بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة حول مسألة روية الهلال / القسم الاول: موضوعیة الرؤیة لکل افق تناسب الشریعة السهلة، التنبیهات، الكلام‌ حول‌ الاستدلال‌...

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

الردّ علي‌ الاستدلال‌ لطريقيّة‌ الرؤية‌ بلزوم‌ القضاء يوم‌ الشكّ

 و أمّا الاستدلال‌ بطريقيّتها المحضة‌ من‌ ثبوت‌ لزوم‌ القضاء يوم‌ الشكّ الذي‌ أُفطر فيه‌ لعدم‌ طريق‌ له‌ إلي‌ ثبوت‌ الهلال‌، فتبيّن‌ بعد ذلك‌ بالبيّنة‌ أو الرؤية‌ ليلة‌ التاسع‌ والعشرين‌ من‌ صومه‌ وجود الشهر يوم‌ إفطاره‌؛ فيرد عليه‌ ما أوردنا سابقاً، من‌ أنّ الرؤية‌ أو البيّنة‌ ليلة‌ التاسع‌ والعشرين‌ كاشفة‌ عن‌ ثبوت‌ الفطر أوّلاً، وعن‌ ثبوت‌ الهلال‌ قبل‌ مضيّ تسعة‌ وعشرين‌ يوماً من‌ رؤيته‌ ثانياً.

 لانّ مبني‌ حجّيّة‌ الامارة‌ ليس‌ علي‌ التنزيل‌ أو علي‌ جعل‌ المؤدّي‌ منزلة‌ الواقع‌، بل‌ علي‌ ما هو المحقّق‌ في‌ الاُصول‌ وبني‌ عليه‌ مشايخنا المحقّقون‌ منهم‌ أُستاذنا العلاّمة‌ الخوئيّ أدام‌ الله‌ أيّام‌ بركاته‌، من‌ باب‌ تتميم‌ الكشف‌ الناقص‌ تعبّداً، وجعلها بمثابة‌ اليقين‌ في‌ عالم‌ الاعتبار؛ فإذاً نفس‌ الرؤية‌ الوجدانيّة‌ أو الرؤية‌ التعبّديّة‌ توجب‌ لنا قضاء يوم‌ الشكّ، لمكان‌ محرزيّتهما وكشفهما عن‌ ثبوت‌ الهلال‌ ليلة‌ الثلاثين‌ من‌ شعبان‌.

 وليس‌ هذا مجرّد إمكان‌ التنزيل‌ والحكومة‌ في‌ مقام‌ الثبوت‌ كما أُفيد، بل‌ الكافل‌ لهذه‌ الحكومة‌ والتنزيل‌ في‌ مقام‌ الاءثبات‌ هو نفس‌ أدلّة‌ حجّيّة‌ البيّنات‌.

 وقد ثبت‌ في‌ الاُصول‌ أنّ الامارت‌ والاُصول‌ التنزيليّة‌، لها حكومة‌ علي‌ العلم‌ الذي‌ أُخذ في‌ الموضوع‌ علي‌ وجه‌ الطريقيّة‌، بنفس‌ أدلّة‌ حجّيّتها.

 وأمّا ما أُفيد من‌ أنّ عنوان‌ الشهر الذي‌ أُنيط‌ به‌ الحكم‌ بوجوب‌ الصوم‌ أمر عرفيّ وليس‌ من‌ مستحدثات‌ الشارع‌، والشهر عند العرف‌ أمر واقعيّ ليس‌ للرؤية‌ دخل‌ فيه‌ إلاّ بنحو الطريقيّة‌ المحضة‌؛ فيرد عليه‌ أنّ للشارع‌ دخلاً في‌ الموضوعات‌ العرفيّة‌ التي‌ يريد أن‌ يرتّب‌ عليها الاحكام‌، بإدخال‌ بعض‌ القيود في‌ التوسعة‌ والتضييق‌. مثل‌ عنوان‌ السفر والحضر؛ فتصير حينئذٍ موضوعات‌ شرعيّة‌ لما يترتّب‌ عليها من‌ الاحكام‌.

 كما أنّ له‌ نصب‌ طريقٍ خاصّ بالنسبة‌ إلي‌ موضوع‌ واقعيّ خارجيّ، مثل‌ الاءقرار أربع‌ شهادات‌ أو شهادة‌ أربعة‌ شهود في‌ إثبات‌ الزنا، والاءقرار أو البيّنة‌ أو القسامة‌ مع‌ اللوث‌ في‌ إثبات‌ القتل‌، والحكم‌ بمضيّ شهادة‌ النساء في‌ ما يتعلّق‌ بهنّ وفي‌ الوصايا والاموال‌ دون‌ رؤية‌ الهلال‌.

 والشهر وإن‌ كان‌ موضوعاً خارجيّاً، وعنوانه‌ المحمول‌ عرفيّاً، إلاّ أنّ الشارع‌ نصب‌ طريقاً خاصّاً إلي‌ إحرازه‌ وهو الرؤية‌، ولا يرضي‌ بإحرازه‌ من‌ غير هذا الطريق‌.

 فلهذه‌ المناسبة‌ صارت‌ الرؤية‌ دخيلةً في‌ تحقّق‌ الشهر بما يرتِّب‌ عليه‌ الشارع‌ من‌ الاحكام‌، فتصير جزءاً للموضوع‌ علي‌ نحو الطريقيّة‌ الخاصّة‌ المعبّر عنها بالموضوعيّة‌ أو الصفتيّة‌.

 فيصير الشهر شهراً قمريّاً هلاليّاً شرعيّاً؛ في‌ قبال‌ الشهر القمريّ الحسابيّ، والشهر القمريّ الوَسَطيّ، والشهر القمريّ الهلاليّ الفلكيّ.

 فما تري‌ في‌ التقاويم‌ المدوّنة‌ المستنتجة‌ من‌ الزيجات‌ المستخرجة‌ من‌ الارصاد، من‌ تعيين‌ الشهور ومبادئها وخواتيمها؛ إنّما هي‌ الشهور الهلاليّة‌ النجوميّة‌، لا عبرة‌ بها عند الشارع‌.

 فالعبرة‌ بتحقّق‌ الرؤية‌ الخارجيّة‌ الفعليّة‌، وبها يصير الشهر هلاليّاً شرعيّاً تدور عليه‌ الاحكام‌.

الرجوع الی الفهرس

الكلام‌ حول‌ النقطة‌ الثانية‌

 وأمّا النقطة‌ الثانية‌؛ فنقول‌:

 قد برهنّا في‌ الموسوعة‌ الاُولي‌ علي‌ أنّ القمر في‌ مبادي‌ الشهور بعد خروجه‌ عن‌ المقارنة‌ وهي‌ المحاق‌، لابدّ وأن‌ يسير في‌ مداره‌ إلي‌ حدّ يصير قطره‌ المنوّر الهلاليّ قابلاً للرؤية‌، وهذه‌ المدّة‌ تسمّي‌ تحت‌ الشعاع‌.

 فإذا خرج‌ عن‌ هذا الحدّ يصير قابلاً للرؤية‌، لانّ المانع‌ منها ليس‌ إلاّ محق‌ نوره‌ تحت‌ احتجابه‌ عن‌ الشمس‌؛ فبخروجه‌ يرتفع‌ المانع‌، فيراه‌ كلّ أحد بعين‌ مجرّدة‌ عاديّة‌ في‌ أوّل‌ مبدأ الليل‌.

 ومسيره‌ هذا في‌ المدار لايقلّ من‌ اثنتي‌ عشرة‌ درجةً من‌ المقارنة‌، يطول‌ أربعاً وعشرين‌ ساعةً علي‌ أقلّ تقدير، وهو نصف‌ مجموع‌ حالة‌ المحاق‌ وتحت‌ الشعاع‌ كلاّ وهي‌ أربع‌ وعشرون‌ درجةً، البالغ‌ زمان‌ مكثه‌ ثمانياً وأربعين‌ ساعةً.

 فمدّة‌ زمان‌ الخروج‌ عن‌ الشعاع‌ هي‌ عين‌ زمان‌ سيره‌ في‌ المدار عن‌ المقارنة‌ وما في‌ حكمها في‌ محق‌ نوره‌. ولا يحتاج‌ بعد إلي‌ سيره‌ وبلوغه‌ في‌ الاُفق‌ مرتبةً يمكن‌ للعين‌ المجرّدة‌ رؤيته‌. وهذا واضح‌ لمن‌ له‌ أدني‌ خبرة‌ بعلم‌ النجوم‌.

 فالقمر بمجرّد خروجه‌ عن‌ الشعاع‌ يكون‌ قابلاً للرؤية‌ في‌ نقطة‌ ما، وهي‌ أقرب‌ أُفق‌ من‌ الآفاق‌ الارضيّة‌ بالنسبة‌ إليه‌ في‌ مغرب‌ الشمس‌ [ أي‌ ما كانت‌ الشمس‌ فيها في‌ حال‌ الاختفاء ] وقبله‌ لا يكون‌ قابلاً لها ولو بالآلات‌ والاجهزة‌.

 لانّ الآلات‌ لا تقدر علي‌ إرائة‌ الهلال‌ حال‌ كونه‌ تحت‌ الشعاع‌، بإرائة‌ القطر المنوّر الدقيق‌ جدّاً، ولا علي‌ إرائة‌ الهلال‌ الواقع‌ تحت‌ الاُفق‌.

 بل‌ إنّما تقدر علي‌ رفع‌ حجاب‌ الغيم‌ والاغبرة‌ الدخانيّة‌ والمائيّة‌ وما شابهها.

 فالحسابات‌ الفلكيّة‌ لتعيين‌ زمان‌ رؤية‌ القمر عند خروجه‌ عن‌ الشعاع‌، ليس‌ إلاّ لتعيين‌ زمان‌ ظهور الهلال‌ وتكوّنه‌ وبلوغه‌ مرتبةً قابلةً للرؤية‌ للعين‌ المجرّدة‌.

 وقد تبيّن‌ بما ذكرناه‌ أنّ كلّ ما أُفيد في‌ هذه‌ النقطة‌ ممّا لا طائل‌ تحته‌.

 هذا، ثمّ إنّ ما أوردناه‌ علي‌ الطريقيّة‌ المحضة‌ لرؤية‌ الهلال‌ إنّما هو علي‌ طريقيّتها المحضة‌ لهذه‌ المرتبة‌. فقد برهنّا علي‌ أنّ ما هو المستفاد من‌ الكتاب‌ والسنّة‌ والاءجماع‌ المدّعي‌، طريقيّتها المنحصرة‌ للهلال‌ البالغ‌ لهذه‌ المرتبة‌ القابل‌ للرؤية‌.

 ومعني‌ طريقيّتها الانحصاريّة‌، دخالتها في‌ ترتّب‌ الاحكام‌ الشرعيّة‌ بما هي‌ رؤية‌ وطريق‌ خاصّ وكاشف‌ مخصوص‌، وهذا عين‌ معني‌ الموضوعيّة‌.

