|

الاءشكال
السادس:
تأييده لاُسلوب المرحوم الطالقانيّ في تفسير الآية الكريمة:
الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَـ'وا لاَ يَقَومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقومُ الَّذِي
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَـ'نُ مِنَ الْمَسِّ ذَ ' لِكَ بِأَ نَّهُمْ قَالُو´ا
إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَـ'وا وَأَحَلَّ اللَهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبَـ'وا فَمَن جَآءَهُ و مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَي' فَلَهُ
و مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ و´ إِلَي اللَهِ وَمَنْ عَادَ
فَأُولَـ'´نءِكَ أَصْحَـ'بُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـ'لِدُونَ.
لا نّه اعتبر
آكلي الربا في هذه الآية المباركة كالمجانين والمصروعين يقومون ويسقطون
متخبّطين، فعبّر عن يتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَـ'نُ مِنَ الْمَسِّ بالجنون.
وكان
المرحوم الطالقانيّ قد اعتبر مسّ الشيطان تمثيلاً عن الصرع وباقي الاختلالات
العصبيّة والنفسيّة.
وقد نقل
صاحب مقالة « بسط وقبض... » عبارته، ثمّ نقل ردّ العلاّمة الطباطبائيّ
عليها؛ لكنّه مع ادّعائه أنّ كلامه في المقام يستند إلي وجهة نظر المعرفة،
وأ نّه لا يتطرّق إلي تعيين حقّانيّة أو بطلان رأي هذا المفسّر أو ذاك،
ولابيان أنّ المعرفة الدينيّة تطابق رأي هذا المفسّر أو ذاك،
لكنّه في بيانه وتمجيده لعبارة المرحوم الطالقانيّ وانتقاده للعلاّمة
الطباطبائيّ قد أظهر تأييده لذلك الاُسلوب في التفسير.
وسنورد ـفي
معرض الردّـ عين عباراته لبيان موارد الاءشكال والاشتباه في ذلك الاُسلوب،
ثمّ نشرع بنقدها والردّ عليها، فقد قال:
الرجوع
الي الفهرس
جاء في
الآية 276 من سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَـ'وا لاَيَقومُونَ
إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطَـ'نُ مِنَ الْمَسِّ؛ حيث
اعتبر المرحوم الطالقانيّ في تفسيره «پرتوي از قرآن»(= إشعاع من القرآن)
أنّ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَـ'نُ مِنَ الْمَسِّ
هو تمثيل لمرض الصرع والاختلالات العصبيّة والنفسيّة الاُخري، إذ إنّ العرب
كانوا ينسبون هذه الامراض إلي مسّ الجنّ، ويقال بالفارسيّة لذلك «ديوانه»
أي المصاب بالجنّ.
وقد قال بعض
المفسّرين الجدد إنّ مسّ الشيطان ربّما كان إشارة إلي الجرثومة(الميكروب)
التي تنفذ إلي المراكز العصبيّة، وربّما كان إشارة إلي منشأ الوسوسة وإثارة
الاوهام والتخيّلات ذلك.
ونسأل: لماذا
أورد المرحوم الطالقانيّ احتمالات كهذه في تفسير هذه الآية؟ أو ليس
للجنون إثر مسّ الشيطان معنيً صريحاً وصحيحاً؟ فما الذي أجبره علي القول إنّ
القرآن قد تكلّم هنا بلسان الاعراب، وتماشي متساهلاً مع أوهامهم وعقائدهم
وخرافاتهم؟ ولِمَ استعان بالعلم الحديث فأشار إلي تأثير
الجراثيم(الميكروبات)؟
لا شكّ ولا
ريب أنّ هناك علّة واحدة لكلّ هذه الاُمور، وهي انسجام وتزامن فهمه
وثقافته الدينيّة مع الفهم والثقافة العصريّة؛ فكيف يمكن لمن يعتقد أنّ
الصرع أو الجنون مسبّب عن دلائل مادّيّة(طفيليّة أو دوائيّة أو مخّيّة أو
إرثيّة...) أن يتجاهل عقيدته هذه ويعارضها؟
فأمّا أن
يفسّر الشيطان بمعني الجرثومة(الميكروب)، أو أن يقول إنّ هذه الاقوال كانت
زمن نزول الوحي لمماشاة ثقافة الاعراب من عبدة الخرافات والشعوذة.
لكنّ قولاً
كهذا ـ كما أوضحنا ـ يكشف عن استراتيجيّة معيّنة ولاينحصر في الاُطر والحدود
الضيّقة؛ فإنّ عليه لهذا أن يُعيد النظر أيضاً في معني الصدق، الكذب، الجدّ،
الهزل، الحسن والقبح. فيعتبر وجود هذه المعاني في القرآن رغم منافاتها
للواقع جدّيّاً وصادقاً وحسناً.
وعليه أيضاً
أن يوسّع مفهوم «نزول القرآن بلسان قوم» ويستبدله بمفهوم «نزوله وفق
ثقافة قوم»، أي توسعة معني «عربيّة» القرآن؛ وأن يجيز أيضاً استخدام هذا
الاُسلوب في القصص التأريخيّة والمطالب العلميّة القرآنيّة الاُخري، فيرفع
كلّ تعارض ظاهريّ يجده مع المكتشفات البشريّة المتقنة بهذا الاُسلوب.
وعليه أن لا
يعدّ هذا الامر نقصاً في الدين، بل أن يعتبر الاستعانة بالكذب والخرافات
جائزاً كلّما وجب ذلك لاداء القصد وبيان الغرض، وفي الحقيقة فإنّ المرحوم
الطالقانيّ قد نحي هذا المنحي في تفسيره لبعض القصص القرآنيّة؛ أي أنّ
أمثال هذا التفسير الذي أورده لهذه الآية لا تصدر إلاّ عن افتراضات كهذه،
فإن لم نُضف لها تلك المبادي فإنّها لن تفيد تلكم المعاني، وبالطبع فإنّها
كانت آراءً تفسيريّة مخلصة لا قصد فيها لتحريف كتاب الله العزيز.
كما ينبغي
ملاحظة خلو عمله من التأويل، بل انصبّ علي إعطاء قاعدة لحلّ المشكلات
التفسيريّة عند التعارض مع الواقع، وتلك القاعدة والاصل هي: أنّ القرآن
كما ورد بلسان العرب فقد جاء في قالب ثقافة العرب وعقائدهم(الصحيحة أو
الخرافيّة)، لذا فلا ينبغي علينا البحث عن المعني الصحيح والدقيق لاجزائه،
بل يجب الاخذ بالقصد والغرض منه بشكل مجمل، بغضّ النظر عن انطباق الآيات
بحذافيرها مع الحقيقة والواقع.
حتّي يصل
إلي القول: إنّ أُسلوب
ونهج المرحوم الطالقانيّ مقبول ومتّبع عند بعض المفسّرين من أهل السنّة.
وينقسم
إشكالنا علي كلامه إلي عدّة جهات:
الجهة
الاُولي: إذا ما قال لنا طبيب ما: إنّ تمام أنواع الجنون مسبّبة عن
العلل المادّيّة، بالشـكل الذي لا تأثـير معه للجـنّ في أيّ مـن جهات تلك
النفوس؛ أفيجب علينا أن نأخذ كلامه فنقبله علي علاّته بلاتحقيق وبلابحث،
مهما استلزم مخالفة ظاهر آية من كلام الله المجيد؟ أم أنّ ذلك لاينبغي
علينا لضعف هذا المنطق وعدم سلامته!
