بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب نور ملكوت القرآن/ المجلد الثاني / القسم الثاني‌عشر: مهارة المسلمین فی العلوم الطبیعیة

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

 الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

بروز أبي ریحان البیرونيّ في مسائل الفیزیاء والهیئة والنجوم

 أمّا بشأن‌ علم‌ الفيزياء : فقد برع‌ العلماء والمفكّرون‌ المسلمون‌ في‌ هذا الفنّ وبرزوا في‌ كثير من‌ مجالاته‌ ، سواءً ما تعلّق‌ بحسابات‌ جرّ الاثقال‌ ، أم‌ بأبحاث‌ النور وانكسار الاشعّة‌ والمرايا ، أم‌ في‌ كثير من‌ الصناعات‌ المعتمدة‌ علي‌ القوانين‌ الفيزيائيّة‌ .

 فاكتشافات‌ أبي‌ ريحان‌ البيروني‌ّ في‌ الفلكيّات‌ والرياضيّات‌ و الميكانيك‌ و الهيدروستاتيك‌ ( ضغط‌ وتوازن‌ السوائل‌ ) ، وارتفاع‌ مياه‌ الينابيع‌ والفوّارات‌ ، وقياس‌ محيط‌ الارض‌ بالطريقة‌ التي‌ دعاها الغربيّون‌ بقاعدة‌ البيروني‌ّ ، واختراعه‌ لبعض‌ أنواع‌ الاصطرلاب‌ ، والكتب‌ التي‌ أ لّفها في‌ الآلات‌ الفلكيّة‌ ، والنجوم‌ المذنّبة‌ ، والظواهر الجوّيّة‌ ، والمدّ والجزر ، وإيجاد الوزن‌ الخاصّ للاجسام‌ ، والحدس‌ بحركة‌ الارض‌ ، واحتمال‌ وجود قارّة‌ أُخري‌ في‌ سائر نقاط‌ الربع‌ المسكون‌ كقارّة‌ أمريكا ، وكثير آخر من‌ أمثال‌ هذه‌ المسائل‌ ، تعدّ بأجمعها من‌ المسائل‌ المهمّة‌ التي‌ وُضعت‌ عليها علوم‌ الفيزياء والرياضيّات‌ الحاليّة‌ .

 وقد جاء في‌ مقـدّمة‌ كتاب‌ « التفهـيم‌ لاوائل‌ صناعة‌ التنجـيم‌ » أنّ أبا ريحان‌ قد اخترع‌ ميزاناً جديداً لتعيين‌ الوزن‌ والحجم‌ الخاصّ للاجسام‌ دعاه‌ ب ميزان‌ أبي‌ ريحان‌ ، وعيّن‌ بواسطته‌ الوزن‌ الخاصّ ( النوعي‌ّ ) لعدد من‌ الاجسام‌ في‌ حدود 16 فقرة‌ يُطابق‌ آخر ما وصلت‌ إلي‌ تحقيقات‌ العلماء الحاليّين‌ .

 وكان‌ ميزان‌ أبي‌ ريحان‌ في‌ نظـر أهل‌ الفنّ والخـبرة‌ أدقّ من‌ ميزان‌ أرخميدس‌ .

 وهناك‌ رسالة‌ مذكورة‌ في‌ فهرس‌ مؤلّفاته‌ في‌ النسبة‌ بين‌ الفلزّات‌ والجواهر المعدنيّة‌ كتبها بالفارسيّة‌ ؛ وقد عيّن‌ بشكل‌ خاصّ في‌ كتاب‌ «الجَمَاهِر» الوزن‌ الخاصّ ( النوعيّ ) للفلزّات‌ ولبعض‌ الاحجار الكريمة‌ . [38]

الرجوع الي الفهرس

بحوث أبي ریحان البیروني حول الآبار الارتوازیّة

من کشوف أبي ریحان: قانون خاصٌّیّة الأواني المستطرفة

 البئر الارتوازيّة‌ :

 وقد أورد في‌ « نامة‌ دانشوران‌ » ( = رسالة‌ الحكماء ) أنّ هناك‌ بعض‌ المطالب‌ المذكورة‌ في‌ كتاب‌ «الآثار الباقية‌» لابي‌ ريحان‌ أُقيم‌ علي‌ أُسسها ونظمها في‌ كتب‌ حكماء أُوروبّا ، وذكر من‌ جملتها شروحاً لارتفاع‌ الماء من‌ بعض‌ العيون‌ ذكره‌ بعينه‌ الحكيم‌ الطبيعيّ المسيو زله‌ في‌ باب‌ «پي‌ آرت‌ زين‌» . وسنورد بعد انتهاء مسائل‌ ومطالب‌ أبي‌ ريحان‌ تلك‌ المسألة‌ وسائر المسـائل‌ وقواعد رسم‌ الخرائـط‌ المعهودة‌ عند حكماء أُوروبّا ، ليتّضـح‌ أنّ أبا ريحان‌ كان‌ له‌ توارد خواطر مع‌ أغلب‌ حكمائهم‌ ، أو أ نّهم‌ ظفروا بمؤلّفاته‌ فاقتبسوا تلك‌ القواعد منه‌ . [39]

 يقول‌ في‌ «الآثار الباقية‌» : تنقسم‌ المياه‌ التي‌ تتجمّع‌ في‌ قعر البئر إلي‌ قسمين‌ : منها ما يترشّح‌ أحياناً من‌ أطراف‌ البئر ويتجّمع‌ ، فيكون‌ سطح‌ تلك‌ المادّة‌ مع‌ سطح‌ الماء المجتمع‌ في‌ مستويً واحد ، وهذا القسم‌ لا يمكن‌ بأيّ تدبير أن‌ يرتفع‌ إلي‌ الاعلي‌ ، لانّ الفتور والضعف‌ الذي‌ فيه‌ لا يتلائم‌ مع‌ ذلك‌ القصد .

 ويحدث‌ أحياناً أن‌ يفور الماء في‌ قعر البئر بقوّة‌ لانّ منبعه‌ ومادّته‌ مرتفعة‌ ينحدر منها بشدّة‌ ويخرج‌ من‌ المنافذ ، وهذا القسم‌ يمكن‌ رفعه‌ بالآلات‌ العاديّة‌ المعهودة‌ مثل‌ الفوّارات‌ العالية‌ والانابيب‌ ، للقدر الذي‌ يصبح‌ فيه‌ أعلي‌ ارتفاع‌ لماء الفوّارة‌ موازياً ومساوياً لسطح‌ المادّة‌ الاصلي‌ّ ، وهذا الماء قد يصل‌ أحياناً إلي‌ مستوي‌ القلعة‌ والمنارة‌ .

 وقال‌ أبو ريحان‌ في‌ ذيل‌ ذلك‌ المطلب‌ أيضاً : ولقد حصل‌ كثيراً في‌ اليمن‌ ، عند حفرهم‌ الآبار ، أن‌ ينتهوا في‌ حفرهم‌ إلي‌ صخرة‌ ، فيعرف‌ قوم‌ تلك‌ الديار ، حسب‌ فراستهم‌ في‌ هذا الامر ، من‌ صوت‌ الصخرة‌ كمّيّة‌ الماء المخزون‌ في‌ تلك‌ المنطقة‌ ، فيعمدون‌ بما في‌ أيديهم‌ من‌ الآلات‌ إلي‌ إيجاد ثقب‌ ضيّق‌ في‌ تلك‌ الصخرة‌ ، فإن‌ فار منها الماء بسلامة‌ قاموا بتوسعة‌ ذلك‌ المجري‌ ، وإن‌ شوهد في‌ الماء آثار الطغيان‌ عمدوا إلي‌ ذلك‌ الثقب‌ فسدّوه‌ بالتراب‌ والجِير لئلاّ ينبعث‌ منه‌ سيل‌ مهيب‌ .

 وهناك‌ بحيرة‌ واقعة‌ في‌ أعلي‌ جبل‌ بين‌ مدينتي‌ طوس‌ وأبر شهر تدعي‌ ببحيرة‌ برزود ، يبلغ‌ محيطها مائة‌ فرسخ‌ ، لا يظهر في‌ مائها الجزر والمدّ الذي‌ يظهر في‌ مياه‌ البحار الاُخري‌ ، وذلك‌ لانّ مستوي‌ المخزن‌ المائيّ الذي‌ يمدّها يوازي‌ سطح‌ البحيرة‌ ، أو أ نّه‌ يرتفع‌ عنه‌ ، لكنّ مقدار الماء الذي‌ يجفّ بالتبخّر الحاصل‌ من‌ أشعة‌ الشمس‌ يعادل‌ المقدار الوارد من‌ المنبع‌ ، لذا انعدمت‌ الزيادة‌ فيه‌ أو النقصان‌ .

 حتّي‌ يصل‌ إلي‌ القول‌ :

 وقد أورد الحكيم‌ المسيو زله‌ في‌ كتابه‌ في‌ علم‌ الطبيعة‌ بشأن‌ بئر جرْنل[40] الواقعة‌ في‌ باريس‌ فصلاً مشبعاً ، وذكر في‌ بيان‌ علله‌ وأسبابه‌ الطبيعيّة‌ شرحاً يوافق‌ تحقيقات‌ أبي‌ ريحان‌ تماماً .

 وعلي‌ كلّ حال‌ فإنّ تلك‌ البئر تقع‌ في‌ منطقة‌ باريس‌ بعمق‌ خمسمائة‌ وثمانية‌ وأربعين‌ متراً ، ويرتفع‌ ماؤها عن‌ الارض‌ بواسطة‌ أنابيب‌ ارتفاعها ثمانية‌ وثلاثون‌ متراً .

 ولقد كان‌ بحر الخزر مورد حيرة‌ حكماء أُوروبّا ، إذ تصبّ فيه‌ كلّ تلك‌ الانهار في‌ حين‌ ليس‌ هنا من‌ ممرّ ومخرج‌ للماء منه‌ ، لذا فقد اعتقدوا إلي‌ ما قبل‌ مائتي‌ سنة‌ [41] أنّ للبحر المذكور مجريين‌ سفليّين‌ ، أحدهما تحت‌ كرجستان‌ والقفقاس‌ ، والآخر من‌ جهة‌ ممالك‌ إيران‌ وهوانق‌ ، فما يرد فيه‌ من‌ تلك‌ الانهار يذهب‌ في‌ المجري‌ الاوّل‌ إلي‌ البحر الاسود ، وفي‌ الثاني‌ إلي‌ الخليج‌ الفارسيّ ، ولولا ذلك‌ فإنّ طغيان‌ الماء الناتج‌ من‌ تجمّع‌ الانهار العظيمة‌ سيغطّي‌ سواحل‌ إيران‌ وحاج‌ طرخان‌ ، بل‌ سيغطّي‌ خوارزم‌ وجميع‌ آسيا .

 لكنّهم‌ قالوا في‌ مسألة‌ ذلك‌ البحر ؛ استناداً إلي‌ علوم‌ الكيمياء والطبيعة‌ التي‌ تكاملت‌ منذ التأريخ‌ المذكور إلي‌ الآن‌ ؛ بنفس‌ القول‌ الذي‌ نقلناه‌ عن‌ الاُستاذ أبي‌ ريحان‌ ، وتيقّنوا أنّ الكمّيّة‌ التي‌ تجفّ من‌ المياه‌ بأشعّة‌ الشمس‌ تعادل‌ الكمّيّة‌ الواردة‌ في‌ ذلك‌ البحر ، وقد أمعن‌ جمع‌ من‌ المهندسـين‌ الروس‌ في‌ التحـقيق‌ والبحـث‌ بشأن‌ هذه‌ المسـألة‌ خاصّة‌ ، فاستنبطوا بعد تتبّع‌ زائد ما يطابق‌ رأي‌ أبي‌ ريحان‌ الذي‌ ذكره‌ في‌ «الآثار الباقية‌» . [42]

 ويعرف‌ كشـف‌ أبي‌ ريحان‌ هذا اليـوم‌ في‌ الفيـزياء ب قانـون‌ خاصّـيّة‌ الاواني‌ المستطرقة‌ .

 وقد كان‌ لابي‌ ريحان‌ تحقيقات‌ عميقة‌ أيضاً بشأن‌ حركة‌ النور والصوت‌ ، وأنّ حركة‌ الصوت‌ أبطأ من‌ النور . [43]

 ومن‌ بين‌ المسائل‌ الفيزيائيّة‌ التي‌ يدين‌ بها الاُوروبّيّون‌ للمسلمين‌ مسائل‌ النور والمرايا ، ومن‌ أرقي‌ الكتب‌ التي‌ دوّنت‌ في‌ هذا الموضوع‌ كتاب‌ «تنقيح‌ المناظر لذوي‌ الابصار والبصائر» تأليف‌ العلاّمة‌ كمال‌ الدين‌ أبي‌ الحسن‌ الفارسي‌ّ ، كتبه‌ قبل‌ سبعمائة‌ سنة‌ ، وهو كتاب‌ في‌ جزءين‌ يقرب‌ من‌ ألف‌ صفحة‌ .[44]

 وأمّا بشـأن‌ علم‌ النجـوم‌ والهيـئة‌ ، فإنّ علماء الهيـئة‌ الحقيقيّـين‌ بالرغم‌ من‌ عدم‌ امتلاكـهم‌ لوسـائل‌ العمل‌ ومسـتلزماته‌ ، وافتقارهم‌ إلي‌ المنظار ( التلسـكوب‌ ) ، قد عملوا في‌ حساب‌ قواعد حركات‌ السـيّارات‌ وقربها وبعدها وأماكنـها ومواضـعها في‌ الفلك‌ ، وتعيـين‌ أماكن‌ الثـوابت‌ والسيّارات‌ وصناعة‌ الكرات‌ الفضائيّة‌ والاسطرلابات‌ والخرائـط‌ الجـوّيّة‌ والارضيّة‌ ، فأوصلوا البحث‌ في‌ هذه‌ العلوم‌ طبق‌ القواعد الرياضـيّة‌ الدقيقة‌ والحسابات‌ الاستدلاليّة‌ والجبر والمقابلة‌ والمثلثات‌ وقواعد الظلّ والظلّ تمام‌ والجيب‌ والجيب‌ تمام‌ إلي‌ ما لا يتصوّر فوقه‌ .

الرجوع الي الفهرس

نبوغ أبي ريحان في الفلكيات و علم النجوم

 فلقد كتب‌ أبو ريحان‌ البيرونيّ ـ وكان‌ متخصّصاً في‌ علم‌ الفلك‌ ماهراً فيه‌ حتّي‌ لكأنّ السماء في‌ قبضة‌ يده‌ ـ كتاب‌ «قانون‌ المسعودي‌ّ» في‌ ثلاثة‌ أجزاء ، وكتاب‌ «في‌ تحقيق‌ ما للهند من‌ مقولة‌ في‌ العقل‌ أو مرذولة‌» ، وهو حاصـل‌ أربعين‌ سنة‌ من‌ السـفر والتوقّف‌ في‌ الهـند ، وكتاب‌ «التفهـيم‌ في‌ أوائل‌ صناعة‌ التنجيم‌» ، و «الآثار الباقية‌» ، وكتباً ورسائلاً جمّة‌ ذُكرت‌ أسماؤها في‌ عداد مؤلّفاته‌ ، ففاق‌ بألف‌ ضعف‌ الاُوروبّيّين‌ الذين‌ شاهدوا ورصدوا مراكز النجوم‌ بالنواظر المكبّرة‌ ؛ في‌ جهوده‌ ونتائج‌ فكره‌ البِكر التي‌ قدّمها إلي‌ دنيا العلم‌ والعلماء .

