القديم‌، ورأوا أنّ الحروف‌ الهجائيّة‌ لكونها في‌ أساس‌ الخلق‌ تمثّل‌ تجسيماً أو تجسيداً للكلام‌ الإلهيّ ( انظر: ماركوس‌ [32] الغنوصيّ، وفي‌ هذا الكتاب‌ العرفان‌ الشيعيّ «المغيرة‌»).

 وقد أجمع‌ الرأي‌ علي‌ أنّ الإمام‌ جعفراً هو معرّف‌ الناس‌ ل « علم‌ الحروف‌ » . وقد أخذ المتصوّفون‌ السنّة‌، هم‌ أيضاً، هذا العلم‌ عن‌ الشيعة‌ منذ النصف‌ الثاني‌ للقرن‌ التاسع‌ الميلاديّ ( الثالث‌ للهجرة‌ ) . كما بحث‌ ابن‌ عربي‌ وتلاميذه‌ في‌ هذا العلم‌. أمّا عند الإسماعيليّة‌ فإنّ النظر في‌ الإسم‌ الإلهيّ يقابل‌ « الغنوص‌ » اليهوديّ حول‌ « الكلمات‌ الرباعيّة‌ » . [33]

 يهتمّ جابر بنوع‌ خاصّ بـ « ميزان‌ الحروف‌ » هذا في‌ رسالة‌ له‌ بعنوان‌ « كتاب‌ المجيد »[34] ؛ هذه‌ الرسالة‌، بالرغم‌ من‌ كونها عويصة‌ الفهم‌، إلاّ أنّها تُفصح‌ لنا عن‌ الروابط‌ بين‌ مذهب‌ جابر الكيميائيّ و « الغنوص‌ » الإسماعيليّ، لا بل‌ إنّها قد تؤدّي‌ بنا إلي‌ معرفة‌ سرّ شخصيّة‌ جابر.

 تحـلّل‌ هذه‌ الرسـالة‌ مطوّلاً قيمة‌ الحـروف‌ الرمـزيّة‌ ومعـناها. هـذه‌ الحروف‌ الرمزيّة‌ ثلاثة‌: العين‌ ( رمز الإمام‌ الصامت‌ عليّ ) ، والميم‌ ( رمز النبيّ الناطق‌ المعبّر عن‌ الشريعة‌ محمّد ] صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ [ ، والسين‌ ( تذكّر بسلمان‌ الحجّة‌ ) .

 وقد سبقت‌ الإشـارة‌ إلي‌ أنّه‌ حسـب‌ ترتـيب‌ المقامات‌ التي‌ نجـعلها لكلٍّ من‌ هذه‌ الحروف‌ يكون‌ لدينا الترتيب‌ الرمزيّ المميّز للشيعة‌ الاثني‌ عشريّة‌ والإسماعيليّة‌ الفاطميّة‌ ( ميم‌ ـ عين‌ ـ سين‌ ) أو للإسماعيليّة‌ الاُولي‌ ( وهم‌ الذين‌ تشير إليهم‌ رسالة‌ « أُمّ الكتاب‌ » تحت‌ فصل‌ « معارك‌ سلمان‌ السبعة‌ ») أو إسماعيليّة‌ ألموت‌ ( عين‌ ـ سين‌ ـ ميم‌ ) : في‌ هذه‌ الحالة‌ يكون‌ المقام‌ الاوّل‌ لسلمان‌ « الحجّة‌ » علي‌ الميم‌. ويبرّر جابر هذا الترتيب‌ المقامي‌ّ بتطـبيق‌ دقيق‌ للقيمة‌ التي‌ يكتشـفها المـيزان‌ لكلّ من‌ الحـروف‌ الثـلاثة‌ موضوع‌ حديثنا.وبعد، فمن‌ هو « السين‌ » المجيد ؟ لم‌ يُشر جابر في‌ أيّ من‌ كتاباته‌ إلي‌ أنّه‌ الإمام‌ المنتظَر، الإكسير الذي‌ يفيض‌ من‌ الروح‌ الإلهيّ سوف‌ يبدّل‌ الاُمور في‌ هذه‌ الحياة‌ الدنيا. ( وهذه‌ الفكرة‌ تقابل‌ علم‌ المعاد في‌ كلّ الفرق‌ الشيعيّة‌، والتي‌ حاول‌ الشرّاح‌ الغربيّون‌ أن‌ يسيّسوها ) .