الرجوع الی الفهرس

محطّ الطريقيّة‌ والموضوعيّة‌ كلتيهما هو كون‌ القمر قابلاً للرؤية‌

 ولم‌ نعطف‌ محطّ الطريقيّة‌ إلي‌ كون‌ الهلال‌ في‌ مرتبة‌ غير قابلة‌ للرؤية‌ ـ كحال‌ خروجه‌ عن‌ الشعاع‌ علي‌ ما تُوهّم‌ ـ ومحطّ الموضوعيّة‌ إلي‌ كونه‌ في‌ مرتبة‌ قابلة‌ لها؛ حتّي‌ يختلف‌ مورداهما كما أُفيد.

 بل‌ محطّهما علي‌ كلا المسلكين‌ واحد: إنّا برهنّا علي‌ كون‌ الهلال‌ طريقاً انحصاريّاً لدخول‌ الشهر إذا رئي‌ في‌ الاُفق‌، والاُستاذ ذهب‌ إلي‌ كونه‌ طريقاً محضاً إلي‌ خروجه‌ عن‌ تحت‌ الشعاع‌.

 ثمّ إنّ ما هو دخيل‌ في‌ الشهور، الرؤية‌ الفعليّة‌؛ وهي‌ الظاهرة‌ من‌ النصوص‌ والفتاوي‌ والاءجماع‌ المدّعي‌، وهي‌ محطّ النظر والآراء، والمعتمَد عليها عند الاصحاب‌ الاءماميّة‌ رضوان‌ الله‌ عليهم‌، وصريح‌ الشيخ‌ والفاضلَين‌ والجمهور. وأمّا الرؤية‌ التقديريّة‌ فهي‌ بمنزلة‌ العدم‌.

 فإذاً نلتزم‌ بعدم‌ دخول‌ الشهر ولو علم‌ بوجود الهلال‌ فوق‌ الاُفق‌ بالتطوّق‌ والارتفاع‌ ورؤية‌ ظلّ الرأس‌ وما شابهها ولو في‌ ما يوجب‌ العلم‌، وكذا بالقول‌ الرصديّ، وبالاجهزة‌ الحديثة‌ إذا خرقت‌ حجاب‌ الغيم‌، وبقول‌ معصوم‌ مفيد لليقين‌.

 لانّ المعصوم‌ لايخبرنا بدخول‌ الشهر مع‌ فرض‌ كونه‌ مترتّباً علي‌ الرؤية‌ ولمّا تتحقّق‌ ولمّا يتمّ الموضوع‌، بل‌ يخبرنا بوجود الهلال‌ فقط‌ بلا رؤية‌ علي‌ الفرض‌. فهو أيضاً لا يُرتّب‌ علي‌ نفسه‌ الاحكام‌ المترتّبة‌ علي‌ دخول‌ الشهر من‌ الصيام‌ ونحوه‌، مع‌ علمه‌ بوجود الهلال‌ وإخباره‌ لنا به‌، فكيف‌ بصيامنا ونحوه‌؛ ولا بُعد في‌ هذا.

 ومن‌ خالفكم‌، إنّما يخالف‌ في‌ كبري‌ المسألة‌؛ وأمّا الصغري‌ فكثيراً ما يحصل‌ العلم‌ بوجود الهلال‌ مع‌ الحسابات‌ الدقيقة‌ الرياضيّة‌ الهندسيّة‌ المساوقة‌ للبداهة‌ والوجدان‌، خصوصاً في‌ هذه‌ الآونة‌ التي‌ انتهت‌ دقّة‌ الحسابات‌ الرصديّة‌ إلي‌ الواحد من‌ عشرة‌ آلاف‌ جزء من‌ الثانية‌ (110000)

 تنبيه‌ وتبصرة‌: إنّ محطّ خلافنا الاصليّ مع‌ الاُستاذ مدّ ظلّه‌ السامي‌، إنّما هو في‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌ في‌ رؤية‌ الهلال‌، الراجع‌ إلي‌ لزوم‌ كون‌ الهلال‌ فوق‌ الاُفق‌ في‌ كلّ ناحية‌ وما حواها؛ وعدم‌ اللزوم‌، الراجع‌ إلي‌ كفاية‌ خروجه‌ عن‌ تحت‌ الشعاع‌.

 وفي‌ كلّ واحد من‌ المسلكين‌ يمكن‌ أن‌ تتصوّر ثبوتاً دخالة‌ الرؤية‌ علي‌ وجه‌ الطريقيّة‌ أو علي‌ وجه‌ الموضوعيّة‌، كما يمكن‌ أن‌ يَذهب‌ إثباتاً كلُّ واحد من‌ الطرفين‌ إلي‌ دخالتها علي‌ وجه‌ الطريقيّة‌ أو علي‌ وجه‌ الموضوعيّة‌. فلا يلازم‌ القول‌ بلزوم‌ الاشتراك‌ القول‌ بالموضوعيّة‌؛ كما لا يلازم‌ القول‌ بعدم‌ اللزوم‌ القول‌ بالطريقيّة‌.

 لكن‌ لمّا انجرّ البحث‌ إلي‌ كيفيّة‌ دخالة‌ الرؤية‌ إثباتاً، أردنا في‌ طيّ هذه‌ المباحث‌ أن‌ نستدلّ علي‌ طريقيّتها الانحصاريّة‌ المعبّر عنها بالموضوعيّة‌،

تتميماً للبحث‌.

الرجوع الی الفهرس

الكلام‌ حول‌ النقطة‌ الثالثة‌

 وأمّا النقطة‌ الثالثة‌؛ فنقول‌:

 إنّ للقمر بعد دخوله‌ في‌ الشعاع‌ إلي‌ أن‌ يخرج‌ منه‌ إلي‌ أن‌ يصير قابلاً للرؤية‌ في‌ ناحية‌ معيّنة‌، ثلاثَ حالات‌:

 الحالة‌ الاُولي‌، حال‌ المقارنة‌ مع‌ الشمس‌، فتنطبق‌ الدائرة‌ الظاهرة‌ منه‌ علي‌ الدائرة‌ المستضيئة‌ من‌ شعاع‌ الشمس‌، فلا يري‌، لانّ نصفه‌ الذي‌ يسامت‌ الارض‌ مظلم‌. وهذه‌ الحالة‌ تسمّي‌ بالمحاق‌.

 الحالة‌ الثانية‌، حالة‌ كونه‌ تحت‌ الشعاع‌، فهي‌ في‌ ما إذا خرج‌ عن‌ المقارنة‌، وحينئذٍ لابدّ وأن‌ يري‌ علي‌ شكل‌ هلال‌ ضعيف‌ كالخيط‌ الدقيق‌ في‌ غاية‌ الدقّة‌، لكن‌ أبصارنا لا تقدر علي‌ رؤيته‌ وهو علي‌ هذه‌ الدقّة‌ والضعف‌، إلي‌ أن‌ يسير في‌ المدار ويبعد عن‌ الشمس‌، حتّي‌ يكبر هذا الخيط‌ بابتعاده‌ عنها ويصير القطر المنوّر له‌ قابلاً للرؤية‌ بشكل‌ الهلال‌. وهذه‌ الحالة‌ تسمّي‌ تحت‌ الشعاع‌.

 الحالة‌ الثالثة‌، حالة‌ خروجه‌ عن‌ الشعاع‌، فإذاً إمّا أن‌ يقارن‌ ـ وهو في‌ هذه‌ الحالة‌ ـ غروبَ الشمس‌ بالنسبة‌ إلي‌ هذه‌ الناحية‌، فيري‌ لامحالة‌ بشكل‌ الهلال‌، ولا يحتاج‌ بعد إلي‌ سيره‌ في‌ المدار، أو سير الارض‌ نحو المشرق‌ حتّي‌ يصل‌ إلي‌ أُفق‌ تلك‌ المنطقة‌ حين‌ غروب‌ الشمس‌. لانّا فرضنا تقارن‌ خروجه‌ عن‌ الشعاع‌ مع‌ غروب‌ الشمس‌ بالنسبة‌ إليها، وليس‌ معني‌ خروجه‌ عن‌ الشعاع‌ إلاّ صيرورته‌ قابلاً للرؤية‌.

 وإمّا أن‌ لايقارن‌، بل‌ خرج‌ عن‌ الشعاع‌ ولمّا تغرب‌ الشمس‌ عن‌ هذه‌ الناحية‌؛ فالرؤية‌ حينئذٍ غير ممكنة‌، لانّ الاشعّة‌ القاهرة‌ الشمسيّة‌ تمنعنا عن‌ الرؤية‌.

 فلابدّ وأن‌ تسير الارض‌ نحو المشرق‌ إلي‌ حدٍّ تغيب‌ الشمس‌ تحت‌ الاُفق‌، فتطابَقَ المغربان‌ والاُفقان‌: مغرب‌ القمر ومغرب‌ الشمس‌، ودائرة‌ انعكاس‌ نور القمر علي‌ سطح‌ الارض‌ ودائرة‌ انعكاس‌ شعاع‌ الشمس‌ عليه‌؛ بمعني‌ غروب‌ الشمس‌ قبل‌ غروب‌ القمر حتّي‌ تكون‌ دائرة‌ انعكاس‌ نور القمر علي‌ الارض‌ خارجةً عن‌ دائرة‌ انعكاس‌ شعاع‌ الشمس‌ عليها.

 ففي‌ هذه‌ الحالة‌ حيثما يكون‌ الرائي‌ في‌ داخل‌ دائرة‌ انعكاس‌ نور القمر وخارجاً عن‌ دائرة‌ انعكاس‌ شعاع‌ الشمس‌ يري‌ الهلال‌ بالسهولة‌.

 إذا عُلم‌ هذا فنقول‌: قد ذكرنا سابقاً أنّ الارض‌ كرويّة‌ لا يتميّز بعض‌ أصقاعها عن‌ بعض‌، وهي‌ مع‌ ذلك‌ تدور حول‌ نفسها مرّةً واحدةً في‌ أربع‌ وعشرين‌ ساعةً. فلا تمرّ لحظة‌ من‌ الارض‌ إلاّ وناحية‌ منها تكون‌ مقارنةً لغروب‌ الشمس‌، برّ أو بحر، سهل‌ أو جبل‌، بمعني‌ اختفائها تحت‌ أُفق‌ هذه‌ الناحية‌ بخروج‌ دائرة‌ انعكاس‌ ضوئها عنها. فإذا خرج‌ القمر عن‌ الشعاع‌ في‌ أيّ لحظة‌ فرضت‌، فلابدّ وأن‌ يكون‌ زمان‌ ذلك‌ الخروج‌ مقارناً مع‌ غروب‌ الشمس‌ في‌ ناحية‌ ما، فتنطبق‌ دائرة‌ نوره‌ المنعكس‌ علي‌ الارض‌ علي‌ هذه‌ الناحية‌ لا محالة‌، فيصير قابلاً للرؤية‌ بلا إشكال‌.