 يقول‌ في‌ « نامة‌ دانشوران‌ ناصري‌ » ( = رسالة‌ العلماء الناصريّين‌ ) : لقد حاز البيروني‌ّ مقاماً سامياً في‌ أنواع‌ الصناعات‌ وفنون‌ الرياضة‌ وأصناف‌ العلوم‌ ، واتّفق‌ فضلاء العالم‌ وسلّموا علي‌ أ نّه‌ في‌ مسائل‌ النجوم‌ متفرّد كالشمس‌ ، لم‌ يُرَ له‌ نظير ، ولم‌ يطرق‌ الاسماع‌ اسماً لصنوٍ له‌ في‌ منزلته‌ أو شبيه‌ ، فهو في‌ الحقيقة‌ درّة‌ يتيمة‌ انطوت‌ علي‌ الكمالات‌ والفضائل‌[45] . [46]

 حتّي‌ يصـل‌ إلي‌ القـول‌ : ويتّضـح‌ مـن‌ كتاب‌ «الاستيعاب‌ في‌ صنعة‌ الاُسطرلاب‌» وسائر مؤلّفاته‌ ، إنّ ذلك‌ الاُستاذ الكامل‌ كما تسلّمَ تفوّقه‌ في‌ المعقول‌ والمنقول‌ ، واشتهرت‌ مهارته‌ في‌ المحسوسات‌ والمصنوعات‌ ، فإنّه‌ وصل‌ في‌ إبداع‌ الصنائع‌ العمليّة‌ إلي‌ حيث‌ تركت‌ مهارته‌ في‌ اختراع‌ طبقات‌ الافلاك‌ وخرائط‌ النجوم‌ عدّة‌ صفحات‌ بالغ‌ في‌ إيضاحها ، حتّي‌ كأنّ الالواح‌ الفلكيّة‌ قد اندمجت‌ في‌ صفحات‌ خياله‌ ، والصور الثمان‌ والاربعين‌ قد ارتسمت‌ في‌ لوح‌ صدره‌ .

 وعموماً فقد كان‌ في‌ جودة‌ الذهن‌ وحُسن‌ القريحة‌ لدرجة‌ كان‌ يشرع‌ معها بنفسه‌ بالابتكار في‌ صناعات‌ الخرائط‌ والآثار الجغرافيّة‌ ، وقد ابتدع‌ عدّة‌ قواعد ظلّ الاُوروبّيّون‌ يجلّون‌ واضعها كلّما شاهدوها وطالعوها ، كذلك‌ فإنّ أغلب‌ خرائطهم‌ في‌ هذا العصر مبتنية‌ ومرتكزة‌ علي‌ الاُصول‌ والقوانين‌ التي‌ ابتكرها . [47]

 كيفيّة‌ تسطيح‌ سطح‌ الكرة‌ الارضيّة‌

 في‌ الخرائط‌ الجغرافيّة‌ المسـتوية‌ :

 هي‌ من‌ بنات‌ أفكار وإبداعات‌ ذلك‌ الفاضل‌ المتفرّد ، وقد أوجد قوانين‌ وأطلق‌ مسمّيات‌ لبعض‌ المسائل‌ الطريفة‌ والمطالب‌ الدقيقة‌ بحس‌ قريحته‌ وفكره‌ البعيد الثاقب‌ بسبب‌ فقدان‌ الوسائل‌ ونقص‌ الآلات‌ لديه‌ ، ويري‌ مَنْ تأمّلها بعين‌ الاءنصاف‌ مدي‌ علميّته‌ وقدر فضله‌ ؛ ومن‌ بينها الاُصول‌ والضوابط‌ التي‌ أوردها في‌ مطاوي‌ مؤلّفاته‌ في‌ تسطيح‌ الكرة‌ الارضيّة‌ ورسم‌ الخرائط‌ الجغرافيّة‌ ، وبالرغم‌ من‌ أنّ حكماء أُوروبّا قد أوصلوها ـ لتوفّر الاسباب‌ وتهيّؤ الادوات‌ إلي‌ أعلي‌ درجات‌ الكمال‌ ، لكنّهم‌ كلّما سمعوا هذه‌ العبارات‌ وشاهدوا هذه‌ الاءشارات‌ كانوا يجلّونه‌ ويعتبرونه‌ لائقاً لكلّ ثناء حسب‌ قاعدة‌ الفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ .

 ولاجل‌ الاءيضاح‌ المحض‌ لتلك‌ الرموز ، وكشف‌ تلك‌ الكنوز ، فسنورد حاصل‌ ما ذكره‌ في‌ « الآثار الباقية‌ » في‌ باب‌ رسم‌ الخرائط‌ الجغرافيّة‌ ... ثمّ يشرع‌ ببيان‌ كيفيّة‌ تسطيح‌ الكرة‌ الارضيّة‌ الذي‌ أورده‌ في‌ « الآثار الباقية‌ » ، وذلك‌ في‌ ثلاث‌ صفحات‌ كاملة‌ . [48]

الرجوع الي الفهرس

أبوريحان لم تعتقد بكون الأرض ساكنة

 وكان‌ أبو ريحان‌ ؛ خلافاً لجميع‌ المتقدّمين‌ القائلين‌ بسكون‌ الارض‌ حسب‌ هيئة‌ بطليموس‌ ؛ ذا قريحة‌ جيّدة‌ في‌ مسألة‌ حركة‌ الارض‌ ، يعلم‌ مَن‌ تأمّل‌ فيها أنّ له‌ في‌ اختيار ذلك‌ المذهب‌ والطريقة‌ كمال‌ الرغبة‌ ، فيقول‌ في‌ كتاب‌ « الاستيعاب‌ في‌ عمل‌ الاُسطرلاب‌ الزورقي‌ّ » :

 وَقَدْ رَأَيْتُ لاِبِي‌ السَّعِيدِ السَّجْزِيِّ أُسْطُرْلاَباً مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ بَسِيطٍ ، غَيْرَ مُرَكَّبٍ مِنْ شِمَالِيٍّ وَجُنُوبِيٍّ ؛ سَمَّاهُ الزَّوْرَقِي‌َّ .

 فَاسْتَحْسَنْتُهُ جِدَّاً لاِخْتِرَاعِهِ إيَّاهُ عَلَي‌ أَصْلٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ مُسْتَخْرَجٍ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ بَعضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الحَرَكَةَ المَرْئِيَّةَ مِنَ الاَرْضِ دُونَ الفَلَكِ .

 وَلَعَمْرِي‌ هُوَ شُبْهَةٌ عَسِرَةُ التَّحْلِيلِ ؛ صَعِبَةُ المَحْقِ ؛ لَيْسَ لِلْمُعَوِّلِينَ عَلَي‌ الخُطُوطِ المَسَاحِيَّةِ مِنْ نَقْضِهَا شَي‌ٌ . أَعْنِي‌ بِهِمْ المُهَنْدِسِينَ وَعُلَمَاءَ الهَيْئَةِ .

 عَلَي‌ أَنَّ الحَرَكَةَ سَوَاءً كَانَتْ لِلاَرْضِ أَمْ كَانَتْ لِلسَّمَاءِ ؛ فَإنَّهَا فِي‌ كِلْتَا الحَالَتَيْنِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي‌ صِنَاعَاتِهِمْ . بَلْ إنْ أَمْكَنَ نَقْضُ هَذَا الاعْتِقَادِ وَتَحْلِيلُ الشُّبْهَةِ فَذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَي‌ الطَّبِيعِيِّينَ مِنَ الفَلاَسِفَةِ . [49]

 وقد بحث‌ أبو ريحان‌ في‌ مشكلة‌ حركة‌ الارض‌ أيضاً في‌ كتاب‌ «تحقيق‌ ما للهند» . [50]

 اكتشافات أبي ریحان الجدیده فی المسائل الریاضیة و الهیة

 استخراج‌ جيب‌ الدرجة‌ الواحدة‌ :

 يعدّ استخراج‌ جيب‌ الدرجة‌ الواحدة‌ من‌ المسائل‌ الرياضيّة‌ الدقيقة‌ التي‌ لم‌ يوفّق‌ العلماء الذين‌ سبقوا أبا ريحان‌ لكشفها ؛ وكان‌ أبو ريحان‌ أوّل‌ العلماء الذين‌ وفّقوا لذلك‌ ، حيث‌ أورد شرحها في‌ الباب‌ الرابع‌ من‌ المقالة‌ الثالثة‌ في‌ « قانون‌ المسـعوديّ » ج‌ 1 ، ص‌ 292 ، فقد طرح‌ من‌ عنـده‌ ابتداءً اثنتي‌ عشرة‌ مقدّمة‌ ، أي‌ إثنتا عشرة‌ قضيّة‌ رياضيّة‌ ، وبرهن‌ عليها ، ثمّ استنتج‌ مقصوده‌ واستنبطه‌ منها .