 السين‌ هو الغريب‌، أو اليتيم‌ و هو المنزوی، هو ذاك‌ الذي‌ اهتدي‌ إلي‌ الطريق‌ السويّ وتبع‌ الإمام‌، بمجرّد جهده‌ ونظره‌. ذاك‌ الذي‌ يظهر نور الـ « عين‌ » ( الإمام‌ ) لكلّ الغرباء أمثاله‌، ذلك‌ النور الخالص‌ الذي ینسخ الأبدان و الأرواح فی قانون العذاب الجهنّمی[35]، نور قدانتقل‌ فی سلالة البشر منذ عهد شيث‌ بن‌ آدم‌ الی‌ المسيح‌، ومنه‌ إلي‌ محمّد في‌ شخص‌ سلمان‌.

 ولكن‌ « كتاب‌ المجيد » ينصّ علي‌ أنّ فهم‌ هذا الكتاب‌، وفهم‌ الترتيب‌ نفسه‌ لكلّ المؤلّفات‌ الجابريّة‌. يعني‌ أن‌ يكون‌ المرء وكأنّه‌ جابر نفسه‌.

 وفي‌ مكان‌ آخر، وتحت‌ ستار اللغة‌ الحميريّة‌ والشيخ‌ الغامض‌ الذي‌ علّمه‌ إيّاها، يقول‌ جابر لقارئه‌: « إذا قرأت‌ كتابنا المعروف‌ بالتصريف‌،[36] فحينئذٍ تعرف‌ فضل‌ هذا الشـيخ‌ وفضـلك‌ أيّها القاري‌ والله‌ يعـلم‌ أ نّك‌ أنت‌ هو » . إنّ شخصيّة‌ جابر بن‌ حيّان‌ ليست‌ أُسطورة‌ ولا خرافة‌، ولكنّ جابراً هو أكثر من‌ شخصيّته‌ التأريخيّة‌.

 « المجـيد » هو النمـوذج‌ والمثال‌.[37] فإن‌ كان‌ هناك‌ أكثر مـن‌ مؤلّف‌ لمجموع‌ المصنّفات‌ المنسوبة‌ إلي‌ جابر لكان‌ علي‌ كلٍّ منهم‌ أن‌ يعاود الكتابة‌ تحت‌ اسم‌ جابر بن‌ حيّان‌، ومأثرة‌ المثال‌ نصب‌ عينيه‌.

 الرجوع الي الفهرس

العلماء الذين‌ نهجوا منهج‌ جابر في‌ الكيمياء

 هذه‌ المأثرة‌ هي‌ الكيمياء التي‌ نقدّر أن‌ نرسم‌ لها طريقاً إلاّ بذكر بعض‌ الاسماء منها: مؤيّد الدين‌ حسين‌ الطغرائيّ، شاعر كبير وكاتب‌ وكيميائيّ شهير من‌ إصفهان‌. ( أُعدم‌ سنة‌ 515 ه / 1121 م‌ ) . ومحـيي‌ الدين‌ أحمد البونيّ ( المتوفّي‌ سنة‌ 622 ه / 1225 م‌ ) الذي‌ درس‌ نحواً من‌ مائتي‌ كتاب‌ من‌ مؤلّفات‌ جابر. والامير المصريّ « أيدمور الجلدقيّ »[38] ( توفّي‌ سنة‌ 743 ه / 1342 م‌، أو سنة‌ 762 ه / 1360 م‌ ) وهو يُحيل‌ دائماً إلي‌ كتب‌ جابر. وبين‌ كتبه‌ العديدة‌ واحد بعنوان‌ كتاب‌ « البرهان‌ في‌ أسرار الميزان‌ » وهو مؤلّف‌ من‌ أربع‌ مجلّدات‌ ضخمة‌ ( وهذا المؤلّف‌ يهتمّ بنوع‌ خاصّ بالتحوّل‌ الروحيّ ويماثله‌ بالعمليّة‌ الكيميائيّة‌ ).

 الفصل‌ الاخير من‌ كتاب‌ « نتائج‌ الفكر » وعنوانه‌ « حلم‌ الكاهن‌ » [39] يشير إلي‌ اتّصال‌ هرمس‌ بطبيعته‌ التامّة‌.

