|
|
|
الصفحة السابقةاستهزاء ابن أبي العوجاء بالحجّ وجواب الإمام الصادق عليه السلاموروي المجلسيّ عن « الاحتجاج » عن عيسي بن يونس، قال: كان ابن أبي العوجاء [1] من تلامذة الحسن البصريّ، فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة ؟ قال: إنّ صاحبي كان مخلّطاً يقول طوراً بالقدر وطوراً بالجبر، فما أعلمه اعتقد مذهـباً دام عليه. فقـدم مكّة تمـرّداً وإنكاراً علي من يحـجّ، وكان يكره العلماء مجالسـته ومسالته لخبث لسانه وفسـاد ضميره. فأتي أبا عبد الله علـيه السـلام فجلـس إليه في جمـاعة مـن نظـرائه، فقـال : يا أبا عبد الله ! إنّ المجالس بالامانات، ولابدّ لكلّ مَن به سعال أن يسعل، أفتأذن لي في الكلام ؟! فقال الصادق عليه السلام: تكلّم بما شئتَ. فقال: إلَي كَمْ تَدُوسُونَ هَذَا البَيْدَرَ،[2] وَتَلُوذُونَ بِهَذَا الحَجَرِ، وَتَعْبُدُونَ هَذَا البَيْتَ المَرْفُوعَ بِالطُّوبِ وَالمَدَرِ، وَتُهَرْوِلُونَ حَوْلَهُ كَهَرْوَلَةِ البَعِيرِ إذَا نَفَرَ ؟! إنَّ مَنْ فَكَّرَ فِي هَذَا وَقَدَّرَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ أَسَّسَهُ غَيْرُ حَكِيمٍ وَلاَ ذِي نَظَرٍ. فَقُلْ فَإنَّكَ رَأْسُ هَذَا الاَمْرِ وَسَنَامُهُ، وَأَبُوكَ أُسُّهُ وَنِظَامُهُ ! فقال أبو عبد الله علـيه السـلام: إنَّ مَنْ أَضَـلَّهُ اللَهُ وَأَعْمَـي قَلْـبَهُ اسْتَوْخَمَ الحَقَّ وَلَمْ يَسْتَعْذِبْهُ، وَصَارَ الشَّيْطَانُ وَلِيُّهُ يُوْرِدُهُ مَنَاهِلَ الهَلَكَةِ ثُمَّ لاَ يُصْدِرُهُ. وَهَذَا بَيْتٌ اسْتَعْبَدَ اللَهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَخْتَبِرَ طَاعَتُهُمْ فِي إتْيَانِهِ، فَحَثَّهُمْ عَلَي تَعْظِيمِهِ وَزِيَارَتِهِ، وَجَعَلَهُ مَحَلَّ أَنْبِيَائِهِ، وَقِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ لَهُ. فَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ رِضْوَانِهِ، وَطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلَي غُفْرَانِهِ، مَنْصُوبٌ عَلَي اسْتِواءِ الكَمَالِ، وَمُجْتَمَعِ العَظَمَةِ وَالجَلاَلِ، خَلَقَهُ اللَهُ قَبْلَ دَحْوِ الاَرْضِ بِأَلْفَي عَامٍ. فَأَحَقُّ مَنْ أُطِيعَ فِيمَا أَمَرَ وَانْتُهِيَ عَمَّا نَهَي عَنْهُ وَزَجَرَ: اللَهُ المُنْشِيُ لِلاَرْوَاحِ وَالصُّوَرِ. فقال ابن أبي العوجاء: ذَكَرْتَ اللَهَ[3] فَأَحَلْتَ عَلَي غَائِبٍ ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: وَيْلَكَ كَيْفَ يَكُونُ غَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شَاهِدٌ ؟! وَإلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، يَسْمَعُ كَلاَمَهُمْ، وَيَرَي أَشْخَاصَهُمْ، وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ ! فقال ابن أبي العوجاء: فَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ؟! أَلَيْسَ إذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَكُونُ فِي الاَرْضِ ؟! وَإذَا كَانَ فِي الاَرْضِ كَيْفَ يَكُونُ فِي السَّمَاءِ ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنَّمَا وَصَفْتَ المَخْلُوقَ الَّذِي إذَا انْتَقَلَ مِنْ مَكَانٍ اشْتَغَلَ بِهِ مَكَانٌ وَخَلاَ مِنْهُ مَكَانٌ، فَلاَ يَدْرِي فِي المَكَانِ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ مَا حَدَثَ فِي المَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ! فَأَمَّا اللَهُ العَظِيمُ الشَّأْنِ المَلِكُ الدَّيَّانُ فَلاَ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَلاَ يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَكُونُ إلَي مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَي مَكَانٍ ! وروي مثلها في « الامالي » للصدوق بسندٍ، وفي « علل الشرائع » بسند آخر أيضاً. ندم ابن أبي العوجاء علي محاورته الإمام عليه السلاموروي الصدوق مثلها في توحيده بسند آخر. وأضاف في آخرها أنّ الإمام عليه السلام قال في آخرها: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالآيَاتِ المُحْكَمَةِ، وَالبَرَاهِينِ الوَاضِحَةِ وَأَيَّدَهُ بِنَصْرِهِ، وَاخْتَارَهُ لِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ، صَدَّقْنَا قَوْلَهُ بِأَنَّ رَبَّهُ بَعَثَهُ وَكَلَّمَهُ. فقام عنه ابن أبي العوجاء وقال لاصحابه: مَنْ أَلقاني في بحر هذا ؟! وفي رواية ابن الوليد: مَنْ أَلْقَانِي فِي بَحْرِ هَذَا ! سَأَلْتُكُمْ أَنْ تَلْتَمِسُوا لِي خُمْرَةً فَأَلْقَيْتُمونِي عَلَي جَمْرَةٍ ! قالوا: ما كنت في مجلسه إلاّ حقيراً. قال: إنَّهُ ابْنُ مَنْ حَلَقَ رُؤُوسَ مَنْ تَرَوْنَ ! قال المجلسيّ في بيانه: الخُمرة بالضمّ حصيرة صغيرة من السعف. أي: طلبت منكم أن تطلبوا لي خصماً ألعب به كالخمرة فألقيتموني علي جمرة ملتهبة ! وفي « الاحتجاج » للطبرسيّ روي أنّ الصادق عليه السلام قال لابن أبي العوجاء: إنْ يَكُنْ الاَمْرُ كَمَا تَقُولُ ـ وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ، وَإنْ لَمْ يَكُنِ الاَمْرُ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ ![4] وروي المجلسيّ عن « الخصال » للصدوق، بسنده عن هشام بن سالم، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: سمعتُ أبي يحدِّثُ عن أبيه عليه السلام أنّ رجلاً قام إلي أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! بِمَا عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟! قال: بِفَسْخِ العَزْمِ،[5] وَنَقْضِ الهِمَمِ. لَمَّا أَنْ هَمَمْتُ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ هَمِّي. وَعَزَمْتُ فَخَالَفَ القَضَاءُ عَزْمِي. فَعَلِمْتُ أَنَّ المُدَبِّرَ غَيْرِي ! قال: فَبِمَاذَا شَكَرْتَ نَعْمَاءَهُ ؟! قال: نَظَرْتُ إلَي بَلاَءِ قَدْ صَرَفَهُ عَنِّي وَأَبْلَي بِهِ غَيْرِي، فَعَلِمْتُ أنّه قَدْ أَنْعَمَ عَلَيَّ فَشَكَرْتُهُ. قال: فبماذا أحببتَ لقاءه ؟! قال: لَمَّا رَأَيْتُهُ قَدِ اخْتَارَ لِي دِينَ مَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، عَلِمْتُ أنَّ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِهَذَا لَيْسَ يَنْسَانِي فَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ. ومثل هذه الرواية في « التوحيد » للصدوق بسنده المتّصل عن الإمام أبي جعفر محمّد الباقر عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليهما السلام. [6] وأيضاً في « التوحيد » للصدوق بسنده المتّصل عن هشام بن سالم، عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام عندما قيل له: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟! قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ. عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي، وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي.[7] إراءة الإمام عليه السلام الله لابن أبي العوجاء في وجودهوروي المجلسيّ أيضاً عن « التوحيد » للصدوق بسنده المتّصل عن أحمد بن محسن الميثميّ،[8] قال: كنت عند أبي منصور المتطبّب، فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال: كنتُ أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفّع في المسجد الحرام. فقال ابن المقفّع: ترونَ هذا الخلق ؟ ـ وأومي بيده إلي موضع الطواف مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أُوجِبُ لَهُ اسْمَ الإنسانيَّةِ إلاَّ ذَلِكَ الشَّيْخُ الجَالِسُ ـ يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ـ فَأَمَّا البَاقُونَ فَرَعَاعٌ وَبَهَائِمُ. فقال له ابن أبي العوجاء: وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟! قال: لا نّي رأيتُ عنده ما لم أَرَ عندهم ! فقال ابن أبي العوجاء: ما بُدَّ من اختبار ما قلت فيه منه. فقال له ابن المقفّع: لا تفعل فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك ! فقال: ليس ذا رأيك ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي في إجلالك إيّاه المحلّ الذي وصفتَ. فقال ابن المقـفّع: أمّا إذا توهّـمت عَلَيَّ هذا فقـم إليه وتحـفّظ ما استطعت من الزلل، ولا تثنّ عنانك إلي استرسال يسلمك إلي عقال، وسمه ما لك أو عليك. قال: فقام ابن أبي العوجاء وبقيت وابن المقفّع، فرجع إلينا، وقال: يابن المقفّع ما هذا ببشر. وَإنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا رُوحَانِيٌّ يَتَجَسَّدُ إذَا شَاءَ ظَاهِراً، وَيَتَرَوَّحُ إذَا شَاءَ بَاطِنَاً فَهُوَ هَذَا ! فقال له: وكيف ذاك ؟! قال: جلستُ إليه فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني، فقال: إنْ يَكُنِ الاَمْرُ عَلَي مَا يَقُولُ هَؤْلاَءِ ـ وَهُوَ عَلَي مَا يَقُولُونَ ـ يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ، فَقَدْ سَلِمُوا وَعَطِبْتُمْ، وَإنْ يَكُنِ الاَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ ـ وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ـ فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ وَهُمْ ! فقلتُ له: يرحمك الله ! وأيّ شيء نقول ؟ وأيّ شيء يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلاّ واحداً. فقال: كيف يكون قولك وقولهم واحداً، وهم يقولون: إنّ لهم معاداً وثواباً وعقاباً، ويدينون بأنّ للسماء إلهاً، وأنّها عمران، وأنتم تزعمون أنّ السماء خراب ليس فيها أحد ؟! قال: فاغتنمتها منه، فقلتُ له: ما منعه إن كان الامر كما تقول أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلي عبادته حتّي لا يختلف منهم اثنان، ولما احتجب عنهم وأرسل إليهما الرسل ؟! ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلي الإيمان به. فقال لي: وَيْلَكَ ! وَكَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ ؟ نَشُـوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ، وَكِبَـرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ، وَقُوَّتَـكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ، وَضَعْفِكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ، وَسُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ، وَصِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ، وَرِضَاكَ بَعْدَ غَضَـبِكَ، وَغَضَـبَكَ بَعْدَ رِضَـاكَ، وَحُزْنَـكَ بَعْدَ فَرَحِـكَ، وَفَرَحَـكَ بَعْدَ حُزْنِكَ، وَحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ، وَبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ، وَعَزْمَكَ بَعْدَ إبَائِكَ، وَإبَاءَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ، وَشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ، وَكَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ، وَرَغَبَـتَكَ بَعْدَ رَهْبَـتِكَ، وَرَهْبَـتَكَ بَعْدَ رَغَبـتِكَ، وَرَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِـكَ، وَيَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ، وَخَاطِرَكَ بَعْدَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ، وَعُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ مِنْ ذِهْنِكَ. وَمَا زَالَ يَعُدُّ عَلَيَّ قُدْرَتَهُ الَّتِي فِي نَفْسِي الَّتي لاَ أَدْفَعُهَا حَتَّي ظَنَنْتُ أنّه سَيَظْهَرُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ. [9] إثباته عليه السلام وجود الله لابن أبي العوجاء عن طريق الصنعوروي المجلسيّ أيضاً عن « التوحيد » للصدوق، عن الدقّاق، عن الكلينيّ بإسناده رفع الحديث: أنّ ابن أبي العوجاء حين كلّمه أبو عبد الله عليه السلام عاد إليه في اليوم الثاني فجلس وهو ساكت لا ينطق. فقال أبو عبد الله عليه السلام: كأ نّك جئتَ تعيد بعض ما كنّا فيه ! فقال: أردتُ ذاك يا بن رسول الله ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أعجب هذا تنكر الله وتشهد أ نّي ابن رسول الله ! فقال: العادة تحملني علي ذلك. فقال له العالم عليه السلام: فما يمنعك من الكلام ؟ قال: إجْلاَلاً لَكَ وَمَهَابَةً مَا يَنْطِقُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَإنِّي شَاهَدْتُ العُلَمَاءَ وَنَاظَرْتُ المُتَكَلِّمِينَ فَمَا تَدَاخَلَنِي هَيْبَةٌ قَطُّ مِثْلُ مَا تَدَاخَلَنِي مِنْ هَيْبَتِكَ! قال: يكون ذلك، ولكن أفتح عليك بسؤال وأقْبِل عليه ! فقال له: أَمَصْنُوعٌ أنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٌ ؟! فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع ! فقال له العالِم عليه السلام: فَصِفْ لِي لَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ ؟! فبقي عبد الكريم مليّاً لا يحير جواباً، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طَوِيلٌ عَرِيضٌ، عَمِيقٌ قَصِيرٌ، مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ . كلّ ذلك صفة خلقه. فقال له العالم عليه السلام: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعاً لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الاُمور ! فقال له عبد الكريم: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها ! [10] فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هبك علمت أنّك لم تُسأل فيما مضي، فما علمك أ نّك لا تُسأل فيما بعد ؟! علي أ نّك يا عبد الكريم نقضت قولك، لا نّك تزعم أنّ الاشياء من الاوّل سواء، فكيف قدّمتَ وأخّرتَ ؟! ثمّ قال: يا عبد الكريم أزيدك وضـوحاً، أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر، فقال لك قائل: هل في الكيس دينار ؟ فنفيت كون الدينار في الكيس. فقال لك قائل: صف لي الدينار، وكنتَ غير عالم بصفته، هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم ؟! قال: لا ! فقال أبو عبد الله عليه السلام: فالعالَم أكبر وأطول وأعرض من الكيـس، فلعلّ في العالَم صنعة من حيـث لا تعـلم صفة الصـنعة من غير الصنعة ! فانقطع عبد الكريم وأجاب إلي الإسلام بعض أصحابه، وبقي معه بعض، فعاد في اليوم الثالث، فقال: أُقلّب السؤال ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: اسأل عمّا شئت ! كلام الإمام عليه السلام في حدوث العالَم والاجسامفقال: ما الدليل علي حدث الاجسام ؟! فقال: إنّي ما وجدتُ شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلاّ وإذا ضمّ إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاُولي. ولو كان قديماً ما زال ولا حال، لانّ الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الازل دخوله في القدم، ولن تجمع صفة الازل والحدوث، والقدم والعدم في شيء واحد. فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين علي ما ذكرت واستدللت علي حدوثها. فلو بقيت الاشياء علي صغرها من أين كان لك أن تستدلّ علي حدثها ؟! فقال العالم عليه السلام: إنّما نتكلّم علي هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالماً آخر كان لا شيء أدلّ علي الحدث من رفعنا إيّاه ووضعنا غيره؛ ولكن أجبتك من حيث قدّرت أن تلزمنا ونقول: إنّ الاشياء لو دامت علي صغرها لكان في الوهم أنّه متي ما ضمّ شيء إلي مثله كان أكبر. وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما بان في تغييره دخوله في الحدث ليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم ! فانقطع وخزي. فلمّا أن كان من العام القابل التقي معه في الحرم، فقال له بعض شيعته: إنّ ابن أبي العوجاء قد أسلم. فقال العالـم عليه السـلام: هو أعمي من ذلـك لا يسـلم. فلمّا بصـر بالعالِم، قال: سَيِّدي وَمَوْلاَيَ ! فقال له العالم: ما جاء بك إلي هذا الموضع ؟ فقال: عَادَةُ الجَسَدِ، وَسُنَّةُ البَلَدِ، وَلِنَبْصُرْ مَا النَّاسَ فِيهِ مِنَ الجُنُونِ وَالحَلْقِ وَرَمْي الحِجَارَةِ ! فقال له العالم: أنت بعد علي عتوِّك وضلالك يا عبد الكريم ! فذهب يتكلّم، فقال له: لاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ . [11] ونفض رداءه من يده، وقال: إنْ يَكُنِ الاَمْرُ كَمَا تَقُولُ ـ وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ ـ نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ ! وَإنْ يَكُنِ الاَمْرُ كَمَا نَقُولُ ـ وَهُوَ كَمَا نَقُولُ ـ نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ ! فأقبل عبد الكريم علي من معه، فقال: وجدتُ في قلبي حرارةً ! فردّوني. فردّوه ومات، لا رَحِمَه الله. وفي « الاحتجاج » للطبرسيّ بعض هذا الحديث مرسلاً. وتحدّث المجلسيّ عن هذا الحديث مفصّلاً تحت عنوان « تَنْوِيرٌ » . [12] وكذلك روي المجلسيّ عن « التوحيد » للصدوق بسنده المتّصل عن مروان بن مسلم قال: دخل ابن أبي العوجاء علي أبي عبد الله عليه السلام فقال: أليس تزعم أنّ الله خالق كلّ شيء ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: بلي ! فقال له: أنا أخلق. فقال له: كيف تخلق ؟! قال: أُحدث في الموضع ثمّ ألبث عنه فيصير دوابّاً. فأكون أنا الذي خلقتها. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أليس خالق الشيء يعرف كم خلقه ؟! قال له: بلي ! قال: فتعرف الذَّكَر منها من الاُنثي ؟! وتعرف كم عمرها ؟! فسكت. [13] وروي عنه أيضـاً بسـنـده المتّـصل عن الإمام جعـفر الصـادق عليه السلام قال: مَا خَلَقَ اللَهُ خَلْقاً أصْغَرَ مِنَ البَعْوضِ، وَالجِرْجِسُ أَصْغَرُ مِنَ البَعْوضِ، وَالَّذِي يُسَمُّونَهُ الوَلَغَ أَصْغَرُ مِنَ الجِرْجِسِ، وَمَا فِي الفِيلِ شَيءٌ إلاَّ وَفِيهِ مِثْلُهُ، وَفُضِّلَ عَلَي الفِيلِ بِالجَنَاحَيْنِ.[14] قال المجلسيّ في بيانه: قال الفيروزآباديّ: الجِرجِس بالكسر: البعوض الصغار ـ انتهي. إلي أن قال: والولغ هنا بالغين المعجمة، وفي « الكافي » بالمهملة. وهما غير مذكورَين فيما عندنا من كتب اللغة. والظاهر أنّه أيضاً صنف من البعوض. والغرض بيان قدرته تعالي. فإنّ القدرة في خلق الاشياء الصغار أكثر وأظهر منها في الكبار، كما هو المعروف بين الصنّاع من المخلوقين. فَتَبَارَكَ اللَهُ أَحْسَنُ الْخَـ'لِقِينَ. [15] قال سماحة أُستاذنا الافخم الاعظم العلاّمة الطباطبائيّ في تعليقه علي توضيح المجلسيّ وتعليقه: هذا بحسب الدقّة واللطف، وكأنّه عليه السلام في هذا المقام، وأمّا بحسب القدرة فالامر بالعكس من جهة توفيق الذرّات وتوديع القوي العظيمة الهائلة. قال تعالي: لَخَلْقُ السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـ'كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. ( المؤمن: 57 ) ط. [16] إثبات وجود الله للديصانيّ: عن طريق النظر في الوجودوروي المجلسيّ أيضاً عن « التوحيد » للصدوق بسنده المتّصل عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو شاكر الديصانيّ: إنّ لي مسألة تستأذن لي علي صاحبك. فإنّي قد سألتُ عنها جماعة من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع ! فقلتُ: هل لك أن تخبرني بها فلعلّ عندي جواباً ترتضيه ؟ فقال: إنّي أُحبّ أن ألقي بها أبا عبد الله عليه السلام ! قال: فاستأذنتُ له، فدخل، فقال له: أتأذن لي في السؤال ؟! فقال له: سل عمّا بدا لك ! فقال له: ما الدليل علي أنّ لك صانعاً ؟! فقال: وجدتُ نفسي لا تخلو من إحدي جهتين: إمّا أن أكون صنعتها أنا ( أو غيري ) ، فلا أخلو من أحد معنيين: إمّا أن أكون صنعتها وكانت موجـودة، أو صنعتها وكانـت معدومة. فإن كنت صنعتها وكانت موجـودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها. وإن كانت معدومة، فإنّك تعلم أنّ المعدوم لا يحدث شيئاً. فقد ثبت المعني الثالث أنّ لي صانعاً و هُوَ اللَهُ رَبُّ العَالَمِينَ . فقام وما أجاب جواباً. قال المجلسيّ في بيانه: هذا برهان متين مبنيٌّ علي توقّف التأثير والإيجاد علي وجود الموجود والمؤثِّر. والضرورة الوجدانيّة حاكمة بحقّيّتها، ولا مجال للعقل في إنكارها. [17] حوار الإمام عليه السلام مع الزنديق المصريّوروي المجلسيّ أيضاً عن « التوحيد » للصدوق بسنده المتّصل عن هشام بن الحكم قال: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه السلام، فخرج إلي المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها. فقيل له: هو بمكّة. فخرج الزنديق إلي مكّة ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام، فقاربنا الزنديق ـ ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام في الطواف، فضرب كتفه كتف أبي عبد الله عليه السلام. فقال له جعفر عليه السلام: ما اسمك ؟ قال: اسمي عبد الملك. قال: فما كنيتك ؟ قال: أبو عبد الله. قال: فمن المَلِك الذي أنت له عبدٌ. أمن ملوك السماء أم من ملوك الارض ؟! وأخبرني عن ابنك، أعبد إله السماء أم إله الارض ؟! فسكت. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: قُلْ مَا شِئْتَ تُخْصَمْ ! قال هشام بن الحكم: قلتُ للزنديق: أما تردّ عليه ! فقبّح قولي. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إذا فرغتُ من الطواف فأتنا ! فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام أتاه الزنديق فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده. فقال للزنديق: أتعلم أنّ للارض تحت وفوق ؟! قال: نعم ! قال: فدخلتَ تحتها ؟! قال: لا ! قال: فما يُدريك بما تحتها ؟! قال: لا أدري إلاّ أ نّي أظنّ أن ليس تحتها شيء. قال أبو عبد الله عليه السلام: فالظنّ عجز ما لم تستيقن ! قال أبو عبد الله عليه السلام: فصعدتَ إلي السماء ؟! قال: لا. قال: فتدري ما فيها ؟ قال: لا. قال: فعجباً لك لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت الارض، ولم تصعد إلي السماء، ولم تجز هنالك فتعرف ما خلقهنّ وأنت جاحد ما فيهنّ ! وهل يجحد العاقل ما لا يعرف ؟! فقال الزنديق: ما كلّمني بهذا أحد غيرك ! قال أبو عبد الله عليه السلام: فأنت في شكّ من ذلك ! فلعلّ هو، أو لعلّ ليس هو. قال الزنديق: ولعلّ ذاك. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيّها الرجل ! ليس لمن لا يعلم حجّة علي من يعلم، فلا حجّة للجاهل ـ يا أخا أهل مصر ! تفهّم عنّي فإنّا لا نشكّ في الله أبداً. أما تري الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ليس لهما مكان إلاّ مكانهما. فإن كانا يقدران علي أن يذهبا ولا يرجعا، فَلِمَ يرجعان ؟! وإن لم يكونا مضطرّين فَلِمَ لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً ؟! اضطرّا واللهِ يا أخا أهل مصر إلي دوامهما، والذي اضطرّهما أحكم منهما وأكبر منهما. قال الزنديق: صدقتَ ! ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أخا أهل مصر ! الذي تذهبون إليه وتظنّونه بالوهم، فإن كان الدهر يذهب بهم، لِمَ لا يردّهم ؟! وإن كان يردّهم لِمَ لا يذهب بهم ؟! القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر. السماء مرفوعة، والارض موضوعة، لِمَ لا تسقط السماء علي الارض ؟! ولِمَ لا تنحدر الارض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما ؟! فقال الزنديق: أمسكهما واللهِ ربّهما وسيّدهما. فآمن الزنديق علي يدي أبي عبد الله عليه السلام. فقال له حمران بن أعين: جُعلت فداك ! إن آمنت الزنادقة علي يديك فقد آمنت الكفّار علي يدي أبيك. فقال المؤمن الذي آمن علي يدي أبي عبد الله عليه السلام: اجعلني من تلامذتك ! فقال أبو عبد الله عليه السلام لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلِّمه. فعلَّمه هشام. فكان معلّم أهل مصر وأهل الشام. وحسنت طهارته حتّي رضي بها أبو عبد الله عليه السلام. [18] وروي المجـلسيّ مثله عن « الاحتجاج » عن هشـام بن الحـكم. وذكر بعده شرحاً مفصّلاً مهمّاً نوعاً ما، وهو تحت عنوان: « إيضاح » . وقال في آخره: تفصيل القول في شرح تلك الاخبار الغامضة يقتضي مقاماً آخر. وإنّما نُشير في هذا الكتاب إلي ما لعلّه يتبصّر به أُولو الاذهان الثاقبة من أُولي الالباب. وسنبسط الكلام فيها في كتاب « مرآة العقول » إن شاء الله تعالي. [19] كتاب «توحيد المفضّل» وسندهكتاب «توحيد المفضَّل»، وكتاب «الإهليلَجَة» المنسوبَين إلي مولانا الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما أفضل الصلاة والسلام[20] قال المجلسيّ رحمه الله: ولنذكر بعد ذلك « توحيد المفضّل بن عمر » ، ورسالة « الإهليلجة » المرويّتين عن الصادق عليه السلام لاشتمالهما علي دلائل وبراهين علي إثبات الصانع تعالي. ولا يضرّ إرسالهما لاشتهار انتسابهما إلي المفضّل. وقد شهد بذلك السيِّد ابن طاووس [21] وغيره، ولا ضعف محمّد بن سنان والمفضّل، لأنّه في محلّ المنع، بل يظهر من الاخبار الكثيرة علوّ قدرهما وجلالتهما. مع أنّ متن الخبرين شاهدا صدق علي صحّتهما. وأيضاً هما يشتملان علي براهين لا تتوقّف إفادتها العلم علي صحّة الخبر. قال سماحة أُستاذنا الاكرم العلاّمة الطباطبائيّ قدّس الله تربته في تعليقه علي كلام المجلسيّ علي صحّة الخبر: أمّا متن الخبر الاوّل المشتهر بـ « توحيد المفضّل » فهو مطابق لجلّ الاخبار المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام المطابقة لمعارف الكتاب العزيز، وما يشتمل عليه من الادلّة براهين تامّة لا غبار عليها. وأمّا خبر « الإهليلجة » فمحصّل ما فيه إثبات حجّيّة حكم العقل وعدم كفاية الحواسّ في الاحكام، وإثبات وجود الصانع من طريق السببيّة، وإثبات وحدته من طريق اتّصال التدبير. وهذا لا شكّ فيه من جهة العقل، ولا من جهة مطابقته لسائر النقل، غير أنّه مشتمل علي تفاصيل لا شاهد عليها من النقل والعقل، بل الامر بالعكس، كاشتماله علي كون علوم الهيئة وأحكام النجوم مستنداً إلي الوحي، وكذا كون علم الطبّ والقرابادين ( علم الادوية ) مستندين إلي الوحي، مستدلاّ بأنّ إنساناً واحداً لا يقدر علي هذا التتبّع العظيم والتجارب الوسيعة. مع أنّ ذلك مستند إلي أرصاد كثيرة ومحاسبات علميّة وتجارب ممتدّة من أُمم مختلفة في أعصار وقرون طويلة تراكمت حتّي تكوّنت في صورة فنّ أنتجه مجموع تلك المجاهدات العظيمة. والدليل عليه أنّ النهضة الاخيرة سبكت علي الهيئة والطبّ في قالب جديد أوسع من قالبهما القديم بما لا يقدّر من السعة. ولا مستند له إلاّ الارصاد والتجارب والمحاسبات العلميّة. وكذا ما هو مثلهما في السعة كالكيمياء، والطبيعيّات، وعلم النبات، والحيوان، وغير ذلك. نعم من الممكن استناد أصلهما إلي الوحي وبيان النبيّ. وممّا يشتمل عليه الخبر كون البحار باقية علي حال واحدة دائماً من غير زيادة ونقـيصـة، مـع أنّ التغـيّـرات الكلّـيّة فيـها ممّا هو اليـوم مـن الواضحات. علي أنّ الكتاب والسنّة يساعدانه أيضاً. والذي أظنّه ـ والله أعلم ـ أنّ أصل الخبر ممّا صدر عنه عليه السلام، لكنّه لم يخل عن تصرّف المتصرّفين فزادوا ونقصوا بما أخرجه عن استقامته الاصليّة. ويشهد علي ذلك النسخ المختلفة العجيبة التي سينقلها المصنِّف رحمه الله. فإنّ النسخ يمكن أن