 وكان‌ لاءثنين‌ من‌ معاصري‌ أبي‌ ريحان‌ من‌ أعاظم‌ علماء الرياضيّات‌ ؛ أحدهما أبو سهل‌ بيزن‌ بن‌ رستم‌ كوهي‌ والآخر أبو الجود محمّد بن‌ ليث‌ السمرقندي‌ّ ؛ جهود ومحاولات‌ في‌ هذا الشأن‌ ، لكنّها لم‌ تثمر شيئاً . [51]

 وهناك‌ مسائل‌ أُخري‌ كان‌ للبيرونيّ نظره‌ الخاصّ فيها قام‌ بنفسه‌ بقياسها وفق‌ الحسابات‌ الرياضيّة‌ الدقيقة‌ والارصاد ، مثل‌ قياس‌ مساحة‌ محيط‌ الكرة‌ الارضيّة‌ وقطرها ، ومسارات‌ الكواكب‌ ، والقاعدة‌ النجوميّة‌ لتسوية‌ البيوت‌ ، والطول‌ والعرض‌ الجغرافيّ ، وجهة‌ قِبلة‌ المدن‌ ؛ وقاعدة‌ جديدة‌ لاكتشاف‌ جهة‌ القِبلة‌ وبناء محراب‌ المساجد ؛ ورصد المَيل‌ الكلّي‌ّ والميل‌ الاعظم‌ ؛ والحركة‌ الخاصّة‌ الوسطيّة‌ للشمس‌ ، وحركة‌ أوج‌ الشمس‌ ؛ والمقدار الدوريّ لحركة‌ الثوابت‌ ؛ وكثير من‌ المسائل‌ الاُخري‌ التي‌ يطول‌ المقام‌ بشرحها واحدة‌ فواحدة‌ ، [52] وقد ذكر البيرونيّ هذه‌ المسائل‌ بالتفصيل‌ في‌ «قانون‌ المسعوديّ» و «تحديد نهايات‌ الاماكن‌» و «الآثار الباقية‌» ، و «كتاب‌ الجَمَاهِر» . [53]

الرجوع الي الفهرس

 الخواجة نصیر الدین الطوسی : مدون الیزیج الإخانی

ومن‌ بين‌ علماء الهيئة‌ والرياضيّات‌ والنجوم‌ الذي‌ يدين‌ لعلمه‌ وفضله‌ وكماله‌ جميع‌ أصحاب‌ التقاويم‌ والحسابات‌ من‌ زمنه‌ حتّي‌ يومنا هذا ، ويشيرون‌ إليه‌ في‌ أغلب‌ الكتب‌ بألقاب‌ : أفضل‌ المتكلّمين‌ ، سلطان‌ الحكماء والمحقّقين‌ ، أُستاذ البشر ، علاّمة‌ البشر ، العقل‌ الحادي‌ عشر : العلاّمة‌ الخواجة‌ نصير الدين‌ محمّد بن‌ محمّد بن‌ الحسن‌ الطوسي‌ّ ،[54] فإنّه‌ بتأسيس‌ مرصد مراغة‌ ، وجمعه‌ علماء الرياضيّات‌ وفضلائها وهيئة‌ العلماء والمتخصّصين‌ من‌ الطراز الاوّل‌ لمدّة‌ ستّ عشرة‌ سنة‌ ، فقد قام‌ بترتيب‌ وتدوين‌ الزيج‌ الاءيلخاني‌ّ . ثمّ أ لّف‌ بعده‌ أحد معاونيه‌ في‌ تنظيم‌ الزيج‌ ،[55] اسمه‌ غياث‌ الدين‌ جمشيد الكاشاني‌ّ كتاباً في‌ إكمال‌ الزيج‌ الاءيلخانيّ للخواجة‌ الذي‌ ظلّ ناقصاً ، وسمّاه‌ بالزيج‌ الخاقاني‌ّ .

 وقد كتب‌ الخواجة‌ في‌ خاتمة‌ عمل‌ الرصد كتاب‌ الزيج‌ الاءيلخانيّ باسم‌ هولاكوخان‌ ، وأضاف‌ إليه‌ عدّة‌ جداول‌ لم‌ تكن‌ في‌ الازياج‌ السابقة‌ ، فحاز لهذا السبب‌ اعتباراً أكمل‌ .

 وقد ترجم‌ ونشر مؤرّخو أُوروبّا أيضاً ؛ حسب‌ النقل‌ المعتبر ؛ سنة‌ ألف‌ وثلاث‌ وستّين‌ للهجرة‌ التي‌ توافق‌ سنة‌ ألف‌ وستمائة‌ واثنين‌ وخمسين‌ ميلاديّة‌ في‌ مدينة‌ لندن‌ جدولاً لعرض‌ البلاد وطولها اعتماداً علي‌ هذا الزيج‌ الاءيلخاني‌ّ[56] . [57]

 ومن‌ بين‌ كتب‌ الخواجة‌ نصير الدين‌ الطوسيّ في‌ علم‌ السماء كتاب‌ «التذكرة‌ النصيريّة‌ في‌ الهيئة‌» ، وهو كتاب‌ مختصر إلاّ أ نّه‌ جامع‌ لمسائل‌ هذا الفنّ ، ومن‌ الشروح‌ المشهورة‌ علي‌ هذا الكتاب‌ شرح‌ الفاضل‌ شمس‌ الدين‌ محمّد بن‌ أحمد الحفريّ أحد تلامذة‌ سعد الدين‌ ، وهو شرح‌ ممزوج‌ سمّاه‌ «التكملة‌» ، وفرغ‌ من‌ تأليفه‌ في‌ شهر محرّم‌ الحرام‌ لسنة‌ 932 هجريّة‌ . [58]

 ويعدّ علم‌ الهيئة‌ أيضاً من‌ العلوم‌ التي‌ يجري‌ تدريسها في‌ الحوزات‌ العلميّة‌ ، وكان‌ العلاّمة‌ آية‌ الله‌ الطباطبائيّ قدّس‌ الله‌ نفسه‌ أُستاذاً في‌ هذا الفنّ وقادراً علي‌ استخراج‌ التقويم‌ ، وقد حضرتُ دورة‌ في‌ علم‌ الهيئة‌ في‌ محضره‌ المبارك‌ .

الرجوع الي الفهرس

تقدم المسلمین فی علوم الطب و الصیدله

 وأمّا علم‌ الطبّ والصيدلة‌ : فيكفي‌ في‌ عظمة‌ تدريسه‌ وتعليمه‌ وشهرته‌ أنّ الطبّ كان‌ حتّي‌ هذه‌ الاواخر منحصراً إمّا حسب‌ طبّ خمسة‌ اليوناني‌ّ ، أو حسب‌ طبّ أبي‌ زكريّا الرازيّ ؛ ولم‌ ننسَ بعدُ ما كان‌ لدينا من‌ حكماء وأطبّاء متبصّرين‌ ، حاذقين‌ ، خبيرين‌ ومشهورين‌ في‌ كلّ مدينة‌ ومحلّة‌ وشارع‌ ، من‌ المشتغلين‌ بمعالجة‌ الامراض‌ حسب‌ نظام‌ مشخّص‌ وطريقة‌ معيّنة‌ ، تبعاً لكتب‌ الادوية‌ مثل‌ «قرابادين‌ الكبير» وسائر الكتب‌ المتخصّصة‌ في‌ هذا الشأن‌ ، وذلك‌ بالادوية‌ اليونانيّة‌ ، حسب‌ نوع‌ المرض‌ المشخّص‌ ، أي‌ بالعقاقير والادوية‌ العشبيّة‌ وتعديل‌ المزاج‌ بالمُنضج‌ ثمّ المُسهل‌ .

 الطب القیم ، و کتاب «القانون» لابن سینا

وكان‌ كتاب‌ «القانون‌» لابن‌ سينا ، من‌ الكتب‌ المعـروفة‌ التي‌ ينـبغي‌ مطالعتها في‌ هذا المجال‌ ؛ وكان‌ لكلّ أُستاذ ـ مضافاً إلي‌ ذلك‌ طريقته‌ الخاصّة‌ في‌ العلاج‌ وتلامذة‌ خاصّون‌ يقوم‌ بتعليمهم‌ وتدريسهم‌ كتاباً آخر وفق‌ المنهج‌ الذي‌ اختطّه‌ ، يُضاف‌ إلي‌ ذلك‌ مجيئه‌ بالتلاميذ من‌ أوّل‌ العمل‌ إلي‌ مطبّه‌ وإراءتهم‌ ـ عملاً ـ أنواع‌ وأقسام‌ الامراض‌ وطرق‌ معالجتها ومقدار الدواء الموصوف‌ لكلّ حالة‌ ؛ وقد بقي‌ كتاب‌ « القانون‌ » يدرّس‌ حتّي‌ هذه‌ الاواخر لتلامذة‌ الطبّ في‌ أُوروبّا.

