بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب ولایه الفقیه فی حکومه الاسلام/ المجلد الاول/ القسم التاسع: مناط حجیة الخبر

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

الدرس‌ الحادي‌ عشر:

البحث‌ حول‌ روايتي‌ أبي‌ خديجة‌

بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ

و صلَّي‌ اللهُ علي‌ محمد و ءاله‌ الطَّاهرين‌

و لعنة‌ اللَه‌ علي‌ أعدائهم‌ أجمعين‌ من‌ الآن‌ إلي‌ قيام‌ يوم‌ الدين‌

و لا حول‌ و لا قوّة‌ ألاّ باللَه‌ العليّ العظيم‌

 

 لقد كان‌ البحث‌ حول‌ مقبولة‌ عمربن‌ حنظلة‌ و سندها. و قد إنتهي‌ الكلام‌ إلي‌ أنّ هذه‌ المقبولة‌ قد ذكرها كبار المشايخ‌ في‌ كتبهم‌، و تلقّوها بالقبول‌، واستشهدوا بها في‌ مقام‌ الاستدلال‌، و عدّوها مقبولة‌. و لذا فهي‌ تمتلك‌ قوّة‌ من‌ ناحية‌ اعتبارها و يستطيع‌ الإنسان‌ العمل‌ بها بكامل‌ الاطمئنان‌.

 يقول‌ المرحوم‌ الملاّ أحمد النراقي‌ في‌ كتاب‌ «مستند الشيعة‌» في‌ شأن‌ عمربن‌ حنظلة‌: حُكي‌ عنه‌ توثيقه‌ أي‌ (حكي‌ عن‌ النجاشي‌ توثيقه‌). و لم‌ يرد في‌ كتب‌ الرجال‌ تضعيف‌ له‌. و عند ما يرد توثيق‌ حول‌ خبر ما، و لايوجد حوله‌ تضعيف‌، و يتلقّاه‌ الاصحاب‌ أيضاً بالقبول‌، فأنّ ذلك‌ يكون‌ كافياً للعمل‌ به‌، أي‌ أنّه‌ ينال‌ بذلك‌ قوّة‌ في‌ مقام‌ العمل‌.

 و ليست‌ الميزان‌ والملال‌ في‌ العمل‌ برواية‌ ما عدالة‌ أو إمامية‌ أو وثاقة‌ نفس‌ الرواي‌، و إنّما هو توثيق‌ الرواية‌. أي‌ انّ من‌ الممكن‌ أن‌ لايثبت‌ توثيق‌ الراوي‌ في‌! حدّ نفسه‌، و لايكن‌ علماء الرجال‌ قد وثّقوة‌ بالخصوص‌، لكنّ الاصحاب‌ عملوا بروايته‌، فهذه‌ الرواية‌ تكون‌ لازمة‌ الاتّباع‌.

 الرجوع الي الفهرس

حجّيّة‌ الخبر الضعيف‌ المحفوف‌ بالقرائن‌ الخارجيّة‌

 لقد انتهينا في‌ بحث‌ حجيّة‌ خبر الواحد الي‌ نتيجة‌ و هي‌ أنّ مناط‌ العمل‌ بالاخبار هو وثوق‌ الخبر، و لو بضميمة‌ قرائن‌ خارجيّة‌ و ضمائم‌ مقامية‌ و شواهد أخري‌. فإذا وثق‌ الإنسان‌ بخبر ما فانّه‌ يستطيع‌ العمل‌ به‌، و إلاّ فلا.

 و إذا ما روي‌ الاصحاب‌ خبراً، و كان‌ واجداً لجميع‌ شرائط‌ الصحّة‌، و كان‌ رواية‌ عادلاً، بل‌ كان‌ في‌ أعلي‌ درجة‌ التعديل‌ بواسطة‌ عدلين‌، لكنّ الاصحاب‌ لم‌ يذكروا ذلك‌ الخبر في‌ كتبهم‌ الروائية‌، أو لم‌ يستشهدوا به‌ في‌ مقام‌ الاستدلال‌، فذلك‌ الخبر لايكون‌ قابلاً للعمل‌ به‌. لانّه‌ يُقال‌ أنّ هذه‌ الرواية‌ قد أعرض‌ عنها الاصحاب‌.

 و السرّ في‌ ذلك‌ أنّه‌ عندما تكون‌ الرواية‌ من‌ ناحية‌ السند في‌ منتهي‌ الصحّة‌ ثمّ يعرض‌ عنها الاصحاب‌ و لايعلمون‌ بها ـ مع‌ أنّ فكر و دراية‌ وفقاهة‌ الاصحاب‌ يمكنها أن‌ تكون‌ دليلاً لنا من‌ جهتين‌ ! الاُولي‌: قربهم‌ من‌ زمن‌ الائمّة‌ عليهم‌ السلام‌؛ و الثانية‌: فقاهتهم‌ و درايتهم‌ و عدالتهم‌ و وثوقهم‌ التي‌ تشكّل‌ داعياً قوياً لتشخيص‌ الاخبار من‌ قبلهم‌ لكي‌ يعملوا بالاخبار الصحيحة‌ و الموثوقة‌. فيتّضح‌ من‌ عدم‌ عملهم‌ أنّ في‌ هذا الخبر جهة‌ فساد و نقصان‌ أدّت‌ الي‌ تركه‌ في‌ مقام‌ العمل‌. كأن‌ يكون‌ مثلاً في‌ ناحية‌ اسند صحيح‌، ولكنّ مضمونه‌ يُحتمل‌ أنّ الائمّة‌ أنّما بيّنوه‌ علي‌ أساس‌ التقيّة‌، أو ملاحظة‌ زمان‌ ما، أو لبعض‌ الجهات‌ الاُخري‌، في‌ الوقت‌ الذي‌ لا يكون‌ العمل‌ به‌ ممكناً من‌ قبل‌ الاصحاب‌.

 بخلاف‌ عمل‌ الاصحاب‌ بالخبر الضعيف‌ السند فانّه‌ يكون‌ خبراً قابلاً لان‌ نعمل‌ به‌.

 و السبب‌ في‌ ذلك‌ أنّ ضعف‌ الخبر أنّما يوجب‌ عدم‌ العمل‌ بالرواية‌، إمّا لانّ الرداي‌ لايكون‌ صنابطاً، و قد ضعّف‌، أو لانّهم‌ قد فسّقوه‌، أو قالوا مثلاً أنّ في‌ كلامه‌ خطلاً[1]، أو قد نُسب‌ إليه‌ الجعل‌ و الكذب‌ و لم‌ يعدّله‌ الثقاة‌، أو كان‌ مجهول‌ الحال‌، و أمثال‌ هذه‌ الامور التي‌ يمكن‌ أن‌ تكون‌ من‌ جهات‌ الضعف‌ في‌ الرواية‌.

 فلو روي‌ شخص‌ ضعف‌ خبراً، لكنَّ الاصحاب‌ تلقوّه‌ بالقبول‌، و دوّنوه‌ في‌ كتبهم‌، و استدلّوا و استشهدوا به‌، و أفتوا وفقاً له‌، فهذا يدلّ علي‌ أنّ هناك‌ جانب‌ قوّة‌ فيه‌، و عي‌ أنّة‌ كانت‌ في‌ أيديهم‌ شواهد و قرائن‌ علي‌ صحّته‌ لكنّها لم‌ تصل‌ إلينا، و أنّهم‌ قداعتمدوا علي‌ تلك‌ القرائن‌ و الشواهد فعملوا بذلك‌ الخبر. لذا نقول‌ بأنّ الخبر الضعيف‌ المنجبر[2] بالشهرة‌ قابل‌ لئن‌ يُعمل‌ به‌، لكنّ الخبر الصحيح‌ الذي‌ أعرض‌ عنه‌ الاصحاب‌ ساقط‌ و غير قابل‌ لان‌ يعمل‌ به‌.

