|
|
|
أعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ وصلَّي اللَهُ عَلَی سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ولَعْنَةُ اللَهِ عَلَی أعْدَائهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ إلَي قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ ولاَحَولَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ العَلِيِّ العَظِيمِ
الآيات الدالّة علی أنّ الله شهيد ورقيب وحفيظ ومحيط بكلّ شيءقال الله الحكيم في كتابه الكريم: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَي' كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَـ'دَةً قُلِ اللَهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـ'ذَا الْقُرْءَانُ لاِنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَهِ ءَالِهَةً أُخْرَي' قُل لاَّ´ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـ'هٌ وَ حِدٌ وَإِنَّنِي بَرِي´ءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. [1] ويشير قبل هذه الآيات في بيان تعريف التوحيد والإشارة إلی وحدة ذات الحقّ القدسيّة في جميع الشؤون و الاُمور، فيقول جلّ شأنه: قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَي' نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَي' يَوْمِ الْقِيَـ'مَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُو´ا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي´ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي´ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَنءِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَ لِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. [2] فهذه الآيات تُبيِّن بوضوح أنّ منطق القرآن هو الدعوة إلی التوحيد، ذلك التوحيد المحض الخالص في جميع الشؤون دون شائبة، والدعوة إلی المعاد، أي أنّ مبدأ ومعاد جميع العوالم والكائنات ومن جملتها الإنسان منحصران في الذات القدسيّة الربوبيّة، فالمقصد والمقصود في جميع الاُمور ـ التكوينيّة والتشريعيّة أو غيرهما هو الله سبحانه، له الطاعة لا يشركه فيها سواه، وهو الحاضر والناظر والمهيمن والمسيطر علی جميع الموجودات، وهو الذي له مع كلّ موجودٍ معيّة ذاتيّة وصفاتيّة وأسمائيّة. و علیه، فينبغي الخضوع أمام ربٍّ ودود ورحيم بهذه الصفات، والقيام بعبادته ودعائه علی الدوام، والانقطاع عن كلّ ما سواه وكلّ من عداه، وإيكال زمام أُمور الدين والدنيا والآخرة إليه سبحانه، فذلك هو النهج القويم، والعمل وفق أساس عالم الخلقة، وتبعيّة الإنسان للحقّ والحقيقة، لا للاوهام والخيال والشكّ والريب. وليست الشهادة في اللغة العربيّة بمعني مُطلق بيان العلم، بل هي بمعني الحضور، ولانّ الشاهد ينبغي أن يكون حاضراً ليشهد علی ما حضره وعاينه، فقد دُعي كلام هذا الشاهد شهادةً، وجميع مشتقّات هذه الكلمة كالشَّهيد والشَّاهِد والمَشْهُود وغيرها هي من هذا القبيل، أي أ نّها تستبطن جميعاً معني الحضور، وهي لهذا تستعمل بهذا اللحاظ في المعاني والمقاصد المختلفة. و علیه، فالآية القائلة: قُلِ اللَهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـ'ذَا الْقُرْءَانُ لاِنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ تُنبي أوّلاً أنّ دعوة القرآن هي للتوحيد الخالص لا نّها مشفوعة بقوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ؛ فيعلم أنّ دعوة هذا الكتاب الإلهيّ إنّما هي لهذا النوع من التوحيد. وتنبي ثانياً بعدم اختصاص القرآن بأفراد وزمان النبيّ الاكرم، بل هو شامل كذلك لجميع الازمنة والعصور، كما أ نّه لا يختصّ بالناطقين بالعربيّة، بل هو حجّة في جميع الالسن واللغات، لا نّه بتصريحه بكلمة وَمَن بَلَغَ فقد جعل الإنذار والوعيد الإلهيّ موجّهاً لكلّ فرد من أفراد البشر يصله القرآن ومحتواه، واعتبر الحجّة الإلهيّة تامّة علیه، سواء بلغته آيات القرآن بالعربيّة أم مترجمة بلغة أُخري، مكتوبة له أم مقروءة، مشافهةً أم بالبثّ الإذاعيّ وأمثال ذلك. وقد وردت في القرآن الكريم نظائر لكلمة شهيد وأمثالها، مثل رَقيب و حَفيظ و مُحِيط في شأن الله تعالي، كما في قوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَي' كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. [3] ومثل: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَ نَّهُ و عَلَي' كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ´ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ´ إِنَّهُ و بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ. [4] ومثل: فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ و شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَي' كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ. [5] ومثل: إِنَّ اللَهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. [6] ونظير الآيات المباركة في سورة الانعام في دعوة القرآن الكريم إلی التوحيد الخالص والمطلق للذات الاحديّة المقدّسة في جميع الشؤون هناك آيات في سورة يونس تماثلها في المضمون: قُلْ يَـ'´أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ´ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَهِ وَلَـ'كِنْ أَعْبُدُ اللَهَ الَّذِي يَتَوَفَّب'كُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّـ'لِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ و´ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. [7] ويتّضح ممّا ذكر أنّ القرآن حجّة علینا نحن الذين أطللنا علی الوجود بعد نزوله بأربعة عشر قرناً، نحن الذين نعيش في منطقة جغرافيّة تختلف عن منطقة نزوله، بل هو حجّة مستمرة إلی يوم القيامة و علی جميع نقاط الارض، ولا مفرّ ولا مهرب من قبوله والعمل به. خطبة أمير المؤمنين علیه السلام في وجوب التمسّك بالقرآنوفي نهج البلاغة خطبة بليغة لامير المؤمنين علیه أفضل صلوات المصلّين، أوردها في وصف القرآن وبيان وجوب متابعته، يقول في مقدّمتها: انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللَهِ؛ وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَهِ؛ وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللَهِ؛ فَإنَّ اللَهَ قَدْ أَعْذَرَ إلَيْكُمْ بِالجَلِيَّةِ؛ وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ؛ وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الاَعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ؛ وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ! فَإنَّ رَسُولَ اللَهِ صَلَّي اللَهُ عَلَيْهِ وَآلهِ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الجَنَّةَ حُفَّتْ بِالمَكَارِهِ؛ وَإنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ. وَاعْلَمُوا أَ نَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَهِ شَيءٌ إلاَّ يَأْتِي فِي كُرْهٍ. وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَهِ مِنْ شَيءٍ إلاَّ يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ. فَرَحِمَ اللَهُ رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ. وَقَمَعَ هَوَي نَفْسِهِ. فَإنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيءٍ مَنْزِعَاً وَإنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزَعُ إلَي مَعْصِيَةٍ فِي هَوَيً. وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَهِ! أَنَّ المُؤْمِنَ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إلاَّ وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ؛ فَلاَ يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا؛ وَمُسْتَزِيداً لَهَا. فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ وَالمَاضِينَ أَمَامَكُمْ قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ؛ وَطَوَوْهَا طَيَّ المَنَازِلِ. ثمّ يقول أمير المؤمنين علیه السلام بعد هذه المقدّمة بشأن عظمة القرآن وخلوده ولزوم التمسّك به: وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لاَ يَغُشُّ؛ وَالهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ؛ وَالمُحَدِّثُ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ. وَمَا جَالَسَ هَذَا القُرْآنَ أَحَدٌ إلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ: زِيَادَةٍ فِي هُدَيً، أَوْ نُقْصَانٍ فِي عَمَيً. وَاعْلَمُوا أَ نَّهُ لَيْسَ عَلَی أَحَدٍ بَعْدَ القُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ؛ وَلاَ لاِحَدٍ قَبْلَ القُرْآنِ مِنْ غِنَيً. فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَی لاْوَائِكُمْ فَإنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالغَيُّ وَالضَّلاَلُ. فَاسْأَلُوا اللَهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِحُبِّهِ! وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إنَّهُ مَا تَوَجَّهَ العِبَادُ إلَي اللَهِ بِمِثْلِهِ. وَاعْلَمُوا أَ نَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ؛ وَأ نَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُفِّعَ فِيه؛ وَمَنْ مَحَلَ بِهِ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَدَقَ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ: «أَلاَ إنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلَيً فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ القُرْآن». فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ؛ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَی رَبِّكُمْ؛ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَی أَنْفُسِكُمْ؛ وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ؛ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ الخطبة. [8] ابن أبي الحديد ينقل مطالب في شأن القرآنوقد عقد ابن أبي الحديد بعد إيراده هذه الخطبة وشرحها باختصار، فصلاً في بيان ما ورد علی لسان الناس في تعظيم القرآن وإجلاله، ننقل هنا قسماً منه: ومن الكلام المرويّ عن أمير المؤمنين علیه السلام في ذكر القرآن ما رواه ابن قُتَيْبَة في كتاب « عُيون الاخبار » عنه علیه السلام، قال: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الاُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا. وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ الفَاجِرِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُنْتِنَةٌ. [9] وكان ابن عبّاس يقول: إذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حم´؛ وَقَعْتُ فِي رَوْضَاتٍ دَمِثَاتٍ أَتَأَنَّقُ فِيهِنَّ. وقال ابن مسعود: لِكُلِّ شَيءٍ دِيبَاجَةٌ؛ وَدِيبَاجَةُ القُرْآنِ آل حم´. وقال رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم: أصْفَرُ البُيُوتِ جَوْفٌ صَفِرٌ مِنْ كِتَابِ اللَهِ. ووفد غالـب بن صعصعة علی أمير المؤمنين علیه السـلام ومعه ابنه الفرزدق فقال له: مَن أنت؟ قال: غالب بن صعصعة المجاشعيّ. قال علیه السلام: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم. قال: ما فَعَلَتْ إبلُك؟ قال: أَذْهَبَتْهَا النَّوَائِبُ وَذَعْذَعَتْهَا الحُقُوقُ. قال علیه السلام: ذَاكَ خَيْرُ سُبُلِهَا. ثمّ قال: يا أبا الاخطل! مَن هذا الغلام معك؟ قال: ابني وهو شاعر. قال: عَلِّمْهُ القُرْآنَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الشِّعْرِ. فكان ذلك في نفس الفرزدق حتّي قيّد نفسه وآلي أن لا يحلّ قيده حتّي يحفظ القرآن، فما حلّه حتّي حفظه، وذلك قوله: وَمَا صَبَّ رِجْلِي فِي حَدِيدٍ مُجاشِعٍ مَعَ القِدِّ إلاَّ حَاجَةٌ لِي أُرِيدُهَا ثمّ يقول ابن أبي الحديد هنا: تحت قوله علیه السلام لغالب بن صعصعة أب الفرزدق يَا أَبَا الاَخْطَل قبل أن يعلم أنّ ذلك الغلام ولده وأ نّه شاعر سرٌّ غامض، ويكاد يكون إخباراً عن غيب، وينبغي أن يكون الإمام قد لمح بنظره الثاقب البعيد ما سيستقبله من الايّام. [10] يقول الفُضَيْل بن عِيَاض: بلغني أنّ صاحب القرآن إذا وقف علی معصية خرج القرآن من جوفه فاعتزل ناحيةً وقال: ألهذا حملتني؟ روايات عن رسول الله صلّي الله علیه وآله في شأن القرآنوروي أنس أنّ رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم قال لي: يَا بْنَ أُمِّ سَلِيمٍ! لاَ تَغْفَلْ عَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ صَبَاحَاً وَمَسَاءً فَإنَّ القُرْآنَ يُحْيِي القَلْبَ المَيِّتَ وَيَنْهَي عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ. وقال أَسْلَم الخَواص: كنتُ أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة. فقلتُ لنفسي: يا أسلم! اقرأ القرآن كأ نّك تسمعه من رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم، فجاءت حلاوة قليلة. فقلتُ: اقرأه كأ نّك تسمعه من جبريل علیه السلام؛ فازدادت الحلاوة. فقلتُ: اقرأه كأ نّك تسمعه من الله عزّ وجلّ حين تكلّم به. فجاءت الحلاوة كلّها. وقال بعض أرباب القلوب: إنَّ النَّاس يَجْمِزُونَ[11] فِي قِرَاءَةِ القُرْآنِ مَا خَلاَ المُحِبِّينَ؛ فَإنَّ لَهُمْ خَانَ إشَارَاتٍ إذَا مَرُّوا بِهِ نَزَلُوا. يُرِيدُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ يَقِفُونَ عِنْدَهَا فَيُفَكِّرُونَ فِيهَا. وورد في الحـديـث المرفـوع: مَا مِـن شَـفِيـعٍ مِـنْ مَلَـكٍ وَلاَ نَبِيٍّ وَلاَ غَيْرِهِمَا أَفْضَلُ مِنَ القُرْآنِ. [12] وقال رسول الله صلّي الله علیه وآله وسلّم: إنَّ القُلُوبَ تَصْدَأْ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَهِ! وَمَا جَلاَؤُهَا؟! قَالَ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ وَذِكْرُ المَوْتِ. [13] وعن رسول الله أيضاً: مَا أَذِنَ اللَهُ لِشَيءٍ أَذَنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّم بِالقُرْآنِ. وعنه صلوات الله علیه وآله وسلّم: إنَّ رَبَّكُمْ لاَشَدُّ أَذَناً إلَي قَارِيِ القُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ القَيْنَةِ إلَي قَيْنَتِهِ. وعنه أيضاً: أَنْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ مَا نَهَاكَ؛ فَإذَا لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَؤُهُ. وعن ابن مسعود: يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إذَا النَّاسُ نَائِمُونَ؛ وَبِنَهَارِهِ إذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ؛ وَبِحُزْنِهِ إذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ؛ وَبِبُكائِهِ إذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ؛ وَبِخُشُوعِهِ إذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ. وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يَكُونَ سِكِّيتَاً، زِمِّيتَاً، لَيِّناً. وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَافِياً وَلاَ مُمَارِياً، وَلاَ صَيَّاحاً وَلاَ حَدِيداً وَلاَ صَخَّاباً. يقول ابن مسعود: أَنْزَلَ اللَهُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ لِيَعْلَمُوا بِهِ؛ فَاتَّخَذُوا دِرَاسَتَهُ عَمَلاً! إنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقْرَأُ القُرْآنَ مِنْ فَاتِحَتِهِ إلَي خَاتِمَتِهِ مَا يُسْقِطُ مِنْهُ حَرْفاً؛ وَقَدْ أَسْقَطَ العَمَلَ بِهِ. وعن ابن عبّاس: لَئَنْ أقْرَأُ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ أُرَتِّلُهُمَا وَأَتَدَبَّرُهُمَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأُ القُرْآنَ كُلَّهُ هَذْرَمَةً. وقال ثابت البنانيّ: كَابَدْتُ القُرْآنَ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَنَعَّمْتُ عِشْرِينَ سَنَةً. [14] القرآن يربط بين جميع الموجودات بنظرته التوحيديّةولقد قال الحقير يوماً في حضور الاُستاذ آية الله