|
|
|
الصفحة السابقةإشراف عبّاد بن بشر علی الموت في غزوة ذات الرقاع وعدم قطعه تلاوتهوكان لهذا النوع من تلاوة القرآن، الذي يمثّل كيفيّة ارتباط العبد بربّه وخالقه بهذه الكلمات الإلهيّة والعبارات السبحانيّة؛ وخاصّةً للناطقين بالعربيّة أو لمتعلّميها؛ عالَمٌ من الاُنس واللذّة والوحدة والتكلّم مع الله سبحانه، فيغرقون في البهجة والسرور في فضاء من التجرّد والفناء عن النفس والبقاء بالله تعالي، كصلاة عُبَّاد بن بِشْر الذي عُهد إليه مع عَمَّار بن يَاسِر حراسـة الشِّعْب ليلاً، فانهمـك عبّاد في الصلاة، وكانت سـهام العدوّ تصيب بدنه فيكاد يموت، لكنّه لم يقطع السورة التي كان مشغولاً بقراءتها في الصلاة. فقد نقل الواقـديّ في « المغازي » أ نّه بلغ المسـلمين في المدينة أنّ الاعراب من طائفة أنْمار وثَعْلَبَة قد جمعوا لهم المجموع واستعدّوا لغزو المدينة، ومن العجيب أنّ المسلمين لم يكونوا يعلمون بذلك. وحين بلغ الخبر رسول الله صلّي الله علیه ] وآله [ وسلّم، خرج في أربعمائة من أصحابه للدفاع، حتّي سلك علی المَضيق، [298] ثمّ أفضي إلی وادي الشُّقْرَة فأقام به يومـاً، وبثّ السـرايا فرجعـوا إليه مـع الليل وخبّروه أنّ الاعراب قد فرّوا وذهبـوا إلی رؤوس الجبال وهـم مطـلّون علی النبيّ صلّي الله علیه ] وآله [ وسلّم. ولانّ المشركين كانوا قريباً منهم يخاف المسـلمون أن يُغيـروا علیهـم، فقد صلّي رسـول الله بالمسـلمين صـلاة الخوف، فكانت أوّل صلاة للخوف هي في هذه الغزوة التي دُعيت بغَزْوَة ذَاتِ الرُّقَاع، أُقيمت حسب نزول جبرئيل وآيات القرآن، وقد أقامها رسول الله بالمسلمين جماعة. وكان المشركون الذين فرّوا إلی رؤوس الجبال قد خلّفوا في محالّهم نسـوةً وقعن في أيدي المسـلمين، وكان في السـبي جارية وضـيئة، فلمّا انصرف رسول الله صلّي الله علیه ] وآله [ وسلّم راجعاً إلی المدينة حلف زوجها ليطلبنّ محمّداً ولا يرجع إلی قومه حتّي يصيب محمّداً أو يهريق فيهم دماً، أو تتخلّص صاحبته. فبينا رسول الله في مسيره عشيّةً ذات ريح، فنزل في شِعبٍ استقبله فقال: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا اللَيْلَةَ؟! فقام رجلان: عَمَّارُ بنُ يَاسِر و عُبَّادُ بنُ بِشْر، فقالا: نحن يا رسول الله نكلؤك. وجعلت الريح لا تسكن. وجلس الرجلان علی فم الشِّعب، فقال أحدهما لصاحبه: أيّ الليل أحبّ إليك، أن أكفيك فتكفيني آخره؟ قال: إكفِنِي أوّله. فنام عَمَّار بن يَاسِر وهو من المهاجرين، وقام عُبَّاد بن بِشْر الانصاريّ يصلّي، وأقبل عدوّ الله يطلب غِرّة وقد سكنت الريح، فلمّا رأي سواد عبّاد علم أ نّه ربيئة القـوم، فأراد رميه بسـهم حتّي إذا انفتـح طريـق الشِّعب حمل علی المسلمين النائمين داخله في ظلام الليل، ففوّق له سهماً فأصابه. فانتزع بشر السهم ورمي به. ثمّ رماه بآخر فأصابه، فانتزعه ورمي به. ثمّ رمـاه بالثالث فأصـابه، فلمّا غلـب علیه الدم ركـع وسـجد، ثمّ قال لصاحبه عمّار: اجلس فقد جاء العدوّ. فنهض عمّار، فلمّا رأي الاعرابيّ أنّ عمّاراً قد قام علم أ نّهم قد نذروا به، فقال عمّار: أيْ أَخِي! ما منعك أن توقظني في أوّل سهمٍ رمي به؟! أجاب عبّاد: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا وَهِيَ سُورَةُ الكَهْفِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَـعَهَا حَتَّي أَفْـرَغَ مِنْهَا. وَلَوْلاَ أَ نِّي خَشِـيتُ أَنْ أُضَـيِّعَ ثَغْراً أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ ] وَآلِهِ [ وَسَلَّمَ مَا انْصَرَفْتُ وَلَوْ أُتِيَ عَلَی نَفْسِي. ويُقال إنّ الرجل الانصاريّ كان عِمَارَة بن حَزْم. قال ابن واقد: وأثبتهما عندنا عمّار بن ياسر. [299] هكذا كان أُنس المسلمين بالقرآن، فقد كانوا في خلوتهم مع الله، وبتلاوة كتاب الله، يغرقون في عوالم المعاني فيرضون أن يهبوا أرواحهم ولا ينصرفون عن لذّة المكالمة. ولقد كان أمير المؤمنين علیه السـلام يمتلـك حـواريّيـن كهـؤلاء، يعشـقونه في المجالسـة والمؤانسـة والذِّكر والفكر، وكان يئنّ لفقـدهـم وموتهم ويذرف الدموع سخاناً والآهات حرّي، نِعْمَ الإمَامُ وَنِعْمَ المَأْمُومُ. آخر خطبة لامير المؤمنين علیه السلام وذكره لإخوانه الشهداءولقد خطب علیه السلام في آخر أُسبوع من عمره الشريف خطبةً كانت آخر خطبه، قال فيها: أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَی الحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَی المَنِيَّةِ؟ وَأُبْرِدَ [300] بِرُؤُوسِهِمْ إلَي الفَجَرَةِ؟! ثُمَّ ضَرَبَ عَلَی لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ، فَأَطَالَ البُكَاءَ؛ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أَوْهِ عَلَی إخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا القُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؛ وَتَدَبَّرُوا الفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا البِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَوَثِقُوا بِالقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ. (ثُمَّ نَادَي بِأَعْلَي صَوْتِهِ): الجِهَادَ الجِهَادَ عِبَادَ اللَهِ. أَلاَ وَإنِّي مُعَسْكِر فِي يَوْمِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إلَي اللَهِ فَلْيَخْرُجْ. قَالَ نَوْفٌ: وَعَقَدَ لِلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي عَشْرَةِ آلاَفٍ، وَلِقَيْسِ بْنِ سَـعْدٍ رَحِمَهُ اللَهُ فِي عَشْـرَةِ آلاَفٍ، وَلاِبِي أَيُّوبَ الاَنْصَـارِيِّ فِي عَشْـرَةِ آلاَفٍ، وَلِغَيْرِهِمْ عَلَی أَعْدَادٍ أُخَرَ، وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلَي صِفِّينَ. فَمَـا دَارَتِ الجُمُعَةُ حَتَّـي ضَـرَبَهُ المَلْعُـونُ ابْـنُ مُلْجَـمٍ لَعَنَـهُ اللَهُ. فَتَرَاجَعَتِ العَسَـاكِرُ فَكُنَّا كَالاَغْنَامِ فَقَدَتْ رَاعِيهَا تَخْتَطِـفُهَا الذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. [301] وكان عمّار بن ياسر من أجلّة كبار صحابة رسول الله وأمير المؤمنين علیهما الصلاة والسلام، ومن كبار الفقهاء والزهّاد وأهل البصيرة والولاية، امتلك ضميراً مُضاءً، وقلباً منيراً متوهّجاً، وفكراً عميقاً، وعقلاً صائباً، وأُسلوباً متيناً، وحزماً راسخاً صحيحاً. قال رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم فيه: عَمَّارٌ مَعَ الحَقِّ وَالحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ حَيْثُ كَانَ. عَمَّارٌ جِلْدَةٌ بَيْنِ عَيْنِي وَأَنْفِي تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ. [302] ونُقل عـن « صحيـح البخاريّ » أنّ عمّار كان عند بنـاء مسـجد النبـيّ صلّي الله علیه وآله وسـلّـم يحمـل ضعف ما يحمله غيـره مـن الاحجـار، فيحمل عنه وعن رسول الله صلّي الله علیه وآله وسـلّم، وكان رسـول الله ينفض الغبار عن عمّار ويقول: وَيْحَ عَمَّارٍ! تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ؛ يَدْعُـوهُمْ إلَي الجَنَّةِ وَيَدْعُـونَهُ إلَي النَّارِ. وكذلك قال عنه رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم: أَبْشِرْ يَا أَبَا اليَقْظَانِ! فَإنَّكَ أَخُو عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي دِيَانَتِهِ وَمِنْ أَفَاضِلِ أَهْلِ وِلاَيَتِهِ وَمِنَ المَقْتُولِينَ فِي مَحَبَّتِهِ. تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، وَآخِرُ زَادِكَ مِنَ الدُّنْيَا ضِيَاحٌ [303] مِنَ اللَّبَنِ. [304] وفي الوقـت الذي ينقل فيه مخالفـونا وأبنـاء العامّـة في كتبهـم من فضائل عمّار علی لسان رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم بالقدر الذي يُثير الدهشة والعجب، نري عثمان يضربه زمن خلافته حتّي يغشي علیه، ثمّ يأمر غلمانه فيوثقوا يَدَيْهِ ورِجلَيه ثمّ يضربه برِجليه وهما في الخفّين علی مذاكيره فيصيبه الفتق ويُكسر ضلع من أضلاعه! قالوا إنّ رسول الله قال فيه: عَمَّارٌ مُلِيَ إيمَاناً حَتَّي أَخْمَصَ قَدَمَيْهِ؛ وَإنَّ مَنْ عَادَاهُ عَادَاهُ اللَهُ؛ وَإنَّ مَنْ أَبْغَضَهُ أَبْغَضَهُ اللَهُ. وَإنَّ الجَنَّةَ مُشْتَاقَةٌ إلَيهِ. [305] شهادة عمّار بن ياسر في معركة صفّينولقد سقط عمّار في معركة صفّين شهيداً، وكان يقول فيها: وَاللَهِ لَوْ ضَرَبُونَا بِأسْـيَافِهِمْ حَتَّي يُبْلِغُونَا سَـعَفَاتِ[306] هَجَرٍ لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَی الحَقِّ وَأَ نَّهُمْ عَلَی البَاطِلِ. [307] ولقد جـاء عمّار في معركة صـفّين إلی أمير المؤمنين علیه السـلام، فقال: يَا أَخَا رَسُولِ اللَهِ! أَتَأْذَنُ لِي فِي القِتَالِ؟! فقال علیه السلام: مَهْلاَ رَحِمَكَ اللَهُ! فلمّا كان بعد ساعة، أعاد علیه الكلام، فأجابه بمثله، فأعاده ثالثاً، فَبَكَي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ عَمَّارٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. فَنَزَلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ بَغْلَتِهِ، وَعَانَقَ عَمَّاراً وَوَدَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا اليَقْظَـانِ! جَـزَاكَ اللَهُ عَنِ اللَهِ وَعَنْ نَبِيِّكَ خَيْـراً؛ فَنِعْـمَ الاَخُ كُنْتَ وَنِعْمَ الصَّاحِـبُ كُنْتَ، ثُمَّ بَكَي عَلَيْهِ السَّـلاَمُ وَبَكَـي عَمَّارٌ؛ ثُمَّ بَرَزَ إلَي القِتَالِ. وكان لعمّار آنذاك أربع وتسعون سنة، وخلال المعركة الملتحمة بينه وبين عدوّه طعنه أبو العادية برمحٍ في جنبه فهوي عمّار علی الارض. قَالَ أَبُو البُخْتَرِيّ: أُتِـي عَمَّارٌ يَوْمَئِذٍ بِلَبَنٍ فَضَحِـكَ، ثُـمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: آخِرُ شَرَابٍ تَشْرَبُهُ مِنَ الدُّنْيَا مَذَقَةٌ مِنْ لَبَنٍ حَتَّي تَمُوتَ. [308] فلمّا وقـع عمّار علی الارض بطـعنة رمح أبـي العادية أكبّ علیه ابن جوي السَّـكْسَـكِيّ واحتزّ رأسـه، فأقبلا إلی معاوية يختصمان، كلٌّ يقول مفتخراً: أنا قتلتُه! فَقَالَ عَمْرو بن العاص اللعين: وَاللَهِ إنْ يَخْتَصِمَانِ إلاَّ فِي النَّارِ! وبكي أميـر المؤمنيـن علیه السـلام لقتله: فَلَمَّـا كَـانَ اللَيْـلُ طَـافَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي القَتْلَي فَوَجَدَ عَمَّاراً مُلْقيً فَجَعَلَ رَأْسَهُ عَلَی فَخِذِهِ، ثُمَّ بَكَي وَأَنشَأَ يَقُولُ: أَيَا مَـوْتُ كَـمْ هَـذَا التَّفَـرُّقُ عَنْـوَةً فَلَـسْـتَ تُبْقِـي لِـي خَلِيـلَ خَلِيلِي أَلاَ أَيُّهَا المَـوْتُ الَّذِي لَيْـسَ تَارِكِي أَرِحْـنِـي فَقَـدْ أَفْنَيْـتَ كُلَّ خَلِيـلِي أَرَاكَ بَصِـيـراً بِالَّذِيـنَ أُحِبُّـهُـمْ كَأَ نَّـكَ تَمْضِـي نَحْـوَهُـمْ بِدَلِيـلِي ثُمَّ قَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. إنَّ امْرَءاً لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ مُصِيبَةٌ مِنْ قَتْلِ عَمَّارٍ فَمَا هُوَ فِي الإسْلاَمِ مِنْ شَيْءٍ. ثُمَّ صَلَّي عَلَيْهِ. [309] صَلَّي اللَهُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَيَا يَعْسُوبَ المُسْلِمِينَ، وَيَا إمَامَ المُوَحِّدِينَ، وَيَا قَائِدَ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، وَيَا سَيِّدَ الوَصِيِّينَ، وَيَا حَامِلَ أَسْرَارِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَيَا تَأْوِيلَ القُرْآنِ الحَكِيمِ وَرَحْمَةُ اللَهِ وَبَرَكَاتُهُ. اي علَم ملّت و نفس رسول حلقه كش علم تو گوش عقول [310] اي بتو مختوم كتاب وجود وي بتو مرجوع، حساب وجود داغكش نافة تو مشك ناب جزيه ده ساية تو آفتاب خازن سبحاني و تنزيل وحي عالم ربّاني و تأويل وحي آدم از اقبال تو مسجود شد چون تو خَلَف داشت كه مسجود شد تا كه شده كُنْيَتِ تو بو تراب نه فلك از جوي زمين خورده آب [311] عَلِيُّ الدُّرُّ وَالذَّهَبُ المُصَفَّي وَبَاقِـي النَّاسِ كُلُّهُـمُ تُـرَابُ وَعَلَي أَهْلِ بَيْتِكَ الطَّاهِرِينَ، الوارثين مقام الولاية حقّاً، والمكمِّلين حقيقة الشريعة، والحاملين روح القرآن وحياته في كلّ زمان ومكان، سيّما بقيّة الله تعالي أرواحنا فداه. بِآلِ مُحَمَّدٍ عُـرِفَ الصَّـوَابُ وَفِي أَبْيَـاتِهِـمْ نَـزَلَ الكِتَابُ وَهُمْ حُجَجُ الإلَهِ عَلَی البَرَايَا بِهِـمْ وَبِجَـدِّهِمْ لاَ يُسْـتَرَابُ أعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ وصلَّي اللَهُ عَلَی سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ولَعْنَةُ اللَهِ عَلَی أعْدَائهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ إلَي قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ ولاَ حَولَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ العَلِيِّ العَظِيمِ قال الله الحكيم في كتابه الكريم: «فَلاَ´ أُقْسِـمُ بِمَوَ قِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ و لَقَسَـمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ و لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَـ'بٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ و´ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَـ'لَمِينَ. [312] التنزيل في القرآن المفصّل، والنزول في القرآن المحكمللقرآن الكريم مرحلتان وموقعان: المرحلة والموقع الاوّل: حقيقته في عالم التجرّد والمعني والملكوت الا علی، فهو مجرّد وبسيط ومُحكم؛ والمرحلة والموقع الثاني: نزوله في عالم الكثرة والتلبّس بلباس الصور، والتشكّل بأشكال السور والآيات بالشكل المعيّن المعهود. فذاك القرآن الذي عند الربّ لا حجم له ولا زمان، بل هو كتابٌ سماويّ أنزله الامين جبرئيل من ربّ العزّة علی القلب المبارك لمحمّد بن عبد الله صلّي الله علیه وآله وسلّم دفعةً واحدة، وهو النزول الحاصل في شهر رمضان: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي´ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًي لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـ'تِ مِّنَ الْهُدَي' وَالْفُرْقَانِ. [313] وقد عبّر في سورة الدخان عن نزول هذا القرآن بأ نّه كان في ليلةٍ مبـاركة: حَـم´ * وَالْكِتَـ'ـبِ الْمُبِيـنِ * إِنَّآ أَنـزَلْنَـ'هُ فِـي لَيْلَـةٍ مُّبَـ'رَكَةٍ إِنَّـا كُـنَّا مُنذِرِينَ. [314] وعيّنت هذه الليلة المباركة في سورة القدر بأ نّها هي ليلة القدر: إِنَّآ أَنزَلْنَـ'هُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. [315] وبضـمّ هذه الآيات الثـلاث إلی بعضـها، يسـتفاد أنّ ذلـك القرآن المحكم، البسيط والمجرّد؛ الذي نزل في آنٍ واحد دفعةً واحدة علی صدر النبيّ، وذلـك في لحظة واحـدةٍ لا أكثر ـ والتعبير باللحظـة الواحـدة تبعاً للمسائل العلميّة والفلسفيّة من باب ضيق العبارة كان أوّلاً في شهر رمضان لا في سائر الشهور. وكان ثانياً في ليلة القدر وهي الليلة المباركة ـ لا