أوّلاً: لم
يدّعِ أيّ طبيب حتّي الآن أنّ جميع أنواع الجنون لها علل وأسباب طبيعيّة
وجرثوميّة( ميكروبيّة)؛ وما ادّعي في هذا المجال انحصر في بعض أنواع
الجنون لا جميعها.
وثانياً: هل
تعتبر الاكتشافات الطبّيّة العلل الطبيعيّة للجنون منافية لتأثير ومسّ نفوس
الشياطين؟ أو أنّ منتهي إدراك الطبّ في البحث عن هذا السبب يقف عند هذا
الحدّ؟ وأ نّي له القدرة علي نفي أسباب لايحيط بها علمه ومعرفته،
والادّعاء أنّ غير هذه العلل من الاسباب والعوامل والشروط الاُخري ليست
مؤثّرة أبداً في ظهور الجنون؟
إنّ الآية
المباركة مورد البحث كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتخَبَّطُهُ الشَّيْطَـ'نُ مِنَ
الْمَسِّ تُوَضِّح إجمالاً أنّ بعض أنواع الجنون تنشأ بمسّ الشيطان، أي
أنّ للنفوس الشرّيرة من طائفة الجنّ تأثيراً في النفوس الضعيفة المستعدّة
من طائفة الاءنسان، فتسوقها للانحراف عن سلوك طريق الاعتدال إلي القيام
بالحركات المضطربة غير المنسجمة في الاقوال والافعال؛ هذا هو مفاد ظاهر
الآية الشريفة.
الرجوع
الي الفهرس
ولقد رفض
الشيخ محمّد عَبْدُه في تفسير «المَنار» ظاهر الآية هذا لمجرّد أنّ
هذا الامر مستحيل، فالعلوم الحديثة ترفض تأثير الجنّ في الجنون؛ وقد سار
المفسّرون الآخرون علي هذا النهج فتابعوه في رأيه وقوله.
فهو يقول:
ثمّ إنّ التشبيه مبنيّ علي أنّ المصروع الذي يُعَبَّر عنه بالممسوس يتخبّطه
الشيطان، أي أ نّه يصرع بمسّ الشيطان له، وهو ما كان معروفاً عند العرب
وجارياً في كلامهم مجري المثل. قال البيضاويّ في التشبيه: وهو وارد علي
ما يزعمون أنّ الشيطان يخبط الاءنسان فيصرع، والخَبْط ضرب علي غير
اتّساق كَخَبْطِ العَشْواء. وتبعه أبو
السُّعود ـكعادتهـ فذكر عبارته بنصّها في تفسيره. فالآية
ـعلي هذاـ لا تثـبت أنّ الصـرع المعـروف يحـصل بفـعل الشيطان حقيقةً ولا
تنفي ذلك. وفي المسألة خلاف بين العلماء:
أنكر
المعـتزلة وبعـض أهل السـنّة أن يكون للشـيطان في الاءنسـان غير ما يعبّر
عنه بالوسوسة. و قال بعضهم إنّ سبب الصرع مسّ الشيطان كما هو ظاهر
التشبيه، وإن لم يكن نصّاً فيه.
وقد ثبت عند
أطبّاء هذا العصر أنّ الصرع من الامراض العصبيّة التي تعالج كأمثالها
بالعقاقير
وغيرها من طرق العلاج الحديثة. وقد يعالج بعضها بالاوهام،
وهذا ليس برهاناً قطعيّاً علي أنّ هذه المخلوقات الخفيّة التي يعبّر عنها
بالجنّ يستحيل أن يكون لها نوع اتّصال بالناس المستعدّين للصرع، فتكون من
أسبابه في بعض الاحوال.
والمتكلّمون
يقولون: إنّ الجنّ أجسام حيّة خفيّة لا تُرَي، وقد قلنا في تفسير « المنار »
غير مرّة إنّه يصحّ أن يُقال إنّ الاجسام الحيّة الخفيّة التي عرفت في
هذا العصر بواسطة النظّارات المكبّرة ـوتسمّي بالميكروباتـ يصحّ أن تكون
نوعاً من الجنّ، وقد ثبت أ نّها علل لاكثر الامراض. قلنا ذلك في تأويل ما
ورد من أنّ الطاعون من وَخْزِ
الجنِّ.
علي أ نّنا
نحن المسلمين لسنا في حاجة إلي النزاع فيما أثبته العلم وقرّره الاطبّاء،
أو إضافة شيء إليه ممّا لا دليل في العلم عليه لاجل تصحيح بعض الروايات
الآحاديّة، فنحمد الله تعالي أنّ القرآن أرفع من أن يعارضه العلم.
الرجوع
الي الفهرس
وقد قال
العلاّمة آية الله الطباطبائيّ قدّس الله سرّه في تفسير هذه الآية: إنّ
التشبيه في قوله يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَـ'نُ مِنَ الْمَسِّ لا يخلو من
إشعار بجواز تحقّق ذلك في مورد الجنون في الجملة، فإنّ الآية وإن لم تدلّ
علي أنّ كلّ جنون هو من مسّ الشيطان، لكنّها لا تخلو عن إشعار بأنّ من
الجنون ما هو بمسّ الشيطان، وكذلك الآية وإن لم تدلّ علي أنّ هذا المسّ من
فعل إبليس نفسه، فإنّ الشيطان بمعني الشرّير يُطلق علي إبليس وعلي شرار
الجنّ وشرار الاءنس، وإبليس من الجنّ،
فالمتيقّن من إشعار الآية أنّ للجنّ شأناً في بعض الممسوسين إن لم يكن
في كلّهم.
وما ذكره
بعض المفسّرين أنّ هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامّة الناس في بعض
اعتقاداتهم الفاسدة، حيث كان اعتقادهم بتصّرف الجنّ في المجانين، ولا ضير
في ذلك لا نّه مجرّد تشبيه خالٍ عن الحكم حتّي يكون خطأً غير مطابق
للواقع، فحقيقة معني الآية: أنّ هولاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون
الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ؛ وأمّا كون الجنون مستنداً إلي مسّ الشيطان
فأمر غير ممكن، لانّ الله سبحانه أعدل من أن يسلّط الشيطان علي عقل عبده
أو علي عبده المؤمن. وهذا القول بتمامه محلّ للاءشكال:
فأوّلاً:
أ نّه تعالي أجلّ من أن يستند في كلامه إلي الباطل ولغو القول بأيّ
نحوٍ كان من الاستناد إلاّ مع بيان بطلانه وردّه علي قائله، وقد قال
تعالي في وصف كلامه: وَإِنَّهُ
و لَكِتَـ'بٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الْبَـ'طِلُ مِن بَيْنَ يَدَيْهِ
وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.
وقال تعالي:
إِنَّهُ و لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ.
وثانياً:
قولهم إنّ استناد الجنون إلي تصرّف الشيطان بإذهاب العقل ينافي عدله
تعالي، ففيه أنّ الاءشكال بعينه مقلوب عليهم في إسنادهم ذهاب العقل إلي
الاسباب الطبيعيّة، فإنّها أيضاً مستندة بالآخرة إلي الله تعالي مع
إذهابها العقل.