الرجوع الي الفهرس

فوائد علم الطب القدیم، و أضرار الطب الحالی

 ولقد تغيّر الاُسلوب‌ اليوم‌ ، فجعلوا الادوية‌ عبارة‌ عن‌ موادّ كيميائيّة‌ ذات‌ صيغ‌ وتركيبات‌ خاصّة‌ ، وصيّروها بشكل‌ أقراص‌ أو حُقَن‌ ، لتكون‌ سهلة‌ الحمل‌ والنقل‌ ، وللاستفادة‌ منها بالمقادير المعيّنة‌ حسب‌ الحاجة‌ من‌ جهة‌ ، ولتكون‌ أدوية‌ جاهزة‌ يمكن‌ إيصالها أفضل‌ وأسرع‌ ليد المريض‌ ، ولتكون‌ أكثر انسجاماً مع‌ وضع‌ التقدّم‌ التَّقني‌ّ الحاكم‌ علي‌ الدنيا حاليّاً من‌ جهة‌ ثانية‌ ، وليمكن‌ من‌ جهة‌ ثالثة‌ تجزئة‌ العقاقير للتخلّص‌ من‌ الموادّ المضرّة‌ والسمّيّة‌ الموجودة‌ فيها والحصول‌ علي‌ الدواء الخاصّ المطلوب‌ بتركيب‌ وخلط‌ الموادّ النافعة‌ لعدّة‌ أنواع‌ من‌ الادوية‌ . وعلي‌ الرغم‌ من‌ امتلاك‌ هذه‌ الطريقة‌ للمنافع‌ العديدة‌ ، إلاّ أنّ لها أضرارها أيضاً .

 أوّلاً : لانّ الادوية‌ الصناعيّة‌ تفسد ويعروها التلف‌ بسرعة‌ ، وينبغي‌ اتّخاذ تدابير خاصّة‌ للمحافظة‌ عليها من‌ التلف‌ لمدّة‌ معيّنة‌ ، وتلك‌ التدابير التي‌ تتّخذ للدواء ـ إمّا بواسطة‌ عمل‌ كيميائي‌ّ أو عمل‌ فيزيائي‌ّ لن‌ تبقي‌ بدون‌ تأثير في‌ بدن‌ المريض‌ ، حيث‌ يسبّب‌ الترسّب‌ التدريجي‌ّ للموادّ الضارّة‌ وردّ فعل‌ خلايا البدن‌ لورودها سَوْق‌ البدن‌ تدريجيّاً للضعف‌ ؛ في‌ حين‌ أنّ الادوية‌ الطبيعيّة‌ والاعشاب‌ الطبّيّة‌ خالية‌ من‌ الضرر ، ولا يعروها الفساد ، والتلف‌ وتبقي‌ مدّة‌ طويلة‌ .

 وثانياً : استعمال‌ زرق‌ الحُقَن‌ ـ أي‌ إدخال‌ موادّ خارجيّة‌ دفعةً واحدة‌ في‌ شريان‌ القلب‌ أو العضلة‌ يسبّب‌ إيجاد ردّ فعل‌ سلبي‌ّ ، إذ ينبغي‌ لعموم‌ الاغذية‌ والادوية‌ أن‌ تدخل‌ البدن‌ من‌ المجاري‌ الطبيعيّة‌ ، كالمعدة‌ والرئة‌ .

 وثالثاً : فإنّ هذه‌ المركّبات‌ هي‌ أدوية‌ توصف‌ لجميع‌ أنحاء العالم‌ ، بما فيها من‌ مناطق‌ باردة‌ وحارّة‌ ومعتدلة‌ ، ولكلّ أنواع‌ الامزجة‌ ولكلّ الاقوام‌ بصفاتهم‌ وأنواعهم‌ المتباينة‌ ، فكما أنّ ملاحظة‌ وضع‌ الماء والهواء والبيئة‌ الجغرافيّة‌ مؤثّرة‌ في‌ أصل‌ صحّة‌ الاءنسان‌ وطبيعته‌ ، فهي‌ كذلك‌ مؤثّرة‌ في‌ كيفيّة‌ المعالجة‌ وتعيين‌ نوع‌ الدواء .

 وعلي‌ هذا الاساس‌ يقول‌ ابن‌ سينا في‌ كتاب‌ « القانون‌ » : وَكُلٌّ يُدَاوَي‌ عَلَي‌ نَبْتِ بَلَدِهِ .

 أي‌ ينبغي‌ معالجة‌ كلّ مريض‌ بالاعشاب‌ التي‌ تنمو في‌ بلده‌ ، لا بأعشاب‌ بلد آخر .

 وهذا الامر قد جرت‌ رعايته‌ في‌ الطبّ القديم‌ ، وكانت‌ الادوية‌ التي‌ يصفها الحكماء عبارة‌ عن‌ جذور العقاقير أو الاعشاب‌ التي‌ تؤخذ غالباً من‌ نفس‌ البلد أو البلاد المجاورة‌ .

 ورابعاً : إنّ تلك‌ الادوية‌ العشبيّة‌ هي‌ موادّ معلومة‌ ومجرّبة‌ ، فهي‌ تؤخذ من‌ النباتات‌ أو الحيوانات‌ المحلّلة‌ كزيت‌ السمك‌ ، أمّا الادوية‌ الكيميائيّة‌ الحاليّة‌ التي‌ تُجلب‌ من‌ بلاد الاءفرنج‌ ، فلا ضابط‌ ولا قيود هناك‌ في‌ عملية‌ انتخابها .

 فهم‌ هناك‌ يعدّون‌ الكلب‌ والخنزير والضفدع‌ والسرطان‌ البحري‌ّ والافعي‌ والسحلية‌ والعقرب‌ وكلّ ما يتصوّره‌ الاءنسان‌ محلّلة‌ ، فيأكلونه‌ ويستخرجون‌ أدويتهم‌ منه‌ ما صلح‌ لذلك‌ ، من‌ زيت‌ سمك‌ محرّم‌ ، أو معدّة‌ وكبد خنزير ، ومن‌ غدّة‌ بنكرياس‌ كثير من‌ الحيوانات‌ المحرّمة‌ ، أو حتّي‌ من‌ عصارة‌ فضلات‌ الكلب‌ . [59]

 فحقن‌ التستوفيرون‌ ( Testowiron ) التي‌ يصفونها لبعض‌ أنواع‌ الضعف‌ الجنسيّ يستخرجونها من‌ خصية‌ القرد ، لذا تكون‌ غالية‌ القيمة‌ ، كذلك‌ فهم‌ يعدّون‌ الكحول‌ والخمر حلالاً ، ويعدّونه‌ في‌ الصيدلة‌ كأحد الموادّ الرئيسيّة‌ . أمّا الشرع‌ الاءسلاميّ المقدّس‌ ، فحين‌ يعتبر هذه‌ الموادّ حراماً ، فليس‌ ذلك‌ فقط‌ للامر التعبّديّ ، بل‌ للاضرار الجسميّة‌ والروحيّة‌ التي‌ تنطوي‌ عليها أيضاً . لذا نشاهد أنّ هذا النوع‌ من‌ المعالجات‌ بالموادّ الكيميائيّة‌ وتركيبات‌ الموادّ الصناعيّة‌ غير الطبيعيّة‌ تخفِّض‌ بشكل‌ عامّ معدّل‌ العمر الطبيعيّ للاءنسان‌ ؛ أي‌ أنّ تناول‌ هذه‌ الموادّ ينطوي‌ علي‌ إدخال‌ سموم‌ وموادّ ضارّة‌ إلي‌ البدن‌ ، بالرغم‌ من‌ عدم‌ تسبيبها للموت‌ السريع‌ الآنيّ دفعةً واحدة‌ ، إلاّ أ نّها تسبّب‌ نوعاً من‌ الموت‌ البطي‌ء التدريجيّ ؛ ويقال‌ إنّ هذا النوع‌ من‌ الادوية‌ والمعالجات‌ يخفِّض‌ معدّل‌ الاعمار الطبيعيّة‌ بما يقرب‌ من‌ عشر سنوات‌ .