 ثمّ نقول‌: لمّا كان‌ الخروج‌ عن‌ الشعاع‌ معيّناً في‌ العلوم‌ الفلكيّة‌ في‌ كلّ شهر في‌ غاية‌ الدقّة‌، وهذا الخروج‌ يكون‌ مقارناً مع‌ غروب‌ الشمس‌ في‌ ناحية‌ ما بالضرورة‌؛ فإذاً يصير الهلال‌ قابلاً للرؤية‌ في‌ ناحية‌ ما بعد نفس‌ خروجه‌ عن‌ الشعاع‌ بلا ريب‌.

 فإذا جعلنا الرؤية‌ طريقاً محضاً وكاشفةً صرفةً، يلزم‌ أن‌ يكون‌ الشهر الشرعيّ مساوقاً مع‌ الشهر الفلكيّ دائماً؛ فإذاً تسقط‌ الشهور المبدوّة‌ بالرؤية‌، ويصير الميزان‌ الشهور الفلكيّة‌ المبنيّة‌ علي‌ الجدول‌ أو الحساب‌ أو العدد؛ وقد ذكرنا أنّه‌ مخالف‌ لاءجماع‌ المذهب‌، ومخالف‌ لصريح‌ النصوص‌ المتواترة‌ والفتاوي‌ بلا شبهة‌ وإشكال‌.

 وهذا محلّ إمعان‌ النظر والدقّة‌؛ فإنّ بحثنا هذا في‌ غاية‌ الدقّة‌.

 لكن‌ المُورد لم‌ يتأمّل‌ ما أردناه‌، فأشكل‌ بأنّ نقطة‌ الخروج‌ عن‌ الشعاع‌ لا يلازم‌ إمكانيّة‌ الرؤية‌ ولا يلازم‌ بلوغ‌ القمر إلي‌ تلك‌ النقطة‌ بحيث‌ يكون‌ قابلاً للرؤية‌، بل‌ يمكن‌ أن‌ يكون‌ الوقت‌ فيه‌ نهاراً، فلا يزال‌ القمر في‌ الآفاق‌ والدوائر الارضيّة‌ التي‌ تقابل‌ ضوء الشمس‌ حتّي‌ تغرب‌؛ ولم‌ يعرف‌ بأنّا لم‌ نعيّن‌ ناحية‌ الرؤية‌ نقطةً خاصّةً حتّي‌ يرد علينا ما وَرد، بإمكان‌ كونها نهاراً ولا يُري‌ القمر فيها إلاّ إذا تطابق‌ الاُفقان‌ والمغربان‌.

 بل‌ ذكرنا ناحيةً ما، أي‌ ناحيةً غير مشخّصة‌، فالارض‌ بحركتها الدوريّة‌ في‌ كلّ لحظة‌ تقارن‌ غروب‌ الشمس‌ في‌ ناحية‌ غير مشخّصة‌ من‌ أيّ النواحي‌.

 فإذا خرج‌ القمر عن‌ الشعاع‌ في‌ أيّ لحظة‌ فرضت‌، يقارن‌ هذه‌ الناحية‌ بالضرورة‌ الكونيّة‌.

 فنفس‌ الخروج‌ عن‌ الشعاع‌ وحده‌ تُحقّق‌ إمكانيّة‌ الرؤية‌، ولا معني‌ لترقّب‌ زوال‌ أشعّة‌ الشمس‌ عن‌ المنطقة‌ التي‌ غربت‌ عنها الشمس‌.

الرجوع الی الفهرس

الجواب‌ عن‌ النقطة‌ الرابعة‌

 و أمّا النقطة‌ الرابعة‌، وهي‌ عدم‌ محدوديّة‌ الآفاق‌ المشتركة‌ موضوعاً، لا زماناً ولا مكاناً؛ فنقول‌:

 أوّلاً: إنّ مجرّد عدم‌ محدوديّتها، واختلافها في‌ الخارج‌ في‌ الشهور المختلفة‌، لا يوجب‌ رفع‌ اليد عن‌ الحكم‌ الثابت‌ بالادلّة‌. فهل‌ يا تري‌ يمكن‌ أن‌ يلتزم‌ فقيه‌ برفض‌ الحكم‌ وإبطاله‌ بتّاً في‌ ما إذا كان‌ موضوعه‌ غير مشخّص‌ ولا محدّد عنده‌، ويلتزم‌ بعموميّة‌ الحكم‌ لموضوع‌ كلّيّ يندرج‌ تحته‌ جميع‌ جزئيّاته‌: هذا الموضوع‌ غير المحدّد وغيره‌ ؟

 فإذا دلّ الدليل‌ علي‌ موضوعيّة‌ الرؤية‌ لدخول‌ الشهور القمريّة‌، ثمّ دلّ الدليل‌ علي‌ لزوم‌ القضاء في‌ مصر لم‌ تتحقّق‌ فيه‌ الرؤية‌، لا يكون‌ لنا مناص‌ إلاّ الالتزام‌ باتّحاد الآفاق‌ المشتركة‌ في‌ الرؤية‌ بالحكومة‌ الشرعيّة‌، والحكم‌ بسعة‌ دائرة‌ الرؤية‌ بالنسبة‌ إليها تعبّداً؛ بعين‌ ما نحكم‌ بسعة‌ دائرة‌ الرؤية‌ في‌ بلدة‌ واحدة‌ حقيقةً، إذا رئي‌ الهلال‌ في‌ ناحية‌ منها ولم‌ يُرَ في‌ أُخري‌.

 وهذا أحسن‌ تقريب‌ بأحسن‌ بيان‌ أوردناه‌ في‌ المقام‌ علي‌ كيفيّة‌ الحكومة‌ وتوسيع‌ دائرة‌ الرؤية‌؛ بحيث‌ لم‌ يُرفض‌ اليد عن‌ الروايات‌ الناصّة‌ في‌ دخالة‌ الرؤية‌، ولم‌ يلزم‌ التخصيص‌ فيها كما التزم‌ به‌ العلاّمة‌ في‌ «التذكرة‌».

 وذلك‌ لانّا لو خلّينا وأنفسنا مع‌ خصوص‌ ما دلّ علي‌ لزوم‌ الرؤية‌ في‌ الشهور، لحكمنا بلزومها في‌ كلّ بلدة‌ بلدة‌؛ ولو خلّينا وأنفسنا مع‌ خصوص‌ ما دلّ علي‌ لزوم‌ القضاء في‌ ما لم‌ تتحقّق‌ الرؤية‌ ولم‌ تكن‌ في‌ البين‌ الادلّة‌ الناصّة‌ علي‌ لزوم‌ الرؤية‌، لذهبنا إلي‌ الشهور الفلكيّة‌ وحكمنا بعدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌ بلا تأمّل‌.

 فالجمع‌ بين‌ هاتين‌ الطائفتين‌ من‌ الروايات‌ لا يجعل‌ لنا مخرجاً ولا مفرّاً إلاّ الالتزام‌ بما يترتّب‌ علي‌ أحكام‌ الرؤية‌ في‌ كلّ ناحية‌ يكون‌ الهلال‌ موجوداً في‌ أُفقه‌ وكان‌ المانع‌ من‌ الرؤية‌ وجود جبل‌ أو سحاب‌ أو غيم‌ ونحو ذلك‌، وترتُّبَ الآثار الشرعيّة‌ من‌ الصيام‌ ونحوه‌ علي‌ تلك‌ الآفاق‌؛ وعدم‌ الالتزام‌ به‌ في‌ ما إذا كان‌ الهلال‌ لا يكون‌ موجوداً في‌ أُفقه‌ حين‌ دخول‌ الليل‌ في‌ تلك‌ الناحية‌ بغيبوبة‌ الشمس‌ تحت‌ أُفقها.

 وبعبارة‌ أُخري‌: إنّ ما هو لازم‌ في‌ الحكم‌ بدخول‌ الشهر هو الرؤية‌ الفعليّة‌ إجمالاً، والرؤية‌ الاءمكانيّة‌ تفصيلاً لكلّ مكان‌.

 فمن‌ مطاوي‌ هذا البحث‌ تولّد عنوان‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌ وعنوان‌ عدم‌ الاشتراك‌، تولّداً طبيعيّاً.

 وثانياً: قد بحثنا بما لا مزيد عليه‌ في‌ الموسوعة‌ الاُولي‌ من‌ آخرصفحة‌ 55 إلي‌ آخر صفحة‌ 58، في‌ كيفيّة‌ تعيين‌ الضابطة‌ الكلّيّة‌.

 فبرهنّا علي‌ أنّ الآفاق‌ المشتركة‌ عبارة‌ عن‌ جميع‌ البلاد الغربيّة‌ القريبة‌ العرض‌ بالنسبة‌ إلي‌ مطلع‌ القمر، وجميع‌ البلادالشرقيّة‌التي كانت‌ مشتركةً في‌ إمكان‌ الرؤية‌ مع‌ بلدالرؤية‌ ولو بلحظة‌،الواقعة‌ في‌الطول‌الجغرافيّ بمسافة‌ اثنتين‌ وثلاثين‌ دقيقةً زماناً، وهي‌ البالغة‌ بأزيد من‌ مائة‌ وستّين‌ فرسخاً.[188]

 و ثالثاً: إنّ رؤية‌ الهلال‌ في‌ الآفاق‌ المتّحدة‌ ليست‌ موضوعاً واحداً لتكليف‌ شخصيّ، حتّي‌ يوجب‌ اختلافها في‌ الشهور زماناً ومكاناً، الاءبهام‌ والاءجمال‌ في‌ التكليف‌.

 وذلك‌، لانّ التكاليف‌ العامّة‌ تنقسم‌ علي‌ كلّ واحد من‌ آحاد المكلّفين‌ علي‌ حسب‌ القضيّة‌ الحقيقيّة‌، ومعلوم‌ أن‌ لا إبهام‌ ولا إجمال‌ في‌ تكليف‌ كلّ فرد بالنسبة‌ إلي‌ نفسه‌؛ لانّه‌ إذا كان‌ الهلال‌ مشاهداً في‌ أُفقه‌ أو علم‌ بمشاهدته‌ في‌ أُفق‌ قريب‌، يَري‌ نفسه‌ مكلّفاً، وإلاّ فاستصحاب‌ عدم‌ الرؤية‌ أو استصحاب‌ عدم‌ دخول‌ الشهر الجديد أو بقاء الشهر الماضي‌، لا يبقي‌ مجالاً للشكّ في‌ التكليف‌ الحادث‌.

 تنبيه‌: ما أفاد حفظه‌ الله‌ في‌ هذه‌ النقطة‌ من‌ «أنّ رؤية‌ الهلال‌ كما قلنا تتحقّق‌ نتيجة‌ سير القمر إلي‌ جهة‌ المغرب‌ من‌ الارض‌» وَهَم‌. لانّ جهة‌ حركة‌ القمر حول‌ الارض‌، من‌ المغرب‌ إلي‌ المشرق‌ دائماً؛ كما أنّ جهة‌ حركة‌ الارض‌ حول‌ الشمس‌ كذلك‌. وقد بيّنّاه‌ في‌ صفحة‌ 21 من‌ الموسوعة‌ الاُولي‌.