 و علّة‌ هذه‌ المسألة‌ هو أنّه‌ ليست‌ صحيحاً أنّ جميع‌ الروايات‌ التي‌ ينقلها الشخص‌ الفاسق‌ تكون‌ كذباً، و أنّما بعض‌ الاخبار يكون‌ صادقاً، و بعضها الآخر يكون‌ كاذباً. و لذا فمن‌ الممكن‌ كثيراً أن‌ يكون‌ الراوي‌ صادقاً في‌ هذه‌ الرواية‌ التي‌ ينقلها عن‌ الإمام‌، أي‌ لايكون‌ قد مارس‌ الكذب‌ في‌ هذه‌ الرواية‌. و عليه‌ فانّنا لانستطيع‌ أن‌ نردّ خبر الفاسق‌ بشكل‌ مطلق‌ و نتجاهله‌، و أنّما يجب‌ أن‌ نتبيّن‌ حاله‌ و نقوم‌ بالتثّبت‌ و التحقيق‌ حول‌ صحنه‌ و عدمها، و هل‌ أنّه‌ مطابق‌ للواقع‌ ؟ و هل‌ هناك‌ قرائن‌ خارجيّة‌ تدلّ علي‌ صدقه‌ أو لا ؟ فإذا كان‌ صحيحاً عملنا به‌، و إلاّ فلا.

 و ءاية‌ النبأ أيضاً تدلّ علي‌ هذا الامر: يَـ'أَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُو´ا إِن‌ جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأءٍ فَتَبَيَّنُوا أَن‌ تُصِيبُواْ قَوْلااً بِجَهَـ'لَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَی‌' مَا فَعَلْتُمْ نَـ'دِمِينَّ. [3]

 هذه‌ الآية‌ لاتقول‌ أنّة‌ ينبغي‌ أن‌ لا تعملوا بأي‌ خبر فاسق‌، و أنّه‌ يجب‌ أن‌ تتجاهلوا جميع‌ أخبار الفاسق‌ و تعرضوا عنها، و إنّما تقول‌: إذا جاءكم‌ فاسق‌ بخبر فابحثوا و تثبّتوا و تحقّقوا و تبيّنوا صحّته‌ من‌ عدمها. فإن‌ كان‌ قوله‌ صحيحاً توجّب‌ أن‌ تعملوا به‌، و إلاّ لم‌ يكن‌ قابلاً به‌.

 إذن‌ لايمكننا أن‌ نواجه‌ خبر الفاسق‌ بسكوت‌ و نقول‌ أنّ الخبر الفلاني‌ ضعيف‌، أو أنّ فلاناً فاسق‌ و لايجب‌ العمل‌ بخبره‌؛ و إنّما يجب‌ أن‌ نتتبع‌ لنري‌ هل‌ ان‌ هناك‌ شواهد من‌ الكتاب‌ و السنّة‌ أو قرائن‌ من‌ الروايات‌ الاُخري‌ تعاضده‌ ؟ هل‌ عمل‌ الاصحاب‌ طبقه‌ و استشهدوا به‌ لكي‌ تكون‌ هناك‌ شهرة‌ روائيّة‌ أو فتوائية‌ علي‌ أساس‌ عملهم‌ أم‌ لا ؟ فإذا كان‌ ذلك‌ متحقّقاً فيجب‌ أن‌ نعمل‌ به‌، و إلاّ فلا يجب‌ العمل‌ به‌.

 و ذلك‌ لانّه‌ من‌ الممكن‌ أن‌ يتفق‌ أن‌ يكون‌ الخبر الذي‌ جاء به‌ الفاسق‌ صحيحاً و مطابقاً للواقع‌. فإذا لم‌ نعمل‌ به‌ فاننا سنقع‌ في‌! مشكلة‌ واقعية‌. إذن‌ من‌ الضروري‌ أن‌ نتحقّق‌ و نتبيّن‌ و نتثبّت‌ في‌ خبر الفاسق‌ ليتّفح‌ لنا المطلب‌ و ينجرّ الامر الي‌ قبوله‌ أو رفضه‌.

 و هذه‌ النقطة‌ توقعنا في‌ مخمصة‌ و ضيق‌ من‌ الامر، و تسبب‌ لنا الإشكالات‌. و إلاّ فلو كان‌ مقرّراً أن‌ نردّ خبر الفاسق‌ من‌ البدء لما بقي‌ مورد يتحمّل‌ جميع‌ هذا التعب‌ و المشقّة‌ و الفحص‌، و لاعتبرناه‌ مردوداً من‌ الاول‌ و تجاوزناه‌.

 يُحكي‌ أنّ رجلاً كان‌ له‌ ثلاثة‌ أبناء كان‌ أحدهما صادقاً، و الآخر كاذباً، و الثالث‌ يصدق‌ تارة‌ و يكذب‌ اُخري‌. و كان‌ هذا الاب‌ يدعو بالخير لإبنه‌ الصادق‌ باستمرا بأن‌ يرحمه‌ الله‌ و يطيل‌ عمره‌، كما كان‌ كذلك‌ يدعو بالخير لذلك‌ الإبن‌ الكاذب‌ بأن‌ يهديه‌ الله‌ و يعفو عن‌ ذنوبه‌، و أمّا ذلك‌ الابن‌ الذي‌ يكذب‌ تارة‌ و يصدق‌ اُخري‌ فكان‌ الاب‌ يلعنه‌ باستمرار، داعياً الله‌ أن‌ يقتله‌ و يقضي‌ عليه‌ في‌ شبابه‌ و يزيله‌ من‌ صفحة‌ الوجود.

 و قد تعجب‌ البعض‌ من‌ ذلك‌ و قالوا له‌: أنت‌ تدعو لذاك‌ الإبن‌ الصادق‌ باستمرار و ذلك‌ واضح‌. و ذاك‌ الابن‌ الذي‌ يكذب‌ تارة‌ و يصدق‌ اُخري‌ يجب‌ أن‌ تدعو له‌ في‌ الجملة‌، و أمّا اللعنة‌ فيجب‌ أن‌ تكون‌ لذلك‌ الابن‌ الذي‌ يكذب‌ باستمرار.

 فقال‌ الاب‌: كلاّ، فإنّكم‌ لاتعلمون‌ الامر، فالمسألة‌ ليست‌ كذلك‌. و ذلك‌ لانّي‌ مرتاح‌ البال‌ من‌ الإبن‌ الصادق‌ و الإبن‌ الكاذب‌، فاعلم‌ أنّ هذا الابن‌ صادق‌، و انّ كلّ خبر يأتي‌ به‌ صدق‌ فأعمل‌ طبقه‌.و ذاك‌ الابن‌ ايضاً كاذب‌ فأنه‌ حذر من‌ ناحيته‌ لانّي‌ أعلم‌ أنّه‌ يكذب‌ دوماً. فعندما يأتي‌ بخبر لاأرتّب‌ عليه‌ أثراً، و أنا من‌ ذلك‌ في‌ راحة‌. لكن‌ قاتل‌ الله‌ ذلك‌ الذي‌ يكذب‌ أحياناً و يصدق‌ اُخري‌ و يوقعني‌ في‌ المشقّات‌، إذ يأتيني‌ بخبرٍ فلا أعلم‌ أهو صحيح‌ فأتّبعه‌، أم‌ كذب‌ فأجتنبه‌ و لا اُرتّب‌ الاثر عليه‌ ؟ فإذا كان‌ صحيحاً و ظننته‌ كاذباً و لم‌ أتّبعه‌ أقع‌ في‌ الهلكة‌، و إذا كان‌ كاذباً و رتّبت‌ عليه‌ الاثر فإنّي‌ أقع‌ أيضاً في‌ الهلكة‌. لذا فقد سدَّ علي‌َّ هذا الإبن‌ باب‌ الحيلة‌، و سلب‌ عني‌ النوم‌ في‌ الليالي‌، و الراحة‌ في‌ الايّام‌.

 الرجوع الي الفهرس

نتيجة‌ البحث‌ في‌ الخبر الواحد هي‌ حجّيّة‌ الخبر الموثّق‌

 و الكلام‌ في‌ هذا أنّ هذه‌ الاخبار و الروايات‌ التي‌ بأيدينا هي‌ خليط‌ من‌ الصحيح‌ و السقيم‌، و لو كنّا نعلم‌ أنّ خبر الفاسق‌ مخالف‌ للواقع‌ يقيناً لكنّاً قد تركنا العمل‌ به‌ بشكل‌ كامل‌. لكنّا نري‌ أنّ الكثير من‌ هذه‌ الاخبار صحيح‌، لانّ الفاسق‌ لايكذب‌ باستمرار و أنّما هو يكذب‌ أحياناً، كمثل‌ هؤلإ الافراد الموجودين‌ بيننا و الذين‌ يكذبون‌، و ليست‌ جميع‌ أخبارهم‌ كاذبة‌، فأحياناً تكون‌ كاذبة‌ و اُخري‌ صادقة‌. و هذه‌ المسألة‌ توجب‌ للإنسان‌ المشقّة‌.