 في‌ إيران‌، وفي‌ القرن‌ الخامس‌ عشر علّق‌ أحد شيوخ‌ التصوّف‌ في‌ كرمان‌، وهو « شاه‌ نعمة‌ الله‌ ولي‌ » ، علّق‌ بخطّ يده‌ علي‌ نسخة‌ لديه‌ من‌ كتاب‌ « نهاية‌ الطالب‌ » للجلدكيّ. وبين‌ القرن‌ الثامن‌ عشر والتاسع‌ عشر أعرب‌ شيوخ‌ النهضة‌ الصوفيّة‌ في‌ إيران‌، بدورهم‌، عن‌ مراحل‌ الاتّصال‌ الصوفيّ ببعض‌ الإشارات‌ والملاحظات‌ الكيميائيّة‌، نذكر منهم‌ « نور علي‌ شاه‌ » و « مظفّر علي‌ شاه‌ » . أمّا في‌ المدرسة‌ الشيخيّة‌ فإنّ التصوّرات‌ الكيميائيّة‌ متعلّقة‌ بالمذهب‌ الحِكَميّ لجسد القيامة‌. [40]

 وفي‌ سنة‌ 1354 ه نشـرت‌ مجـلّة‌ « خوانـدنيـها » في‌ طهـران‌ مقـالات‌ متسلسلة‌ في‌ أعداد كثيرة‌ حول‌ العلوم‌ البديعة‌ التي‌ اكتشفها الإمام‌ جعفر الصادق‌ عليه‌ السلام‌. تلك‌ العلوم‌ التي‌ لم‌ تخطر في‌ بال‌ أحد حتّي‌ ذلك‌ الحين‌، ولم‌ يُعرف‌ لها حلّ حتّي‌ عصرنا هذا عصر التجدّد العلميّ. وكانت‌ هذه‌ المقالات‌ في‌ غاية‌ الروعة‌، ولقيت‌ ترحيباً عامّاً حتّي‌ بلغ‌ الامر أنّ دار منشورات‌ « شركة‌ الإسمنت‌ المساهمة‌ في‌ فارس‌ وخوزستان‌ » التي‌ كان‌ يشرف‌ عليها المهندس‌ سالور قامت‌ بطبعها علي‌ شكل‌ كرّاسات‌ جيبيّة‌ صغيرة‌ ووزّعتها في‌ أرجاء البلاد مجّاناً.

 الرجوع الي الفهرس

العقل‌ المفكّر للعالم‌ الشيعي‌ّ، أو الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌، كما عرفه‌

 ذهبتُ ذات‌ يوم‌ من‌ طهران‌ إلي‌ قم‌، والتقيت‌ بالعلاّمة‌ الطباطبائيّ قدّس‌ سرّه‌ وجري‌ الحديث‌ عن‌ الكرّاسات‌ المذكورة‌. فكان‌ مسروراً ينظر بإعجاب‌ ولم‌ تفارق‌ البشاشة‌ والابتسامة‌ وجهه‌ الصبيح‌ حتّي‌ ساعة‌ من‌ الوقت‌. وكان‌ يُثني‌ علي‌ جهود المهندس‌ سالور ورغبته‌ في‌ هذه‌ الاُمور. ولمّا عدتُ إلي‌ طهران‌ راسلتُ سالور علي‌ مدينة‌ درود، فبعث‌ لي‌ الجزآن‌ 22 و 23 من‌ الكرّاسات‌ فوراً. [41]

 وهذه‌ المقالات‌ والكرّاسات‌ مأخوذة‌ من‌ كتاب‌ بعنوان‌ « مغز متفكّر جهان‌ شيعة‌ » ( = العقل‌ المفكّر للعالم‌ الشيعي‌ ) أو ( = الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السـلام‌ كما عرفه‌ علـماء الغرب‌ ) الذي‌ ترجـمه‌ ذبيـح‌ الله‌ منصـوري‌ إلي‌ الفارسيّة‌.

 قامت‌ دار منشورات‌ « جاويدان‌ » بطبع‌ الكتاب‌ المذكور لاوّل‌ مرّة‌ سنة‌ 1395 ه . وذكر مترجمه‌ في‌ مقدّمته‌ أنّه‌ حصل‌ عليه‌ من‌ مركز الدراسات‌ الإسلاميّة‌ في‌ مدينة‌ ستراسبورغ‌.[42] ولم‌ يقتصر هذا المركز علي‌ الدراسات‌ الإسلاميّة‌ بل‌ يتناول‌ جميع‌ الاديان‌ في‌ العالم‌ بالدراسة‌، ومنها الإسلام‌.