الرجوع الی الفهرس

الردّ علي‌ النقطة‌ الخامسة‌

 أمّا النقطة‌ الخامسة‌:

 فقد ذكرنا في‌ الموسوعة‌ الثانية‌ بأنّ القول‌ بعدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌ يستلزم‌ افتراض‌ ليلة‌ أوّل‌ الشهر واحدة‌ في‌ جميع‌ النواحي‌ التي‌ تحلّ بها الظلمة‌ من‌ الكرة‌ الارضيّة‌، فيؤدّي‌ إلي‌ أن‌ يكون‌ الليل‌ في‌ الناحية‌ الواقعة‌ شرق‌ منطقة‌ رؤية‌ الهلال‌ منذ بدايته‌ ليلة‌ أوّل‌ الشهر، مع‌ أنّه‌ في‌ بدايتها التي‌ قد يكون‌ قبلها باثنتي‌ عشرة‌ ساعةً فما دون‌، يكون‌ القمر لا يزال‌ تحت‌ الشعاع‌، فلابدّ وأن‌ يحسب‌ من‌ الشهر القادم‌ مع‌ أنّ القمر حينئذٍ في‌ المحاق‌.

 فعبّر المجيب‌ ـ حفظه‌ الله‌ ـ بأنّ هذه‌ مشكلة‌ آثرتَها علي‌ المختار، مع‌ أنّ جميع‌ ما أوردناه‌ علي‌ هذا المذهب‌ مشاكل‌؛ ثمّ أجاب‌ نقضاً وحلاّ.

 أمّا نقضاً فبما إذا افترضنا خروج‌ الهلال‌ عن‌ الشعاع‌ بنحو قابل‌ للرؤية‌ بالعين‌ المجرّدة‌ مصادفاً للمغرب‌ في‌ نقطة‌ علي‌ سطح‌ الارض‌ مشتركة‌ في‌ الاُفق‌ مع‌ نقطة‌ أُخري‌ في‌ شرق‌ هذه‌ النقطة‌ تغرب‌ فيها الشمس‌ من‌ قبل‌؛ فإنّه‌ في‌ مثل‌ هذه‌ القضيّة‌ يتحقّق‌ خروج‌ الهلال‌ عن‌ تحت‌ الشعاع‌ بالنسبة‌ إلي‌ النقطة‌ الثانية‌ بعد المغرب‌ بزمان‌، مع‌ أنّه‌ من‌ ابتداء الليل‌ يحسب‌ من‌ الشهر القادم‌.

 وأمّا حلاّ فبأنّ رؤية‌ الهلال‌ عند غروب‌ الشمس‌ في‌ ناحية‌ توجب‌ لنا الحكم‌ بأنّ النهار القادم‌ بعد ذلك‌ الليل‌، من‌ الشهر القادم‌، في‌ جميع‌ النواحي‌ التي‌ تشترك‌ مع‌ منطقة‌ الرؤية‌ في‌ ذلك‌ الليل‌، لا النقاط‌ التي‌ لا تشترك‌ معها في‌ تلك‌ الليلة‌ بل‌ يكون‌ فيها نهار، لانّه‌ لا يصدق‌ علي‌ ذلك‌ النهار أنّه‌ نهار ما بعد تلك‌ الليلة‌ التي‌ هي‌ ليلة‌ الرؤية‌.

 و الروايات‌ الخاصّة‌ الآمرة‌ بقضاء صيام‌ النهار ولو في‌ مصر آخر، لا تدلّ علي‌ أزيد من‌ ذلك‌، لانّها تدلّ علي‌ قضاء نهار القادم‌ بعد ليلة‌ الرؤية‌.

 ولا يخفي‌ ما في‌ كلا الجوابين‌ من‌ الخبط‌ الواضح‌.

 أمّا في‌ النقض‌، فلانّ الهلال‌ في‌ كلتا النقطتين‌ المشتركتين‌ قابل‌ للرؤية‌، لانّه‌ لا معني‌ لاشتراك‌ الآفاق‌ إلاّ كونها متّحدةً في‌ قابليّة‌ الرؤية‌.

 فمن‌ المستحيل‌ افتراض‌ رؤية‌ الهلال‌ في‌ نقطة‌ من‌ سطح‌ الارض‌ عند غروب‌ الشمس‌ مشتركة‌ في‌ الاُفق‌ مع‌ نقطة‌ أُخري‌ علي‌ طول‌ آخر في‌ مشرق‌ هذه‌ النقطة‌ قد غربت‌ الشمس‌ فيها من‌ قبل‌، حين‌ كون‌ القمر تحت‌ الشعاع‌. فرؤية‌ الهلال‌ في‌ نقطة‌ عند غروب‌ الشمس‌، وعدم‌ رؤيته‌ في‌ النقطة‌ الشرقيّة‌ المشتركة‌ معها في‌ الاُفق‌ حين‌ تغرب‌ الشمس‌ فيها من‌ قبل‌، دليل‌ علي‌ وجود مانع‌ خارجيّ من‌ السحب‌ أو الغيوم‌ أوالجبال‌ في‌ الناحية‌ الشرقيّة‌ من‌ الرؤية‌، بعد إمكانيّة‌ الرؤية‌ علي‌ الفرض‌ من‌ اتّحاد أُفقيهما.

 فالرؤية‌ في‌ النقطة‌ الغربيّة‌ تكشف‌ عن‌ دخول‌ الشهر في‌ النقطة‌ الشرقيّة‌ من‌ قبل‌، بها حلّ الشهر بعد تماميّة‌ موضوعه‌، وهو إمكانيّة‌ الرؤية‌ بعد الخروج‌ عن‌ تحت‌ الشعاع‌ والرؤية‌ الفعليّة‌ في‌ الاُفق‌ المتّحد؛ ولا كلام‌ لنا فيه‌.

 وأمّا في‌ الحلّ فلانّه‌ ليس‌ محطّ البحث‌ في‌ النواحي‌ التي‌ يكون‌ فيها نهار عند غشيان‌ الليل‌ نصف‌ الكرة‌ الارضيّة‌ التي‌ تشترك‌ نواحيها مع‌ نقطة‌ الرؤية‌ في‌ الظلمة‌، لانّه‌ من‌ المعلوم‌ أنّ نهار تلك‌ النواحي‌ تابع‌ لليلها المتقدّم‌ عليه‌.

 وإنّما البحث‌ في‌ جميع‌ هذه‌ الناحية‌ المظلمة‌ التي‌ تشترك‌ مع‌ ناحية‌ الرؤية‌ في‌ لحظة‌ واحدة‌ إلي‌ اثنتي‌ عشرة‌ ساعةً، وربّما تكون‌ أزيد، وفي‌ النواحي‌ المعمورة‌ البعيدة‌ عن‌ الاستواء ربّما يبلغ‌ الليل‌ عشرين‌ ساعةً.

الرجوع الی الفهرس

كفاية‌ الرؤية‌ الاءجماليّة‌ توجب‌ الحكم‌ بدخول‌ الشهر عند المحاق‌

 فقد أوردنا بأنّ قضيّة‌ عدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌ توجب‌ الحكم‌ بدخول‌ الشهر القادم‌ في‌ جميع‌ هذه‌ النواحي‌، مع‌ أنّ القمر بعدُ في‌ المحاق‌.

 وهذا من‌ بداهة‌ البطلان‌ بمكان‌ ينبغي‌ أن‌ يحسب‌ من‌ الاساطير الوهميّة‌، أُضحوكةً للشابّ والهرم‌.

 وذلك‌ لانّ الشهر القمريّ المبدوّ برؤية‌ الهلال‌ عند جميع‌ أهل‌ الاءسلام‌ بل‌ جميع‌ أهل‌ الاديان‌ بل‌ الاُمم‌ والاقوام‌، يصير حاله‌ في‌ التنزّل‌ إلي‌ حدّ لا يقف‌ بالرؤية‌ الفعليّة‌ ولو في‌ نقطة‌ ما من‌ بعيد. ولا يقف‌ علي‌ إمكانيّة‌ الرؤية‌ أيضاً بخروجه‌ عن‌ تحت‌ الشعاع‌، بل‌ تنزّل‌ إلي‌ حدّ السقوط‌ في‌ درك‌ البوار، يُزعم‌ أنّه‌ موجود في‌ عالم الفعليّة‌،مع‌ أنّ مُوجِدَه‌ وهو ظهور الهلال‌ بعدُ باق‌ في‌ نطفة‌ الاستعداد، محبوس‌ في‌ رحم‌ المحاق‌؛ مظلم‌ محجوب‌ تحت ‌ظلمات ‌ثلاث: ظلمة ‌المحاق‌، و ظلمة تحت‌ الشعاع، وظلمة الخفاء في‌ الآفاق، فهل‌ هذا إلاّ من‌ أخيلة‌ وهميّة‌ ؟!

 فأين‌ كنت‌ يا لَلقرآن‌ العظيم‌ !؟ إذ ناديتَ بصوتك‌ المعجز الدائم‌ الباقي‌ العامّ لكلّ فرد في‌ العالم‌: يَسْـَلُونَكَ عَنِ الاْهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَ قِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.

 فهل‌ يكون‌ القمر في‌ المحاق‌ ولمّا يسمَّ هلالاً، ميقاتاً للناس‌، مبدءاً لعباداتهم‌ ومعاملاتهم‌ وحجّهم‌ وتاريخهم‌ ؟ وهل‌ يدرك‌ العالِم‌ والعامّيّ، الحضريّ والبدويّ، هذا المبدأ الوهميّ، ويَجعل‌ مبدأً لتاريخه‌ ؟ وهل‌ يكون‌ هذا معني‌ الشريعة‌ السمحة‌ السهلة‌، يباهي‌ بها أهلُ الاءسلام‌ كافّة‌ المذاهب‌ والمكاتب‌ [ أي‌ المدارس‌ ] في‌ العالم‌ ؟

 ألا وإنّ نتائج‌ قلّة‌ التأمّل‌، والمبادرة‌ إلي‌ رأي‌ لايستقيم‌ علي‌ أُصول‌ متينة‌، ممّا يضيق‌ عن‌ الاءحاطة‌ بها نطاق‌ البيان‌.