 و هذا الامر قد سبّب‌ التعب‌ لعلمائنا و كبارنا. فاضطروا التفحّص‌ في‌ الاخبار إلي‌ هذا الحدّ لتميز الاخبار الصحيحة‌ عن‌ غيرها. و التبيّن‌ في‌ الاخبار التي‌ رواها الفسقة‌، فإذا كان‌ هناك‌ قرائن‌ و شواهد علي‌ صدقها عملوا بها، و إلاّ تركوها.

 الرجوع الي الفهرس

مناط‌ حجّيّة‌ الخبر عمل‌ المشهور لا قوّة‌ السند

 و بناءً عليه‌ فانّ علمائنا اذا عملوا بخبر الفاسق‌ فهذا يدلّ علي‌ أنّه‌ قد كانت‌ هناك‌ قرينة‌ بأيديهم‌ تدلّ علي‌ صدقه‌، كرواية‌ اُخري‌، أو شواهد علي‌ قوّة‌ هذه‌ الرواية‌، و تدلّ علي‌ أنّ خبر الفاسق‌ هذا من‌ جملة‌ الاخبار المطابقة‌ للواقع‌. و لذا فقد كان‌ يقوم‌ كبار علمائنا بنقل‌ هذه‌ الرواية‌ في‌ كتبهم‌ و تثبيتها و ضبطها.

 انّ الاخبار التي‌ لدينا في‌ كتبنا المعتبرة‌ غالباً ضعيفة‌ السند، و إنّ أفضل‌ كتبنا هي‌ هذه‌ الكتب‌ الاربعةٍ: «التهذيب‌، و الكافي‌ و الاستبصار، و من‌ لايحضره‌ الفقيه‌» و الاكثر اعتباراً بينها هو كتاب‌ «الكافي‌»، لكنّ رواياته‌ غالباً ضعيفة‌. فلو راجعتم‌ «مرأة‌ العقول‌» للمجلسي‌ الذي‌ هو شرح‌ للكافي‌ لوجدتم‌ أنّه‌ قبل‌ شرح‌ هذه‌ الاخبار يقول‌ عنها انّها ضعيفة‌ ثمّ يشرع‌ بالبحث‌.

 لكن‌ هل‌ انّ علينا أن‌ نترك‌ العمل‌ بهذه‌ الكتب‌ ؟ كلاّ، و إنّما علينا أن‌ نعمل‌ بها و نعمل‌ بهذه‌ الاخبار الضعيفة‌، لانّ مشايخ‌ مثل‌ الكلينيّ و الطوسيّ و الصدوق‌ قد جمعوها و عملوا بها، و لانّ علماء كبار مثل‌ البرقيّ و القمّيّين‌ ممّن‌ جمع‌ «المحاسن‌» و غيرها من‌ الكتب‌ جميعهم‌ كانوا من‌ أهل‌ الدقّقة‌، و خصوصاً القميّين‌ الذين‌ كان‌ لهم‌ منتهي‌' الدقّة‌ في‌ ضب‌ الاحاديث‌ و العمل‌ بقول‌ الائمّة‌ عليهم‌ السلام‌. و إذا أردنا أن‌ نردّ جميع‌ هذه‌ الاخبار فانّ شيئاً لن‌ يبقي‌ في‌ أيدينا.

 فهذه‌ الاخبار التي‌ بأيدينا حول‌ الادعية‌ في‌ «البلد الامين‌» و «المصباح‌» للكفعمي‌ و «الإقبال‌» للسيّد و «مصباح‌ المتهجد» للشيخ‌ الطوسي‌، و التي‌ يعمل‌ جميع‌ علمائنا بها، و يقرأون‌ أدعيتها و زياراتها، إذا أردتهم‌ أن‌ تحصوا صحيحها فقط‌ تجمعوه‌ من‌ بينها لكان‌ بحجم‌ كتاب‌ صفير، مثل‌ كتاب‌ «معالم‌ الاُصول‌» الذي‌ تستطيعون‌ حمله‌ في‌ جيوبكم‌. امّا الباقي‌ من‌ هذه‌ الروايات‌ فهي‌ التي‌ لم‌ يكن‌ رواتها عدولاً أرتقات‌، غاية‌ الامر أنّ الاصحاب‌ تلقّوها بالقبول‌ و عملوا بها، و كانوا بأنفسهم‌ يقرأون‌ هذه‌ الادعيّة‌ و يرونها للآخرين‌.

 كما انّ نفس‌ هذه‌ «الصحيفة‌ السجّاديّة‌» أنّه‌ يمكن‌ القول‌ أنّها تحمل‌ أفضل‌ أوعيتنا، لكنّ سندها ليس‌ علي‌ درجة‌ كبيرة‌ من‌ الصحّة‌.

 فإذا أردنا إذن‌ أن‌ نعمل‌ بهذا القسم‌ فقط‌، و نأخذ بالروايات‌ الصحيحة‌ فقط‌، فانّ شيئاً لن‌ ينبقي‌ في‌ أيدينا. و دليلنا أيضاً علي‌ العمل‌ بها ـ أي‌ بالروايات‌ الضعيفة‌ ـ هو أنّ مبنانا و مناطنا في‌ العمل‌ بها هو الوثوق‌، فحيثما حصل‌ الوثوق‌ برواية‌ ما كانت‌ حجّة‌، و حيثما فقد هذا الوثوق‌ تجاه‌ خبر ما كان‌ مردوداً، حتّي‌ لو كان‌ رواية‌ ثقّةً و عادلاً.

 و لذا فانّ نتيجة‌ البحث‌ في‌ هذا المقام‌، و في‌ بحث‌ الخبر الواحد، و كذلك‌ في‌ بقيّة‌ الموارد التي‌ يبحث‌ فيها في‌ هذا الموضوع‌، هو العمل‌ بالاخبار المنجبرة‌ بالشهرة‌ و الإعراض‌ عن‌ الاخبار التي‌ لم‌ يعمل‌ بها الاصحاب‌. و النتيجة‌ الحاصلة‌ من‌ الابحاث‌ الواردة‌ في‌ حجيّة‌ خبر الواحد توصلنا الي‌ هذه‌ الغاية‌.

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ الشيخ‌ حسين‌ الحلّي‌ّ في‌ مناط‌ قوّة‌ مقبولة‌ عمر بن‌ حنظلة‌ وما شابهها

 و الآن‌ و قد انجرّ الكلام‌ الي‌ هذا الموضع‌ فانّ من‌ المناسب‌ أن‌ ننقل‌ كلاماً عن‌ اُستاذنا الكبير في‌ الفقه‌ و الاُصول‌ في‌ النجف‌ الاشرف‌ ءاية‌ الله‌ الشيخ‌ حسين‌ الحلّيّ رحمة‌ الله‌ عليه‌ رحمة‌ واسعة‌.

 (لقد كان‌ رحمة‌ الله‌ ءاية‌ الهية‌ حقّاً، و علماً من‌ أعلام‌ العلم‌ و التقوي‌ و الدراية‌؛ و شبيه‌ العلاّمة‌ الحلّيّ في‌ سعة‌ العلم‌ و الاطّلاع‌ علي‌ التحقيق‌، و لم‌ يكن‌ مثيل‌ في‌ النجف‌ في‌ الفقه‌ و الاُصول‌، بل‌ انّني‌ عندما وردت‌ النجف‌ الاشرف‌ و فحصت‌ و حقّقت‌ في‌ جميع‌ الابحاث‌ الموجودة‌، و لو لم‌ يكن‌ الشيخ‌ حسين‌ الحلّيّ موجوداً لكنت‌ رجعت‌ الي‌ قم‌ للاستفادة‌ من‌ بحث‌ ءاية‌ الله‌ البروجردي‌ رضوان‌ الله‌ عليه‌. لكنّي‌ رأيت‌ أنّه‌ رجل‌ عالم‌ موزون‌ و قوّي‌، و لذا رجّحت‌ النجف‌ علي‌ قم‌ في‌ مرحلة‌ الدراسة‌ العليا. و قد كتبت‌ تقريرات‌ دروسه‌، و منها رساله‌ في‌ بحث‌ الإجتهاد و التقليد موجودة‌ عندي‌ بتقريري‌).