العلاّمة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه: إنّ بعض آيات القرآن صريحة في التوحيد حتّي لكأ نّها لا تشير لغير وحدة الحقّ المتعال في جميع عوالم الذات والصفات والافعال! قال: هذا شأن القرآن كلّه. نعم، القرآن كلّه هكذا؛ فرسالة القرآن ورسالة النبيّ في تفهيم القرآن وإبلاغه هي جعل الناس يدركون ويعون أن لا ذات هناك في جميع عوالم الوجود غير الذات القدسيّة للواحد القهّار، ولا اسم ولا صفة غير أسمائه وصفاته، ولا فعل إلاّ فعله. أي أنّ جميع عالم الوجود له ذات ووجود واحد استقلاليّ محض مختصّ به سبحانه، كما أنّ العلم والقدرة والحياة والفعل والتأثير التي هي من آثاره مختصّة به تعالي؛ أمّا جميع العوالم من الموجودات والمخلوقات فوجودها ظلّ وتبع كالظلّ بالنسبة للشاخص، وهي كلّها ظهورات وتجلّيات وأطوار مختلفة لتلك الحقيقة المحضة المطلقة وذلك النور القاهر المحض البسيط والمجرّد. فالقرآن يسعي بمنطقه وكلامه ودلالة نهجه ورسالته إلی البحث عن طريق للوصول إلی هذه الدرجة من خلوص التوحيد، ليس فقط عبر الآيات التي تتحدّث عن التوحيد وانحصاره في الوجود والذات والاسم والفعل، بل إنّ جميع الآيات تتحدّث عن هذا الامر، وتشمل وتستوعب الغيوم والرياح، والمطر والبذر والزرع، والنهر والبحر، والشمس والقمر، والليل والنهار، والروض والقفر، والورد وشقائق النعمان، والنخل والاعناب، والحيوان والإنسان، والجنّ والمَلَك، وتعتبرها جميعاً منقادةً ومطيعة كالعبد المسترقّ والغلام الطيِّع لسيّد وموليً واحد. ثمّ إنّها تربط هذه الاشياء جميعاً بالشكل الذي لا يبقي معه منها غير معني ومفهوم الربط، فليـس لها في ذاتها ظهور، بل إنّ من المحال أن يكون لها ظهور، أو أن تشير إلی ظهور غير ظهور واحد وبسيط لذلك الجمال الرائع وذاته المتفرّدة التي لا مثيل لها. فالقرآن لا يكتفي بتشخيص أصل واحد لجميع الموجودات المادّيّة، بل إنّه يعتبر جميع الموجودات ذات نفس واحدة، فهو يربط جميع البشر ببعضهم، ثمّ يربط البشر بالحيوانات، ويصلهما بجميع النباتات والاعشاب، ثمّ يربط الجميع بالجمادات، ويصل العالم السفليّ بالعالم العلويّ، وعالم المادّة بالملكوت والمقيَّد بالمجرَّد، والسفليّ بالعلويّ، والجسم بالروح، يربطها جميعاً ببعضها، وسيبدو في هذا الاختلاط والامتزاج الحاصل في هذا الربط والارتباط أن لا شيء هناك غير الوحدة الحقّة الحقيقيّة، وأن لا فاصل هناك بين الملكوت الا علی وبين أظلم العوالم. هذه هي النظرة القرآنيّة العميقة والدقيقة والصائبة في الربط والاتّحاد والوحدة النفسانيّة بين جميع المخلوقات الإلهيّة بالشكل الذي يعتبر الذرّة الموجودة في الشرق مرتبطة بالذرّة الموجودة في الغرب، فهما يشتركان في الغمّ والفرح والحزن والسرور. [15] وهو نفسه محتوي شعر شاعرنا المتحمّس الواله والعاشق المضطرب، حيث قال: به صحرا بنگرُم صحرا تَه وِينُم به دريا بنگرُم دريا تَه وينُم بهر جا بنگرم كوه و در و دشت نشان از روي زيباي تَه وينُم [16] ونقل أنّ بعض المشايخ رأي الشاعر الفردوسيّ بعد موته في المنام وهو يرتع في الدرجات العالية في الفردوس، فسأله كيف نلت هذه الدرجة؟ قال: ببيتٍ واحدٍ قلتُه في التوحيد: جهان را بلندي و پستي توئي ندانم چهاي هر چه هستي توئي [17] وبالطبع فإنّ هذه النظرة القرآنيّة تمتاز بالواقعيّة، كما أنّ الت علیمات التي يصدرها القرآن لافراد البشر هي لتوحيد القلوب وتقارب النفوس وتناغمها من أجل الوصول إلی هذه الحقيقة: يَـ'´أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. [18] وهذه النظرة هي علی النقيض تماماً من نظرة الشيوعيّين والمادّيّين الذين يرون جميع العالم مشتّتاً متفرّقاً عن بعضه البعض الآخر، كلّ ذرّة منه منفصلة عن الاُخري، وكلّ نفس منعزلة عن النفوس الاُخري، وليس هناك شيء أبداً ـ حسب هذه النظرة يربط بين أفراد الإنسان إلاّ وكان أمراً موهوماً. فهم يعتبرون سعي الإنسان وجدّه من أجل أفراد نوعه ومجتمعه عملاً لا قيمة له ولا طائل وراءه، ولا يدركون مغزي حماية الحيوانات وذوات الارواح، حتّي أ نّهم يعتبرون الارتباط بين أجزاء البدن الواحد أمراً وهميّاً، ويعدّون أنفسهم أمراً وهميّاً، لا نّهم لا يفهمون شيئاً غير المادّة وآثارها. و علیه، فإنّ قسوتهم وفظاعة أعمالهم تصل إلی الحدّ الذي لا يبالون فيه لو مات أحد جيرانهم جوعاً ولو كانوا مطّلعين علی أمره عالمين بمعاناته ومحنته. فشتّان بين هذه النظرة وبين النظرة الإسلاميّة! النظرة التي تعدّ من جاور المرء جاره وشريكاً له في الغمّ والسرور إلی امتداد أربعين منزل من كلّ جهة؛ والتي وصلت في ت علیمها وتربيتها علی الإيثار والتضحية إلی الحدّ الذي كان المقاتلون الغارقون في الجراح والدماء في معركة الجهاد يؤثرون بعضهم البعض علی الماء فيلفظون أنفاسهم الاخيرة بشفاهٍ ظمأي وأكبادٍ حَرَّي. وَيُؤْثِرُونَ عَلَي'´ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. [19] مقدّمات الثورة الاُوروبّيّة علی البابوات دعاة الجاه والسلطةومن دواعي الاسف أنّ الاُوروبّيّين بعد قيامهم بنهضتهم العظيمة ضدّ أرباب الكنيسة والبابوات الذين اتّخذوا الدين المسيحيّ وسيلةً لاستغلال الناس، ولم يتورّعوا عن ارتكاب أيّة جناية وخيانة لتثبيت سلطتهم، وبعد القضاء علی التقليد والمتابعة العمياء للرؤساء الدينيّين والاتّجاه صوب الاستقلال الفكريّ وهدم بناء الجهل والتعصّب، وهي