 ثمّ إنّ المجيب‌ ـ حفظه‌ الله‌ ـ نهض‌ علي‌ كسر صولة‌ هذه‌ المشكلة‌، بالاستناد إلي‌ المرتكزات‌ العرفيّة‌، مردِّداً بأنّ العرف‌ إن‌ اكتفي‌ في‌ دخول‌ الشهر الجديد بخروج‌ الهلال‌ عن‌ تحت‌ الشعاع‌ بنحو قابل‌ للرؤية‌ في‌ نقطة‌ مشتركة‌ معنا في‌ الليل‌، ولو كان‌ المقدار الباقي‌ منه‌ عندنا أقلّ منه‌ في‌ تلك‌ النقطة‌، فقد تطابق‌ المستفاد من‌ الروايات‌ والمرتكزاتُ؛ وإلاّ فلا أقلّ من‌ أن‌ يكون‌ الحكم‌ الشرعيّ بوجوب‌ الصيام‌ بمقتضي‌ الروايات‌ المذكورة‌ منوطاً بذلك‌. لانّه‌ لا إشكال‌ في‌ عدم‌ وجود ارتكاز معاكس‌ علي‌ الخلاف‌، كي‌ يتجرّأ به‌ أن‌ يرفع‌ اليد عن‌ مقتضي‌ ظهور أدلّة‌ الباب‌، المتمثّلة‌ في‌ الروايات‌ الخاصّة‌ التي‌ استند إليها في‌ اختيار القول‌ بعدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌.

 و لا يخفي‌ ما فيه‌ من‌ اتّهام‌ العرف‌ بوجود هذا الارتكاز أو عدم‌ وجود الارتكاز المعاكس‌.

 لانّ العرف‌ لايقبل‌ أبداً اشتراك‌ نقطة‌ بعيدة‌ عن‌ نقطة‌ الرؤية‌ باثنتي‌ عشرة‌ أو عشرين‌ ساعةً مثلاً في‌ دخول‌ الشهر الجديد.

 و لا يلتزم‌ بتّاً بأحكام‌ الشهر القادم‌ من‌ أوّل‌ الليل‌ المنوط‌ بخروج‌ القمر عن‌ تحت‌ الشعاع‌، مع‌ أنّه‌ بعدُ في‌ المحاق‌؛ ومن‌ ادّعي‌ فقد كابر، والعرب‌ بالباب‌.

 وأنت‌ يا أيّها المجيب‌ ! سل‌ نفسك‌ بما أنّها من‌ العرف‌، لا بما أنّها متّهمة‌ في‌ حدسها: هل‌ تقبل‌ وأنت‌ في‌ النجف‌ الاشرف‌، بعد تصرّم‌ الليل‌ وقبل‌ الفجر بدقيقة‌، وجاء الخبر من‌ نقطة‌ بعيدة‌ زماناً باثنتي‌ عشرة‌ ساعةً ومكاناً بفاصل‌ نصف‌ القطر المحيط‌ من‌ وسط‌ الاُوقيانوس‌ الكبير، بأنّ القمر خرج‌ عن‌ الشعاع‌ ورئي‌ في‌ هذه‌ اللحظة‌ في‌ هذا المكان‌، وهل‌ تبني‌ علي‌ أنّ الليلة‌ المتصرّمة‌ من‌ أوّلها إلي‌ آخرها مع‌ كون‌ القمر في‌ المحاق‌ من‌ الشهر القادم‌ ؟

 وأعجب‌ منه‌ إذا جاء الخبر في‌ أوّل‌ غروب‌ الشمس‌ والقمر بعدُ في‌ المحاق‌، بأنّه‌ سيخرج‌ عنه‌ بعد اثنتي‌ عشرة‌ ساعةً في‌ وسط‌ البحر المحيط‌، وسيُري‌ عندئذٍ، فهل‌ تبني‌ من‌ هذه‌ اللحظة‌ علي‌ أحكام‌ الشهر القادم‌ ؟

 ثمّ الاعجب‌ أنّه‌ إذا لم‌ يجي‌ خبر، لكنّك‌ تعلم‌ بالحساب‌ الرصديّ أو الرجوع‌ إلي‌ قول‌ الرصديّ الثقة‌ المدوّن‌ في‌ الزيجات‌، خروجَه‌ عنه‌ كذلك‌؛ فهل‌ تبني‌ علي‌ كون‌ هذه‌ الليلة‌ ليلة‌ أوّل‌ الشهر القادم‌؛ مع‌ افتراض‌ ما هو المسلّم‌ عندك‌ من‌ دخالة‌ خروج‌ القمر عن‌ الشعاع‌ في‌ تحقّق‌ موضوع‌ الشهر عرفاً، في‌ جميع‌ هذه‌ التقادير ؟

 والمحصّل‌ أنّ وجود الارتكاز المعاكس‌ علي‌ الخلاف‌ عرفاً، خصوصاً مع‌ ملاحظة‌ تسجيل‌ أذهان‌ المسلمين‌ جميعاً علي‌ لزوم‌ الرؤية‌ في‌ دخول‌ الشهر، تبعاً لسنّة‌ النبيّ الاعظم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، خاصّةً في‌ تلك‌ الازمنة‌ التي‌ تباعدت‌ البلاد بعضها عن‌ بعض‌ زماناً، وعدم‌ وصول‌ الاخبار إلي‌ الاقطار بتّاً؛ لا يبقي‌ مجالاً لانعقاد ظهور للمطلقات‌ التي‌ استند إليها في‌ اختيار القول‌ بعدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌، في‌ الاءطلاق‌.

 فانصرافها بهذه‌ القرينة‌ الارتكازيّة‌ العرفيّة‌ والمتشرّعيّة‌، إلي‌ البلاد القريبة‌ المتّحدة‌ في‌ الآفاق‌، هو المتعيّن‌.

الرجوع الی الفهرس

الجواب‌ عن‌ النقطة‌ السادسة‌

 و أمّا النقطة‌ السادسة‌:

 فقد اعترف‌ بأنّ المستفاد من‌ روايات‌ الصوم‌ الاوّليّة‌، هو نسبيّة‌ رؤية‌ الهلال‌ واختلافها بالنسبة‌ إلي‌ مناطق‌ مختلفة‌، والظاهر منها إناطة‌ الحكم‌ بإمكانيّة‌ الرؤية‌ في‌ كلّ منطقة‌؛ إلاّ أنّ ما جاء في‌ الروايات‌ الخاصّة‌ من‌ كفاية‌ حصول‌ الرؤية‌ في‌ مصر لتحقّق‌ الشهر في‌ الجميع‌، دلّ علي‌ عدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌.

 وفيه‌ أنّه‌ بعد كثرة‌ الشواهد والقرائن‌ الصارفة‌ التي‌ كادت‌ أن‌ تجعل‌ هذه‌ الروايات‌ الخاصّة‌ ناصّةً في‌ اختصاصها بالآفاق‌ القريبة‌، بمثابة‌ انجلاء الشمس‌ في‌ رابعة‌ النهار؛ لا يبقي‌ مجال‌ للاخذ بالاءطلاق‌.

 فالمحكَّم‌ هو الاخذ بمفاد أدلّة‌ الصوم‌ ونحوه‌ من‌ الاحكام‌ المترتّبة‌ علي‌ الشهور، الدالّة‌ علي‌ اختصاصها بمنطقة‌ الرؤية‌ ليس‌ غير. وحمل‌ ما دلّ علي‌ كفاية‌ الرؤية‌ في‌ مصر، علي‌ الامصار المتقاربة‌، بمناط‌ إمكانيّة‌ الرؤية‌ في‌ آفاقها ببلوغ‌ الهلال‌ فيها مرتبةً من‌ الظهور في‌ نفسه‌، بحيث‌ يكون‌ قابلاً للرؤية‌ لولا وجود سحاب‌ ونحوه‌؛ علي‌ أساس‌ الارتكاز العرفيّ وتسجيل‌ لزوم‌ الرؤية‌ في‌ المجتمع‌ الاءسلاميّ من‌ تعليم‌ نبيّهم‌ الخاتم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَ أَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.

 فعلي هذا الارتكاز والتسجيل لا يفهم‌ العرف أبداً من‌ قوله عليه‌ السلام‌: فَإنْ شَهِدَ عِنْدَكَ شَاهِدَانِ مَرْضِيَّانِ بِأَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فَاقْضِهِ، إلاّ البلد القريب‌ الذي‌ يمكن‌ جعل‌ الرؤية‌ فيه‌ رؤيةً في‌ بلده‌، بالحكومة‌ وتوسيع‌ دائرة‌ الرؤية‌ بالنسبة‌ إليه‌، بمناط‌ اتّحاد المكان‌ من‌ حيث‌ وجود الهلال‌ في‌ الاُفق‌؛ والمانع‌ شي‌ء عارضيّ كالسحاب‌ والجبال‌ ونحوهما.

 كما أنّه‌ في‌ بلد واحد متّسع‌، إذا تحقّقت‌ الرؤية‌ في‌ نقطة‌ منه‌، فهي‌ كافية‌ للحكم‌ بها في‌ جميع‌ نواحيه‌؛ لمناط‌ وحدة‌ المكان‌ عرفاً.

 فالاءمام‌ عليه‌ السلام‌ كان‌ يريد أن‌ يوسّع‌ دائرة‌ اتّحاد المكان‌ في‌ الرؤية‌ بالحكومة‌ التشريعيّة‌، ويبيّن‌ بأنّ المناط‌ وجود الهلال‌ في‌ الآفاق‌ وإمكانيّة‌ الرؤية‌ في‌ البلاد المتقاربة‌ بعد الرؤية‌ الفعليّة‌ في‌ الجملة‌؛ ولا يريد أن‌ ينقض‌ قول‌ المشرّع‌ الاعظم‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَ أَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.

 فلا يكاد يفهم‌ العرف‌ من‌ إطلاق‌ ألفاظ‌: البلد ومصر والبيّنة‌ وجميع‌ أهل‌ الصلاة‌، إطلاقها بالنسبة‌ إلي‌ جميع‌ أصقاع‌ العالم‌، وبالنسبة‌ إلي‌ جميع‌ المسلمين‌ القاطنين‌ في‌ الربع‌ المسكون‌ إلي‌ أقصي‌ البلاد المعمورة‌.[189]

الرجوع الی الفهرس

التنبيه‌ علي‌ أُمور؛ الاوّل‌: استقلال‌ كلّ من‌ الادلّة‌ العلميّة‌ والشرعيّة‌

ينبغي‌ التنبيه‌ علي‌ أُمور:

 الاوّل‌:

 قد عرف‌ بما ذكرناه‌ في‌ مطاوي‌ هذه‌ الموسوعات‌، أنّ المتكفّل‌ لاءثبات‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ البلدان‌ في‌ رؤية‌ الهلال‌، كلّ واحدة‌ من‌ الادلّة‌ العلميّة‌ والادلّة‌ الشرعيّة‌ بحذاء نفسها، لا ربط‌ لاءحديهما بالاُخري‌ كلّ الارتباط‌.

 ولذا ذهب‌ المشهور إلي‌ هذا المرام‌ علي‌ أساس‌ الادلّة‌ الشرعيّة‌، ولم‌ نجد في‌ كلامهم‌ أن‌ يعتمدوا في‌ ذلك‌ علي‌ ما بيّن‌ في‌ العلوم‌ الفلكيّة‌ والهندسيّة‌ وما شابههما من‌ العلوم‌ الطبيعيّة‌ والرياضيّة‌، إلاّ قليلاً.