 فهو يصل‌ بالمناسبة‌ أثناء البحث‌ عن‌ مسألة‌ التجزيّ في‌ الاجتهاد إلي‌ هنا حيث‌ يقول‌: و نشرع‌ الآن‌ فيما يتوقّف‌ عليه‌ الإجتهاد فنقول‌: قيل‌ إنّ الإجتهاد يتوقّف‌ علي‌ عدّة‌ علوم‌: علم‌ اللغة‌ و الصرف‌ و النحو و العلوم‌ الثلاثة‌ (المعاني‌، و البيان‌، و البديع‌) و ذلك‌ لانّه‌ توجد في‌ هذه‌ العلوم‌ نكات‌ تقوّي‌ المجتهد و تعينه‌ علي‌ استنباط‌ الاحكام‌. ثمّ يقول‌:

 واعلم‌: أنّ هذه‌ الاُمور ممّا لابدّ منها، و لابدّ للمتعلّم‌ المريد للاجتهاد أن‌ يتعلمّها حقّ التعلّم‌ بحيث‌ يصير مجتهداً في‌ هذه‌ العلوم‌؛ و لا يكتفي‌ بقراءة‌ كتاب‌ صرف‌ و نحو. هذا مضافاً إلي‌ مدخلية‌ هذه‌ العلوم‌ لعلم‌ الاُصول‌ أيضاً؛ لما فيه‌ من‌ روايات‌ لايتّضح‌ المراد منها إلاّ بالتعلّم‌ في‌ هذه‌ العلوم‌.

 و كذلك‌ فإنّ المجتهد يحتاج‌ الي‌ علم‌ التفسير و الإحاطة‌ بمعاني‌ كتاب‌ الله‌ إذ أنّ اجتهاده‌ متوقّف‌ عليه‌. و أمّاً فصل‌ علم‌ التفسير عن‌ الصرف‌ و النحو و اللغة‌، فغير صحيح‌، و أنّما التفسير عبارة‌ عن‌ مجموعة‌ من‌ العلوم‌ المدوّنة‌ و المنظّمة‌ في‌ كتاب‌ واحد، فيصبح‌ أن‌ يسمّي‌' بدائرة‌ المعارف‌. نعم‌ لابدّ أن‌ يرجع‌ المجتهد الي‌ الروايات‌ الواردة‌ في‌ معاني‌ الآيات‌ للخروج‌ عن‌ التفسير بالرأي‌؛ لكنَّ هذا إنّما رجوع‌ بالروايات‌، لا بكتاب‌ الله‌. إلي‌ أن‌ يصل‌ الي‌ قوله‌:

 و أمّا علم‌ الرجال‌ فلا فائدة‌ فيه‌ في‌! زماننا هذا أصلاً؛ لانّه‌ بعد كون‌ المدار في‌ الجيّة‌ الروايات‌ هو الوثوق‌ بالرواية‌، قلَّت‌ فائدة‌ الإحاطة‌ بالاسانيد.

 و ذلك‌ لانّا إذا رأينا أنّ المشهور عملوا علي‌ طبق‌ رواية‌ و ضبطوها في‌ كتبهم‌ و استشهدوا بها في‌ مقام‌ الاستدلال‌، يحصل‌ لنا الوثوق‌ بصحّتها و كونها مرويّة‌ عن‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌، و إذا اُعرضوا عن‌ رواية‌ فأهملوها لانثق‌ بها و إن‌ كان‌ سندها صحيحاً.

 نعم‌، في‌ سالف‌ الزمان‌ لمّا كانت‌ الروايات‌ مُتشَّتتة‌ غير مضبوطة‌ في‌ الكتب‌، لم‌ يكن‌ سبيل‌ لتميز الصحيح‌ عن‌ السقيم‌ إلاّ المراجعة‌ بأحوال‌ الرواة‌؛ و أمّاً بعد الكتب‌ الاربعة‌ و سائر المجاميع‌ و ملاحظة‌ الكتب‌ الفقهيّة‌، فلا مجال‌ لإدّعاء الاحتياج‌ الي‌ الاسانيد. و هذا واضج‌ علي‌ ما بنينا عليه‌، و لابدّ أن‌ يُبني‌' عليه‌ في‌ حجيّة‌ الخبر الواحد من‌ حجيّة‌ الخبر الضعيف‌ المنجبر بالشهرة‌ و عدم‌ حجيّة‌ الخبر الصحيح‌ المعرض‌ عنه‌ الاصحاب‌.

 و شاهدنا في‌ عبارته‌ هذه‌ التي‌ تتحق‌ الإلتفات‌ حيث‌ يقول‌:

 و لذلك‌ تري‌ أنّه‌ لايتمكّن‌ أحد من‌ ردّ مقبولة‌ عمر بن‌ حنظلة‌، و لم‌ يستشكل‌ فيها أحد في‌ السند، مع‌ أنّ عمربن‌ حنظلة‌ لم‌ يوثّق‌ في‌ كتب‌ الاصحاب‌. و من‌ ادّعي‌ عدم‌ حجيّة‌ المقبولة‌ و ما ضاهاها من‌ روايات‌ كتبها المشايخ‌ الثلاثة‌ أو بعضهم‌، فلابدّ و أن‌ يخرج‌ من‌ زمرة‌ أهل‌ العلم‌، لعدم‌ شمّه‌ من‌ الفقه‌ و الفقاهة‌ أصلاً.

 كان‌ هذا بحثنا حول‌ المقبولة‌، و في‌ سندها.

 الرجوع الي الفهرس

لزوم‌ إلغاء الخصوصيّة‌ في‌ المقبولة‌ وتعميمها إلي‌ أمر الولاية‌ والإفتاء

 و أمّا البحث‌ في‌ دلالتها فكما قد بيّنا، انّ دلالة‌ هذه‌ الرواية‌ علي‌ حجيّة‌ قول‌ الفقيه‌ في‌ المراتب‌ الثلاث‌، أي‌ في‌ مرتبة‌ الإفتاء و مرتبة‌ القضاء أيضاً و كذلك‌ مرتبة‌ الحكومة‌ تامّة‌، لانّ كلّ من‌ ينظر في‌ هذه‌ الرواية‌ لايري‌ دخالة‌ خصوصيّة‌ المورد في‌ الحكم‌. و بإلغاء خصوصية‌ المورد و الذي‌ هو أيضاً علي‌ أساس‌ الفهم‌ العرفي‌ يفهم‌ أنّ هذه‌ المناصب‌ هي‌ لواجدي‌ شرائطها في‌ الواقع‌، سواء كان‌ هناك‌ مراجعة‌ بعنوان‌ الإحتكام‌ أم‌ لم‌ يكن‌، و سواء كان‌ هناك‌ نزاع‌ بين‌ شخصين‌ أم‌ لم‌ يكن‌.

 فذلك‌ الشخص‌ الواجد لهذه‌ الشرائط‌ قد نصبه‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ لتدبري‌ اُمور الناس‌. و مع‌ كون‌ السؤال‌ عن‌ الدين‌ و الميراث‌ في‌ صدر الرواية‌ «رَجُلَيْنِ مِن‌ أَصْحَابِنَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ مُنَازَعَةٌ فِي‌ دِينٍ أَوْ مِيرَاثٍ» فهل‌ يمكننا القول‌ بأنّ الرجوع‌ إلي‌ الحاكم‌ الشرعي‌ منحصر في‌ خصوص‌ الدَين‌ و الميراث‌ فقط‌ ؟ و إذا كان‌ نزاعهم‌ حول‌ شي‌ء آخر كمعاملة‌ سَلَف‌ و سَلَم‌ فلا يمكنهم‌ الرجوع‌ إليه‌ لانّ مورد الرواية‌ الدَين‌ و الميراث‌، فهل‌ يفهم‌ أحد هذا المعني‌ أساساً ؟! و هل‌ هذا قابل‌ للقبول‌ ؟!

 أم‌ أنّه‌ يجب‌ أن‌ نتوصّع‌ و نقول‌ أنّ الامر أعمّ من‌ الديون‌ و غيرها، فول‌ تنازع‌ الرجل‌ مع‌ امرأته‌ أمر نكاح‌ أو طلاق‌، مع‌ أنّه‌ من‌ المسلّم‌ أنّها ليست‌ من‌ الامور الماليّة‌، أفلا يجب‌ الرجوع‌ الي‌ الحاكم‌ الشرعي‌ ؟!