 يقول‌ الدكتور الكسيس‌ كارل‌ : ويجب‌ من‌ جهة‌ أُخري‌ أن‌ نسأل‌ أنفسنا : ألا يسبّب‌ نقص‌ تلفات‌ الاطفال‌ والشباب‌ ووفيّاتهم‌ إشكالاً جديداً ؟ فالاطفال‌ العاجزين‌ والمعوّقين‌ تجري‌ حمايتهم‌ في‌ المدينة‌ الحديثة‌ فلا يجري‌ انتخاب‌ الاصلح‌ كما كان‌ يحصل‌ في‌ السابق‌ . وإنّ أحداً لا يعلم‌ أين‌ سيؤول‌ مستقبل‌ نسل‌ تجري‌ حماية‌ موجوداته‌ العليلة‌ والناقصة‌ بواسطة‌ الموازين‌ الطبّيّة‌ والصحّيّة‌ .

 لكنّنا نواجه‌ أمامنا مسألة‌ معضلة‌ أُخري‌ يجب‌ أن‌ نجد لها حلاّ سريعاً :

 ففي‌ الوقت‌ الذي‌ تزول‌ فيه‌ شيئاً فشيئاً أمراض‌ الالتهابات‌ كالجدري‌ والحصبة‌ والخناق‌ والسلّ والطاعون‌ والاءسهال‌ المعديّ للاطفال‌ وغير ذلك‌ من‌ الامراض‌ ، ممّا يقلّل‌ من‌ ميزان‌ الخسارة‌ في‌ الاطفال‌ ، فإنّنا نلاحظ‌ في‌ المقابل‌ أنّ عدد المصابين‌ بالامراض‌ النفسيّة‌ يزداد يوماً بعد آخر .

 ففي‌ بعض‌ المناطق‌ يزيد عدد المرضي‌ المجانين‌ في‌ مستشفيات‌ الامراض‌ العقليّة‌ حتّي‌ علي‌ عدد جميع‌ المرضي‌ الآخرين‌ الذين‌ تجري‌ معالجتهم‌ . ومضافاً إلي‌ ذلك‌ فإنّه‌ ينبغي‌ الاهتمام‌ بمسألة‌ زيادة‌ الاختلالات‌ والاعراض‌ العصبيّة‌ ، التي‌ هي‌ بنفسها أحد الاسباب‌ الرئيسيّة‌ لكآبة‌ الافراد وتشتّت‌ العائلات‌ ، والتي‌ تمثّل‌ خطراً علي‌ مستقبل‌ البشريّة‌ والمدنيّة‌ أهمّ بكثير من‌ أمراض‌ الالتهابات‌ التي‌ يخصّص‌ الطبّ الحاليّ كلّ هذا الوقت‌ والجهد لدراستها ومكافحتها . [60]

 والامر اليوم‌ شبيه‌ أيضاً بالقرن‌ السابق‌ ، فالرجل‌ الذي‌ عمره‌ ( 45 ) سنة‌ لا يمتلك‌ الامل‌ الكبير في‌ أن‌ يصل‌ إلي‌ سنّ الـ ( 80 ) سنة‌ ، ومع‌ أنّ متوسّط‌ عمر الافراد قد زاد بكثير علي‌ السابق‌ إلاّ أ نّه‌ يحتمل‌ أن‌ تكون‌ الاعمار قد قصرت‌ . [61]

 وتبعاً لهذا الامر فإنّ الكثير من‌ العلماء والاجلاّء يتأسّفون‌ لاندثار الطبّ اليونانيّ ، فليس‌ لدينا حاليّاً من‌ أُولئك‌ الاطبّاء في‌ إيران‌ إلاّ واحد أو اثنان‌ ، [62] وسيضيع‌ بذهابهم‌ تعليم‌ هذا النوع‌ من‌ الطبّ وتتشتّت‌ علومه‌ ، فقد آل‌ أمر هذه‌ الطبابة‌ بيد العطّارين‌ وباعة‌ الاعشاب‌ الذين‌ لا شأن‌ لهم‌ بالطبابة‌ ولا مهارة‌ لديـهم‌ ، ولا تعود مراجعـتهم‌ علي‌ المريض‌ المبـتلي‌ إلاّ بالاذي‌ والخطر .

 ويقال‌ : إنّ هناك‌ بعض‌ الاطبّاء في‌ ألمانيا يقومون‌ بمعالجة‌ المرضي‌ حسب‌ نهج‌ الطبّ اليونانيّ فقط‌ ، وإنّ لهم‌ صيدليّات‌ خاصّة‌ تباع‌ فيها الادوية‌ التقليديّة‌ القديمة‌ والعقاقير ، وتصرف‌ فيها وصفاتهم‌ الطبّيّة‌ ، فيضع‌ أصحاب‌ هذه‌ الصيدليّات‌ لافتات‌ في‌ واجهتها كُتب‌ فيها : Herbalist Medcine Shop .

 لكنّ الامر يختلف‌ في‌ أمريكا ، فهناك‌ توجد دكاكين‌ تباع‌ فيها الموادّ الغذائيّة‌ الصحّيّة‌ فقط‌ ، مثل‌ الـ « آب‌ نبات‌ » [63] والاعشاب‌ والعقاقير والاقراص‌ والادوية‌ التي‌ لايحتاج‌ استعمالها إلي‌ وصفة‌ طبيب‌ ، وتعلو واجهاتها لافتات‌ : ( محل‌ الموادّ الغذائيّة‌ الصحّيّة‌ ) Health Food Shop [64]

 ونحن‌ الآن‌ بانتظار ظهور طبابة‌ وأطبّاء بهذه‌ الكيفيّة‌ ، يمتلكون‌ التخصّص‌ والمهارة‌ في‌ ذلك‌ الفنّ ، مضافاً إلي‌ المزايا الاءيجابيّة‌ النافعة‌ للطبّ العصري‌ّ ، كالعمليّات‌ الجراحيّة‌ وغيرها .

 ويقال‌ إنّ الطبّ الحديث‌ يقوم‌ علي‌ ثلاثة‌ أركان‌ : ابن‌ سينا ، العمليّات‌ الجراحيّة‌ ، الترياق‌ .

 ومع‌ امتلاكنا بحمد الله‌ ومنّه‌ هذه‌ الاركان‌ الثلاثة‌ ، فإنّ بإمكاننا تأسيس‌ دراسة‌ الطبّ العالي‌ الذي‌ يمتلك‌ ميزات‌ الطبّ الحديث‌ ويفتقد أضراره‌ ، ليمكن‌ معالجة‌ المرضي‌ بالنحو الاحسن‌ أوّلاً ، وليتمّ تخصّص‌ الاطبّاء ونيلهم‌ المهارة‌ بشكل‌ أفضل‌ ثانياً .

الرجوع الي الفهرس

 آثار الأجهزه الطبیه الحدیثة فی انخفاض مهاره الطبیب

ومن‌ أضرار الطبّ الحالي‌ هو عدم‌ تنميته‌ لمهارة‌ الاطبّاء الذين‌ يقوم‌ بتخريجهم‌ ؛ إذ لم‌ يدع‌ استعمال‌ ميزان‌ الحرارة‌ ( Thermometer ) مجالاً للطبيب‌ لاخذ نبض‌ المريض‌ ومعرفة‌ كيفية‌ ضرباته‌ التي‌ كان‌ الطبّ القديم‌ يقسّمها إلي‌ ( 32 ) نوعاً من‌ الضربات‌ ، يشخّص‌ الاطبّاء من‌ كيفيّة‌ كلّ نوع‌ من‌ الضربات‌ مرضاً خاصّاً في‌ المريض‌ المبتلي‌ .