 وأمّا نحن‌ فقد باحثنا في‌ المقام‌ علي‌ أساس‌ كلّ واحدة‌ من‌ العلوم‌ الطبيعيّة‌ والشرعيّة‌ مستقلاّ.

 فما أفاد المجيب‌ ـ حفظه‌ الله‌ ـ من‌ أنّ بحوثنا من‌ الادلّة‌ والروايات‌ من‌ الناحية‌ الشرعيّة‌، وقعت‌ علي‌ ضوء بحوثنا العلميّة‌ في‌ ما هو مرتبط‌ بالموضوع‌ من‌ القضايا الفلكيّة‌، غير تامّ.

 ثمّ إنّ الظاهر منه‌ تماميّة‌ بحوثنا العلميّة‌ في‌ ما هو مرتبط‌ بالمقام‌، والاعتراف‌ بها جملةً؛ بخلاف‌ الادلّة‌ الشرعيّة‌، فلم‌ يعترف‌ بها كلّ الاعتراف‌.

 وفيه‌ ما لا يخفي‌؛ لانّه‌ كيف‌ يمكن‌ أن‌ يخالف‌ الدليل‌ الشرعيّ ما هو مسلّم‌ من‌ العلوم‌ العقليّة‌ أو الطبيعيّة‌ المنتهية‌ إلي‌ الاوّليّات‌ والمسلّمات‌ والوجدانيّات‌ وغيرها، ممّا يكون‌ مأخذاً للبرهان‌ ؟ وكيف‌ يمكن‌ التعبّد بما هو غير صحيح‌ عند العقل‌ أو الوجدان‌ ؟ مع‌ أنّ التشريع‌ منطبق‌ علي‌ التكوين‌. وحاشا لمذهب‌ الاءسلام‌ مع‌ ارتفاع‌ بنيانه‌، أن‌ تكون‌ قاعدة‌ من‌ قواعده‌ علي‌ خلاف‌ العقل‌ الصريح‌ أو مخالفةً لواقعيّة‌ خارجيّة‌، أو يكون‌ أُسّ من‌ أُسسه‌ مبنيّاً علي‌ التخيّل‌ والتوهّم‌، خلافَ المنطق‌ الصحيح‌، واقعاً علي‌ شفا جرف‌ هارٍ؛ مع‌ ندائه‌ الصريح‌ بالقول‌ الفصل‌ الذي‌ ليس‌ بالهزل‌:

 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَهِ الَّتِي‌ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَهِ ذَ لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـ'كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.[190]

الرجوع الی الفهرس

التنبيه‌ الثاني‌: الجهات‌ الاصليّة‌ لتعقيب‌ المباحث‌

 إنّ ما أوردناه‌ في‌ الموسوعة‌ الاُولي‌ ثمّ في‌ هاتين‌ الموسوعتين‌، ليس‌ حمايةً لمذهب‌ المشهور صرفاً.

 وليس‌ علي‌ مبني‌ الخوف‌ من‌ استيجاب‌ مزيد من‌ الاوهام‌ واضطراب‌ العوامّ وكثرة‌ الشجار والقيل‌ والقال‌ كما أُفيد، لانّه‌ لا يعبأ بهذه‌ التمويهات‌؛ قُلِ اللَهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي‌ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.[191]

 وليس‌ علي‌ أساس‌ الخطابة‌ والنصح‌ المجرّد، للجهات‌ الخارجيّة‌، لملاحظة‌ الظروف‌ والملابسات‌ والمقامات‌ والمقتضيات‌؛ قُلْ إِنَّ هُدَي‌ اللَهِ هُوَ الْهُدَي‌' وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي‌ جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَهِ مِن‌ وَلِيٍّ وَ لاَ نَصِيرٍ.[192]

 ولا علي‌ تحميل‌ رأي‌ ومؤاخذة‌ علي‌ ما لا ينبغي‌؛ الَّذِينَ يُجَـ'دِلُونَ فِي‌´ ءَايَـ'تِ اللَهِ بِغَيْرِ سُلْطَـ'نٍ أَتَي'هُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَهِ وَ عِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَ لِكَ يَطْبَعُ اللَهُ عَلَي‌ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.[193] إِنَّ الَّذِينَ يُجَـ'دِلُونَ فِي‌ ءَايَـ'تِ اللَهِ بِغَيْرِ سُلْطَـ'نٍ أَتَي'هُمْ إِن‌ فِي‌ صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُم‌ بِبَـ'لِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.[194]

 بل‌ لِما رأينا أنّ فتوي‌ عدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌، خلاف‌ للموازين‌ العلميّة‌ وللجهات‌ الشرعيّة‌.

 وأنّ ما أُفيد من‌ ابتناء الشهور القمريّة‌ علي‌ مجرّد نفس‌ خروج‌ القمر عن‌ تحت‌ الشعاع‌، بما أنّه‌ حادثة‌ سماويّة‌ غير مرتبط‌ ببقاع‌ الارض‌، غير تامّ.

 و أنّ ما أُفيد من‌ دلالة‌ المطلقات‌، مجروح‌ بجهات‌ من‌ الاءيراد من‌ القرائن‌ العقليّة‌ والنقليّة‌ علي‌ الخلاف‌ وبداهة‌ الانصراف‌.

 وأنّ نسبة‌ هذه‌ الفتوي‌ إلي‌ العلاّمة‌ في‌ «المنتهي‌» والشهيد في‌ «الدروس‌»، غير صحيحة‌.

 وأنّ التزام‌ صاحب‌ «الحدائق‌» بها مبنيّ علي‌ تسطيح‌ الارض‌، والتزام‌ صاحبِ «الجواهر» مبنيّ علي‌ تسطيحها أو علي‌ صغر الربع‌ المسكون‌ إلي‌ سعة‌ السماء، ونحو ذلك‌ ممّا هو باطل‌ بالضرورة‌.

 وأنّ ما في‌ كلام‌ النراقيّ والمحدّث‌ الكاشانيّ والسيّد الحكيم‌، فيه‌ جهات‌ من‌ الاءشكال‌.

 وأنّ نسبة‌ فتوي‌ المشهور إلي‌ قياسهم‌ رؤية‌ القمر الخارج‌ عن‌ الشعاع‌، بطلوع‌ الشمس‌ وغروبها وما لها من‌ المشارق‌ والمغارب‌،باطلة‌.

 وأن‌ ليس‌ كلّ من‌ كانت‌ فتواه‌ مطابقةً لفتوي‌ الشيخ‌ قدّس‌ الله‌ نفسه‌، من‌ المقلّدة‌.

 فلم‌ نتمكّن‌ إذاً علي‌ الاختلاف‌ الشديد، الموجب‌ لترك‌ الجماعات‌ وسقوط‌ الاُبّهة‌ والعظمة‌ وبروز النفاق‌ في‌ عيد الفطر، علي‌ مبني‌ فتوي‌ غير صحيحة‌.

 فأتعبنا أنفسنا مع‌ كثرة‌ الشواغل‌ والمشاغل‌ التي‌ تحيط‌ بنا من‌ كلّ صوب‌، بتحرير رسالة‌ استدلاليّة‌ إلي‌ فقيه‌ نبيه‌ له‌ حقّ علينا في‌ الدراسة‌ والتعليم‌. كي‌ يرفع‌ الله‌ بها الخلاف‌، ويقع‌ الحجر علي‌ أساسه‌ الاصليّ، وتعود السنن‌. والحمد لله‌ عادت‌ في‌ عيد الفطر الماضي‌ علي‌ موضعها، ولم‌ يوجد خلاف‌ في‌ جميع‌ قطر الشيعة‌.

الرجوع الی الفهرس

التنبيه‌ الثالث‌: أخذ الاءطلاقات‌ ورفض‌ روايات‌ الرؤية‌ ، متنافيان‌

 إنّ مصادر الخلاف‌ بين‌ أصحابنا الاُصوليّين‌ وإخواننا الاخباريّين‌، وإن‌ كانت‌ كثيرةً، ومواقع‌ الردّ والاءيراد بينهم‌ والطعن‌ والدقّ دائمة‌ علي‌ ما هو المشهود من‌ كتبهم‌ المدوّنة‌؛ إلاّ أنّ محطّ جميع‌ موارد اختلافاتهم‌ مورد واحد، ويرجع‌ كلّ من‌ منازعاتهم‌ إلي‌ محلّ فارد: وهو أنّ الاخباريّين‌ يأخذون‌ ظواهر الاخبار الواردة‌ عن‌ أئمّتنا المعصومين‌ عليهم‌ السلام‌، بلا تحقيق‌ كاف‌ في‌ أسناده‌ غالباً، ولا فحص‌ تامّ عن‌ القرائن‌ العقليّة‌ والنقليّة‌ الموجبة‌ لصرف‌ ظواهرها إلي‌ المحطّ الاصليّ المشهود في‌ مدلولهما؛ وأمّا الاُصوليّون‌ فهم‌ أدقّ نظراً بمواقع‌ القرائن‌ المتّصلة‌ والمنفصلة‌، المقاليّة‌ والمقاميّة‌، ولا يأخذون‌ خبراً إلاّ بعد الفحص‌ التامّ عن‌ سنده‌، ولا ظهور رواية‌ إلاّ بعد ملاحظة‌ جميع‌ الجوانب‌ التي‌ يحتمل‌ وجود ما يصرف‌ الظهور إلي‌ غيره‌.

 فما أُفيد في‌ المقام‌ من‌ الاءصرار علي‌ أخذ ظهور الاءطلاقات‌ الواردة‌ في‌ قضاء الصيام‌، ثمّ الاءصرار علي‌ إسقاط‌ ظهور الروايات‌ الواردة‌ في‌ دخالة‌ الرؤية‌، عن‌ الموضوعيّة‌ إلي‌ الطريقيّة‌ المحضة‌؛ ممّا يجعل‌ الباحث‌ علي‌ القطبين‌ المختلفين‌: من‌ الاءفراط‌ في‌ الاوّل‌ والتفريط‌ في‌ الثاني‌.

الرجوع الی الفهرس

التنبيه‌ الرابع‌: موضوعيّة‌ الرؤية‌ لكلّ أُفق ‌، تُناسب‌ الشريعة‌ السمحة‌ السهلة‌

 قد روي‌ الشيخ‌ الطوسيّ بإسناده‌ في‌ «التهذيب‌» عن‌ أبي‌ أُسامة‌ زيد الشحّام‌ أو غيره‌، وروي‌ الصدوق‌ بإسناده‌ في‌ «من‌ لا يحضره‌ الفقيه‌» وفي‌ «المجالس‌» عن‌ زيد الشحّام‌ قال‌:

 صَعَدْتُ مَرَّةً جَبَلَ أَبِي‌ قُبَيْسٍ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ، فَرَأَيْتُ الشَّمْسَ لَمْ تَغِبْ؛ إنَّمَا تَوَارَتْ خَلْفَ الجَبَلِ عَنِ النَّاسِ. فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ.