وثالثاً:
علي أ نّه في الحقيقة ليس في ذهاب العقل بإذهاب الله إيّاه إشكال،
لانّ التكليف يرتفع حينئذٍ بارتفاع الموضوع، وإنّما الاءشكال في أن ينحرف
الاءدراك العقليّ عن مجري الحقّ وسنن الاستقامة مع بقاء موضوع العقل علي
حاله، كأن يشاهد الاءنسان العاقل الحسن قبيحاً وبالعكس، أو يري الحقّ باطلاً
وبالعكس جزافاً بتصرّفٍ من الشيطان.
فهذا هو الذي
لا يجوز نسبته إلي الله تعالي، وأمّا ذهاب القوّة المميّزة وفساد حكمها
تبعاً لذهاب نفسها فلا محذور فيه سواء أُسند إلي الطبيعة أم إلي الشيطان.
ورابعاً:
علي أنّ استناد الجنون إلي الشيطان ليس علي نحو الاستقامة ومن غير
واسطة، بل الاسباب الطبيعيّة كاختلال الاعصاب والآفة الدماغيّة أسباب
قريبة وراءها الشيطان، كما أنّ نوع الكرامات تستند إلي الملك مع تخلّل
الاسباب الطبيعيّة في البين.
وقد ورد نظير
ذلك فيما حكاه الله عن أيّوب عليه السلام، إذ قال: أَ نِّي مَسَّنِيَ
الشَّيْطَـ'نُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ.
وإذ قال:
أَ نِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّ ' حِمِينَ.
و الضُّرُّ
هو المرض وله أسباب طبيعيّة ظاهرة في البدن، فنسب ما به من المرض
المستند إلي أسبابه الطبيعيّة إلي الشيطان.
وهذا وما
يشبهه من الآراء المادّيّة التي دبّت في أذهان عدّة من أهل البحث من
حيث لم يشعروا بها، حيث إنّ أصحاب المادّة لمّا سمعوا الاءلهيّين يسندون
الحوادث إلي الله سبحانه، أو يسندون بعضها إلي الروح أو المَلَك أو
الشـيطان، اشتـبه عليـهم الامر فحسـبوا أنّ ذلك إبطال للعـلل الطبيعيّة
وإقامة لما وراء الطبيعة مقامها، ولم يفقهوا أنّ المراد به تعليل في طول
تعليل لا في عرض تعليل، وقد مرّت الاءشارة إلي ذلك في المباحث السابقة
مراراً.
كان هذا
حاصل المطالب الواردة في « تفسير الميزان » والتي مثّلت حقّاً جواباً كافياً
وشافياً لذلك الاحتمال غير الوجيه.
الرجوع
الي الفهرس
كما أنّ من
بين المفسّرين الذين كان لهم قبله بحث مفيد عن تخبّط المجنون من مسّ
الشيطان، السيّد محمود الآلوسيّ البغداديّ في تفسير «روح
المعاني»، حيث قارب قوله قول العلاّمة إلي حدّ كبير، فهو يقول:
المسّ
أي الجنون، يقال: مَسَّ الرَّجُلَ فَهُوَ مَمْسُوسٌ إذا جُنّ،
وأصله اللمس باليد، وسمّي به لانّ الشيطان قد يمسّ الرجل وأخلاطه مستعدّة
للفساد فتفسد ويحدث الجنون. وهذا لا ينافي ما ذكره الاطبّاء من أنّ ذلك من
غلبة مرّة السوداء،
لانّ ما ذكروه سبب قريب وما تشير إليه الآية سبب بعيد، وعلّيّة مسّ
الشيطان للجنون ليست مُطَّرِدة ولا منعكسة، فقد يحصل مسّ ولا
يحصل جنون، كما إذا كان المزاج قويّاً، وقد يحصل جنون ولميحصل مسّ، كما إذا
فسد المزاج من دون عروض أجنبيّ، والجنون الحاصل بالمسّ قد يقع أحياناً،
وله عند أهله الحاذقين أمارات يعرفونه بها، وقد يدخل في بعض الاجساد علي
بعض الكيفيّات ريح متعفّن تعلّقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون
أيضاً علي أتمّ وجه، وربّما استولي ذلك البخار علي الحواسّ وعطّلها، واستقلّت
تلك الروح الخبيثة بالتصرّف فتتكلّم وتبطش وتسعي بآلات ذلك الشخص الذي
قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك أصلاً.
وهذا كالمشاهد
المحسوس الذي يكاد يعدّ منكره مكابراً منكراً للمشاهدات.
الرجوع
الي الفهرس
وقال
المُعْتَزِلَةُ و القَفَّالُ من الشافعيّة: إنّ كون الصرع
والجنون من الشيطان باطل، لا نّه لا يقدر علي ذلك، كما قال تعالي حكاية
عنه: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَیْكُم مِّن سُلْطَـ'نٍ،
فالآية واردة هنا علي ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أنّ الشـيطان يخبط
الاءنسـان فيصـرع، وأنّ الجنّيّ يمسّـه فيخـتلط عقله وليس لذلك حقيقة؛
وليس بشيء، بل هو من تخبّط الشيطان بقائله ومن زعمه المردود بقاطعيّة
أدلّة الشرع، فقد ورد: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاَّ يَمَسُّهُ
الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً.
وفي
بعض طرق الروايات: إلاَّ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي خَاصِرَتِهِ، وَمِنْ
ذَلِكَ يَسْـتَهِلُّ صَارِخاً. إلاَّ مَرْيَـمَ وَابْنَـهَا لِقَوْلِ أُمِّـهَا:
«وَإِنِّي´ أُعِيـذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَـ'نِ الرَّجِيمِ».
وقوله صلّي
الله عليه ] وآله [ وسلّم: كُفُّوا
صِبْيَانَكُمْ أَوَّلَ العِشَاءِ، فَإنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ.
وقد
ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردّته في زمان رسول الله
صلّي الله عليه وآله وسلّم أ نّه حدث من شأنه معهم قال: فَجَاءَنِي
طَائِرٌ كَأَ نَّهُ جَمَلٌ قَبَعْثَرَي فَاحْتَمَلَنِي عَلَی خَافِيةٍ مِنْ
خَوافِيهِ.
إلي غير ذلك من الآثار، وفي كتاب «لَقَط المرجان في أَحكام الجانّ»
كثير منها.
واعتقاد السلف وأهل السنّة أنّ ما دلّت عليه( الآية) أُمور حقيقيّة واقعة
كما أخبر الشرع عنها، والتزام تأويلها كلّها يستلزم خبطاً طويلاً لايميل إليه
إلاّ المعتزلة ومن حذا حذوهم، وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم،
فَاحْذَرْهُمْ قَـ'تَلَهُمُ اللَهُ أَ نَّي' يُؤْفَكُونَ.
وأمّا الآية التي ذكروها في معرض الاستدلال علی مدّعاهم فلاتدلّ عليه، إذ
السـلطان المنـفيّ فيها إنّما هو القـهر والاءلجـاء إلي متابعـته، لا التعرّض
للاءيذاء والتصدّي لما يحصل بسببه الهلاك؛ ومن تتبّع الاخبار النبويّة وجد
الكثير منها قاطعاً بجواز وقوع ذلك من الشيطان، بل وقوعه بالفعل.