 ووصل‌ الامر إلي‌ الحدّ الذي‌ تمّ أخيراً اختراع‌ جهاز يمكن‌ بواسطته‌ تشخيص‌ الغدّة‌ الواقعة‌ في‌ الرأس‌ فوراً وتعيين‌ محلّها ، فيقوم‌ معاونو الطبيب‌ بهذا العمل‌ قبل‌ معاينة‌ الطبيب‌ ، فيقدّمون‌ المريض‌ إلي‌ الطبيب‌ وبمعيّته‌ وصف‌ للغدّة‌ وكيفيّتها . وبالرغم‌ من‌ مزيّة‌ هذا العمل‌ إلاّ أنّ قوّة‌ الابتكار والبحث‌ وكيفيّة‌ تشـخيص‌ الغدّة‌ والعثـور عليها من‌ الطرق‌ المتـعدّدة‌ التي‌ يسلكها الاطبّاء عادةً لذلك‌ ، ستنتفي‌ بهذا العمل‌ . وخلاصة‌ الامر أ نّه‌ كلّما اتّسعت‌ دائرة‌ اختراع‌ واكتشاف‌ مثل‌ هذه‌ الاجهزة‌ والوسائل‌ لتشخيص‌ الامراض‌ ، هبط‌ معها بنسبة‌ معكوسة‌ قابليّة‌ الاطبّاء ومهارتهم‌ ، وهذا الامر بنفسه‌ من‌ الآفات‌ التي‌ تواجه‌ الطبّ الحديث‌ ، لا نّه‌ لا يربّي‌ أطبّاء حاذقين‌ متمرّسين‌ في‌ تشخيص‌ الامراض‌ ، بل‌ يجعل‌ الاطبّاء أشبه‌ بالمأمورين‌ في‌ ماكنة‌ فيزيائيّة‌ أو محرّك‌ كهربائيّ لاستبدال‌ المسامير اللولبيّة‌ (البراغي‌) والصامولات‌ .

 كانت‌ هذه‌ هي‌ الاءجابة‌ علي‌ الاءشكال‌ الثاني‌ لمقولة‌ صاحب‌ المقالة‌ ، بسطنا القول‌ فيها مجبرين‌ لتتّضح‌ أطرافها وجوانبها ، من‌ أجل‌ بيان‌ عظمة‌ علم‌ الحكمة‌ والفلسفة‌ الاءسلاميّة‌ أوّلاً ، والبرهنة‌ علي‌ حقارة‌ الفلسفة‌ الحديثة‌ ـ بما فيها من‌ إلهيّاتها وطبيعيّاتها أمام‌ تلك‌ الفلسفة‌ ثانياً .

الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

 

 الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الارجاعات:


[38] ـ مقدّمة‌ «التفهيم‌» ص‌ 116 ، بقلم‌ جلال‌ الدين‌ هُمائي‌ .

[39] ـ خصّص‌ المستشار عبد الحليم‌ جندي‌ّ في‌ كتاب‌ «الاءمام‌ جعفر الصادق‌» ثلاثة‌ فصول‌ منه‌ حول‌ علوم‌ الاءمام‌ في‌ حقول‌ العلوم‌ التجـربيّة‌ والعلوم‌ السياسـيّة‌ والعلوم‌ الاقتصـاديّة‌ ، أورد فيها بحوثاً قيّمة‌ ، واستدلّ علي‌ أنّ جميع‌ علوم‌ الاُوروبيّيّن‌ في‌ هذه‌ الحقول‌ الثلاثة‌ المهمّة‌ مستمدّة‌ ومقتبسة‌ منه‌ عليه‌ السلام‌ ، فيقول‌ في‌ بداية‌ هذه‌ الفصول‌ في‌ الباب‌ الخامس‌ الذي‌ يشخّص‌ المنهج‌ العلميّ للاءمام‌ في‌ ص‌ 277 بشكل‌ مكثّف‌ :

 في‌ الباب‌ الحالي‌ فصول‌ ثلاثة‌ تحاول‌ تصوير منهج‌ الاءمام‌ الصادق‌ العلميّ والحضاريّ والسياسيّ والاقتصاديّ ، كما رسم‌ خطوطه‌ بالفعل‌ وبالقول‌ ، وكما اقتفي‌ آثاره‌ وبني‌ عليه‌ علماء الاءسلام‌ ، الفقهاء منهم‌ والرياضيّون‌ التطبيقيّون‌ ، مستمتعين‌ بحرّيّة‌ الفكر والبحث‌ التي‌ وردت‌ بها نصوص‌ الكتاب‌ العزيز وأمرت‌ بها السُّنّة‌ . وكان‌ الاءمام‌ الصادق‌ من‌ الاوائل‌ في‌ تعليمها للمسلمين‌ ، ممّن‌ انتسبوا إليه‌ وممّن‌ أخذوا عنهم‌ ، يستوي‌ في‌ ذلك‌ الشيعة‌ وفقهاء أهل‌ السنّة‌ .

 علي‌ هؤلاء الفقهاء تعلّم‌ أهل‌ أُوروبّا منهج‌ النزاهة‌ العلميّة‌ والواقعيّة‌ الذي‌ تبلور في‌ طريقة‌ «التجربة‌ والاستخلاص‌» . والذي‌ أعلنه‌ جابر بن‌ حيّان‌ ، أوّل‌ من‌ استحقّ في‌ العالم‌ لقب‌ كيميائي‌ّ كما يعبّر عنه‌ الاُوروبّيّون‌ .

 ومن‌ المنهج‌ الحضاريّ : المنهج‌ السياسيّ والاقتصاديّ الذي‌ يستهدف‌ عمارة‌ الدنيا بالعدل‌ بين‌ الناس‌ ، والعمل‌ للحياة‌ ، والتكافل‌ بين‌ أعضاء الجماعة‌ ، والسعي‌ لاستثمار طاقات‌ الناس‌ وأموالهم‌ ؛ وهي‌ قواعد بلغ‌ بها الفقه‌ الشيعيّ غايته‌ ، ابتداءً من‌ منهج‌ أمير المؤمنين‌ علي‌ّ ، معمولاً به‌ في‌ حياته‌ أو خلافته‌ ، أو منصوصاً في‌ عهده‌ للاشتر النخعي‌ّ ، وكلّه‌ سياسة‌ واجتماع‌ واقتصاد ، إلي‌ رسالة‌ حفيده‌ زين‌ العابدين‌ في‌ الحقوق‌ ، وهي‌ تجري‌ في‌ آثاره‌ ، إلي‌ برنامج‌ حفيده‌ جعفر الصادق‌ العلمي‌ّ والحضاريّ ، السياسيّ والاقتصادي‌ّ ، يدلي‌ به‌ للناس‌ ، ويطبّقه‌ بنفسه‌ ، ويضع‌ به‌ الاُسس‌ لدول‌ أو مجتمعات‌ أو جماعات‌ أو جمعيّات‌ ، تعمل‌ بمنهاجه‌ لتبلغ‌ أوجها به‌ .

 وهذه‌ خصّيصة‌ لا يجاري‌ الصادق‌ فيها عالم‌ من‌ العلماء في‌ التأريخ‌ ، وحسبنا في‌ هذا المقام‌ كلمات‌ كالاءشارات‌ ، تضمّنتها الفصول‌ الثلاثة‌ التي‌ حواها هذا الباب‌ .

[40] ـ Gernelle

[41] ـ طُبع‌ المجلّد الاوّل‌ من‌ «نامة‌ دانشوران‌» (= رسالة‌ العلماء) ؛ كما ذُكر في‌ مقدّمته‌ بقلم‌ العالم‌ الجليل‌ الحاجّ السيّد رضا الصدر في‌ 15 شعبان‌ سنة‌ 1296 هجريّة‌ ، وعلي‌ هذا تصبح‌ الفاصلة‌ الزمنيّة‌ بينه‌ وبين‌ تأليف‌ المجلّد لاوّل‌ من‌ هذا الكتاب‌ «نور ملكوت‌ القرآن‌» في‌ 1408 هجريّة‌ تعادل‌ 112 سنة‌ ينبغي‌ إضافتها إلي‌ المائتي‌ سنة‌ المذكورة‌ .

[42] ـ (نامة‌ دانشوران‌ ناصري‌) = رسالة‌ الحكماء الناصريّين‌ ، ج‌ 1 ، ص‌ 80 و 82 .

[43] ـ «مقدمه‌ التفهيم‌» ص‌ 117 ، عن‌ «الآثار الباقية‌» ص‌ 256 .