 فَقَالَ لِي‌: وَ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ بِئْسَ مَا صَنَعْتَ ! إنَّمَا تُصَلِّيهَا إذَا لَمْ تَرَهَا خَلْفَ جَبَلٍ، غَابَتْ أَوْ غَارَتْ؛ مَا لَمْ يَتَجَلَّلْهَا سَحَابٌ أَوْ ظُلْمَةٌ تُظِلُّهَا.

 وَإنَّمَا عَلَيْكَ مَشْرِقُكَ وَ مَغْرِبُكَ؛ وَ لَيْسَ عَلَي‌ النَّاسِ أَنْ يَبْحَثُوا.[195]

 وأورده‌ في‌ «الوسائل‌» في‌ كتاب‌ المواقيت‌ من‌ الصلاة‌. وأشار إليه‌ في‌ باب‌ ثبوت‌ رؤية‌ الهلال‌ بالشياع‌ وبالرؤية‌ في‌ بلد آخر قريب‌، في‌ كتاب‌ الصوم‌.[196]

 وهذه‌ الرواية‌ وإن‌ وردت‌ في‌ باب‌ المواقيت‌ من‌ الصلاة‌، إلاّ أنّه‌ يمكن‌ أن‌ يستفاد من‌ قوله‌ عليه‌ السلام‌: وَ إنَّمَا عَلَيْكَ مَشْرِقُكَ وَ مَغْرِبُكَ، تنقيح‌ مناط‌ كلّيّ في‌ باب‌ الصيام‌ وغيره‌، بلزوم‌ الرؤية‌ في‌ كلّ بلد لدخول‌ الشهور القمريّة‌؛ ولا أقلّ من‌ التأييد.

 حيث‌ إنّه‌ عليه‌ السلام‌ بعد توبيخه‌ عن‌ بحثه‌ عن‌ الشمس‌ خلف‌ الجبل‌، حصر وظيفته‌ بالاخذ بما هو المشرق‌ والمغرب‌ عنده‌ بلا تجاوز عنه‌؛ كأنّه‌ قال‌ أيضاً: «و إنّما عليك‌ رؤيتك‌». كما ورد نظير هذا التعبير في‌ روايات‌ باب‌ الرؤية‌، خصوصاً مع‌ ما هو المشهود من‌ ابتناء أحكام‌ الاءسلام‌ علي‌ الموضوعات‌ السهلة‌ التناول‌.[197]

 ولذا لم‌ يجعل‌ مدار شهوره‌ علي‌ السنة‌ الشمسيّة‌ المبنيّة‌ علي‌ الحساب‌ بلا استمساك‌ بالرؤية‌ الخارجيّة‌؛ يُرِيدُ اللَهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.[198]

 فموضوعيّة‌ الرؤية‌ لكلّ أُفق‌، توجب‌ سهولة‌ تناول‌ الشهور لترتّب‌ الاحكام‌ في‌ حقّ كلّ حاضر ومسافر في‌ البرّ والبحر، أو قاطن‌ علي‌ قلّة‌ جبل‌ أو أكمة‌ أو بطن‌ واد، أو مسافر مع‌ خدمه‌ وحشمه‌ وخيمه‌ طوال‌ السنة‌ في‌ الاماكن‌ المعمورة‌ المتناسبة‌ كالاءيلات‌ [ أي‌ القبائل‌ الرحّل‌ ].

 و أمّا البناء علي‌ عدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌، فيوجب‌ مزيد غموض‌ وإشكال‌ وتحيّر في‌ الناس‌، ويضطرّهم‌ إلي‌ الرجوع‌ إلي‌ أقوال‌ الرصديّين‌، بلزوم‌ أخذ مستخرجاتهم‌ في‌ التقاويم‌ وغيرها؛ أو البناء في‌ غالب‌ شهورهم‌ علي‌ الشكّ واستصحاب‌ عدم‌ الهلال‌.

 كما أنّ بناء المواقيت‌ في‌ الصلوات‌ إنّما هو علي‌ موضوعات‌ سهلة‌ التناول‌ كالزوال‌ والغروب‌ والعصر المعلوم‌ بظلّ الشاخص‌ والعشاء المعلوم‌ بذهاب‌ الحمرة‌ المغربيّة‌ وتبيّن‌ الفجر الصادق‌.

 وهذه‌ المواقيت‌ معلومة‌ لكلّ أحد، حضريّ وبدويّ، برّيّ وبحريّ، عالم‌ بالعلوم‌ الرياضيّة‌ وجاهل‌ بها؛ فلو كانت‌ مواقيت‌ الصلوات‌ منوطةً بالساعات‌ المستخرجة‌ من‌ التقاويم‌، لما تمكّن‌ من‌ تناولها الجميع‌، وانحصرت‌ في‌ بعض‌ الطوائف‌ من‌ الناس‌، أو وقع‌ الناس‌ في‌ العسر العظيم‌ والحرج‌ الشديد.

 كلّ ذلك‌ في‌ الصلاة‌ والصوم‌ والحجّ وما شابهها، ممّا لا تساعده‌ الشريعة‌ السمحة‌ الغرّاء. وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي‌ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.[199] وَ مَآ أَرْسَلْنَـ'كَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَـ'لَمِينَ.[200]

الرجوع الی الفهرس

التنبيه‌ الخامس‌: الكلام‌ حول‌ الاستدلال‌ بصحيحة‌ محمّد بن‌ عيسي‌

 أنّ كتاب‌ «سبيل‌ الرشاد» في‌ شرح‌ كتاب‌ «نجاة‌ العباد» للسيّد أبي‌ تراب‌ الخوانساريّ قدّس‌ سرّه‌ لم‌ يكن‌ بأيدينا حين‌ تأليف‌ الموسوعة‌ الاُولي‌، كي‌ نطالعه‌ ونلاحظ‌ مواقع‌ الاستدلال‌ فيه‌ علي‌ عدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌.

 وقد وهبنا الله‌ تعالي‌ في‌ هذه‌ الآونة‌؛ وبعدما طالعناه‌ وجدنا أنّ من‌ جملة‌ ما استدلّ به‌ علي‌ مرامه‌ صحيحة‌ محمّد بن‌ عيسي‌ المرويّة‌ في‌ «التهذيب‌» بإسناده‌ عنه‌ قال‌:

 كَتَبَ إلَيْهِ أَبُوعَمْروٍ: أَخْبِرْنِي‌ يَا مَوْلاَيَ ! أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا هِلاَلُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلاَ نَرَاهُ، وَ نَرَي‌ السَّمَآءَ لَيْسَتْ فِيهِ عِلَّةٌ، وَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَنُفْطِرُ مَعَهُمْ؛ وَيَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الْحُسَّابِ قِبَلَنَا أَنَّهُ يُرَي‌ فِي‌ تِلْكَ اللَيْلَةِ بَعَيْنِهَا بِمِصْرَ وَإفْرِيقِيَّةَ وَالاَنْدُلُسِ؛ هَلْ يَجُوزُ يَا مَوْلاَيَ ! مَا قَالَ الحُسَّابُ فِي‌ هَذَا البَابِ، حَتَّي‌ يَخْتَلِفَ الفَرْضُ عَلَي‌ أَهْلِ الاَمْصَارِ، فَيَكُونُ صَوْمُهُمْ خِلاَفَ صَوْمِنَا وَفِطْرَهُمْ خِلاَفَ فِطْرِنَا ؟ فَوَقَّعَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لاَ تَصُومَنَّ بِالشَّكِّ [ لاَ صَوْمَ مِنَ الشَّكِّ ] أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْيَتِهِ.

 ورواه‌ في‌ «الوسائل‌» في‌ باب‌ أنّه‌ لا عبرة‌ بأخبار المنجّمين‌، وأهل‌ الحساب‌.[201]

 « طريق‌ الاستدلال‌: أنّ النهي‌ عن‌ الصوم‌ لاجل‌ كونه‌ شاكّاً من‌ قولهم‌، كالصريح‌ في‌ أنّه‌ لو كان‌ قاطعاً برؤية‌ أهل‌ تلك‌ البلاد، لكان‌ له‌ حكمهم‌؛ والحال‌ أنّها من‌ البلاد البعيدة‌ بالنسبة‌ إلي‌ بلاد الراوي‌ كما لا يخفي‌.

 بل‌ وظاهر السؤال‌ أنّ في‌ استخراج‌ أهل‌ الحساب‌ أيضاً إنّما كان‌ ممكن‌ الرؤية‌ في‌ تلك‌ البلاد خاصّةً دون‌ بلد الراوي‌ كما لا يخفي‌.

 واحتمال‌ أن‌ يكون‌ المراد أنّ الرؤية‌ في‌ تلك‌ البلاد موجبة‌ للشكّ في‌ إمكان‌ الرؤية‌ في‌ بلدك‌ فلا تصم‌ لاجل‌ ذلك‌، فيدلّ علي‌ أنّ العبرة‌ ببلد المكلّف‌ خاصّةً؛ كما تري‌ خلاف‌ الظاهر جدّاً، ولو بالنظر إلي‌ أنّه‌ لو كان‌ المراد ذلك‌ لقال‌: «صم‌ بالرؤية‌ في‌ بلدك‌» صريحاً ولم‌ يأمر بالصوم‌ بالرؤية‌ بقول‌ مطلق‌ الذي‌ هو في‌ مقابل‌ العمل‌ بقول‌ أهل‌ الحساب‌ ونحوه‌ من‌ الاُمور الظنّيّة‌؛ كما أشرنا إليه‌ مراراً، وإلي‌ أنّ من‌ البعيد فرض‌ الشكّ في‌ إمكان‌ الرؤية‌ في‌ بلد الراوي‌، بعد فرض‌ عدم‌ رؤية‌ جميع‌ الناس‌ طرّاً، مع‌ عدم‌ العلّة‌ في‌ السماء وكونه‌ في‌ استخراج‌ أهل‌ الحساب‌ غير ممكن‌ الرؤية‌.

 فليس‌ إلاّ الشكّ في‌ الرؤية‌ في‌ تلك‌ البلاد، لقول‌ أهل‌ الحساب‌ بإمكان‌ الرؤية‌ فيها » ـ انتهي‌.[202]

 أقول‌:

 فقه‌ الحديث‌ يدلّنا علي‌ أنّ السائل‌ لم‌ يُرد سؤال‌ تكليفه‌ بالصيام‌ عن‌ الاءمام‌ عليه‌ السلام‌، ولم‌ يشكل‌ عليه‌ شهر رمضان‌ بالنسبة‌ إلي‌ بلده‌، حيث‌ صرّح‌ في‌ سؤاله‌ بأنّه‌ لم‌ يَر الهلال‌ ولم‌ يره‌ الناس‌ وليست‌ في‌ السماء علّة‌؛ والظاهر منه‌ أيضاً أنّ في‌ استخراج‌ أهل‌ الحساب‌ كانت‌ الرؤية‌ ممتنعةً في‌ بلده‌ حيث‌ علّق‌ إمكان‌ الرؤية‌ علي‌ قولهم‌ بتلك‌ البلاد النائية‌ خاصّةً.