وخبر: الطَّاعُونُ مِنْ وَخْزِ أعْدَائِكُمُ الجِنِّ صريح في ذلك، وقد
حمله بعض مشايخنا المتأخّرين علی نحو ما حملنا عليه مسألة التخبّط والمسّ،
حيث قال: إنّ الهواء إذا تعفّن تعفّناً خاصّاً مستعداً للخلط والتكوين، تنفرز
منه وتنحاز أجزاء سمّيّة باقية علي هوائيّتها أو منقلبة بأجزاء ناريّة
محرقّة، فيتعلّق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجنّ،
فإنّها ـعلي ما عرف في الكلامـ أجسام حيّة لا تري، إمّا الغالب عليها
الهوائيّة أو الناريّة، ولها أنواع عقلاء وغير عقلاء، تتوالد وتتكوّن، فإذا
نزل واحد منها طبعاً أو إرادة علي شخص أو نفذ في منافذه، أو ضرب وطعن نفسه
به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشرّ من القوّة السمّيّة وما في الشخص من
الاستعداد للتأثّر منه ـكما هو مقتضي الاسباب العاديّة في المسبّباتـ ألم
شديد مهلك غالباً مظهر للدماميل والبثرات في الاكثر لسبب إفساده للمزاج
المستعدّ، وبهذا يحصل الجمع بين الاقوال في هذا الباب، وهو تحقيق حسن
لمنجده لغيره؛ كما لم نجد ما حقّقناه في شأن المسّ لاحد سوانا.
وعلي كلّ حال، فطبقاً لمنطق القرآن الكريم والبحـوث العقليّة في دورة
معارف الاءسلام والحكمة المتعاليّة، فإنّ كلّ المعلومات في عالم الطبع
والمادّة مستندة إلي علّة في العالم الذي وراءها، وصولاً إلي علّة العلل
ومسبّب الاسباب.
فالعلل الاعلي لا تبطل عمل المعلولات الاوطأ، بل هي حاكمة عليها، وتلك
العلل نفسها هي الموجدة والمُظهرة للعلل الطبيعيّة، والآية الكريمة:
فَالْمُدَبِّرَ ' تِ أَمْرًا
شاهد صادق لهذا الادّعاء.
ولقد برهنّا هذا الامر بحول الله وقوّته في دورة العلوم والمعارف
الاءسلاميّة، قسم «معرفة المعاد»، الجزء الثالث، المجلس السابع عشر؛ وأوضحنا
أنّ التعبير عن الجنّ بالجرثومة( الميكروب) ناشي عن عدم التفقّه والتعمّق
في المسائل العلميّة.
الرجوع
الي الفهرس
الجهة الثانية من جهات الاءشكال: أنّ مسألة وجود الجنّ مسألة ثابتة
لاتردّد فيها طبقاً للآيات القرآنيّة والشواهد الخارجيّة، فقد قسّم القرآن
الكريم المكلّفين إلي مجموعتين وفئتين: الاءنس والجنّ، وكان خطابه موجّهاً
لكليهما معاً، كالآية: يَـ'مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاْءنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَـ'وَ ' تِ وَالاْرْضِ فَانفُذُوا لاَ
تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـ'نٍ * فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
ومثل آية: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ * فَبِأَيِّ ءَالآءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
وآية: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَـنَّمَ كَثِـيرًا مِّنَ الجِـنِّ وَالاْءنـسِ
لَهُمْ قُلُـوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا
وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُولَـ'´نءِكَ كَالاْنْعَـ'مِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ أُولَـ'´نءِكَ هُمُ الغَـ'فِلُونَ.
فالقرآن الكريم يعتبر الاءنسان والجنّ موجودَين مادّيَّين يمتلكان الشعور
والاءدراك، وقابلَين للامر والنهي، واعتبرهما في جنب بعضهما قابلَين للخطاب
والمفاهمة، خلق الربّ المتعال أوّلهما من الطين وثانيهما من النار:
خَلَقَ الاْءنسَـ'نَ مِن صَلْصَـ'لٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن
مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
وتبعاً لذلك فأصل خلق الجنّ من النار والغازات غير المرئيّة، وله نزوع
إلي الاعلي، في حين أنّ أصل خلق الاءنسان من الطين المرئيّ، ونزوعه إلي
الاسفل. ولهاتين المجموعتين نبيّ إنسيّ مشترك هو خاتم الانبياء مُحَمَّدُ
بْن عَبْدِ اللهِ صلّي الله عليه وآله وسلّم، فهو نبيّ للجنّ، كما هو
نبيّ للاءنس:
وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْـكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْـتَمِعُونَ
الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَـرُوهُ قَالُو´ا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا
إِلَي' قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَـ'قَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا
كِتَـ'بًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَي' مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
يَهْدِي´ إِلَي الْحَقِّ وَإِلَي' طَرِيقٍ مُّسْـتَقِيمٍ * يَـ'قَوْمَنَآ
أَجِيـبُوا دَاعِيَ اللَهِ وَءَامِنُوا بِهِ يَغْـفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُم
وَيُجِـرْكُم مِّن عَذَابٍ أَلِيـمٍ * وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَهِ
فَلَيْـسِ بِمُعْجِزٍ فِي الاْرْضِ وَلَيْسَ لَهُ و مِن دُونِهِ
أَوْلِيَآءُ أُولـ'´نءِكَ فِي ضَلَـ'لٍ مُّبِينٍ.
الرجوع
الي الفهرس
وهناك سورة في القرآن الكريم باسم سورة الجنّ جري فيهاالحديث
بشكل مفصّل عن إيمان الجنّ برسول الله وانقسامهم إلي مجموعتين: صالحة
وطالحة، مسلمة ومتعدّية قاسطة، ثمّ بيان الثواب والعقاب الاُخروي الذي
ينتظرهم. وتحوي هذه السورة علي دقائق بديعة وشرح حال الجنّ، إذ يأمر الله
سبحانه نبيّه أن:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَ نَّهُ اسْـتَمَـعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِـنِّ فَقَالُو´ا
إِنَّا سَمِعْـنَا قُرْءَانًا عَجَبًا * يَهْدِي´ إِلَي الرُّشْدِ فَـَامَنَّا
بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا * وَأَ نَّهُ و تَعَـ'لَي' جَدُّ
رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَـ'حِبَةً وَلاَ وَلَدًا * وَأَ نَّهُ و كَانَ
يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَی اللَهِ شَطَطًا * وَأَ نَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ
الاْءنسُ وَالْجِنُّ عَلَی اللَهِ كَذِبًا * وَأَ نَّهُ و كَانَ رِجَالٌ
مِّنَ الاْءنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَ
نَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَهُ أَحَدًا * وَأَ نَّا
لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَـ'هَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهْبًا * وَأَ
نَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـ'عِدَ لَلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الاْنَ
يَجِدْ لَهُ و شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَ نَّا لاَ نَدْرِي´ أَشَرٌّ أُرِيدَ
بِمَن فِي الاْرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَ نَّا مِنَّا
الصَّـ'لِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَ ' لِكَ كُنَّا طَرَآنءِقَ قِدَدًا * وَأَ نَّا
ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَهَ فِي الاْرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ و
هَرَبًا * وَأَ نَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَي'´ ءَامَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن
بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بِخْسًا وَلاَ رَهَقًا * وَأَ نَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنَّا الْقَـ'سِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَـ'´نءِكَ تَحَرُّوا رَشَدًا *
وَأَمَّا الْقَـ'سِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَ لَّوِا
اسْتَقَـ'مُوا عَلَی الطَّرِيقَةِ لاَسْقَيْنَـ'هُم مَّآءً غَدَقًا *
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا
صَعَدًا * وَأَنَّ الْمَسْـ'جِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَهِ أَحَدًا *
وَأَ نَّهُ و لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ
عَلَیهِ لِبَدًا.