أُمور كانت تشكّل الارضيّة المناسبة لانتشار الإسلام؛ قد أصابهم الغرور واكتنفتهم الانانيّة فأعرضوا عن قبول الإسلام وكتاب القرآن السماويّ، واستبدّوا بفكرهم فراحوا يبحثون عن سبيل الخلاص؛ وبدلاً من حصولهم علی دنيا معنويّة والحياة والتقدّم المادّيّ تحت لواء الحقيقة والواقعيّة الذي كان ينتظرهم في ظلّ الإسلام وسبله الهادية، فقد تردّوا في عبادة المادّة والبحث والتحقيق في العلوم الطبيعيّة والرياضيّة، وتناسوا الله والتجرّد والنور والرحمة والمعاني والمعنويّات، فهم قد خرجوا في الحقيقة من جهنّم ليرتطموا في جهنّم أُخري، ونجوا من يد لصّ فوقعوا في أسر (فوّال)، وهو ذنب لا يغتفر لقادة النهضة وحملة لواءها الذين محوا الحقائق والشرف والفضيلة من أرض الغرب مدّة لا يعلم مداها إلاّ الله. يقول مؤرّخنا المعاصر السيّد عبّاس إقبال الآشتيانيّ: لقد كان القرنان الثالث عشر والرابع عشر عصر ظهور عدّة من الدول المهمّة التجاريّة المستقلّة وشبه المستقلّة التي جعلها تردّد أهلها ومعاملاتهم مع الدول البعيدة ـ وخاصّة بلاد الشرق الإسلاميّ مركزاً للعديد من المفكّرين المتنوّرين الذين كانوا يفدون بقيم مادّيّة ومعنويّة جديدة ويعملون علی تعريف مواطنيهم علی هذه الاوضاع الجديدة، فأوجدوا تدريجيّاً تغييرات جديدة في طريقة حياتهم وأُسلوب تفكيرهم. وكانت أهمّ هذ البلدان التجاريّة هي: فينيسيا، و فلورنسا، و جين في إيطاليا، لشبونة في البرتغال، باريس في فرنسا، بروج و آنْفيرس في فلاندرا، لندن في إنجلترا، هامبورج و نورنبرج في ألمانيا، نوجورود في روسيا، و برجين في النرويج. وكان لغالب هذه البلدان أُمراء أغنياء ذوي نفوذ أو منضوين تحت حماية ملك مقتدر نسبيّاً؛ وبغضّ النظر عن هذه القدرة الملكيّة الحديثة لهؤلإ الاُمراء والسلاطين والتي كانت في حالة نموّ وتصاعد، فقد كان للبابا أيضاً؛ وهو الرئيس العامّ للمسيحيّين والحاكم المطلق علی أرواح وأموال عموم أتباع الدين المسيحيّ؛ نفوذاً وقدرة متناهية، وبالطبع فقد كانت الخلافات تنشب بينه وبين الاُمراء والسلاطين المذكورين وتنجرّ أحياناً إلی حروب بين الطرفين. وقد اقترنت هذه الاوضاع مع الفترة التي كان البابوات يقتلون بشكل مفجع الكثير من الابرياء تحت ذريعة قمع المرتدّين والدفاع عن الدين المسيحيّ، في حين أنّ البابوات أنفسهم لم يكونوا منزّهين طاهري الذيل، بل كانت الحياة الخاصّة لاغلبهم ملوّثة بأنواع المفاسد والرذائل الاخلاقيّة. وكان الذين استطاعوا إثر حدوث المقدّمات المذكورة أن يكسروا طوق العبوديّة ويتخطّوا حدود التقليد في أُمور الدين والدنيا مستعينين بفكرهم وفكر أمثالهم، قد تطرّق إليهم الشكّ حين شاهدوا هذه الاوضاع في جهاز حكم البابوات وفي أمر قدرة البابا المطلقة ومدي حقّانيّة حكمه وأمره، الذي كان حتّي ذلك العهد من الاُمور المسلّمة، حيث يُحكم بالكفر من خالفه وتحدّاه؛ وفكّروا وهم المؤمنون المتديّنون في ضرورة إيجاد سبيل نجاة لهم من هذا الوضع. وفي أواخر القرون الوسطي صار لبعض البابوات والسلاطين المسيحيّين الاُوروبّيّين اطّلاع ومعرفة نسبيّة بالعلوم الإسلاميّة والمعارف اليونانيّة القديمة التي وصلت إلی أيديهم إثر مخالطتهم للاطبّاء والعلماء المسلمين واليهود، وكان لفِرِدْريك الثاني إمبراطور ألمانيا الذي كان يحكم أيضاً قسماً من إيطاليا وجزيرة صقلية أكبر العون في نشر الفلسفة والعلوم الإسلاميّة، وذلك بإحياء ت علیم فلسفة أرسطو في أُوروبّا؛ التي ظهرت تدريجيّاً إثر تشجيعه وتشجيع بعض الاُمراء الصغار والبابوات، طبقة من الناس في أُوروبّاً يعنون بالطبّ والنجوم والكيمياء والحكمة، وبذلك فقد اتّجه اهتمامهم ومطالعاتهم إلی العلوم النظريّة والتجريبيّة، وصارت مسائل الحكمة موضوع درس وبحث الدارسين في بعض دور الفنون المعتبرة تلك الايّام، مثل دار الفنون في باريس واكسفورد وبولوفنيا (في إيطاليا). [20] ونتيجة لهذه الحوادث التي دارت في أُوروبّا بين القرنين الثالث عشر والقرن السادس عشر، أي نتيجة لانتشار الكتب إثر صناعة الورق واختراع فنّ الطباعة وشيوع السفر إلی البلاد البعيدة واكتشاف الاراضي والطرق والقارّات الجديدة. واطّلاع الناس علی وجود حيوانات ونباتات جديدة، و علی آداب وأخلاق أقوام لم يكن أحد حتّي ذلك الحين ليعلم بوجودهم، مضافاً إلی اهتمام الناس بكتب اليونانيّين القدماء وعلماء المسلمين؛ كلّ ذلك قد أدّي إلی استنارة أذهان سكّان أُوروبّا، وقد غيّرت هذه الحالة تدريجيّاً حال الجهل والتعبّد والتقليد الحاكم علی تلك المنطقة لسنين متمادية إلی نهضة في طلب العلم وكسب المعرفة والتعقّل في الاُمور الدينيّة والدنيويّة لم يسبق لها مثيل في العالم، وكان لهذه الاُمور مضافاً إلی تأثيرها العظيم في الحياة المادّيّة للناس، أثراً ملحوظاً في الاُمور الاجتماعيّة والسياسيّة أيضاً. [21] فحين دعا البابوات في القرن الحادي عشر الميلاديّ الناس إلی الجهاد ضدّ المسلمين، فقد لبّي جميع المسيحيّين بإيمان وإخلاصٍ تامّ أوامرهم، وساروا أفواجاً تليها أفواج إلی الحروب الصليبيّة في الشرق؛ لكنّ هؤلاء الناس أحسّوا بعد ذلك أنّ البابوات جعلوهم أداةً لتنفيذ أغراضهم، واستخدموهم في تثبيت أركان قدرتهم وإلحاق الاذي بأعدائهم الشخصيّين وفي المجازر التي ارتكبوها بحقّ الناس، لذا فقد ساورتهم الشكوك في مدي إخلاص نوايا بعض هؤلاء البابوات، وأعلن فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا علناً عصيانه لاوامر البابا في الحرب مع المسلمين، ووصل به الحدّ إلی فتح أبواب الصلح والصداقة معهم ممّا أدّي إلی إيجاد الثغرات و إلی التزلزل الكلّيّ في هيكل قدرة البابوات واستبدادهم. نقد علماء أُوروبّا في مدي موافقة التوراة والإنجيل للعلم والتأريخوكان ويكليف [22] أوّل من نهض في أُوروبّا باسم إصلاح الدين المسيحيّ والاعتراض علی بعض البابوات، حيث انتشرت تعاليمه بسرعة في إنجلترا؛ وقام أحد رجال الدين التشيكيّين واسمه جان هوس [23] بإلقاء عدّة محاضرات في دار الفنون في براغ حول ت علیمات ويكليف، وقد تابعه في آرائه جمعٌ كثير هناك ممّا دعي البابا إلی إصدار أمر بتشكيل مجلس في مدينة كونستانسن، وقد دعا أعضاء هذا المجلس الذي دام من سنة 1414 حتّي 1418 ميلاديّ جان هوس إلی المناظرة والمحاكمة، ثمّ أدانوه وأحرقوه في سنة 1415 ميلاديّ، وأعلنوا حكم الجهاد لمحاربة أتباعه. [24] وهناك عالم آخر كان وجوده مؤثِّراً في تعميم ونشر العلم والحكمة الجديدة، وهدم جزء مهمّ من هيكل الآراء العلميّة والدينيّة البالية التي لا تستند إلی أساس، وهو إرنست رينان [25] الذي بدأ دراسته في المدارس الدينيّة الكاثوليكيّة علی أمل أن يصبح عالماً وقسِّيساً يعتقد بأُسس آراء الكنيسة الكاثوليكيّة، لكنّه تراجع عن هذا الطريق فجأة في سنة 1845 ميلاديّ ولم يستطع بسبب افتتانه بالعلوم الطبيعيّة الجديدة أن يستمرّ في الاتّباع الاعمي للآراء الدينيّة، بل كان علی العكس من ذلك يعمل علی الاستفادة من أُسلوب النقد العلميّ والتأريخيّ في تحقيق مسائل اللغات والاديـان والتـواريـخ القـديمة، و علی إنكـار ما يُخـالـف هـذا الاسـاس ولا ينسجم معه؛ و علیه فقد قام بتحقيق حول التوراة وأثبت أنّ أجزاء هذا الكتاب لا تنتمي جميعها إلی عصر واحد، وأنّ أجزاء منها كانت ـ بلحاظ اللغة والتعبير أحدث من الاجزاء الاُخري، كما أنّ بعض أجزاء التوراة كانت مختلقة بكاملها. ففي كتاب النبيّ أشعيا مثلاً، كان القسم الاخير منه مختلفاً تماماً ـ بلحاظ اللغة والزمان عن قسمه الاوّل، وكان زمن تأليف الاسفار الخمسة التي ينسبونها إلی موسي علیه السلام أحدث بكثير من العصر الذي شخّصوا فيه أنّ مؤسِّس دين بني إسرائيل قد عاش فيه، وكان كتاب دانيال مختلقاً هو الآخر. وقد توصّل إرنست رينان بعد سفره إلی الشام وإكماله هناك معلوماته عن اللغات الساميّة وجمعه المعلومات المتعلّقة بالاديان والآداب القديمة إلی أنّ الكثير من الفروع الدينيّة وكتب المذاهب والعقائد الشرعيّة للمسيحيّين إنّما هي تلك الاساطير والقصص الخياليّة لسكنة فلسطين والشام القدماء. [26] ثمّ اختير إرنست رينان سنة 1862 ميلادي لتدريس اللغة العبريّة في أرقي مدارس باريس، ونشر كتيّباً في شرح أحوال السيّد المسيح علیه السلام سلك فيه كمؤرِّخ ناقد، وناقش تفاصيل حياة السيّد المسيح وجزئيّاتها وكيفيّة نشوء دينه وانتشاره، ولم يسلك في هذا المجال كأتباع المسيحيّة الملتزمين، بل أنكر جميع الدرجات والمقامات غير العاديّة التي كان رجال الدين المسيحيّ ينسبونها لنبيّهم. وكان إرنست رينان ماهراً أيضاً في الكتابة باللغة الفرنسيّة، وتميّز كتابه بالبلاغة والسلاسة، لذا سرعان ما صار كتابه مقبولاً للذوق العامّ؛ وقد سعي الكاثوليكيّون كثيراً لمنع انتشار هذا الكتاب، وقاموا بتكفير إرنست رينان وحرموه من التدريس وحرّموا علی الكاثوليكيّين المتديّنين قراءة كتابه « حياة السيّد المسيح ». وكان في ألمانيا حكيم آخر هو فريدريك شتراوس [27] الذي قام قبل إرنست رينان بقليل بنشر كتاب باسم السيّد المسيح، وقد أنكر فيه كون الإنجيل كتاباً سماويّاً، وأنكر المعجزات التي كان ينسبها رجال الدين للسيّد المسيح. وقد شكّل شتراوس مع أتباعه في مدينة فيرتمبرك في ألمانيا جمعيّةً لنقد الإنجيل والتوراة من الوجهة التأريخيّة والعلميّة، ونشأ بذلك فرع جديد من علم الاديان. لقد أدّي نشر مؤلّفات همبولت و لايل و داروين و رينان وأتباعهم إلی إضعاف وزعزعة الدين المسيحيّ وآراء وعقائد أصحاب الكنيسة في الدنيا، وقد وصل الإفراط بعدّة من الكتّاب المتحرّرين فكريّاً والمتحلّلين من أيّ دين ومذهب إلی حدّ اعتبروا فيه الاديان مانعاً من رقيّ المجتمع البشريّ، وقالوا إنّه ينبغي لخير البشريّة أن يُقضي علی جميع الاديان. [28] وكلامنا هنا هو أ نّنا نوافق علی وجود مطالب خاطئة كثيرة في التوراة والإنجيل، وأنّ دعوة البابوات وأرباب الكنيسة إلی المطالب الموهومة التي نسبوها إلی السيّد المسيح كانت خاطئة وغير صحيحة، وأنّ تجبّرهم وتحكّمهم تحت شعار الدفاع عن الدين المسيحيّ، من الإحراق والسَّوق للمقصلة، وبيع الجنّة وشراء جهنّم، وأخيراً عدّهم أنفسهم موالي وأرباباً للعوامّ البسطاء المستضعفين، كان خطأً وجريمة لا تغتفر، وكان يستدعي للقيام بالثورة والوقوف أمام هذه الجنايات والجرائم وإنقاذ عامّة الناس من مخالب أُولئك الذئاب، ولكن لا ينبغي للثائرين أن يتركوا الناس بلا قيود ليقعوا في مخالب ذئب آخر كهوي النفس الامّارة، وشهوة التبرّج والخلاعة، والغضب بلا حدود، والمادّيّة المحضة، فيفقدوا من ثَمَّ جميع مزايا إنسانيّتهم وشخصيّتهم. ونتساءل: حين جاء القرآن وأعلن بندائه الرفيع خلوّه من التحريف وسلامته من الزيادة والنقصان ولو بحرف واحد، وأنّ جميع تعاليمه هي عين التوحيد والرحمة والعدل والطمأنينة، وأنّ حرّاسه ـ أمثال الائمّة الاطهار هم أئمّة العقل والإدراك وأرباب الزهد والتقوي؛ وحين يصرّح القرآن بأنّ هناك تحريفاً قد وقع في التوراة والإنجيل، وأنّ يد التلاعب قد امتدّت إليهما، وأنّ العلماء الحارسين لهذين الكتابَين لم يتورّعوا في جمعهم لحطام الدنيا وتسلّطهم علی عوامّ الناس من ارتكاب أيّ قبيح؛ فَلِمَ لا نتّجه إلی القرآن ونؤمن به؟ وَلِمَ لا نجعل هذا المصباح المنير مشعلاً يضيء بأشعّته الوهّاجة طريقنا؟! القرآن يفضح أخطاء التوراة والإنجيل الف علیَّين ويتّهم القساوسةفنحن نري عِياناً أنّ القرآن قد أزاح الستار كما فعلت تحقيقاتكم العلميّة والتأريخيّة عن وجه الجهل والخيانة لارباب الكنيسة، وتحدّث عنهم كأُناس جشعين، وعدّ التوراة والإنجيل محرّفتَين؛ فلِمَ لا نتّجه نحو واقعيّات وحقائق هذا القرآن؟! أنتم يا من تعتقدون أنّ بدء بزوغ المدنيّة الغربيّة وحركتها يعود إلی العلوم الإسلاميّة من حكمة وفلسفة ونجوم وطبّ وتأريخ وفيزياء وكيمياء وغيرها، لِمَ تجلسون علی هذه المائدة فتتناولون منها ثمّ تكسرون آنيتها في نُكرانكم للجميل؟! وها نحن نري عِياناً نتيجة هذا التطرّف، فقد تخبّطت الدنيا في ورطة لا خلاص منها، وجلس أمثال غاليلو ونيوتن وأينشتَين وسائر أتباعهم ينتحبون في غمّهم وحزنهم للنكبة والذلّ اللذين قدّماهما هديّة للبشريّة. إنّ القرآن يقوّم العلوم التجريبيّة والنظريّة والرياضيّة ويستخدمها للوصول إلی كمال النفس الإنسانيّة، لا للإضرار والاعتداء والإفراط؛ ويُسيّر عجلة ماكنة الحركة البشريّة بالسرعة التي يمكنه معها السيطرة علیها تصحيحها كلّ آن، ولا يعجّل في تحريك هذه العجلة للحدّ الذي تحطّم فيه الماكنة والمصنع والمؤسّسة وصاحب العمل والعمّال جميعاً؛ فيخرّ علی رؤوسهم هذا البناء الشامخ المسمّي بالمدنيّة. ونقول لإرنست رينان ومَن يشاركه فكره: إنّ عيسي الذي عرفتموه من خلال الإنجيل والتأريخ ليس هو عيسي النبيّ الإلهيّ؛ وإنّ موسي الذي توصّلتم إلی معالمه من خلال التوراة والتحقيق التأريخيّ ليس موسي الواقعيّ؛ لكن القرآن الكريم قد عرض عيسي وموسي الحقيقيَّين بلا تجميل ولا نسبة للقبائح إليهما، وبدون أيّ انحراف ومعصية في الفعل وفي العقيدة. فلِمَ لَمْ تشيروا إلی القرآن في حديثكم عند عودتكم من الشام إلی باريس وتدريسكم لدرس اللغة العبريّة؟ ولِمَ لمْ تقرأوا الآيات التي تحدّثت عن عيسي في سورتَي مريم وآل عمران؟ [29] والآيات التي تحدّثت عن موسي في سورة القصص؟ ولِمَ لَمْ تفتحوا في أذهان تلامذتكم نافذة الامل هذه؟ كان ذلك هو خطأكم الذي لا يُغتفر. لقد جاء الإسلام فنسخ دين موسي وعيسي، وألغي العمل بالتوراة والإنجيل، وقدّم الوجود المقدّس لمحمّد للعالِمين كقدوة وأُسوة وتمثيل للارتباط بعالَم الغيب، ووضع السراج المنير ـ القرآن مكان التوراة والإنجيل، ودعا العالَم للحركة صوب القرآن والاستمداد من روح رسول الله وقبول دعوته. فلماذا حين أوهنتم أُسس الكنيسة لم تُحكِموا أُسس المسجد؟ لقد كان ذلك خطأكم. إنّ البشر يمتلك خالقاً، كما أنّ الاعتقاد بالخالق من غرائزه، فهو يريد مسـجداً يصلّي فيه ويدعو ربّه، فلِمَ خلعتم عنه لباسـه القذر الملوّث، ثمّ لم تغسلوا عنه الادران وتركتموه عارياً بلا ساتر؟ كان ذلك ذنبكم، فواضحٌ أنّ العريان لن يمكنه الصمود أمام الجوّ الخارجيّ وسيهلك ويموت. نحن نقول: لقد جاء كلّ هؤلاء المستشرقين والخبراء في شؤون الشرق وتعلّموا العربيّة وعاشوا مدّة طويلة في الممالك الإسلاميّة، فلِمَ يمتنعون هكذا من بيان الحقائق كما ينبغي؟! لِمَ يتصرّفون بنوايا عدوانيّة؟! لِمَ لا يتنازلون ويتخلّون عن روحهم الاستكباريّة، ويخضعون ويخشعون وتنكسر قلوبهم أمام الخالق؟ هذه الاُمور هي التي تُلقي علی عواتقهم ذنب ضلال قارّة، ذنبٌ لم يتّضح بَعْدُ جزاؤه! ويأتي الدكتور غوستاف لوبون الفرنسيّ ليكتب كتابه الضخم: « حضارة الإسلام والعرب »، ويعترف بنفسه فيه أنّ الدين الذي جاء به محمّد أعلـي وأرقـي في التـوحيـد مـن تـوحيـد عيسـي؛ [30]لكنّه مـع ذلـك لا يصبح مسلماً، ويموت ثَمَّ علی نصرانيّته! ويبقي تصرّفه مثاراً للتساؤل والاستغراب! الكسيس كارل يوضِّح علّة إخفاق العلوم الطبيعيّةولقد كان الدكتور الكسيس كارل الفرنسيّ شخصاً متتبّعاً ذكيّاً حقّاً، وله تحقيقات عميقة وجليّة في استقصائه بعض مفاسد وعلل الدمار المادّيّ والجسميّ والروحيّ، وكانت كتبه مفيدة حقّاً، لكنّه مع ذلك ظلّ أسير التعصّـب، فلم يكن مسـتعدّاً لامتـداح القرآن ورسـول الله والعرفـان والتصوّف الإسلاميّ، وكان يمرّ علی النقاط الحسّاسة والدقيقة للمطالب فيأبي أن يقرّ بها ويتعامي عنها ويتغافل، فلا ينقضي العجب منه! ونورد مقاطع من عباراته في بيان سرّ عدم نجاح الماكنة في تحقيق الكمال للبشريّة ليتّضح وعيه بأسرار الامر وخفاياه، ثمّ نورد مقاطع من عباراته في إغماضه عن العرفان والتصوّف الإسلاميّ لتشخيص تجاهله وتغافله عن الخضوع أمام عظمة القرآن. فهو يقول بشأن سرّ عدم النجاح تحت عنوان: وجوب التغيير الفكريّ ـ غلطة النهضة [31] أولويّة المادّة أو أصالة الإنسان، ثمّ يشرع في شرح هذا المختصر فيقول: إنّنا لا نستطيع تجديد أنفسنا وبيئتنا قبل أن نغيّر عاداتنا في التفكير، لقد عاني المجتمع العصريّ منذ نشأ من خطأ عقليّ، خطأٌ ما زال يتكرّر باستمرار منذ عصر النهضة. لقد كوّنتْ التكنولوجيا الإنسان، لا تبعاً لروح العلم ولكن تبعاً لآراء ميتافيزيقيّة. وها