في سائر الليالي. و علیه، فإنّ القرآن قـد أُنـزل علی النبيّ في ليلة القـدر مـن شـهر رمضان. والشاهد علی هذا النزول الدفعيّ علی القلب المبارك للنبيّ صلّي الله علیه وآله وسـلّم أو إلی السـماء الدنيـا، التعبيـر عنه بكلمة الإنـزال التي تتحـدّث في جميـع الآيات القرآنيّة عن النزول الدفعـيّ، فهـذه الصـيغة تستعمل في اللغة العربيّة في موارد النزول الدفعيّ. أمّا المرحلـة والمـوقـع الثانـي للقرآن فنـزولـه التدريجـيّ منجّـماً وتدريجيّاً علی رسول الله خلال ثلاث وعشرين سنة إبتداءً من زمن البعثة إلی زمن رحيل الرسـول الاكرم، حسـب المقتضـيات والمصـالح والحاجة إلی الاحكام والتشـريـع، عند ظهـور ونشـوء الموضـوعـات والمتعلّقات والاحتياجات التدريجيّة، وهذه الحقيقة مشهودة في كيفيّة التعبير عنها بعبارة التنزيل في الآيات التالية: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا. [316] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّـ'لِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا. [317] وتستعمل صيغة التنزيل في اللغة العربيّة للنزول التدريجيّ، و علیه فإنّ الفرق بين المرحلة والموقـع الاوّل للقرآن مـع مرحلته وموقعه الثاني هو الفرق بين الإجمال والتفصيل: كِتَـ'بٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـ'تُهُ و ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. [318] ويتّضح من هذه الآية أنّ للقرآن جهتَين: محكمٌ ومفصَّلٌ، فالمحكم هو جهة الإجمال التي لا صورة ولا شكل تفصيليّ لها، فهو واحد وبسـيط لا يتجزّأ ولا ينقسم بكلّ ما في الكلمة من معني. والمفصَّل هو جهة التفصيل التي كان لها صورة وشكل، فهي قد خرجت من الإجمال إلی التفصيل. إِنَّا جَعَلْنَـ'هُ قُرْءَ نًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ و فِي´ أُمِّ الْكِتَـ'بِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. [319] وهذه الآية توضّح نكات ودقائق كثيرة في إفادة ما ذكرناه، فأوّلاً أنّ كتاب القرآن هذا ـ أي السور والآيات القرآنيّة قد جُعل قابلاً للقراءة، وجُعل عربيّاً فصيحاً ليفهمه الناس. وثانياً: أنّ هذا القرآن هو في أُمّ الكتاب، حيث وَعِندَهُ و´ أُمُّ الْكِتَـ'بِ، [320] في عالمٍ له في البساطة والتجرّد والعلوّ والنور عند الله حكم الاُمّ والمنشأ لجميع العوالم. نفس رسول الله متّحدة مع القرآن السامي والمحكموثالثاً: أ نّه هناك ليس في صورة سور وآيات، بل حقيقةٌ مُحكمة ومتعالية ذات مقام سامٍ ودرجة رفيعة، ليس فيه جانب من التجزئة والتفرقة والتفصيل، لا تناله أفكار المفكّرين، ولا ترتفع إلی ذروة ساحة قدسه الاوهام المحلّقة في الشـواهق، وتزيغ وتتهاوي وتضـمحلّ دون الوصـول إلی عزّ ذلك المقام المنيع. المطهّرون فقط، هم الذين يصلون ذلك المقام ويدركون تلك الحقيقة المجـرّدة، إذ: لاَ يَمَسُّـهُ و´ إِلاَّ الْمُطَـهَّرُونَ. فغير المنزّهين والمطـهّرين من الرذائل وهوي النفس، والعابرين من درجة الإخلاص، والفائزين بمقام الصِّدِّيقين والمخلَصين الذين لم يبق في وجودهم وعقولهم وسرّهم أبداً شائبة من البينونة والازدواجيّة، لا يمكنهم الوصول إلی ذلك المقام وحيازة تلك الذروة الرفيعة السامية. فهذا القرآن النازل مفصّلاً ومبيّناً موجود علی نحو أ علی وأكمل في ذلك القرآن العالي وال علیّ المُحكم المُنزل عنه، كأنّ ذلك القرآن كان نبعاً من الماء يفور الماء منه علی الدوام، فأُعطيَ منبع الفوران والنبع ذلك دفعةً إلی النبيّ، ثمّ منـح صلوات الله علیه وآله وسـلّم تدريجيّـاً هـذا الفـوران المستمرّ المتوالي من مياه الرحمة التي شملت أرجاء العالم. أو كمثل مَلَكة الرسم والخطّ ومَلَكات سائر الحرف والصنائع التي يوجد أصلها في الشخص الواجد لها، فهي موجودة لديه بلا شكل أو أبعاد أو زمان أو ما شابه، وبواسطة تلك المَلَكة البسيطة المجرّدة يقوم صاحبها تدريجيّاً بإنزال ملكاته بصورة محدودة ومعيّنة إلی عالم الفعل والخارج ويلبسه لباس التحقّق والف علیّة، كما يفعل الرسّام برسم اللوحات المختلفة الهيئة والكيفيّة، وكما يفعل الخطّاط بخطّ الخطوط المختلفة، وكما يفعل سائر أصحاب الصنائع والحِرَف. وهكذا، فقد كان ذلـك القرآن المُحكم ـ الذي نزل دفعةً حقيقة متعالية؛ وكان هذا القرآن المفصّل في ثلاثين جزءاً ومائة وأربع عشرة سورة، والنازل تدريجيّاً بأشكال مختلفة ومطالب متنوّعة من التوحيد والمعارف والقصص والاحكام وغيرها؛ بحسـب المقتضـيات المحـدودة المتميّـزة ليـس إلاّ ذلـك القرآن العالي. لا فرق بينهمـا إلاّ في التفصـيل والإجمال، فإن رُفع هذا القرآن إلی الا علی لصار ذاك، وإن أُنزل ذاك صار هذا. ذلك القرآن هو حقيقة نفس رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم، وهذا القرآن هو أخلاقه ومَلَكاته وأعماله. [321] وتتضّح بهذا البيان كيفيّة اتّحاد نفس رسول الله والائمّة الطاهرين صلوات الله وسـلامه علیهم أجمعيـن مع القرآن المحكم