أمّا بشـأن إمكان معاشـرة واختـلاط أفراد طائفـتي الجنّ والاءنـس ببعضهم
ظاهراً أو باطناً، وإعانة بعضهم بعضاً في الاءيمان والكفر، وبإجمال: أن يكون
لهم تأثير علي بعضهم البعض مع حفظ إرادة واختيار كلّ من هذين الطائفتين،
فقد وردت بذلك آيات من القرآن الكريم في أنّ الله سبحانه يجمع يوم
الجزاء طائفتي الاءنس والجنّ فيتمّ الحجّة عليهما أ نّهما قد تنكّبتا عن جادّة
الصواب وتبعا بعضهما بلا إجبار وإلزام، بالرغم من إرساله الرسـل والانبـياء
إليـهما لاءنذارهـما، فآل عاقـبة أمرهـما إلي الخسران والعذاب؛ فيقول:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَـ'مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم
مِّنَ الاْءنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الاْءنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ
بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الَّذِي´ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ
النَّارُ مَثْوَي'كُمْ خَـ'لِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَهُ إِنَّ رَبَّكَ
حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَ ' لِكَ نُوَلِّي بَعضَ الظَّـ'لِمِينَ بَعْضًا بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَـ'مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاْءنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَیْكُمْ ءَايَـ'تِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
هَـ'ذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَی'´ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَو'ةُ
الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَی'´ أَنفُسِهِمْ أَ نَّهُمْ كَانُوا كَـ'فِرِينَ * ذَ '
لِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَي' بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
غَـ'فِلُونَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَـ'تٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَـ'فِلٍ
عَمَّا يَعْمَلُونَ.
فالله سبحانه يكلّف جميع أفراد الاءنسان والجانّ ويثيبهم حسب ذلك
التكليف، أو يسوقهم إثر تجرّيهم ومعصيتهم وإتمامه الحجّة عليهم إلي جهنّم؛
فهو يعدهم العذاب الاليم والخسران في عاقبة الامر:
أُولَـ'´نءِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَیْهِمُ الْقَوْلُ فِي´ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالاْءنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَـ'سِرِينَ.
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَیْهِمُ الْقَوْلُ فِي´ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالاْءنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَـ'سِرِينَ.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذِينَ أَضَلاَّنَا مِنَ
الْجِنِّ وَالاْءنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ
الاْسْفَلِينَ.
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ.
وَلَـ'كِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ و وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ
الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَـ'نَ اللَهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ
عِبَادَ اللَهِ الْمُخْلَصِينَ.
فمن تأمّل أدني تأمّل في هذه الآيات أدرك أنّ الجنّ خُلقوا مساوين
للاءنسان، فهم في التكليف والمؤاخذة والاختيار والاءرادة والثواب والعقاب
والسَوْق إلي الجنّة أو الهوي في جهنّم علي حدٍّ سواء. وبالطبع فإنّ
وجودهم أضعف من الاءنسان، كما أنّ أفراد الاءنسان أنفسهم يتفاوتون بينهم
قوّة وضعفاً.
وباعتبار تفوّق الاءنسان في القوّة علي الجنّ، فقد كان نبيّ الجنّ من
طائفة الاءنس، لا من أنفسهم؛ فالآية المذكورة أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِّنكُمْ تعني: رسل من جنس المادّة والطبيعة، مقابل الملائكة الذين
هم موجودات ملكوتيّة. فهؤلاء الانبياء كانوا من جنس البشر؛ والبشر والجنّ
متجانسان، أي من مادّة وطبيعة واحدة؛ فالقول إنّ هؤلاء الانبياء كانوا من
جنس الجنّ هو قول صحيح وصائب.
وقد قال العلاّمة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه الزكيّة: ولقد سئل عن هذا
الامر من الجنّ أنفسهم: « ألم يأتكم رسل منكم »؟ أي من جنسكم، فقالوا في
الاءجابة: إنّ أنبياءنا من الاءنس، وإنّا آمنّا بخاتمة الرسالات وأقررنا
بالنبيّ خاتماً للرسل.
أفليس من المضحك والمثير للسخرية ـمع وجود هذه المطالب وهذه الآيات
الجليّةـ أن يقول امري: إنّ الجنّ في القرآن بمعني الميكروب. أو إنّ بعض
أنواعهم ميكروبات؟ ذلك لانّ الميكروب موجود حيّ وصغير وخفيّ. أفهل يحشر
الله سبحانه هذه الميكروبات فيحاسبها ويعذّبها؟ أو أ نّها تُلقي في جهنّم
مع البشر رديفاً لهم؟ أو كانت هذه الميكروبات هي التي تشرّفت بالحضور عند
رسول الله في مكّة فآمنت به، وحكي الله سبحانه أقوالهم في قرآنه؟ فمحلّ
نزول الجنّ في مكّة معيّن معروف، وقد سمّي بمسجد الجنّ، يقع قرب
المسجد الحرام في شارع المسجد الحرام، حيث يستحبّ للحجّاج الذهاب إليه
والصلاة فيه ركعتَين.
قال لي يوماً أحد المطّلعين في أحد مجالس طهران: أيّها السيّد! إنّ هؤلاء
الامريكان هم الجانّ أنفسهم، وإنّ من معجزات القرآن الكريم إخباره عن
اكتشاف قارّة أمريكا؛ لانّ الجنّ معناه الموجود الخفيّ الحيّ، والامريكان
كانوا حتماً أحياء عند نزول القرآن ومخفيّين عن نظر جميع أفراد البشر.
فأجبته: إنّ الجنّ مقابل الاءنس وعدله ومساويه، وهذه الحقيقة مشهورة في
الخطابات القرآنيّة التي تعدّ الجنّ مع الاءنس وليس ضمنهم، وإنّ جميع أفراد
البشر وجدوا من أصل واحد هو آدم وزوجه، تبعاً للآية الكريمة الصريحة:
يَـ'´أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَ '
حِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً.
فحيثما وجد البشر فهو إنسان من ولد آدم لا من الجنّ؛ لذا فإنّ جميع الرجال
والنساء علي ظهر البسيطة هم من آدم وحوّاء، ولا دخل للجنّ في هذا النسل،
فالاءنسان الاءفريقيّ والامريكيّ والعنصر الاحمر هم كلّهم من طائفة
الاءنسان، والاءنسان غير الجنّ.