 بل‌ يجب‌ التوسّع‌ في‌ الامر و القول‌ بأنّه‌ اذا حصل‌ نزاعٌ ما في‌! جميع‌ الاُمور المتعلّقة‌ بالمعاملات‌ و السياسات‌ فانّ المرجع‌ هو الحاكم‌ الشرعي‌، أو أن‌ نتوسّع‌ أكثر من‌ هذا فنقول‌: أفهل‌ يصحّ الرجوع‌ الي‌ السلطان‌ او قضاته‌ إذا حصل‌ نزاع‌ في‌ مطلب‌ علمي‌ (في‌ أمر علمي‌، تفسيري‌، روائي‌، و سنّتي‌) أم‌ لا ؟

 لقد كان‌ جواب‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بالنفي‌، و أنّه‌ يجب‌ عليكم‌ الرجوع‌ في‌ هذه‌ الموارد الي‌ الفقهاء.

 و عليه‌ فالإمام‌ عليه‌ السلام‌ لايريد بيان‌ هذا الحكم‌ في‌ خصوص‌ مورد من‌ هذه‌ الموارد، بل‌ أنّه‌ يريد أن‌ يقول‌: إنّ مرجعكم‌ و مصدركم‌ أيّها الشيعة‌ في‌ جميع‌ هذه‌ الاُمور يجب‌ أن‌ يكون‌ الفقيه‌. سواء كان‌ عنوان‌ الحكومة‌ موجوداً أم‌ لم‌ يكن‌ و سواء كان‌ عنوان‌ «جعلته‌ حاكماً» أم‌ لم‌ يكن‌، فضعوا انتم‌ مكانه‌: جعلته‌ ملجأً، أو جعلته‌ فَرَطاً، أو مرجعاً و مصدراً للاُمور.

 إذن‌ فنحن‌ لانستطيع‌ أن‌ نحصر عنوان‌ هذه‌ الرواية‌ في‌ خصوص‌ عنوان‌ «الحكومة‌» بأي‌ وجه‌ من‌ الوجوه‌. أي‌ انّنا نريد القول‌ باننا اذا سلّمنا هذه‌ الرواية‌ للعرف‌ فان‌ العرف‌ لن‌ يفهم‌ العموميّة‌ و الشمول‌ بتنقيح‌ المناط‌ و من‌ مفهومها فحسب‌، بل‌ من‌ منوطقها أيضاً، فيلغي‌ الخصوصيّة‌ فيها، لا أنّه‌ يفهم‌ خصوص‌ معني‌ الحكومة‌ منها.

 انظُرُوا إلي‌ مَنْ كَانَ مِنكُمْ قَدْ رَوي‌ حَدِيثَنَا، و نَظَرَ فِي‌ حَلاَلِنَا وَ حَرَامِنَا، وَ عَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَأرْضَواْ بِهِ حَكَماً ! فَإنِّي‌ قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَیكُمْ حَاكِماً» يعني‌: انْظُرُوا إلَی‌ مَنْ رَوَي‌ حَدِيثَنَا وَ نَظَرَ فِي‌ حَلاَلِنَا وَ حَرَامِنَا وَ عَرَفَ أَحْكَامَنَا فَارْضَوْا بِهِ مَرْجِعاً وَ مَلاَذَاً وَ مَصْدَراً وَ فَرَطاً لاِمُورِكُمْ، فَإنّي‌ قَدْ جَعَلْتُهُ مَصْدَراً فَقِيهاً، و يجب‌ الرجوع‌ اليه‌ من‌ جميع‌ الاُمور.

 إذن‌ لاينبغي‌ أن‌ نقول‌ أنّ جملة‌ «وَ إِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا» تَختصّ بمورد الحكومة‌، بل‌ هي‌ أعممّ. سواء كان‌ عنوان‌ الحكومة‌ أم‌ عنوان‌ آخر. و لذا لو رجعتم‌ أنتم‌ إلي‌ مرجع‌ أيضاً. و سألتموه‌ مسألةً، فقام‌ ببيان‌ الحكم‌ لكم‌ فانّ عليكم‌ اتّباعه‌، و إلاّ شملتكم‌ «فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْه‌ فَإِنّما بِحُكْمِ اللَهِ قَدْ اسْتَخَفّ وَ عَلَینَا رَدّ، والرَّادُّ عَلَینَا الرَّادُّ عَلَی‌ الله‌».

 فالكلام‌ في‌ هذا، أنّه‌ يستفاد من‌ هذه‌ الرواية‌ إلغاء الخصوصيّة‌، و يجب‌ أن‌ يُستفاد هذا أيضا، و ذلك‌ لانّه‌ إذا لم‌..... الخصوصيّة‌ فلا يجب‌ أن‌ نعمّم‌، و لا أحد يقول‌ بهذا. من‌ أنّه‌ كان‌ لدينا نزاع‌ في‌ مورد الدّين‌ و الميراث‌ فانّ بامكاننا في‌ هذه‌ الحالة‌ فقط‌ الرجوع‌ إلي‌ الحاكم‌، أما إذا لم‌ يكن‌ نزاعنا في‌ دين‌ أو ميراث‌، بل‌ كان‌ في‌ معاملة‌ محاباةٍ أو صلح‌ أو هبة‌ معوّضة‌ فلا حقَّ لنا بالرجوع‌. فهذا المعني‌ (الخصوصيّة‌) مُلغي‌ بشكل‌ مسلّم‌. و قد استشهد العلماء و استدلّوا بهذه‌ الرواية‌ للمراتب‌ الثلاثة‌، و قاموا بإثبات‌ حجيّتها في‌ المراتب‌ الثلاثة‌ من‌ خلال‌ إلغاء الخصوصيّة‌ فيها.

 و قد استشكل‌ البعض‌ هنا حول‌ إلغاء الخصوصيّة‌ بأنّ هذا الحكم‌ في‌ مورد المنازعة‌ فقط‌. و ينبغي‌ القول‌ جواباً علي‌ ذلك‌ أنّه‌ كما قلنا بإلغاء الخصوصيّة‌ بالنسبة‌ الي‌ عبارة‌ «دين‌ أو ميراث‌» فانّنا كذلك‌ نقوم‌ بإلغاء الخصوصيّة‌ بالنسبة‌ الي‌ عبارة‌ «تنازعا»، و ذلك‌ لانّ المنازعة‌ ليس‌ لها أي‌ مدخلية‌ في‌ الحكم‌.

 و إنّما الإمام‌ عليه‌ السلام‌ يريد أن‌ ينهي‌' عن‌ الرجوع‌ إلي‌ السلطان‌ أو قضائه‌، سواء كان‌ هناك‌ نزاع‌ بين‌ شخصين‌ أم‌ استحدثت‌ مسألة‌ لشخص‌ منّكم‌ و أراد الذهاب‌ إلي‌ السلطان‌ أو القاضي‌ لكي‌ يطرح‌ مسألته‌ و ياخذ الحلّ، فذلك‌ أيضاً غير جائز، و إنّما يجب‌ عليه‌ أن‌ يرجع‌ الي‌ رواة‌ الاحاديث‌. فكما انّ مراجعة‌ شخصين‌ أو شخص‌ واحد لم‌ تكن‌ مناطاً فكذلك‌ نفس‌ المنازعة‌ ليست‌ بمناط‌، و عليه‌ لايبقي‌ من‌ طريق‌ إلاّ إلغاء الخصوصيّة‌.

 فالإمام‌ يقول‌ هنا: لقد نصبت‌ لكم‌ ذلك‌ الشخص‌ الذي‌ «رَوَي‌ حَدِيثَنَا، وَ نَظَر فِي‌ حَلاَلِنَا وَ حَرَامِنَا» مرجعأ في‌ الاُمور، حتّي‌ لو كان‌ ذلك‌ في‌ اُموركم‌ الشخصيّة‌ و في‌ أسئلتكم‌ الشخصيّة‌. إذن‌ فكما أنّ حكم‌ الحاكم‌ بين‌ شخصين‌ واجب‌ التنفيذ، فكذلك‌ هو نافذ في‌ حقّ الشخص‌ الواحد. و كذلك‌ فان‌ الرجوع‌ إلي‌ حاكم‌ الشرع‌ واجب‌ أيضاً و لم‌ يكن‌ هناك‌ عنوان‌ منازعة‌، و ذلك‌ لانّ الإمام‌ عليه‌ السلا قد نصبه‌ في‌ مقابل‌ الحكّام‌ و القضاة‌ و السلطان‌. و لقد كان‌ هذا هو البحث‌ عن‌ مقبولة‌ عمربن‌ حنظلة‌.