العالي، واتّحـاد فكر وذهن وأبـدان وجـوداتهـم القدسـيّة مع هذا القرآن المفصّـل العربيّ المبين. وكما أنّ بعثة خاتـم الانبياء لا تختـصّ بزمان أو مكان معيّنين، إذ: وَمَآ أَرْسَلْنَـ'كَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـ'لَمِينَ؛[322] وَمَآ أَرْسَلْنَـ'كَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ، [323] فإنّ القرآن الكريم الذي يمثّل وحي الله هو الآخر مرسـل لجميـع العوالم إلی يوم الجزاء، فلا اختصاص له بزمان أو مكان معيَّنَين: قُلْ يَـ'´أَيُّهَـا النَّاسُ إِنِّـي رَسُـولُ اللَهِ إِلَيْكُـمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ و مُلْـكُ السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ لاَ´ إِلَـ'هَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَـَامِنُوا بِاللَهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الاْمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَهِ وَكَلِمَـ'تِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. [324] يمتلك حملة القرآن أشرف مكارم الإنسانيّةوهذه الآية الاخيرة، والتي تعلن نداء شمول الرسالة لجميع سكّان العالم إلی يوم القيامة، قد تلت هذه الآية: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاْمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ و مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَب'ةِ وَالاْءنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَب'هُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَـ'تِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِـمُ الْخَبَـ'´نءِثَ وَيَضَـعُ عَنْهُـمْ إِصْرَهُـمْ وَالاْغْلَـ'لَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي´ أُنزِلَ مَعَهُ و´ أُولَـ'´نءِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. [325] حيث إنّها تشـخّص في هذه الآية المباركة كيفيّة دعـوة رسـول الله وموارد مهمّته ورسالته بالنور الذي أُنزل معه، أي القرآن. فالقرآن كنفس رسول الله، هو أفضل وأ علی من جميع الكائنات. قال رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم: مَا مِن شَفِيعٍ أَفْضَلَ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ القُرْآنِ؛ لاَ نَبِيٍّ وَلاَ مَلَكٍ وَلاَ غَيْرِهِ. [326] وروي أيضاً عن رسول الله: إِنَّ القُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ. فَقِيلَ: يَا رَسُـولَ اللَهِ وَمَـا جَـلاَؤُهَا؟! فَقَالَ: تِلاَوَةُ القُرْآنِ وَذِكْـرُ المَوْتِ. [327] فالقرآن مرهم لجراح النفس، لذا يجلو صدأ القلوب ويصقلها فتصبح معدّةً لعكس الانوار الإلهيّة والتجلّيات السبحانيّة، وفي هذه الحالة فإنّ جميع الصفات الحسنة ومكارم الاخلاق ستنشأ في تالي القرآن. والقرآن يهدي إلی مقام عزّ الربـوبيّة، وهو شـرف الإنسـان وفيه صفاته الحميـدة في الاسـتقامة والعفّة والعبـوديّة والعِلـم والحلـم والإيثـار وغيرها. لو أُعطي القرآن لاحد لنال أعظم المواهب الإلهيّةيروي الكلينيّ بإسناده المتّصل عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام أنّ رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم قال: إنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالتَّخَشُّعِ فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ لَحَامِلُ القُرْآنِ. وَإنَّ أَحَقَّ النَّاسِ فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ لَحَامِلُ القُرآنِ. ثُمَّ نَادَي بِأَعْلَي صَوْتِهِ: يَا حَامِلَ القُرْآنِ! تَوَاضَعْ بِهِ يَرْفَعْكَ اللَهُ! وَلاَ تَعَزَّزْ بِهِ فَيُذِلُّـكَ اللَهُ! يَا حَامِلَ القُرْآنِ! تَزَيَّـنْ بِهِ لِلَّهِ يُزَيِّنْكَ اللَهُ ] بِهِ [، وَلاَ تَزَيَّنْ بِهِ لِلنَّاسِ فَيُشِينَكَ اللَهُ بِهِ. مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ فَكَأَ نَّمَا أُدْرِجَتِ النُّبُوَةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ وَلَكِنَّهُ لاَ يُوحَي إلَيْهِ وَمَنْ جَمَعَ القُرْآنَ فَنَوْلُهُ لاَ يَجْهَلُ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ عَلَيْهِ؛ وَلاَ يَغْضَبُ فِيمَنْ يَغْضَبُ عَلَيْهِ. وَلاَ يَحُدُّ فِيمَنْ يَحُدُّ؛ وَلَكِنَّهُ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ وَيَحْلُمُ لِتَعْظِيمِ القُرْآنِ. وَمَنْ أُوتِيَ القُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِي فَقَدْ عَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَهُ وَحَقَّرَ مَا عَظَّمَ اللَهُ. [328] ويُلاحظ في هذا الحديث المبارك ما لاصحاب القرآن وحملته من ملكات سنيّة، من التخشّع والصلاة والصيام والوقار والهدوء والسكينة عند مواجهة الجهلة، وكسـر سَـوْرة الغضب وكظم الغيـظ والعفو والإغضاء عن الخاطي، والحلم والتحمّل والصبر، وأعظم من هذا كلّه أنّ مقام