الرجوع
الي الفهرس
وأمثال هؤلاء الافراد الذين يقحمون أنفسهم في التفسير بدون أن يمتلكوا
معرفة بالمنطق القرآنيّ، فيحاولون تفسير القرآن وفق علومهم ومدركاتهم،
ستظهر منهم نظائر هذه المطالب، فيدعون الميكروب شيطاناً وقصص القرآن
تمثيلاً؛ وفي الحقيقة فإنّهم سيعرضون أساطير وحكايات وهميّة من نسج
خيالهم، وحاشا من كلامه العالي، الذي قال عنه: إِنَّا
جَعَلْنَـ'هُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّـكُمْ تَعْـقِلُونَ * وَإِنَّهُ و
فِي´ أُمِّ الْكِتَـ'بِ لَدَيْـنَا لَعَـلِيٌّ حَكِيمٌ؛
أن يسقط إلي هذا الحدّ في المطالب السطحيّة
والتخيّلات الوهميّة.
ولو فهم هؤلاء المفسّرون آية واحدة فقط من القرآن: وَمَآ أُوتِيتُم
مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً، لما حاولوا ـإلي آخر حياتهمـ أن يتعرّضوا
للتفسير ويقتحموا ميدانه. وحين يدرك الاءنسان ضحالة علمه، فإنّه لنيتعرّض
للمطالب القرآنيّة السامية والراقية التي تقصر الافكار عن بلوغها، ويسلك
طريق البحث والتنقيب إلي آخر عمره ليتّضح الامر لديه بدرجة كافية؛ لا أن
يكرّر علي الدوام هذه الصيغة المحفوظة التي استظهرها الجميع: إنّ العلم
لايؤيّد هذا الامر! إنّ التجربة لم تثبت ذلك! إنّ علم وظائف الاحياء وعلوم
الحياة لم تفعل كذا وكذا... إلي آخره. فما علاقة علم وظائف الاعضاء وعلوم
الحياة بكشف الجنّ والشيطان، أو برؤية الملائكة؟
إنّ إدراك هذه الاُمـور له طريق آخـر ما لم يسـلكه الاءنسـان فلاحقّ لهفي
التـدخّل وإظهار النظر، وهذا الامر من الواضـحات، إذ إنّ فـروع العلوم كثيرة
ومتشعّبة، وكلّ منها يختصّ بموضوع معيّن، فاسـتخدام علم وظائف الاعضاء في
الورود في علم كشف الحقائق والمخفيّات ـبما فيها الموجودات الملكوتيّة
الرحمانيّة والموجودات الجنّيّة الشيطانيّةـ والسعي بتلك الادوات والوسائل
للعثور علي حلول لمسائل هذه العلوم، هو كالوصول إلي تركستان لمن كان يحثّ
الخطي قاصداً مكّة!
لا ندّعي بوجوب حيازة المفسّر لروحٍ ملكوتيّة، ولا نبغي ألاّ يفسّر القرآن
أحد. لكنّنا نقول: ينبـغي للمفسّـر أن يلمّ بمـعاني ومصـطـلحـات القرآن،
فيفسّر القرآن كما يريد القرآن، وبلسان القرآن، حتّي لو لميكن المفسّر
مسلماً، بل مسيحيّاً أو يهوديّاً، فالمهمّ في الامر أن لايتخطّي في تفسير
القرآن المنطق القرآنيّ والرؤية القرآنيّة، فيقول ما قاله القرآن بغضّ
التنظر عن اعتقاده الشخصيّ.
ومن أكبر الهـفوات التي ارتكـبها الشـيخ محـمّد عبده في تفسـير «المنار»،
قلّة اهتمامه وعنايـته في تفسـيره بالحـقائق والاُمور المعـنويّة وأُسس
العالم العلويّ وخلقة موجودات ما وراء هذا العالم، في حين عني واهتمّ ـفي
المقابلـ بأُسس وعلائق العلوم المادّيّة والتقدّم الطبيعيّ.
فهذا المنطق لا يمنح الروح البشريّة الارتواء، ولا يخمد عطشها الملتهب، لانّ
البشر مرتبط ومتعلّق بعالم الغيب، فبدنه في عالم الشهادة لكنّ روحه وسرّه
ووجدانه في عالم الملكوت، فلا يمكن إرضاءه وإشغاله بهذه العلوم الفانية
البشريّة. لكنّ تفسير « الميزان » علي معلّمه آلاف التحيّة والثناء والرحمة
الاءلهيّة الموصولة، قد فتح هذا الباب في التفسير، فاعتبر أنّ الولاية هي
حقيقة معاني القرآن، وقدّم العرفان علي أ نّه الطريق الوحيد للوصول إلي
سرّ الملكوت. وقد استفاد في هذا التفسير من سنّة النبيّ الاكرم في إشباعه
الارواح الغرثي، وإروائه المتعطّشين للمعارف في دعوته إلي الله ووحدته
الحقّة الحقيقيّة، وإلي عالم الروح والملكوت، وإلي الوصول إلي مقام
الولاية، والتزوّد من كلا عالمي الملك والملكوت.
الرجوع
الي الفهرس
لذا فقد لوحظ: أنّ تفسير العلاّمة الطباطبائي قدّس الله سرّه الزكيّ
قد حاز هذه الايّام في مصـر ولبـنان وبعـض البـلاد الاُخـري هذه الشـهرة
الفائقة؛ ومع أنّ مؤلّف « المنار » سنّيّ المذهب ومن أهل تلك البلاد
والديار ـأي مصـرـ لكنّ المعـلّمـين وخِرِّيـجي المعاهـد والجامعـات
المصـريّين واللبنانيّين قد شغفوا بتفسير « الميزان » إلي الحدّ الذي لم نكن
لنتصوّره.
لقد ذهبتُ خلال حلولي في مدينة مشهد المقدّسة لزيارة أحد علماء النجف
الاشرف المقيمين حاليّاً في قم بعد تشرّفه بالقدوم للزيارة؛ وذلك بعد مدّة
قصيرة من كتابتي لرسالة « مهر تابان »( = الشمس الساطعة) تخليداً لاُستاذنا
العلاّمة، حيث طُبعت تلك الرسالة بسرعة؛ وكان مجلس ذلك العالم يضمّ جمعاً
من أولاده وأصهاره، فتطرّق الحديث إلي رحلة العلاّمة، وكان الحاضرون
يدلون بأقوالهم، فسألني أحد أصهار هذا العالم، وكان من مواليد النجف ومن
أصل عربيّ من أحفاد المرحوم الصدر: ألم تكتبوا هذه الرسالة
بالعربيّة؟ فلقد كان حريّاً أن تُكتب بتلك اللغة.
فأجبته: لقد كان العلاّمة من المتكلّمين بالفارسيّة، وإيران بلده وموطنه.
وقد أُ لِّف هذا الكتاب للتعريف بأحواله، ومن الواضح أنّ شهرة العلاّمة في
إيران أكثر من غيرها.
قال: إنّكم علي خطأ، فللعلاّمة في البلاد العربيّة شهرة تفوق عشرات
المرّات شهرته في إيران؛ فأساتذة الجامعات وأهل الفنّ والاطّلاع، وحتّي
طلبة الجامعات يعتمدون علي الدوام علي تفسير « الميزان »، فالكلّ يعتبر «
الميزان » مصدراً أصيلاً للتحقيق، في حين تراجعت جانباً تفاسير «المنار»
و «في ظلال القرآن» وأمثالها.
وكان يقول: لقد كنتُ بنفسـي مقيماً هناك، ولمسـتُ هذا الامر عن كثبب.