 الباحثون‌ في‌ المركز المذكور ليسوا من‌ سكّان‌ ستراسبورغ‌ الدائميّين‌. فهم‌ يعيشون‌ في‌ أقطار أُخري‌، ما عدا أساتذة‌ جامعة‌ ستراسبورغ‌ ( الاعضاء في‌ المجمع‌ المتخصّص‌ بالبحث‌ والدراسة‌ في‌ أديان‌ العالم‌ ) . بَيدَ أنّهم‌ يرسلون‌ دراساتهم‌ إلي‌ أمانة‌ المجمع‌ الواقع‌ في‌ المركز. ويجتمعون‌ أحياناً في‌ ستراسبورغ‌ مرّة‌ في‌ كلّ سنتين‌ لتبادل‌ الآراء، كما أخبرني‌ أحد أساتذة‌ اللغة‌ الفارسيّة‌ الذين‌ يزاولون‌ التدريس‌ في‌ جامعة‌ ستراسبورغ‌.

 وقد تناولت‌ إحدي‌ الدراسات‌ التي‌ قام‌ بها العلماء في‌ المجمع‌ المذكور المذهب‌ الشيعيّ الإماميّ الاثني‌ عشريّ. وساهم‌ فيها خمسة‌ وعشرون‌ عالِماً من‌ أعضاء المجمع‌. ونقلتُ قسماً من‌ تلك‌ الدراسة‌ في‌ كتاب‌ « الإمام‌ الحسين‌ وإيران‌ » ، كما أنّ قسماً آخر منها يترجم‌ للإمام‌ السادس‌ جعفر الصادق‌ عليه‌ السلام‌.

 ويعدّ المترجم‌ هنا أسماء العلماء الخمسة‌ والعشرين‌، وأوّلهم‌ ( أرمان‌ بيل‌ ) أُستاذ جامعتَي‌ بروكسل‌ وغان‌، وآخرهم‌ ( هانس‌ رومر ) أُستاذ جامعيّ في‌ ألمانيا الغربيّة‌.

 جميع‌ الاسماء غير معروفة‌ ما عدا ( هنري‌ كوربان‌ ) وهو أُستاذ جامعي‌ّ ومدير الدراسات‌ المرتبطة‌ بعلوم‌ الاديان‌، و ( توفيق‌ فحل‌ ) وهو أُستاذ في‌ جامعة‌ ستراسبورغ‌، والسيّد حسين‌ نصر، وهو أُستاذ في‌ جامعة‌ طهران‌، والسيّد موسي‌ الصدر مدير المعهد العلميّ للدراسات‌ الإسلاميّة‌ في‌ صور.

 من‌ الحريّ بالعلم‌ والاطّلاع‌ أنّ أهمّيّة‌ الكتاب‌ تعود فقط‌ إلي‌ موقف‌ أشخاص‌ غير مسلمين‌ وغير شيعة‌ من‌ العلوم‌ اللدنّيّة‌ المتنوّعة‌ للإمام‌ جعفر الصادق‌ عليه‌ السلام‌، التي‌ أفصحت‌ عنها العلوم‌ المعاصرة‌. كما تعود إلي‌ اعترافهم‌ بعظمته‌ وأُبّهته‌ العلميّة‌ من‌ خلال‌ ما بلغوه‌، وإن‌ كان‌ ذلك‌ ضئيلاً قاصراً بالنسبة‌ إلينا نحن‌ الشيعة‌ الذين‌ نعتقد بولايته‌ وعلومه‌ الغيبيّة‌ وأسراره‌ الملكوتيّة‌ عليه‌ السلام‌.

 الرجوع الي الفهرس

وحدة‌ الوجود في‌ كلام‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌

 ومن‌ مباحث‌ الكتاب‌ المذكور مناظرات‌ جابر بن‌ حيّان‌ المستغرقة‌ في‌ أربعة‌ فصول‌ منه‌ بالتفصيل‌. وقد اخترنا من‌ كلّ فصل‌ مطالب‌ موجزة‌ جدّاً. وهي‌ كما يأتي‌:

 قال‌ جعفر الصادق‌: بلي‌ يا جابر قلتُ هذا وهو رأيي‌.

 فقال‌ جابر: أنت‌ تقول‌: الله‌