قد حان الوقت لكي نتخلّي عن هذه المذاهب. يجب أن نُحطِّم الحواجز التي أُنشئت بين أجزاء الموادّ الصلبة وبين الجوانب المختلفة لانفسنا، فإنّ الغلطة المسؤولة عمّا نعانيه إنّما جاءت من ترجمة فكرة لطيفة لجاليلو، فقد فصل جاليلو؛ كما هو معروف جيّداً؛ الصفات الاوّليّة للاشياء وهي الابعاد والوزن التي يمكن قياسها بسهولة، عن صفاتها الثانويّة وهي الشكل واللون والرائحة التي لا يمكن قياسها، ففَصَل الكمّ عن النوع، ولقد جلب الكمّ المُعبَّر عنه باللغة الحسابيّة العلم للإنسانيّة بينما أُهمل النوع. ولقد كان تجريد الاشياء من صفاتها الثانويّة أمراً مشروعاً، لكنّ التغاضي عن الصفات الثانويّة لم يكن كذلك. فالاشياء غير القابلة للقياس في الإنسان أكثر أهمّيّة من تلك التي يمكن قياسها. فوجود التفكير هامّ جدّاً، مثل التعادل الطبيعيّ ـ الكيميائيّ لمصل الدم. ولقد ازدادت التفرقة بين الكمّ والنوع اتّساعاً عندما أنشأ ديكارت مذهب ثنائيّة الجسم والروح، [32] وعندئذٍ أصبحت ظواهر العقل غير مفهومة ولا قابلة للإيضاح، لا نّها قد عزلت المادّة نهائيّاً عن الروح. وعندها، فقد اتّخذت التركيبات العضويّة والآليّات الفسيولوجيّة حقيقةً أكبر كثيراً من التفكير والسرور والحزن والجمال. ولقد دفعت هذه الغلطة الحضارة إلی سلوك طريق أدّي إلی فوز العلم وانحلال الإنسان. [33] كانت هذه هي مقولته في القسم الاوّل، ويُلاحظ أ نّها في منتهي الإتقان والإحكام؛ أمّا مقولته في القسم الثاني فيقول فيها: إنّ التصوّف في المسيحيّة هو بيان لا علی مظاهر النشاط الدينيّ، وارتباطه بالنشاطات العقليّة الاُخري أفضل من عرفان وتصوّف الهنود والتبت. وكانت ميزته علی التصوّف الآسيويّ أ نّه اكتسب في عصر صباه دروساً من اليونان والروم، فتعلّم من أحدهما الفكر ومن الآخر القياس و النظم. [34] وكما تري فقد جانب الإنصاف كثيراً في هذا التقييم، فكيف اعتبر عرفان بلاد الشرق ممثّلاً بتصوّف الهنود والتبت، متغافلاً عن العرفان والتصوّف الإسلاميّ؟! وكيف تغافل عن عرفان علیّ بن أبي طالب وسائر الائمّة الاطهار، وعرفان الإمام السجّاد والإمام الرضا علیهم السلام؟ وكيف أغمض عن « نهج البلاغة » وخطبه المحيّرة للعقول والتي تعدّ مخّ العرفان وأساسه، وعن « الصحيفة السجّاديّة » و « عيون أخبار الرضا » و « توحيد الصدوق » التي لم يمكن لاحد من أُولئك أن يصل حتّي الآن لحقيقة هذا العرفان؟ وكيف تجاهل ولم يلحظ مشايخ العرفان المشهورين مثل بايزيد البِسْطَامِيّ، و مَعروف الكَرْخي، و سَرِيّ السَّقَطِيّ، و الخواجة عبد الله الانصاريّ، و مُحيي الدين عَرَبي، و ابن الفارِض المصريّ، و صدر الدين القُونَوِيّ، و شيخ الإشراق: شهاب الدِّين السُّهْرَوَردِيّ، و عبد الرزّاق الكاشانيّ، و المولي جلال الدِّين الرُوميّ، و الخواجة شمس الدِّين حافظ الشيرازيّ؟! ألم تكن الاجزاء الستّة لمثنويّ مولانا التي تنظوي جميعها تحت ذلك العنوان: * بشنو از ني چون حكايت ميكند * [35] أفضل وأ علی من جميع عرفان المسيحيّة وتوحيد المسيح نفسه؟ ألم يكن حافظ الشيرازيّ الذي عُبّي بأجمعه في بيت الغزل الاوّل: * أَلاَ يَا أَيُّهَا السَّاقِي أَدِرْ كَأْساً وَنَاوِلْهَا * كافياً لبصيرته؟ أوَ لم يكن النظم والسلوك، أي التائيّة الكبري لابن الفارض، والتي تمثّل حقّاً دورة كاملة جامعة لجميع منازل السير والسلوك وبيان أ علی درجات التوحيد والعرفان أعمق وأرقّ وأدقّ في بيان لطائف العرفان مئات المرّات ممّا ورد في الإنجيل؟! فلِمَ إذن تناسي عمداً وأخطأ عن تبصّر، فأغمض عن القرآن نفسه وعن هذه الكتب العرفانيّة النفيسة وهذه المدرسة المتعالية، فأورد ذكر عرفان وتصوّف المرتاضين الهنود والمغول والتبت، وعدّها العرفان الآسيويّ في مقابل تصوّف المسيح والمسيحيّة؟ و علیه، فإنّ علی السيّد كارل أن لا ينتظر أن يلتحق الناس بركب تصوّف المسيحيّة، وأن لا يغتمّ، لانّ الناس قد أودعوها زوايا النسيان، فعرفان القرآن أ علی بكثير وأرفع وأكثر جذّابيّة، ولا مفرّ ولا مهرب إلاّ أن يتحرّك هو وأتباعه مع أقوام أُوروبّا وأمريكا ودول الاتّحاد السوفييتيّ والصين واليابان والهند وماليزيا، فيتركوا تصوّف المسيحيّة والزرادشتيّة والبوذيّة والبراهمة، ويحنوا رؤوسهم أمام عظمة القرآن وعرفانه، فهذا هو طريق الخلاص لهم. لكنّه مات ولم يسلّم بهذا الامر، وسيفهم الآن ما نقول في ذلك العالَم حين يصل إلی عقبات الظُّلمة والمنعطفات الناشئة من الجهل فلا يستطيع حراكاً. ارجاعات [1] ـ الآيات 17 إلی 19، من السورة 6: الانعام. [2] ـ الآيات 12 إلی 16، من السورة 6: الانعام. [3] ـ الآية 117، من السورة 5: المائدة. [4] ـ الآيتان 53 و 54، من السورة 41: فصّلت. [5] ـ الآية 57، من السورة 11: هود. [6] ـ الآية 1، من السورة 4: النساء. [7] ـ الآيات 104 إلی 107، من السورة 10: يونس. [8] ـ «نهج البلاغة» الخطبة 174؛ وفي طبعة مصر وت علیق محمّد عبده: ج 1، ص 325 إلی 327؛ وفي شرح ابن أبي الحديد، طبعة دار الكتب العربيّة: ج 10، ص 16 إلی 19. [9] ـ روي في «أُصول الكافي» ج 2، ص 604، كتاب فضل القرآن، الرواية السادسة، بسنده المتّصل عن أبان بن تغلب عن الصادق علیه السلام ما يُماثل مضمون هذه الرواية بهذه الكيفيّة: قال: الناسُ أربعة. فقلتُ: جُعلت فداك؛ وما هم؟ فقال: رجلٌ أُوتي الاءيمان ولم يُؤْتَ القرآن، ورجلٌ أوتي القرآن ولم يُؤت الاءيمان، ورجلٌ أ |