فقلتُ: ليس في الامر من مشكلة، إذ يمكن لبعض أهل الخبرة ممّن لهم إلمام
كامل بالعربيّة أن يتـرجم هذا الكتاب إليها ليتّـضح لهم أيضاً الاُسلـوب
الاخلاقيّ والسـلوك الادبـيّ لهـذا الفقـيد السـعيد وعلـوّ همّـته وإخلاصه.
رَحْمَةُ الَلهِ عَلَیْهِ مَا بَقِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرَضُونَ.
كما
أنّ مسألة تأثير الجنّ في النفوس البشريّة من الاهمّيّة بحيث بيّن الله
المتعال في قرآنه الكريم من باب سنّته القطعيّة في مسألة دعوة الانبياء
والمرسـلين جَعْلَه أعداءً لهم من طائـفة الاءنس ليعاكسـوا مسـيرة الدعوة
ويعرقلوا تبليغ الرسالات الاءلهيّة ويختلقوا المشكلات والعقبات أمامها، وأ
نّه تعالي يجعل أيضاً أعداءً من طائفة الجنّ لمثل هذا الامر، فيعاضدون
الاعداء الاءنسـيّين في إيجـاد الموانـع والعـقبات أمام سبيل دعـوة
الانبـياء وإبلاغـهم رسالات الله؛ كلّ ذلك لتكـون دعـوة الانبـياء مقرونة
بالجـدّ والجهد، محفوفة بالمشقّة والمجاهدة والتعب:
وَكَذَ ' لِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَـ'طِينَ الاْءنسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَي' بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَي'´
إِلَيْهِ أَفْـِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ
وَلَيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ.
الرجوع
الي الفهرس
فينبغي للاءنسان ـلهذا الامرـ أن يستعيذ بالله تعالي من شرّ شياطين الجنّ،
كما يستعيذ به من شياطين الاءنس.
فالشيطان بمعني الموجود الشرّير، وليس كلّ الجنّ شياطيناً، كما ليـس كلّ
الاءنـس شياطـيناً؛ والشـيطان الجـنّيّ هو ذلك الجـنّيّ الكافر غير المسلم،
الذي من دأبه الفساد والشرّ والشيطنة، كما أنّ من دأب الشيطان الاءنسيّ،
أي الاءنسان غير المسلم، الاءضرار والاءعاثة في الارض فساداً.
فشياطين الجنّ تأنس بشياطين الاءنس وتصحبها، كما أنّ مسلمي الجنّ هم في صدد
إعانة ومساعدة مسلمي الاءنس.
ويتمثّل عمل شياطين الاءنس في الوسوسة الظاهريّة والخارجيّة للاءنسان،
فهم يغرّونه ويحرفونه بكلامهم المعسول عن الصراط المستقيم، ويسوقونه إلي
أهدافهم وغاياتهم الفاسدة التي تعقب الخسران والندامة.
في حين يوسوس شياطين الجنّ إلي الاءنسان من باطنه وداخله، فيوردون عليه
الخواطر السيّئة والافكار الجاهلة والآراء الكاسدة الفاسدة، ليبعثوه علي
ارتكاب الاعمال الشرّيرة والخبيثة ويزيّنون له ذلك.
والوسوسة هي حديث النفس بما ليس من مصلحة الاءنسان فعله، بل بما
يحيد به عن الاستقامة والنهج القويم.
وقد ورد في سورة الناس أنّ علي الاءنسان أن يستعيذ بالله ويحتمي
به ويلتجي إليه من هذه الوساوس التي يسوقها إليه كلّ من الجنّ والاءنس:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَـ'هِ النَّاسِ * مِن
شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
وقد نزل جبرائيل بهذه السورة مع سورة الفَلَق علي رسول الله من
قبل الله سبحانه، وذلك حين حُمّ الحسنان عليهما السلام ومرضا، لتُقرأ
عليهما فيشفيان.
ومعروف أنّ هاتين السورتين لم يضمّهما مصحف ابن مسعود، فهكذا ورد عن أهل
البيت عليهم السلام، لانّ ابن مسعود كان يعتقد أ نّهما تعويذتان نزل
بهما جبرائيل من السماء ليُعوّذ بهما الحسنان، ولقد عُلَّقتا عليهما
وقُرِأَتا فشفيا؛ أمّا الآخرون غير ابن مسعود فقد عدّوهما من سور القرآن.
والمراد بالمعوّذتين ـ بصيغة اسم الفاعل ـ سورتا قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ، وتتضمّن الاستعاذة بالله من كلّ شرّ روحيّ ووساوس
باطنيّة؛ وسورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وتتضمّن الاستعاذة
بالله من كلّ شرّ بدنيّ وجسميّ ودنيويّ.
وقد روي المجلسيّ رضوان الله عليه عن رسول الله صلّي الله عليه وآله
وسلّم أ نّه كان يقرأ آية الكُرْسِيِّ حين يأوي إلي فراشه، ويقول:
إنّ جبرائيل جاءني فقال: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجِنِّ
يَكِيدُكَ فِي مَنَامِكَ؛ فَعَلَیْكَ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ.
ولقد أردنا أن نكتفي في هذه البحوث بآيات القرآن لتكون حجّة قاطعة علي
منكري وجود الجنّ وتأثيراتهم السيّئة، وإلاّ فإنّ الروايات المستفيضة من
الشيعة والسنّة قد فاقت حدّ الاءحصاء، ويحتاج البحث فيها إلي كتاب مستقلّ.
أمّا من جهة المشاهدة الخارجيّة للجنّ، فلا نتطرّق إلي نقل ما جاء في
الكتب والتواريخ من حكايات، بل نكتفي فقط بنقل عدّة فقرات من مشاهدات
قد حصلت في زماننا منقولة عمّن يوثق بكلامهم.
فضمن بيان أنّ تقسيم الآية المباركة: بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَـ'نِ
الرَّحِيمِ في مربّعات إلي الحروف الابجديّة مفيد لدفع الجنّ عن
الافراد المبتلين بالجنّ، قال الاُستاذ العلاّمة الطباطبائيّ قدّس الله سرّه
الشريف:
لقد تطرّق الحديث يوماً في مجلسٍ ما ـوكنتُ حاضراً هناك أسمع وأُشاهدـ إلي
موضوع أنّ الجنّ هل يستطيعون الدخول من الابواب المقفلة، أو أن يستخرجوا
أشياء من صناديق مقفلة أم لا؟ فقال أحد الحاضرين ممّن يدّعي تسخير الجنّ:
نعم! يستطيع الجنّ أن يخرجوا الاشياء من الصناديق المغلقة والمقفلة.
وكان في ذلك المجلس صندوق كبير لحفظ الملابس موضوعاً في زاوية الغرفة،
وُضعت فيه صرر الملابس، فجيء به إلي وسط الغرفة، وأُحكم إقفاله بأقفال
متينة عديدة، وفوق ذلك فقد جلس رجل ثقيل ضخم الجثّة فوق ذلك الصندوق.
وفجأةً شاهدنا عياناً أنّ صرر الملابس منضودة جميعاً علي الارض خارج
الصندوق، فدهشنا لذلك. ثمّ نهض ذلك الرجل الضخم ذو البنية القويّة من علي
الصندوق، وفُتحت الاقفال ورُفع غطاء صندوق الملابـس فرأيناه خالياً من صرر
الملابس!