النبوّة كأ نّه قد أُدرج بين جَنْبَيْهم، يُضاف إلی ذلك إدراكهم ومعرفتهم حقيقة الاحكام والمعارف. وجُعل ذلك من شمائل الذين يجلسون في مقام الخضوع والتذلّل أمام عزّة القرآن وشموخه، فتكون حال قلوبهم في انعطافها واستعدادها سبباً لقبول تلقّي الآيات. أمّا الافراد الذين ينتابهم الشعور بالعزّة أمام القرآن، والذين يحسبون أنّ علومهم وكمالاتهم تمثّل شيئاً مقابل القرآن، فلن يعود علیهم من القرآن شيء، حيث من الواضح أنّ المراد بالذلّة مقابل القرآن، ليست الذلّة الظاهريّة في تقبيل القرآن واحترامه، بل التسليم والذلّة الباطنيّة الحاصلة بتسليم النفس واعتبارها أنّ علومها وكمالاتها ليست شيئاً أمام عظمة القرآن وكماله، وهذا يحصل بانعطاف القلب واستعداده الذي ينتج القبول والتلقّي، كما أنّ انعطاف القلب ينشأ بدوره إثر تعظيم وتوقير القرآن وإجلاله. يروي الكلينيّ بسـنده، عن الزهريّ، عن الإمام علیّ بن الحسـين علیهما السلام قال: سَأَلْتُهُ: أَيُّ الاَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: الحَالُّ المُرْتَحِلُ. قلت: وما الحال المرتحل؟ قَالَ: فَتْحُ القُرْآنِ وَخَتْمُهُ؛ كُلَّمَا جَاءَ بِأَوَّلِهِ ارتْحَلَ فِي آخِرِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَعْطَاهُ اللَهُ القُرْآنَ فَرَأَي أَنَّ رَجُلاً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِي فَقَدْ صَغَّرَ عَظِيماً وَعَظَّمَ صَغِيراً. [329] وقد أوردنا في هذه الابحاث القرآنيّة في الجزء الاوّل [330] رواية في تفسير الآية المباركة: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَـ'هِلِينَ [331]؛ وبحثنا في مفهومها ومعناها، ونكتفي هنا بذكر كلام الزمخشريّ بهذا الشأن الذي أورده في تفسير ذيل الآية المباركة. يقول هذا المُفَسِّرُ المُتَضَلِّعُ في «الكَشَّاف»: العَفْو ضدّ الجَهْد، أي: أيّها النبيّ خُذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتي منهم، وتسهّل من غير كلفة ولا تداقّهم ولا تطلب منهم الجهد وما يشقّ علیهم حتّي لا ينفروا، كقوله صلّي الله علیه ] وآله [ وسلّم: يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا. قال الشاعر: خُذُي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلاَ تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ والعُرف: المعروف والجميـل من الافعال، ومعنـي وَأَعْـرِضْ عَنِ الْجَـ'هِلِينَ: ولا تُكافـي السـفهاء بمثل سـفههم ولا تمارهم واحلـم عنهم وأَغِضَّ علی ما يسوؤك منهم. وقيل: لمّا نزلت هذه الآية سأل رسول الله جبرئيل فقال: لا أدري حتّي أسأل، ثمّ رجع فقال: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ رَبَّكَ أَمَرَكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ! وعن جعفر الصـادق: أمر الله نبيّه علیه الصـلاة والسـلام بمكارم الاخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الاخلاق منها. [332] وقد أوردنا في هذا الجـزء من الكتاب رواية عن ابن أبي الحـديد، عن ابن قتيبة، عن أمير المؤمنين علیه السلام، يروي الكلينيّ في « الكافي » رواية تقاربها مضـموناً عن الإمام الصـادق علیه السـلام، وكانـت بعض عباراتها: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الاُتْرُجَّةِ رِيحُهُا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ؛ وَمَثَلُ المُؤْمِـنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَـلِ التَّمْـرَةِ طَـعْمُهَا طَـيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا. [333] ويُستفاد من هذه العبارة أنّ المؤمن العالِم بالقرآن له نور ورشحات طيّبة، وهو عارف بطرق السير والسلوك، وسبل الوصول إلی المعبود، خبير بموانع وعقبات هذا الطريق وكيفيّة إزالتها وتخطّيها والوصول إلی المقصود، وهي الخصوصيّة التي عبّر عنها علیه السلام بالريح الطيّب، خلافاً للشخص الذي أوصله عمله وتلقّيه عن الإمام والولي إلی مرحلة الإيمان فطابت روحه، لكنّ افتقاده معرفة سبيل السير والسلوك وطريق الوصول، وجهله كيفيّة رفع الموانع والاخطار والخواطر الشيطانيّة وكيفيّة التمييز بين النفحة الإلهيّة ونزعات إبليس، قد أبقاه قاصراً عن أن يفيد شيئاً أو يُعطي شيئاً، فهو لا يصلح ـ والحال هذه لقيادة جماعة وهدايتهم إلی الله. وحاصل الكلام أنّ وجود هذا الشخص لازم غير متعدٍّ، ومع أ نّه جيّد وحسن إلاّ أ نّه في حدود نفسه هو لا يتعدّاها ولا يرشح عنها إلی غيرها. لذا، علیه أن يتصـفّح القرآن؛ وهو كتاب النفـس البشـريّة؛ فيبحث في صفاته كاملةً، ويشخّص جيّداً ما يُنجيه وما يُهلكه، ويطّلع بشكل تامّ علی جنود النفـس الامّـارة وأتباع إبليـس، و علی طريق التغلّـب علیها، وأُسلوب تقوية تعديل وتقويم الغرائز الرحمانيّة والمواهب الإلهيّة. القائد والدليل إلی الله ينبغي أن يكون عارفاً بالقرآنالقرآن هو في الاساس كتابٌ للت علیم والتربية، وهو المنجي للبشريّة من عالَم البهيميّة