 الرجوع الي الفهرس

 رواية‌ أبي‌ خديجة‌ الاُولي‌ عن‌ «الكافي‌» و«التهذيب‌» عن‌ الحسن‌ بن‌ علي‌ّ

الرواية‌ الثانيّة‌: هي‌ الرواية‌ التي‌ نقلها المشايخ‌ الثلاثة‌ في‌ كتبهم‌، يعني‌ «فروع‌ الكافي‌» و «التهذيب‌» و «من‌ لايحضره‌ الفقيقه‌».

 و روي‌ في‌ كتاب‌ القضاء من‌ «الكافي‌» بهذا السند: الحسين‌ بن‌ محمّد، عن‌ مُعلّي‌' بن‌ محمّد، عن‌ الحسن‌ بن‌ عليّ، عن‌ أبي‌ خديجة‌، قال‌: «قَالَ أبو عَبْدِاللَهِ عَلَیهِ السلام‌: إيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بِعْضُكُمْ بَعْضاً إلَي‌ أَهْلِ الجَوْرِ ! وَ لَكِنِ انْظُرُوا إلَي‌ رَجُلٍ مِنْكُم‌ يَعْلَمُ شَيئاً مِن‌ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ، فَانِّي‌ قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكُمُوا إلَيْهِ». [4]

 و قد أورد الشيخ‌ عين‌ هذه‌ الرواية‌ بنفس‌ السند و بنفس‌ المتن‌ في‌ «التهذيب‌» بلفظ‌ (قضايانا) بدلاً من‌ (قضائنا)، أي‌ انّه‌ أورده‌ بلفظ‌ «انْظُرُوا إلَي‌ رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيئاً مِنْ قَضَايَانَا». [5]

 و قد روي‌ الصدوق‌ أيضاً هذه‌ الرواية‌ عن‌ الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ في‌ «من‌ لايحضره‌ الفقيه‌»، بسند ءاخر، عن‌ أحمد بن‌ عائذ، عن‌ أبي‌ خديجة‌، و بنفس‌ هذا المتن‌، بلفظ‌ «قضايَانَا» كما في‌ «التهذيب‌»[6] (م‌) هذه‌ إحدي‌' روايتي‌ أبي‌ خديجة‌.

 و هناك‌ رواية‌ اُخري‌ منقولة‌ عن‌ أبي‌ خديجة‌. و بما أنّ بحثنا في‌ كلتا الروايتين‌ واحد فمنقل‌ هذه‌ الرواية‌ أيضاً، و حينئذ نبحث‌ عن‌ الاثنتين‌.

 الرجوع الي الفهرس

رواية‌ أبي‌ خديجة‌ الثانية‌ عن‌ «وسائل‌ الشيعة‌» عن‌ الشيخ‌ الطوسي‌ّ عن‌ أبي‌ الجهم‌

 نقل‌ الرواية‌ الثانية‌ الشيخ‌ الحرّ العامليّ، عن‌ محمّد بن‌ الحسن‌ (الشيخ‌ الطوسي‌) بإسناده‌: عن‌ محمّد بن‌ عليّ بن‌ محبوب‌، عن‌ أحمد بن‌ محمّد، عن‌ الحسين‌ بن‌ سعيد، عن‌ أبي‌ الجهم‌، عن‌ أبي‌ خديجة‌.

 «قَالَ: بَعَثَنِي‌ أَبُو عَبْدِاللَهِ عَلَیهِ السَّلاَمُ إلَي‌ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِيَّاكُمْ إذا وَقَعَتْ بَيْنُكُمْ خُصُومَةٌ، أوْ تَدَارَي‌ فِي‌ شَي‌ءٍ مِنَ الاْخْذِ وَ الْعَطَاءِ، أنّ تُحَاكُموا إلَي‌ أَحَدٍ مِنْ هؤلإ الفُسِّاقِ ! اجعَلُوا بَيْنَكُمْ رَجُلاً قَدْ عَرَفَ حَلاَلَنا وَ حَرَامَنَا، فَإنِّي‌ قَدْ جَعَلْتَهُ عَلَیكُمْ قَاضِياً. وَ إِيَاكُمْ أَنْ يُخَاصِمَ بَعْضَكُمْ بَعْضاً إلَي‌ السَّلْطَانِ الْجائِر!».[7]

 تَدَارأَ: أي‌ دَفَعَ بَعضُكُم‌ بَعْضَاً.

 و قد نقل‌ المرحوم‌ «الكَين‌» هذه‌ الرواية‌ في‌ كتاب‌ «القضاء» [8]

 و نقل‌ أيضاً المرحوم‌ النراقي‌ قسماً منها في‌ «المستند»[9]

 أمّا المرحوم‌ الكَني‌ فقد أوردها بلفظ‌ «تَرَادَي‌» بدلاً من‌ «أَو تَدَارَي‌ بَيْنَكُمْ فِي‌ شَي‌ءٍ». و ترادي‌' بمعني‌ المجادلة‌ في‌ الكلام‌ [10] أي‌ أنّه‌ إذا حصل‌ بينكم‌ اختلاف‌ في‌الكلام‌ فم‌ يجوز لكم‌ الرجوع‌ الي‌ السلطان‌ الجائر.

 نقل‌ صاحب‌ المستند هذين‌ الروايتين‌، و عدَّ كلا منهما صحيحة‌، ثمّ قال‌:

 و وصف‌ الروايتين‌ بعدم‌ الصحّة‌ ـ مع‌ أنّه‌ غير ضائر عندنا مع‌ وجودهما في‌ الاُصول‌ المعتبرة‌، و إنجبارها بالإجماع‌ المحقّق‌ و المحكيّ مستفيضاً و في‌ «المسالك‌»: إِنَّهُما و المقوبلة‌ الآتية‌ مشتهران‌ بين‌ الاصحاب‌، متّفق‌ علي‌ العمل‌ بمضمونها ـ غير جيد. لانّ أولاهما رواها في‌ «الفقيه‌، عن‌ أحمد بن‌ عائذ، عن‌ أبي‌ خديجة‌، و طريق‌ «الفقيه‌» إلي‌ أحمد صحيح‌ كما صرّح‌ به‌ في‌ «الروضة‌» و أحمد نفسه‌ موثّق‌ إمامي‌.

 و أمّا أبو خديجة‌ و هو سالم‌ بن‌ مُكْرَم‌  [11]، و إن‌ ضعّفه‌ الشيخ‌ في‌ موضع‌ و لكن‌ وثّقه‌ في‌ موضعٍ آخر، و وثّقه‌ النجاشي‌. و قال‌ حسن‌ بن‌ عليّ بن‌ الحسن‌ [12] كان‌ صالحاً. و عَدَّ في‌ «المختلف‌» في‌ باب‌ الخمس‌ روايته‌ من‌ الصحاح‌.

 و قال‌ الإسترآبادي‌ في‌ كتابه‌ «الرجال‌» الكبير في‌ حقّه‌: فالتوثيق‌ أقوي‌.[13]

 هذه‌ هي‌ عبارة‌ المرحوم‌ الحاج‌ الملاّ أحمد النراقي‌ في‌ «المستند» و محصّل‌ كلامه‌ انّ كلتا الروايتان‌ صحيحتان‌، و يجب‌ العمل‌ بهما. و إشكال‌ البعض‌ في‌ عدم‌ صحّتها غير صحيح‌. و أنّ ما يذكره‌ من‌ أدلّة‌ تدلّ علي‌ أنّ كلتا الروايتين‌ صحيحتان‌ و يجب‌ العمل‌ بهما، و أنّ وصفهما بعدم‌ الصحّة‌ غير صحيح‌.

 ثمّ يذكر شواهد عي‌ صحّد هاتين‌ الروايتين‌.