الرجوع
الي الفهرس
وقال العلاّمة أيضاً: جاءني يوماً السيّد نور الدين( ولده الاصغر) حين كنتُ
في طهران فقال: أبي العزيز! إنّ البحرينيّ موجود في طهران حاليّاً،
أفتريدون أن أجيئكم به علي الفور؟
وكان السيّد البحرينيّ أحد الافراد المعروفين والمشهورين بإحضار الجنّ، ومن
المتبحّرين في علم الابجد وحساب المربّعات.
قلتُ:
لا مانع من ذلك.
فذهب السيّد نور الدين وعاد بعد ساعة أو ساعتين وبصحبته السيّد البحرينيّ،
فجلس في المجلس، ثمّ جيء بعباءة ووضع طرفَي العباءة في يديّ، وأمسك
طرفيها الآخرين بيديه، وكانت العباءة مرتفعة عن الارض ـونحن نمسك بهاـ
بحوالي شبرينِ.
ثمّ قام بإحضار الجانّ علي هذه الحالة، فتصاعدت ولولة وهمهمة شديدة تحت
العباءة، وكانت العباءة تهتزّ بشدّة تكاد معها أن تفلت من أيدينا، وكنت
أُمسك بها بقوّة، فرأيتُ تحت العباءة مخلوقات شبيهة بالآدميّين قصار
القامة لا تتجاوز قاماتهم الشبرين مزدحمين بأعداد كبيرة يتحرّكون ويذهبون
ويجيئون.
ولقد شاهدتُ بكمال الفراسة أنّ هذا المنظر كان خالياً من خداع الاعين
والاجواء المفتعلة، كلاّ بالتأكيد، فلقد كان أمراً ذا وقوع خارجيّ مائة في
المائة.
وفي هذه الحال فقد رسم السيّد البحرينيّ مربّعاً ذا اثنين وثلاثين قسماً،
ولم أكن قد سمعتُ أو شاهدتُ قبلاً مربّعاً كهذا، لانّ سير المربّعات أربعة في
أربعة، أو خمسة في خمسة، ومهما تصاعدت كمربّع مائة في مائة فهي علي هذا
المنوال؛ لكنّ مربّعاً ذا اثنين وثلاثين قسماً غير موجود في أيّ كتاب. وكان
السيّد البحرينيّ يطرح عَلَیَّ أسئلة ويسجّلها ثمّ يجيب عليها، فأجاب عن
بعض مشكلاتنا التي لم يطّلع عليها أحد بإجابات صحيحة وصادقة جميعها.
ولقد امتلكني العجب ذلك اليوم كثيراً؛ تماماً كحالي حين أحضر الاديب
ـوكان من تلامذة أخي السـيّد محمّد حسنـ روح
المـرحـوم القاضي رحمةالله عليه وسأله عنّي فأجاب: إنّ سلوكه مقبول
وجيّد، والعيب الوحيد الذي فيه أنّ أباه غير راضٍ عنه ويقول إنّه لميُشركه
معه في ثواب التفسير الذي كتبه.
وحين كتب إليّ أخي هذا المطلب من تبريز، قلتُ في نفسي: إنّني لمأكن
أري لنفسي ثواباً من التفسير كي أُهديه لابي، فيا إلهي! إن كنتَ بلطفك
قدّرتَ لي ثواباً علي هذا التفسير فاجعله من نصيب والديَّ فقد أهديتهما
ثوابه بأجمعه.
ثمّ وصلتني رسالة أُخري بعد عدّة أيّام من أخي يقول فيها: إنّه حين أحضر
روح المرحوم القاضي، قال له: الآن رضي أب السيّد محمّدحسين عنه، فهو
سعيد لمشاركته إيّاه في الثواب. ولم يكن لاحد خبر عن إهداء الثواب هذا.
الرجوع
الي الفهرس
ولقد قال آية الله الحاجّ الشيخ محمّد رضا مهدوي الدامغانيّ دامت
بركاته، وهو من علماء مدينة مشهد المقدّسة البارزين: لقد غضب يوماً المرحوم
الحاجّ الشيخ حسن علي نخودكي الاءصفهانيّ أعلي الله مقامه الشريف
علي أحد تلامذته ـوهو المرحوم السيّد أبو الحسن حافظيّانـ إثر خطأ واشتباه
ارتكبه في أمر ما.
فقال المرحوم الشيخ له: إمّا أن استعيد منك إجازة إعمال جميع الاشياء
التي أعطيتكها، أو أن أُبعدك من هنا.
فرضي المرحوم حافظيّان بالاءبعاد؛ فقال له الشيخ: ينبغي عليك الذهاب عشر
سنين إلي الهند، علي أن لا تقدم خلالها إلي مشهد مطلقاً، ثمّ تبقي هناك
بعدها خمس عشرة سنة أُخري يحقّ لك فيها التردّد المحدود علي مشهد، ثمّ إن
شئت بعدها المجيء إلي مشهد والاءقامة فعلتَ.
وقد ذهب المرحوم حافظيّان إلي الهند عشر سنين، ثمّ كان بعد ذلك يتشرّف
بزيارة مشهد بين مدّة وأُخري؛ واتّفق أن حدثت قصّة خلال إحدي سفراته
إلي مشهد تدخّل بنفسه في حلّها، وقد شهدتُ تلك القضيّة بنفسي.
فلقد جاء يوماً أحد أهالي المنبر في كرمانشاه، واسمه المرحوم صَدْر،
وهو مقيم في مشهد منذ سنوات قلائل؛ جاء إلي والدي المرحوم آيةالله
الحاجّ الشيخ محمّد كاظم الدامغانيّ رحمة الله عليه وقال: إنّ الجانّ
يؤذوننا في المنزل كثيراً، فهم يثيرون الصخب ولا يدعوننا ننام بسلام، إذ
يوقظوننا بضجيجهم، فنشاهد بكرة البئر تدور والماء يخرج من البئر ثمّ يُسكب
فيه ثانية، لكنّنا لا نشاهد أحداً، وكلّ ما نشاهده حركة البكرة ودورانها.
فقال المرحوم أبي: أرغبُ كثيراً أن أُشاهد بأُمّ عيني بعض هذه الاعمال
التي يعملونها. فإن عملوا هذه المرّة شيئاً ممّا يمكن مشاهدته، فتعال
وأخبرنا.
وقد جاء المرحوم صدر إلي منزلنا يوماً فقال: لقد جاؤوا وفتحوا غطاء صندوق
الملابس وأخرجوا الملابس جميعاً وعلّقوها علي جدار الغرفة.
فذهب المرحوم والدي إلي هناك وكنت بمعيّته، فشاهدنا أ نّهم ألصقوا
الملابس بصورة غير منتظمة بالحائط، وكانت الملابس معلّقة علي الحائط بلا
مسمار أو شيء يمسك بها، فما إن نمسّ أحدها إلاّ ويسقط إلي الارض.
وكان هذا المشـهد غريباً ومحـيّراً، وكان ذاك لابي أمراً لميعـهده ولميره
من قبل. وقد نقل المرحـوم والدي هذه القضـيّة إلي المرحـوم حافظيّان
ـوكان عندها في مشهدـ فأصدر أمراً أو فعل شيئاً ما كفّ بعده الجانّ عن
التعرّض للمرحوم صدر بأيّ أذي.
الرجوع
الي الفهرس
الجهة الثالثة من جهات الاءشكال هي: هل يمكن تفسير القرآن وبيان
معانيه وفق المعاني التي |