إلی أ علی مراتب السمو بمقام القُرب والإنسانيّة، لذا فإنّ العارف بالقرآن يمتاز بنوع من البصيرة والتربية التي يكون غيره فيها محروماً منها، من المؤمنين الذين لم يصلوا درجة اليقين والخلوص. و علیه، فقد عدّ أرباب السلوك وأساتذة مقام الطريقة أنّ العِلمَ بأحكام الشريعة والسنّة المحمّديّة من الشروط الحتميّة للاُستاذ والدليل، وهو نفسه العلم بالقرآن المتجلّي في الاحكام والسنّة والولاية. ولانّ الله ال علیّ الا علی يريد لجميع أفراد البشر أن يمتلكوا خصوصيّة العرفان والتوحيد والمقامات الروحيّة والمعنويّة، فقد أمرهم جميعاً بقراءة القرآن وتلاوته، وبالتدبّر والتفكّر في الآيات الإلهيّة. وقد ورد عن رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم: أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ القُرْآنِ. وعنه أيضاً: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ. [334] وينقل في « الكافي » بإسناده عن فضيل بن يسار، عن الإمام الصادق علیه السلام: قَالَ: مَا يَمْنَعُ التَّاجِرَ مِنْكُمُ المَشْغُولَ فِي سُوقِهِ إذَا رَجَعَ إلَي مَنْزِلِهِ أَنْ لاَ يَنَامَ حَتَّي يَقْرَأَ سُورَةَ القُرْآنِ فَتُكْتَبُ لَهُ مَكَانَ كُلِّ آيَةٍ يَقْرَؤُهَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَيُمْحَي عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ. [335] ويروي في « الكافي » عن عبد الله بن فضل النوفليّ، مرفوعاً، قال: مَا قَرَأْتُ الحَمْدَ عَلَی وَجَعٍ سَبْعِينَ مَرَّةً إلاَّ سَكَنَ. [336] وورد في « الكافي » أيضاً، عن معاوية بن عمّار، عن الإمام الصادق علیه السلام قال: لَوْ قَرَأْتُ الحَمْدَ عَلَی مَيِّتٍ سَبْعِينَ مَرَّةً ثُمَّ رُدَّتْ فِيهِ الرُّوحُ مَا كَانَ ذَلِكَ عَجَباً. [337] وكذلك يروي في « الكافي » بإسناده عن الإمام محمّد الباقر علیه السلام أنّ جابراً قال له: إنَّ قَوْماً إذَا ذَكَرُوا شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ؛ أَوْ حُدِّثُوا بِهِ صَعِقَ أَحَدُهُمْ حَتَّي يُرَي أَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ قُطِّعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلاَهُ لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَهِ! ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا بِهَذَا نُعِتُوا! إنَّمَا هُوَ اللِينُ وَالرِّقَّةُ وَالدَّمْعَةُ وَالوَجَلُ. [338] أي أنّ الله سبحانه لم يصف في قرآنه قرّاء القرآن بالصعقة، إذا ما حصلت لديهم حالة كهذه فهي لا ريب ناشئة عن عدم التحمّل، أي أنّ الشيطان غلب علیهم في تلك الحالة. ولقد وصف الله تعالي قرّاء كتابه بالعيون المغرورقة بالدموع، وبالدموع الجارية المنسكبة، وبخشية الله وباللين والرقّة في القلب. قصّة الشابّ الذي قال في المسجد لرسول الله: أصبحت مُوقناًوفي كتاب « الكافي » رواية عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعتُ الإمام الصادق علیه السلام يقول: إنّ رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم صلّي بالناس، فنظر إلی شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه. فقال له رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلاَنُ؟! قَالَ: أَصْبَحْتُ يَا رَسُولُ اللَهِ مُوقِناً. فَعَجِبَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ: إنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً؛ فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ؟! فَقَالَ: إنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَهِ هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هُوَاجِرِي؛ فَعَزَفَتْ [339] نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كَأَ نِّي أَنْظُرُ إلَي عَرْشِ رَبِّي وَقَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الخَلاَئِقُ لِذَلِكَ وَأَنَا فِيهِمْ. وَكَأَ نِّي أَنْظُرُ إلَي أَهْلِ الجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الجَنَّةِ وَيَتَعَارَفُونَ عَلَی الاَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ. وَكَأَ نِّي أَنْظُرُ إلَي أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ. وَكَأَ نِّي الآنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَهُ قَلْبَهُ بِالإيمَانِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: إلْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ! فَقَالَ الشَّابُّ: ادْعُ اللَهَ لِي يَا رَسُولَ اللَهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ؛ وَكَانَ هُوَ العَاشِرَ. [340] وأوردوا في بعض الروايات أنّ اسـم هذا الشـابّ كان زَيْدَاً؛ [341]يقول الملاّ الروميّ في « المثنوي »: گفت پيغمبر صباحي زيد را كَيْفَ أصْبَحْت اي رفيق با صفا [342] گفت: عَبْدَاً مُؤْمِنَاً بازاوش گفت كو نشان از باغ و ايمان گر شگفت؟ [343] حتّي يصل إلی قوله: جمله را چون روز رستاخير من فاش ميبينم عيان از مرد و زن هين بگويم يا فرو بندم نفس لب گزيدش مصطفي يعني كه بس [344] هؤلاء كانوا المسلمين المؤمنين الموقنين حقّاً، الذين يتكلّمون مع الله سـبحانه، وتسـتقرّ آيات القرآن في أرواحـهم باعتبارها كلام الله، هؤلاء الذين يتردّد في بواطنهم وضمائرهم آلاف المناجاة وعرض الحاجات والمكالمة ويسمع فيها الازيز والهدير. قول قراء القرآن في جواب الله وفي آيات السجدةروي المحدِّث الكاشانيّ عن الإمام الصادق علیه السلام: إذا مرَّ القاري بـ «يَـ'´أَيُّهَا النَّاسُ»، «يَـ'´أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا» قال: لَبَّيْكَ رَبَّنَا. وإذا ختم سورة وَالشَّمْسِ، قال: صَدَقَ اللَهُ وَصَدَقَ رَسُولُهُ. وإذا قرأ: ءَآللَهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، قال: اللَهُ خَيْرٌ، اللَهُ أَكْبَرُ. وإذا قرأ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، قال: كَذِبَ العَادِلُونَ بِاللَهِ. وإذا قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ و شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، كَبَّرَ ثَلاَثَاً. وإذا فرغ من الإخْلاَصِ، قال: كَذَلِكَ اللَهُ رَبِّي. وروي عند قوله تعالي: «فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍ»: اللَهُ رَبُّنَا. وعند قوله: «ءَأَنتُـمْ تَخْلُقُـونَهُ و´ أَمْ نَحْـنُ الْخَـ'لِقُونَ»: بَلْ أَنْـتَ اللَهُ الخَالِقُ. وعند قوله: «أَلَيْسَ ذَ لِكَ بِقَـ'دِرٍ عَلَي'´ أَن يُحْـِيَ الْمَوْتَي'»: سبحانك، بلي. وعند: «أَمْ نَحْنُ الزَّ رِعُونَ»: بَلْ أَنْتَ اللَهُ الزَّارِعُ. وعند: «أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِبُونَ»: بَلْ أَنْتَ اللَهُ المُنْشِيُ. وعند قوله عزّ وجلّ: «فَبِأَيِّ ءَالاَ´ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»: لاَ بِشَيءٍ مِنْ آلآئِكَ رَبِّ أُكَذِّبُ. والظاهرجریانه علی كلّ ما يناسب. [345] ونقل أيضاً المحدِّث الكاشانيّ عن « إحياء العلوم » أنّ حذيفة قال: صلّيتُ مع رسول الله صلّي الله علیه ] وآله [ وسلّم فابتدأ سورة البقرة وكان لا يمرّ بآية عذاب إلاّ استعاذ، ولا بآية رحمة إلاّ سأل، ولا بآية تنزيه إلاّ سبّح، فإذا فرغ قال ما كان يقوله صلوات الله علیه عند ختم القرآن: اللَهُمَّ ارْحَمْنِي بِالقُرْآنِ، وَاجْعَلْهُ لِي إمَاماً وَنُوراً وَهُدَيً وَرَحْمَةً. اللَهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نَسِيتُ، وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْتُ، وَارْزُقْنِي تِلاَوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاجْعَلْهُ حُجَّةً لِي يَا رَبَّ العَالَمِينَ. [346] وقال أيضاً: في القرآن خمس عشرة سجدة، أربع منها واجبة تسمّي العَزَائِم والبواقي مستحبّة. وفي سورة الحجّ سجدتان. وأقلّه أن يسجد بوضع جبهته علی الارض، وأكمله أن يراعي شرائط سجود الصلاة من ستر العورة، واستقبال القبلة، وطهارة الثوب والبدن من الخبث والحدث، وأن يكبِّر ويسجد علی الاعضاء السبعة، ويدعو في سجوده ويكبِّر عند الرفع منه. ووقته عند التلفّظ بموجبه، [347] وهو فوريّ ولا يسقط بالتأخير؛ وفي الصحيح، عن الإمام الصادق علیه السلام: إنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَنْسَاهَا حَتَّي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ؟ قَالَ: يَسْجُدُ إذَا ذَكَرَ، إذَا كَانَتْ مِنَ العَزَائِمِ. [348] والسور الاربع التي قلنا إنّ فيها سجدة واجبة، والتي تدعي بالعزائم [349] هي: 1 ـ ال´م السَّجْدَة: السورة الثانية والثلاثون، والآية هي الرابعة عشرة: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَايَـ'تِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ. 2 ـ حم´ فُصِّلَتْ: السـورة الحادية والاربعـون، والآية هي السـابعة والثلاثون: وَمِنْ ءَايَـ'تِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْـسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْـجُدُوا لِلشَّمْـسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. 3 ـ وَالنَّجْم: السورة الثالثة والخمسون، والآية هي الثانية والستّون: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا. 4 ـ العلق: السورة السادسة والتسعون، والآية هي التاسعة عشرة: كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب. [350] وليس هناك في هذه السجدة ذكر خاصّ، والافضل أن يقال: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ حَقَّاً حَقَّاً، لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ إيمَاناً وَتَصْدِيقاً، لاَ إلَهَ إلاَّ اللَهُ عُبُودِيَّةً وَرِقَّاً؛ سَجَدْتُ لَكَ يَا رَبِّ تَعَبُّداً وَرِقَّاً لاَ مُسْتَنْكِفاً وَلاَ مُسْتَكْبِراً، بَلْ أَنَا عَبْدٌ ذَلِيلٌ خَائِفٌ مُسْتَجِيرٌ.
|