 أوّلاً: إنّ خبر أبي‌ خديجة‌ المذكور في‌ الاُصول‌ المعتبرة‌ منجبر بالإجماع‌ المحقّق‌، و كذلك‌ بالإجماع‌ المحكي‌ المستفيض‌ (أي‌ قد نُقل‌ الإجماع‌ بشكل‌ مستفيض‌ لابواسطة‌ شخص‌ أو شخصين‌) فهناك‌ اجماع‌ محقق‌ و اجماع‌ محكي‌ مستفيض‌.

 و قال‌ الشهيد الثاني‌ في‌ مسالكه‌: إنّ روايتي‌ أبي‌ خديجة‌ مع‌ المقبولة‌ السابقة‌ مشتهران‌ بين‌ الاصحاب‌ و متّفق‌ علي‌ العمل‌ بمضمونها و عيه‌ فنحن‌ لانستطيع‌ أن‌ نعدّ هاتين‌ الروايتين‌ ضعيفتين‌.

 ثانياً: الرواية‌ الاولي‌ التي‌ نقلت‌ في‌ «من‌ لايحضره‌ الفقيه‌» مرويّة‌ عن‌ أحمد بن‌ عائذ، عن‌ أبي‌ خديجة‌، و طريق‌ الشيخ‌ الصدوق‌ في‌ «من‌ لايحضره‌ الفقيه‌» إلي‌ أحمد بن‌ عائذ طريق‌ صحيح‌، كما صرّح‌ بذلك‌ في‌ الروضة‌ بأنّ المرحوم‌ الصدوق‌ عندما يذكر خرقه‌ في‌! المشيخة‌، فذلك‌ الطريق‌ الذي‌ له‌ الي‌ أحمد بن‌ عائذ طريق‌ صحيح‌، و نفس‌ أحمد بن‌ عائذ موثّق‌ إمامي‌ (فهو إذن‌ إمامي‌ و في‌ نفس‌ الوقت‌ موثّق‌) و قد وثّقه‌ كبار علماء الرجال‌.

 و أمّا نفس‌ أبي‌ خديجة‌ و الذي‌ اسمه‌ سالم‌ بن‌ مُكْرَم‌ فقد ضعّفه‌ الشيخ‌ الطوسي‌ في‌ موضع‌ و وثقه‌ في‌ موضع‌ آخر. و وثقه‌ النجاشي‌ أيضاً. و عدّه‌ الحسن‌ بن‌ عليّ بن‌ الحسن‌ صالحاً. و عدَّ العلاّمة‌ في‌ «المختلف‌» في‌! باب‌ الخمس‌ رواياته‌ من‌ الصحاح‌. و قال‌ الاسترابادي‌ أيضاً في‌ «رجاله‌» الكبير: فالتوثيق‌ أقوي‌.

 تحقيق‌: إنّ ما ذكرته‌ في‌ «رسالة‌ بديعة‌» في‌ هذا المورد هو: إنّ أبا خديجة‌ هو سالم‌ بن‌ مكرم‌ الجمّال‌ الكوفيّ، مولي‌ بني‌ أسد، و قد يكنّي‌ بأبي‌ سلمة‌، ثقة‌، روي‌ عن‌ أبي‌ عبدالله‌ و أبي‌ الحسن‌ عليهما السلام‌. و له‌ كتاب‌ يرويه‌ عنه‌ عدّة‌ من‌ أصحابنا.

 هذا فيما يتعلّق‌ بترجمة‌ حال‌ أبي‌ خديجة‌.

 الرجوع الي الفهرس

اشتباه‌ الشيخ‌ في‌ تضعيف‌ أبي‌ خديجة‌ واشتباه‌ العلاّمة‌ في‌ تردّده‌

 و يجب‌ الآن‌ أن‌ نفهم‌ السبب‌ في‌ أنّ الشيخ‌ قد ضعّفه‌ في‌ بعض‌ الموارد ثمّ وثّقه‌، و ذلك‌ لانّ هذا الامر قد سبّب‌ تردّد العلاّمة‌. قال‌ العلاّمة‌ في‌ الخلاصة‌: بما أنّ الشيخ‌ ضعّفه‌ في‌ مورد و وثّقه‌ في‌ موردٍ آخر، فبناءً عليه‌ عندي‌ توقّف‌ حوله‌. أي‌ أنّه‌ عند ما يرد حول‌ شخص‌ توثيق‌ و تضعيف‌ معاً معندها يوجد رأيان‌ مختلفان‌ حوله‌، فعلي‌ الإنسان‌ عندئذ أن‌ يتوقّف‌، و لذا توقّف‌ العلاّمة‌ هنا أيضاً و يجب‌ القول‌ أنّ السب‌ في‌ تضعيف‌ الشيخ‌ له‌ هو انّ اشتباهاً قد حصل‌ للشيخ‌، أي‌ أنّ الشيخ‌ الطوسي‌ قد اشتبه‌ هنا، و هذا الاشتباه‌ سبّب‌ تردّد العلاّمة‌، و مع‌ الإلتفات‌ الذي‌ نذكره‌ الآن‌ يتّضح‌ أنّ اشتباه‌ الشيخ‌ لا محلّ له‌، و انّ تردّد العلاّمة‌ علي‌ أساس‌ تضعيف‌ الشيخ‌ لا أساس‌ له‌ كذلك‌.

 و بيان‌ ذلك‌: إنّ أبا خديجة‌ الذي‌ هو محلّ بحثنا اسمه‌ سالم‌، و اسم‌ أبيه‌ مُكْرَم‌، فهو سالم‌ بن‌ مُكْرَم‌. و له‌ كُنية‌ اُخري‌ أيضاً و هي‌ «أبو سَلِمَة‌» بكسر اللام‌ كما انّ «اُمُّ سَلَمَة‌» بالفتحة‌ غلط‌ و «أُمُّ سَلِمَة‌» بالكسرةَ صحيح‌). إذن‌ إحدي‌ ما يكُنّي‌ به‌ أبو سَلَمةِ أيضا. و من‌ المتعارف‌ عند العرب‌ أن‌ يكون‌ للعبض‌ كنيتان‌، و قد كان‌ أبو خديجة‌ من‌ هذا القبيل‌، كُنيته‌ المشهورة‌ أبو خديجة‌، و لكنّه‌ يُدعي‌ أحياناً أبا سَلِمة‌.

 و عندنا شخص‌ آخر اسمه‌ سالم‌، و هو ابن‌ أبي‌ سَلِمَة‌، «سالِمُ بن‌ أبي‌ سَلِمَة‌»، و هو من‌ رجال‌ الرواية‌ و لكنّه‌ ضعيف‌، و قد ضعّفه‌ النجاشي‌ و الغضائري‌.

 و لقد خلط‌ المرحوم‌ الشيخ‌ الطوسي‌ بين‌ أبي‌ خديجة‌ الذي‌ كنيته‌ الاُخري‌ أبي‌ سَلِمَة‌ و اسمه‌ سالم‌ و بين‌ ذاك‌ سالم‌ الآخر الذين‌ هو ابن‌ أبي‌ سَلِمَة‌، و ظنَّ أنّ سالم‌ بن‌ مُكْرَم‌ الذي‌ هو أبو سَلِمَة‌ هو نفس‌ سالم‌ الذي‌ هو ابن‌ أبي‌ سَلِمَة‌. و بما أنّه‌ قد ضُعِّف‌ في‌ كتب‌ الرجال‌، فأبو خديجة‌ أيضاً قد ضُعّف‌ علي‌ هذا الاساس‌.

 الرجوع الي الفهرس

أبو خديجة‌ هو نفس‌ أبي‌ سَلِمَة‌: سَالِم‌ بن‌ مُكْرَم‌

 لقد اعتقد الشيخ‌ الطوسي‌ أنّ كلا الرجلين‌ رجل‌ واحد: و ظنّ أنّ أبا خديجة‌ هو سالم‌ بن‌ أبي‌ سَلِمَة‌. مع‌ أنّ الامر ليس‌ كذلك‌، و مع‌ انّه‌ هذا شخص‌ آخر مع‌ جميع‌ هذه‌ الخصوصيات‌ التي‌ ذُكرت‌، لم‌ يرد تضعيف‌ في‌ حقّه‌، بل‌ وثّقه‌ علماء الرجال‌. و الشاهد علي‌ هذا عدّة‌ اُمور:

 الاوّل‌: أنّه‌ قد ورد في‌ الرواية‌ اللطيفة‌ جدّاً و المذكورة‌ في‌ باب‌ «شراء العبدين‌ المأذونين‌ كلّ منهما الآخر» أنّه‌: إنّ عبدين‌ كان‌ كلاًّ منهما مأذوناً من‌ مولاه‌ بشراء عبد لمولاه‌. فقام‌ كلّ منهما بشراء الآخر لمولاه‌. يروي‌ هذه‌ الرواية‌ المرحوم‌ الكليني‌ في‌ «الكافي‌» عن‌ أبي‌ سَلِمَة‌، بينما يرويها الشيخ‌ الطوسي‌ في‌ «التهذيب‌» عن‌ أبي‌ خديجة‌. أي‌ أنّ أبا سَلِمَة‌ و أبا خديجة‌ هما شخص‌ واحد. و قد ذكره‌ أحدهما بكنية‌، و ذكره‌ الآخر بكُنية‌ اُخري‌.