تختلف بالكلمة والكلمتين والجملة والجملتين لسهوٍ من الراوي في ضبطه أو من الكاتب في استنساخه. وأمّا بنحو الورقة والورقتين وخمسين سطراً ومائة سطر فمن المستبعد جدّاً، إلاّ أن يستند إلي تصرّف عمدي. وممّا يشهد علي ذلك أيضاً الاندماج وعسر البيان الذي يشاهَد في أوائل الخبر وأواسطه. والله أعلم. ( ط ) . [22] وصف فذّ للإمام الصادق عليه السلام علي لسان ابن أبي العوجاءنقل المجلسيّ رواية « التوحيد » عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر أنّه قال: كنتُ ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنـبر، إلي أن قال: فقـال ابن أبـي العـوجـاء لصاحـبه: دَعْ ذِكْـرَ مُحَمَّدٍ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَقَدْ تَحَيَّرَ فِيهِ عَقْلِي، وَضَلَّ فِي أَمْرِهِ فِكْرِي، وَحَدِّثْنَا فِي ذِكْرِ الاصْلِ الَّذِي يُمْشَي بِهِ ! ثُمَّ ذَكَرَ ابتِدَاءَ الاَشْيَاءِ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِإهْمَالٍ لاَ صَنْعَةَ فِيهِ وَلاَ تَقْدِيرَ، وَلاَ صَانِعَ لَهُ وَلاَ مُدَبِّرَ، بَلِ الاَشْيَاءُ تَتَكَوَّنُ مِنْ ذَاتِهَا بِلاَ مُدَبِّرٍ، وَعَلَي هَذَا كَانَتِ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ وَلاَ تَزَالُ ! قال المفضّـل: فلـم أملـك نفسـي غضـباً وغيظـاً وحنـقاً، فقـلتُ: يا عدوّ الله ! ألحدتَ في دين الله، وأنكرتَ الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتّي بلغ بك إلي حيث انتهيت. فلو تفكّرت في نفسك وصدّقك لطيف حِسّك، لوجدتَ دلائل الربوبيّة وآثار الصنعة فيك قائمةً، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة. فقال: يَا هَذَا ! إنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الكَلاَمِ كَلَّمْنَاكَ، فَإنْ ثَبَتَ لَكَ حُجَّةٌ تَبِعْنَاكَ. وَإنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ فَلاَ كَلاَمَ لَكَ ! وَإنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فَمَا هَكَذَا يُخَاطِبُنَا، وَلاَ بِمِثْلِ دَلِيلِكَ يُجَادِلُنَا. وَلَقَدْ سَمِعَ مِنْ كَلاَمِنَا أَكْثَرَ مِمَّا سَمِعْتَ، فَمَا أَفْحَشَ فِي خِطَابِنَا، وَلاَ تَعَدَّي فِي جَوَابِنَا. وَإنَّهُ لَلْحَلِيمُ الرَّزِينُ العَاقِلُ الرَّصِينُ، لاَ يَعْتَرِيهِ خُرْقٌ وَلاَ طَيْشٌ وَلاَ نَزْقٌ. وَيَسْمَعُ كَلاَمَنَا وَيُصْغِي إلَيْنَا وَيَسْتَعْرِفُ حُجَّتَنَا حَتَّي اسْتَفْرَغْنَا مَا عِنْدَنَا وَظَنَنَّا أَ نَّا قَدْ قَطَعْنَاهُ أَدْحَضَ حُجَّتَنَا بِكَلاَمٍ يَسِيرٍ وَخِطَابٍ قَصِيرٍ يُلْزِمُنَا بِهِ الحُجَّةَ، وَيَقْطَعُ العُذْرَ، وَلاَ نَسْتَطِيعُ لِجَوابِهِ رَدَّاً. فَإنْ كُنْتَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَخَاطِبْنَا بِمِثْلِ خِطَابِهِ ! قال المفضّـل: فخرجـتُ من المسـجد محزوناً مفكّراً فيـما بلي به الإسلام وأهله مـن كفر هـذه العصـابة وتعطـيلها. فدخـلت علي مـولاي صلوات الله عليه فرآني منكسراً، فقال: ما لك ؟ فأخبرته بما سمعتُ من الدهريَّين وبما رددتُ عليهما. فقال: لاُلقينّ إليك من حكمة الباري جلّ وعلا وتقدّس اسمه في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوامّ، وكلّ ذي روح من الانعام، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلي معرفته المؤمنون، ويتحيّر فيه الملحدون. فبكّر عَلَيَّ غداً ! قال المفضّل: فانصرفت من عنده فرحاً مسروراً وطالت عَلَيَّ تلك الليلة انتظاراً لما وعدني به... إلي أن قال: فَقَالَ: يَا مُفَضَّلُ ! إنَّ اللَهَ كَانَ وَلاَ شَيْءَ قَبْلَهُ وَهُوَ بَاقٍ وَلاَ نِهَايَةَ لَهُ. فَلَهُ الحَمْدُ عَلَي مَا أَلْهَمَنَا، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَي مَا مَنَحَنَا، وَقَدْ خَصَّنَا مِنَ العُلُومِ بِأَعْلاَهَا، وَمِنَ المَعَالِي بِأَسْنَاهَا، وَاصْطَفَانَا عَلَي جَمِيعِ الخَلْقِ بِعِلْمِهِ، وَجَعَلَنَا مُهَيْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِهِ ! قال المفضّل: فقلتُ: يا مولاي ! أتَأذن لي أن أكتب ما تشرحه ؟! ـ وكنتُ أعددتُ معي ما أكتب فيه فقال لي: افعلْ ! [23] أهمّيّة كتاب «توحيد المفضّل»وذكر المجلسيّ رضوان الله عليه هنا الخبر بحذافيره مع شرح موجز لبعض المفردات والمطالب. واستوعب الخبر خمساً وتسعين صفحة من القطع الوزيريّ اعتباراً من ص 57 إلي ص 151 . وهو زاخر بنفائس المعاني ودُرَر العِلم والمنطق والعقل والدراية حقّاً. كما أنّه آية بارزة علي ربوبيّة الحقّ جلّ وعزّ ووحدته في مظاهر عالم الإمكان جميعها. وقد سُرِدَ بنحوٍ مستدلّ لطيف حتّي أنّ البصر لا يشبع من مطالعته، والبصيرة لا ترتوي من درايته . من هنا أمر السيّد ابن طاووس أعلي الله درجته بمطالعته وملازمته . ومن هنا أيضاً ترجمه المجلسيّ إلي الفارسيّة، وصنّفه في رسالة مستقلّة، أُعيد طبعها مراراً. ومن هنا أيضاً طُبع ذلك الكرّاس من « البحار » باللغة العربيّة مستقلاّ وأصبح في متناول أيدي العامّة من العرب والعجم. وما كان أحسن أن نُورد الرسالة كلّها هنا، بَيدَ أنّه متعذّر بسبب تفصيلها وضيق هذه المجموعة عن استيعابها. ويبدو أنّ اختيار بعض الفقرات دون بعض أمر لا مبرّر له. لهذا تأسّياً بالعالِم الجليل والحبر النبيل الشيخ محمّد حسين المظفّر نكتفي بما يأتي: قال في كتاب « الإمام الصادق عليه السلام » : حقّاً لقد ألقي الصادق عليه السلام علي المفضّل من البيان ما أنار به الحجّة، وأوضح الشبهة، ولم يدع للشكّ مجالاً، وللشبهة سبيلاً. وأبدي من الكلام عن بدائع خلائقه، وغرائب صنائعه ما تحار منه الالباب، وتندهش منه العقول. وأظهر من خفايا حِكَمه ما لا يهتدي إلاّ أمثاله ممّن أُوتي الحكمة وفصل الخطاب. وكلّما حاولت أن أنتخب فصولاً خاصّة من تلك البدائع لم أُطق، لا نّي أجدها كلّها منتخبة، وأن أقتطف من كلّ روضة زهرتها اليانعة لم أستطع، لا نّي أراها كلّها وردة واحدة في اللون والعرف. فما رأيتُ إلاّ أن أذكر من كلّ فصل أوّله، وأُشير إلي شيءٍ منه، والفصول أربعة: تفصيل الجنين والطفل الرضيع ـ 1 ـ قال عليه السلام بعد أن ذكر عمي الملحدين وأسباب شكّهم وتهيئة هذا العالَم وتأليف أجزائه وانتظامها. نبتدي يا مفضّل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به ! فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.[24] حيث لا حيلة عنده في طلب غذاه، ولا دفع أذيً، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرّة. فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات. فلا يزال ذلك غذاءه حتّي إذا كمل خلقه، واسـتحـكم بدنه، وقـوي أديـمه علي مباشـرة الهواء وبصـره علي ملاقاة الضـياء، هاج الطلق بأُمّه فأزعجه أشـدّ إزعاج وأعنفه حتّي يولد. وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أُمّه إلي ثديـها. فانقلب الطعم واللون إلي ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه. فحين يولد قد تلمّظ وحرّك شفتيه طلباً للرضـاع. فهو يجـد ثدي أُمّه كالاداوتين[25] المعـلّقتين لحاجـته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن رقيق الامعاء ليّن الاعضاء، حتّي إذا تحرّك واحتاج إلي غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوي بدنه طلعت له الطواحن من الاسنان والاضراس، ليمضغ بها الطعام فيلين عليه وتسهل له إساغته. فلا يزال كذلك حتّي يدرك. فإذا أدرك وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه، فكان ذلك علامة الذَّكر وعزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبيّ وشبه النساء. وإن كانت أُنثي يبقي وجهها نقيّاً من الشعر لتبقي لها البهجة والنضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه. اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ فيما يدبّر الإنسان في هذا الاحوال المختلفة. هل تري يمكن أن يكون بالإهمال ؟! أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النبات إذا فقد الماء ؟! ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه، ألم يكن سيبقي في الرحم كالموؤد في الارض ؟! ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته، ألم يكن سيموت جوعاً أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه !! ولو لم تطلع عليه الاسنان في وقتها، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته ؟! أو يقيمه علي الرضاع فلا يشدّ بدنه ولا يصلح لعمل، ثمّ كان تشتغل أُمّه بنفسه عن تربية غيره من الاولاد ؟ ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته، ألم يكن سيبقي في هيئة الصبيان والنساء ، فلا تري له جلالاً ولا وقاراً ؟! فمن هذا الذي يرصده حتّي يوافيه بكلّ شيء من هذه المآرب إلاّ الذي أنشأه خلقاً بعد أن لم يكن، ثمّ توكّل له بمصلحته بعد أن كان. فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجـب أن يكون العـمد والتقـدير يأتـيان بالخـطأ والمحـال، لأنّهما ضـدّ الإهمال. وهذا فظـيعٌ من القول وجهل من قائـله، لانّ الإهمال لا يأتـي بالصواب، والتضادّ لا يأتي بالنظام تَعَالَي اللَهُ عَمَّا يَقُولُ المُلحِدُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً. قال المظفّر : إنّ الإهمال دوماً يأتي بالخطأ كما نشاهده عياناً . أرأيت لو وجّهت الماء إلي الزرع، وأهملت تقسيمه علي الالواح، أيسقي الالواح كلّها من دون خلل ؟! أو إذا نثرت البذر في الارض من دون مناسبة، أيخرج الزرع بانتظام، أو إذا جمعت قطعاً من خشب وواصلتها بمسامير، أتكون كرسيّاً أو باباً من دون تنسيق ؟! الحكمة الإلهيّة من عدم تعقّل الطفل حين الولادةثمّ قال عليه السلام: ولو كان المولود يولد فهماً عاقلاً لانكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذا رأي ما لم يعرف، وورد عليه ما لم يَرَ مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلي غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم، واعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلي بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلّم الكلام وقبول الادب كما يسرع الذي يُسبي صغيراً غير عاقل. ثمّ لو ولد عاقلاً كان يجد غضاضة إذا رأي نفسه محمولاً مرضعاً معصّباً بالخرق مسجّي في المهد، لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد. ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل. فصار يخرج إلي الدنيا غبيّاً غافلاً عمّا فيه أهله فيلقي الاشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة. ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء وحـالاً بعد حـال، حتّي يألف الاشـياء ويتمـرّن ويسـتمرّ عليها، فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها إلي التصرّف والاضطراب في المعاش بعقله وحيلته ، وإلي الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية . وفي هذا أيضاً وجوه أُخر. فإنّه لو كان يولد تامّ العقل مستقلاّ بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الاولاد، وما قدّر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصـلحة، وما يوجـب التـربية للآباء علي الابناء من المكافـاة بالبرّ والعطـف عليـهم عند حاجتـهم إلي ذلك منهم. ثمّ كان الاولاد لا يألفـون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم، لانّ الاولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرّقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه وأُمّه، ولا يمتنع من نكاح أُمّه وأُخته وذوات المحارم منه، إذ لا يعرفهنّ. وأقلّ ما في ذلك من القباحة، بل هو أشنع، وأعظم، وأفظع، وأقبح، وأبشع لو خرج المولود من بطن أُمّه وهو يعقل أن يري منها ما لا يحلّ له، ولا يحسر به أن يراه. ( عورة الاُمّ ) . أفلا تري كيف أُقيم كلّ شيء من الخلقة علي غاية الصواب وخلا من الخطأ دقيقه وجليله ؟! قال المظفّر : إنّ بعض هذا البيان البديع من الإمام عن تدرّج الإنسان في نموّه، ونموّه في أوقاته كافٍ في حكم العقل بأنّ له صانعاً صنعه عن علم، وحكمة، وتقدير، وتدبير. ثمّ إنّ الصادق عليه السلام جعل يذكر فوائد البكاء للاطفال من التجفيف لرطوبة الدماغ، وإنّ في بقاء الرطوبة خطراً علي البصر والبدن. الحكمة الإلهيّة في كيفيّة أعضاء الإنسانثمّ ساق البيان إلي جعل آلات الجماع في الذكر والاُنثي علي ما يشاكل أحدهما الآخر. ثمّ ذكر أعضاء البدن والحكمة في جعل كلّ منها علي الشكل الموجود. وها هنا يقول له المفضّل: يَا مَوْلاَيَ ! إنّ قوماً يزعمون أنّ هذا من فعل الطبيعة، فيقول له الإمام: سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة علي مثل هذه الافعال، أم ليست كذلك ؟! فإن أوجبوا لها العلم والقدرة، فما يمنعهم من إثبات الخالق ؟ فإنّ هذه صفته. وإن زعموا أنّها تفعل هذه الافعال بغير علم ولا عمد، وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة، عُلِم أنّ هذا الفعل للخالق الحكيم، وأنّ الذي سمّوه طبيعة هو سنّة في خلقه الجارية علي ما أجراه عليه. قال المظفّر : انظر إلي قول أهل الطبيعة فإنّهم جروا علي نسق واحد من عهد الصادق عليه السلام إلي اليوم، وكأنّهم لم يتعقّلوا هذا الجواب القاطع لحججهم أو أغضوا عنه إصراراً علي العناد والجحود. إنّ الإمام عليه السلام حصر الطبيعة بين اثنين لا ثالث لهما، وذلك لأنّها إمّا تكون ذات علم وحكمة وقدرة، أو تكون خالية عن ذلك كلّه. فإن كان الاوّل فهي ما نثبته للخالق، ولا فارق إذن بينهم وبيننا إلاّ التسمية. وإن كان الثاني كان اللازم أن تكون آثارها مضطربة لا تقدير فيها ولا تدبير، شأن من لا يعقل ويبصر ويسمع في أفعاله، ولكنّنا نشاهد الآثار مبنيّة علي العلم، والحكمة، والقدرة، والتقدير. فلا تكون إذن من فعل الطبيعة العمياء الصمّاء، وكانت الطبيعة غير الله العالم القادر المدبّر، ولا تكون الطبيعة إذن إلاّ سنّته في خلقه، لا شيء آخر له كيان مستقلّ عن خالق الكون. ثمّ إنّ الإمام عليه السلام عاد إلي كلامه الاوّل، فتكلّم عن وصول الغذاء إلي البدن وكيفيّة انتقال صفوه من المعدة إلي الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفي لغذاء، ثمّ صيرورته دماً ونفوذه إلي البدن كلّه في مجارٍ مهيّأة لذلك، ثمّ كيفيّة تقسيمه في البدن وبروز الفضلة منه. فكأنّما الإمام كان الطبيب النطاسيّ الذي لم يماثله أحد في الطبّ، والعالِم الماهر في التشريح الذي قضي عمره في عملية التشريح، بل كشف الإمام في هذا البيان الدورة الدمويّة التي يتغنّي الغربيّون باكتشافها. وقد سبقهم إليها بما يقارب اثني عشر قرناً.[26] ثمّ ساق كلامه إلي نشوء الابدان ونموّها حالاً بعد حال، وما شرّف الله به الإنسان من الميزة في الخلقة علي البهائم، ثمّ استطرد الكلام إلي الحواسّ التي خصّ الله بها الإنسان وفوائد جعلها علي النحو الموجود، واختصاص كلّ منها بأثر لا تؤدّيه الثانية. وهكذا يفيض في بيانه عن الاعضاء المفردة والمزدوجة والاسباب التي من أجلها جعلها علي هذا التركيب. إلي أن يطّرد في بيانه عمّا منحه الجليل من النِّعَم في المطعم والمشرب، وما جعل فيه من التمايز في الخلقة حتّي لا يشبه أحد الآخر. إلي أن يقول عليه السلام: لو رأيتَ تمثال الإنسان مصوّراً علي حائط فقال لك قائل: إنّ هذا ظهر ها هنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع، أكنتَ تقبل ذلك ؟ بل كنت تستهزي به، فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد، ولا تنكر في الإنسان الحيّ الناطق ؟! قال المظفَّر : ما أقواها حجّةً، وأسماه بياناً، وإنّ كلّ ناظرٍ فيه من أهل كلّ قرن يكاد أن يقول: إنّه أتي به لاهل زمانه وقرنه في الحجّة والاُسلوب لما يجده من ملائمة البيان والبرهان. كلام الإمام عليه السلام في مصالح خلقة الإنسان والحيوانـ 2 ـ ثمّ إنّه في اليوم الثاني أورد علي المفضّل الفصل الثاني، وهو في خلقة الحيوان، فقال عليه السلام: أبتدي لك بذكر الحيوان ليتّضح لك من أمره ما وضح لك من غيره. فكِّرْ في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها علي ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الاعمال، ولا هي علي غايـة ا |