 بل‌ كان‌ بانياً علي‌ عدم‌ دخول‌ شهر رمضان‌ في‌ بلده‌، علي‌ ما هو المرتكز في‌ ذهنه‌ وأذهان‌ الناس‌ من‌ لزوم‌ الرؤية‌ فيه‌ بخصوصه‌. وعلي‌ هذا الاساس‌ بني‌ علي‌ الاءفطار قطعاً كإفطار الناس‌؛ ولم‌ يظهر من‌ سؤاله‌ هذا أدني‌ توهّم‌ شكّ وشبهة‌ بالنسبة‌ إلي‌ إفطاره‌ وإفطارهم‌.

 وإنّما سأل‌ عن‌ أمر آخر؛ وهو جواز اختلاف‌ الآفاق‌ في‌ الرؤية‌ وعدمه‌، وأنّه‌ هل‌ تجوز الرؤية‌ في‌ بلد فتترتّب‌ عليها أحكام‌ الصيام‌، وعدم‌ الرؤية‌ في‌ آخر فلا تترتّب‌ عليها أحكامه‌، أم‌ لا ؟ بعد مفروغيّة‌ ترتّب‌ الصيام‌ في‌ كلّ بلد علي‌ الرؤية‌ في‌ ذلك‌ البلد.

 فلذا صرّح‌ بأنّ قوماً من‌ الحُسّاب‌ ذهبوا إلي‌ رؤيته‌ في‌ تلك‌ الليلة‌ بعينها في‌ تلك‌ الآفاق‌ البعيدة‌، فهل‌ يجوز ما قاله‌ الحسّاب‌ حتّي‌ تختلف‌ الآفاق‌ ويختلف‌ الفرض‌ علي‌ أهل‌ الامصار؛ ببيان‌ ما هو مرتكز في‌ ذهنه‌ من‌ ترتّب‌ الصيام‌ علي‌ الرؤية‌ ليس‌ غير، معبِّراً عنه‌ بأنّه‌ هل‌ يمكن‌ بأن‌ يكون‌ صومهم‌ خلاف‌ صومنا وفطرهم‌ خلاف‌ فطرنا ؟

 فتبيّن‌ أنّه‌ لم‌ يكن‌ بصدد تكليف‌ نفسه‌ في‌ بلده‌ أبداً، بل‌ كان‌ متيقّناً علي‌ أنّه‌ لم‌ يؤمر بالصيام‌ لمكان‌ عدم‌ الرؤية‌ عنده‌.

 بل‌ كان‌ بصدد أن‌ يعرف‌ تكليف‌ القاطنين‌ في‌ تلك‌ البلاد، بأنّهم‌ هل‌ يمكن‌ أن‌ يصوموا لمكان‌ الرؤية‌ الحاكية‌ عنها طائفة‌ الحسّاب‌، ويفطروا لمكان‌ الرؤية‌ في‌ بلادهم‌ أيضاً باختلاف‌ آفاقهم‌ مع‌ أُفقه‌؛ أم‌ لا يجوز ما قاله‌ الحسّاب‌ فيكون‌ جميع‌ الآفاق‌ متّحدةً في‌ إمكان‌ الرؤية‌ وعدمه‌ ؟

 وإذا لم‌ يَجز ما قاله‌ الحسّاب‌، فلمكان‌ استهلاله‌ في‌ آفاقه‌ وعدم‌ الاءهلال‌ مع‌ فقدان‌ علّة‌ في‌ السماء، علم‌ عدم‌ وجوده‌ في‌ تلك‌ الآفاق‌ أيضاً، فعلم‌ بطلان‌ قول‌ الحسّاب‌.

 وممّا ذكرنا يظهر أنّ قوله‌ في‌ أوّل‌ سؤاله‌ بأنّه‌ ربّما أشكل‌ علينا هلال‌ شهر رمضان‌، لم‌ يكن‌ المراد تردّداً وإشكالاً في‌ وظيفته‌ من‌ الصيام‌ قطعاً؛ بل‌ المراد تحقّق‌ الاءشكال‌ من‌ حيث‌ إمكان‌ دخول‌ شهر رمضان‌ في‌ ناحية‌ كإفريقيّة‌ والاندلس‌، وعدم‌ دخوله‌ في‌ ناحية‌ أُخري‌ كبلده‌، وعدم‌ إمكانه‌.

 ويظهر أيضاً أنّ ما وقّع‌ عليه‌ السلام‌ بقوله‌: لاَ تَصُومَنَّ بِالشَّكِّ؛ أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَصُمْ لِرُؤْيَتِهِ، لم‌ يكن‌ بيان‌ تكليفه‌ في‌ بلده‌ وهو في‌ هذه‌ الحالة‌ من‌ اليقين‌ علي‌ عدم‌ دخول‌ الشهر، بل‌ كان‌ بصدد بيان‌ قاعدة‌ كلّيّة‌ لجميع‌ الافراد في‌ كلّ مكان‌، في‌ قالب‌ الخطاب‌ الشخصيّ، بأنّ المدار علي‌ الرؤية‌ الفعليّة‌، ولا عبرة‌ بقول‌ المنجّمين‌ الموجب‌ للشكّ. فكلّ أحد في‌ أيّ بلدة‌ من‌ البلاد، إذا تحقّقت‌ الرؤية‌ يصوم‌، وإلاّ فلا يصوم‌. نظير الخطابات‌ القرآنيّة‌ في‌ ما يكون‌ المخاطب‌ فيها خصوص‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌، والمراد بيان‌ تكليف‌ قاطبة‌ المكلّفين‌.

 فعلم‌ ممّا ذكرنا أنّ هذه‌ الرواية‌ من‌ حيث‌ دلالتها علي‌ مفروغيّة‌ الرؤية‌ الفعليّة‌ في‌ كلّ ناحية‌ في‌ ذهن‌ السائل‌ وعدم‌ ردعه‌ عليه‌ السلام‌ أوّلاً، ثمّ السؤال‌ عن‌ إمكان‌ تحقّق‌ الاختلاف‌ في‌ الآفاق‌ حتّي‌ يكون‌ تكليف‌ كلّ ناحية‌ علي‌ مدار الرؤية‌ فيها بخصوصها وعدم‌ ردعه‌ عليه‌ السلام‌ كذلك‌ ثانياً، ثمّ بيان‌ القاعدة‌ الكلّيّة‌ بأنّ المدار علي‌ الرؤية‌ الفعليّة‌ لا علي‌ الشكّ ثالثاً؛ لابدّ وأن‌ تحسب‌ من‌ الروايات‌ الدالّة‌ علي‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌، لا من‌ الادّلة‌ الدالّة‌ علي‌ عدم‌ اللزوم‌ كما ذهب‌ إليه‌ السيّد قدّس‌ سرّه‌.

الرجوع الی الفهرس

التنبيه‌ السادس‌، والتنبيه‌ السابع‌

 التنبيه‌ السادس‌:

 ذهب‌ هذا السيّد قدّس‌ سرّه‌ إلي‌ أنّ: «ممّا يدلّ علي‌ عدم‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌ في‌ رؤية‌ الهلال‌ ورود النصوص‌ المتواترة‌ والاءجماع‌ بل‌ الضرورة‌ أيضاً علي‌ أنّ شهر رمضان‌ إمّا ثلاثون‌ يوماً وإمّا تسعة‌ وعشرون‌.

 وذلك‌ لانّه‌ علي‌ مقالة‌ المشهور من‌ لزوم‌ الاشتراك‌ في‌ الآفاق‌، يلزم‌ أن‌ يكون‌ شهر رمضان‌ أحداً وثلاثين‌ يوماً أو ثمانيةً وعشرين‌، في‌ حقّ من‌ رأي‌ هلال‌ شهر رمضان‌ في‌ بلده‌ ثمّ سافر إلي‌ بلد آخر يخالفه‌ في‌ الحكم‌؛ حيث‌ إنّه‌ بانتقاله‌ إليه‌ يتبدّل‌ حكمه‌ لا محالة‌. »[203]

 وفيه‌ ما لا يخفي‌، لانّ مدار الثلاثين‌ أو تسعة‌ وعشرين‌ إنّما هو في‌ حقّ القاطنين‌ في‌ كلّ بلدة‌ والمسافرين‌ إلي‌ بلاد متقاربة‌ تتّحد فيها الآفاق‌، بعين‌ ما بيّنّا مورد الانصراف‌ في‌ مطلقات‌ القضاء بالآفاق‌ القريبة‌ المتّحدة‌ بإمكانيّة‌ الرؤية‌، لا في‌ حقّ من‌ سافر نادراً من‌ قطر إلي‌ قطر.

 كما أنّ مطلقات‌ آيات‌ المواقيت‌ في‌ الصلاة‌ وأخبارها منصرفة‌ إلي‌ المكلّفين‌ الساكنين‌ في‌ النواحي‌ المعمورة‌ المعتدلة‌ من‌ الارض‌؛ لا في‌ حقّ من‌ خرج‌ عن‌ المعمورة‌، ولم‌ تكن‌ فيها مواقيت‌ من‌ زوال‌ وغروب‌ وفجر ونحوها؛ وهذا واضح‌.

 التنبيه‌ السابع‌:

 روي‌ الكلينيّ في‌ «الكافي‌» والشيخ‌ في‌ «التهذيب‌»[204] والصدوق‌ في‌ «من‌ لا يحضره‌ الفقيه‌» والطبرسيّ في‌ «مجمع‌ البيان‌» في‌ تفسير سورة‌ القدر[205]، كلّ واحد منهم‌ بإسنادهم‌ عن‌ عليّ بن‌ أبي‌ حمزة‌ الثُّمالي‌، قال‌: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي‌ عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَصِيرٍ: جُعِلْتُ فِدَاكَ ! اللَيْلَةُ الَّتِي‌ يُرْجَي‌ فِيهَا مَا يُرْجَي‌ ؟ فَقَالَ: فِي‌ لَيْلَةِ إحْدَي‌ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ: فَإنْ لَمْ أَقْوِ عَلَي‌ كِلْتَيْهِمَا ؟ فَقَالَ: مَا أَيْسَرَ لَيْلَتَيْنِ فِي‌ مَا تَطْلُبُ.

 قَالَ: قُلْتُ: فَرُبَّمَا رَأَيْنَا الْهِلاَلَ عِنْدَنَا؛ وَ جَآءَنَا مَنْ يُخْبِرُنَا بِخِلاَفِ ذَلِكَ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَي‌ ؟ فَقَالَ: مَا أَيْسَرَ أَرْبَعَ لَيَالٍ تَطْلُبُهَا فِيهَا.[206]

 (وأورده‌ في‌ «الوسائل‌» في‌ كتاب‌ الصيام‌، أبواب‌ أحكام‌ شهر رمضان‌، باب‌ 32: تعيّن‌ ليلة‌ القدر وأنّها في‌ كلّ سنة‌ وتأكّد استحباب‌ الغسل‌ فيها وإحيائها بالعبادة‌...)[207]