 و الشاهد الآخر علي‌ أنّ الشيخ‌ قد اشتبه‌ هنا أنّه‌ قد صرّح‌ في‌ موضعين‌ من‌ عباراته‌ أنّ أبا خديجة‌ غير أبا سلمة‌، مع‌ أنّه‌ نفسه‌. و يُستفاد من‌ عبارة‌ الشيخ‌ الطوسي‌ اتّحادهما. و قد ضعّفه‌ و جرّحه‌ علي‌ أساس‌ الاتّحاد، لذا نذكر عين‌ عبارة‌ العالم‌ المعاصر الشيخ‌ محمّد تقي‌ الشوشتري‌ في‌ «رجاله‌» لكي‌ يتّضح‌ المطلب‌ أكثر.

 يقول‌ في‌ «قاموس‌ الرجال‌»: قَال‌ ] العلاّمة‌ في‌ [ «الخلاصة‌»: قال‌ الشيخ‌ ] في‌ موضع‌ [: إنّه‌ ضعيف‌؛ و قال‌ في‌ آخر: إنّه‌ ثقة‌؛ و الوجه‌ عندي‌: التوقّف‌ فيما يرويه‌ لتعارض‌ الاقوال‌ فيه‌. [14]

 ثمّ يقول‌ الشيخ‌ محمّد تقي‌ الشوشتري‌:

 ثُمّ لا وَجْهَ لاضطرابهم‌ فيه‌ بعد اتّفاق‌ النجاشي‌ و الكشي‌ علي‌ توثيقه‌ و تبجيله‌. و سقوط‌ تضعيف‌ الشيخ‌ له‌ بتعارض‌ توثيقه‌ له‌ معه‌ علي‌ نقل‌ «الخلاصة‌» مع‌ أنّ تضعيفه‌ منبيّ علي‌ زعمه‌ اتّحاده‌ مع‌ سالم‌ بن‌ أبي‌ سَلِمَة‌ المتقدّم‌ الذي‌ ضعّفه‌ الغضائري‌، و كذا النجاشي‌، بدليل‌ أنّه‌ قال‌: «و مُكْرَم‌ يُكنَّي‌ أبا سَلِمَة‌».

 و قال‌ فِي‌! ءاخر طريقه‌: عن‌ سالم‌ بن‌ أبي‌ سلمة‌، و هو أبو خديجة‌. (مع‌ أنّ سالم‌ بن‌ أبي‌ سلمة‌ ليس‌ أبا خديجة‌، بل‌ سالم‌ بن‌ مكرم‌ هو أبو خديجة‌) مع‌ أنّ غيره‌ جعل‌ سالماً هذا نفس‌ أبي‌ سلمة‌ لا ابنه‌.

 فقد عرفت‌ قول‌ المشيخة‌ و البرقي‌ و الكشيّ و النجاشيّ في‌ ذلك‌.

 و ممّا يوضح‌ كون‌ أبي‌ سلمه‌ كأبي‌ خديجة‌ نفس‌ هذا لا أباه‌، أنّ خبر شراء العبدين‌ المأذونين‌، كلّ منهما الآخر،رواه‌ ] في‌ [ التهذيب‌ عن‌ أبي‌ خديجة‌، والكافي‌ عن‌ أبي‌ سلمة‌.[15]

 فعلي‌ هذا و علي‌ أساس‌ هذا التحقيق‌ فأنّه‌ قد حصل‌ اشتباه‌ من‌ الشيخ‌ فقط‌، و سبّب‌ اشتباه‌ العلاّمة‌ و ردّده‌. و مجا أنّ هذا الاشتباه‌ لا أساس‌ له‌، فانّ تضعيف‌ الشيخ‌ أصلاً لا مبني‌' له‌. و أبو خديجة‌ رجلٌ إمامي‌ موثّق‌، و روايته‌ قابلة‌ للقبول‌ من‌ جميع‌ الجهات‌.

 إذن‌ هاتان‌ الروايتان‌ اللتان‌ ينقلهما عن‌ أبي‌ خديجة‌ صحيحتان‌ من‌ ناحية‌ السند، و كذلك‌ من‌ جهة‌ المتن‌ مثل‌ المقبولة‌، فكما أنّ في‌ المقبولة‌ قد ورد عنوان‌ الحكومة‌ و أمثالها، فهمنا أيضاً ورد عنوان‌ الحكومة‌ و القضاء. فالحكومة‌ و القضاء م‌توجب‌ خصوصيّة‌، فيجب‌ إلغاء الخصوصية‌ حتماً. و نستطيع‌ الاستدلال‌ بهذه‌ الرواية‌ في‌ القضاء و فصل‌ الخصومة‌، و كذلك‌ في‌ مسألة‌ الحكومة‌ و الولاية‌، و في‌ مسألة‌ الإفتاء و الفتوي‌ معاً.

 اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَی‌ مُحَمَّدٍ وَءَالِ مُحَمَّد

 الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] -خطلا: الکلام الکثیر الفسد الذی فیه خفه و حمق.

[2] -المنجبر: المصحح بعد الکسر.

[3]  ـ الآية‌  6 ، من‌ السورة‌  49: الحجرات‌

 [4] ـ «فروع‌ الكافي‌» ج‌  7 ، كتاب‌ القضاء، ص‌  412 ، حديث‌  4

 [5] ـ «التهذيب‌» ج‌  6 ، كتاب‌ القضايا و الاحكام‌، ص‌  19 ، حديث‌  8 ، تحت‌ رقم‌  516

[6] ـ «مَن‌ لايحضره‌ الفقيه‌» ج‌  3 ،   أبواب‌ القضايا و الاحكام‌، باب‌  1 ، ص‌  1  و  2

[7] «وسائل‌ الشيعة‌» طبع‌ أمير بهادر، ج‌  3  ، كتاب‌ القضاء، باب‌  11   من‌ أبواب‌ صفات‌ القاضي‌ و مايجوز أن‌ يقضي‌ به‌، حديث‌  6.

[8] ـ كتاب‌ «القضاء» الحاج‌ الملاّ عليّ الكَني‌، الطبعة‌ الحجرية‌، ص‌  12  و  13

[9] ـ «مستند الشيعة‌» ج‌  2  ، ص‌  516

[10] ـ جاء في‌ كتب‌ اللغة‌: تَدَارَأ، تَدَارُؤاً القومُ: تدافعوا في‌ الخصومة‌. و في‌ «أقرب‌ الموارد»: ترادوا بالحجارة‌: تراموابها و في‌ لسان‌ العرب‌ ! راديتُ لغة‌ في‌ داريت‌.

[11] ـ ذكر العلاّمة‌ خ‌ الخلاصة‌ سالم‌ بن‌ مكرم‌ بضم‌ «الميم‌ و سكون‌ الكاف‌ و فتح‌ الراء المهملة‌.» 

[12] ـ و قد ضبط‌ في‌ الكتب‌ الرجالية‌ ب  «ابي‌ الحسن‌ علي‌ بن‌ الحسن‌»

[13] ـ «المستند» ج‌  2 ، ص‌  516 

[14] ـ عبارة‌: «و الوجه‌ عندي‌...» عبارة‌ نفس‌ العلاّمة‌ في‌ «الخلاصة‌» الطعبة‌ الحجرية‌، ص‌  108

[15] ـ «قاموس‌ الرجال‌» ج‌  4 ، ص‌  297: نقلاً عن‌ «الرسالة‌ البديعة‌» الطبعة‌ الاُولي‌، ص‌ 91   إلي‌  93

 الرجوع الي الفهرس

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com