[44] ـ طُبع‌ هذا الكتاب‌ في‌ جزءين‌ كبيرين‌ في‌ مدينة‌ حيدر آباد سنة‌ 1347 و 1348 هجريّة‌ ، ومؤلّفه‌ من‌ الشيعة‌ الاجلاّء ، قال‌ عنه‌ في‌ «الذريعة‌» ج‌ 4 ، ص‌ 467 : هذا الكتاب‌ شرح‌ للمولي‌ كمال‌ الدين‌ الفارسيّ ، شرحه‌ بأمر أُستاذه‌ قطب‌ الدين‌ الشيرازيّ المتوفّي‌ ( 710 ) علي‌ كتاب‌ «المناظر والمرايا» المنسـوب‌ إلي‌ أبي‌ عليّ محمّد بن‌ الحسـين‌ بن‌ الحسـن‌ بن‌ سـهل‌ ابن‌ هيثم‌ البصريّ المتوفّي‌ عن‌ عُمْر طويل‌ في‌ حدود سنة‌ ( 430 ) ، ويحتوي‌ علي‌ سبع‌ مقالات‌ أضاف‌ لها خاتمة‌ وذيلاً ولواحق‌ ، وفرغ‌ من‌ الشرح‌ سنة‌ ( 718 ) . ثمّ إنّ معاصر الشارح‌ وزميله‌ في‌ التلمذة‌ علي‌ قطب‌ الدين‌ الشيرازي‌ّ وهو المولي‌ نظام‌ الدين‌ الشهير بالنظام‌ الاعرج‌ القمّيّ قد اختصر «التنقيح‌» وسمّاه‌ : «البصائر في‌ اختصار تنقيح‌ المناظر» ، وأصل‌ كتاب‌ «المناظر» لاءقليدس‌ الصوريّ ، ثمّ إنّ ابن‌ الهيثم‌ أدرج‌ مسائله‌ في‌ كتابه‌ المسمّي‌ بـ «المناظر» .

[45] ـ (نامة‌ دانشوران‌) (= رسالة‌ العلماء) ج‌ 1 ، ص‌ 61 .

[46] يذكر أحمد أمين‌ المصري‌ في‌ كتابه‌ «يوم‌ الاءسلام‌» ص‌ 89 و 90 مطلباً يستحقّ التأمّل‌ ، حيث‌ يقول‌ :

 وطريقة‌ الاءسلام‌ الاعتماد علي‌ الـ Induction ، أعني‌ الاستقراء ، فهو يتتبّع‌ المسائل‌ الجزئيّة‌ ما أمكن‌ ثمّ يستنتج‌ منها القاعدة‌ الكلّيّة‌ ، كما فعلوا في‌ النحو والصرف‌ ، فكانوا يتتبّعون‌ الجزئيّات‌ المعروفة‌ ليستنتجوا منها قاعدة‌ : الفعل‌ مرفوع‌ . أمّا الفلسفة‌ اليونانيّة‌ أو فلسفة‌ أرسطو فعمادها علي‌ الـ Deduction ، أي‌ : الاستنتاج‌ ، فهم‌ يضعون‌ القاعدة‌ الكلّيّة‌ ثمّ يستنتجون‌ منها النتائج‌ الجزئيّة‌ ، كقولهم‌ إنّ الاجسام‌ تتمدّد بالحرارة‌ ، والحديد جسم‌ ، إذن‌ فالحديد يتمدّد بالحرارة‌ ... وهكذا .

 وقد أدّتهم‌ طريقة‌ الاستقراء هذه‌ الي‌ الاءمعان‌ في‌ الشكّ والتجربة‌ ، فنري‌ كثيراً ممّا كتبه‌ الجاحظ‌ في‌ كتاب‌ «الحيوان‌» يبتدي‌ بالشكّ ، ثمّ يعرض‌ علي‌ محكّ التجربة‌ ، ولا بأس‌ عنده‌ أن‌ يخطِّي‌ أرسطو فيما قاله‌ ، ويفضِّل‌ عليه‌ أعرابيّاً بدويّاً . وسار النظام‌ علي‌ هذا حتّي‌ في‌ الاحاديث‌ النبويّة‌ ، فكان‌ يشكّ فيها أوّلاً ، ثمّ يعرضها علي‌ مقتضي‌ العقل‌ ليعرف‌ أصحيحة‌ هي‌ أم‌ غير صحيحة‌ ؟ فكان‌ الغزّالي‌ّ والجاحظ‌ أسبق‌ إلي‌ الشكّ من‌ ديكارت‌ ، وكان‌ مسكويه‌ أسبق‌ من‌ داروين‌ في‌ تقريره‌ مذهب‌ النشوء والارتقاء في‌ كتاب‌ «تهذيب‌ الاخلاق‌» ، وكان‌ الطوسي‌ّ أسبق‌ من‌ أينيشتَين‌ في‌ فهم‌ الزمنيّة‌ ، غاية‌ الامر أنّ مواد العلم‌ الاوّليّة‌ كانت‌ لهؤلاء المتأخّرين‌ أوفر ، والزمن‌ لهم‌ أعون‌ ، والحقائق‌ عندهم‌ أكثر اتّضاحاً ، والتعبير أبين‌ ، ويسودهم‌ مذهب‌ التحليل‌ أكثر من‌ مذهب‌ التركيب‌ ، فما يقوله‌ علماء العرب‌ في‌ جملة‌ ، يقوله‌ المتأخّرون‌ من‌ الاُوروبّيّين‌ في‌ كتاب‌ ، وهكذا . وقد نسبوا إلي‌ روجر بيكون‌ أ نّه‌ أوّل‌ من‌ قال‌ بالاستقراء في‌ النهضة‌ الاُوروبّيّة‌ الحديثة‌ ، مع‌ أ نّه‌ خرّيج‌ الجامعات‌ العربيّة‌ في‌ إسبانيا .

 وعيب‌ العرب‌ أ نّهم‌ لم‌ يجـدوا من‌ يمجّـدهم‌ . ومزيّة‌ الاُوروبّيّين‌ أ نّهم‌ يمجّدون‌ دائماً من‌ يعلي‌ شأنهـم‌ ، وهكذا الشـأن‌ في‌ ابن‌ خلـدون‌ ، فإنّه‌ سبق‌ ديكارت‌ في‌ تأسـيسـه‌ علم‌ الاجتماع‌ ، والفرق‌ بين‌ كتب‌ الاءثنين‌ أ نّه‌ أيضاً بني‌ كتابه‌ علي‌ مذهب‌ الاستقراء الذي‌ سار عليه‌ العرب‌ أكثر ممّا سار علي‌ مذهب‌ الاستنتاج‌ الذي‌ سار عليه‌ الاُوروبّيّون‌ .

[47] ـ «نامة‌ دانشوران‌» ج‌ 1 ، ص‌ 62 .

[48] ـ «نامة‌ دانشوران‌ ناصري‌» ج‌ 2 ، ص‌ 73 إلي‌ 76 .

[49] ـ «نامه‌ دانشوران‌ ناصري‌» ج‌ 1 ، ص‌ 77 .

[50] ـ «تحقيق‌ ما للهند» ص‌ 138 .

[51] ـ مقدّمة‌ «التفهيم‌» ص‌ 113 ، عن‌ «قانون‌ المسعودي‌ّ» ج‌ 1 ، ص‌ 297 .

[52] ـ يقول‌ في‌ «نامة‌ دانشـوران‌ ناصـري‌» (= رسالة‌ العلماء الناصـريّين‌) ج‌ 1 ، ص‌ 70 : ومن‌ أمثلة‌ فضائل‌ ذلك‌ الاُستاذ الكامل‌ : مناظراته‌ ومباحثاته‌ مع‌ الشيخ‌ الرئيس‌ ابن‌ سينا في‌ ثمان‌ عشرة‌ مسألة‌ طبيعيّة‌ ، دارت‌ حول‌ سكون‌ الارض‌ ، وميل‌ جميع‌ الاجسام‌ إلي‌ مركزها ، وامتناع‌ الخلاء ، وإبطال‌ الجـزء الذي‌ لا يتجـزّأ ، وتناهي‌ الابعاد ، وأمثالها من‌ المسائل‌ التي‌ يفهم‌ كلّ مَن‌ تأمّل‌ بنظر التدقيق‌ في‌ تلك‌ الرسالة‌ ؛ وهي‌ مطمح‌ أنظار المتقدّمين‌ ومطرح‌ أفكار المتأخّرين‌ ؛ درجةَ هذين‌ الحكيمين‌ المتفرّدين‌ في‌ الفضل‌ ومرتبتهما في‌ العلم‌ . فتأمّل‌ .

 حتّي‌ يصل‌ إلي‌ القول‌ : قال‌ ياقوت‌ الحمويّ : حين‌ وردتُ جامع‌ مرو ونظرت‌ في‌ فهرس‌ مؤلّفاته‌ ضمن‌ رسالة‌ وقف‌ ذلك‌ المسجد ، وكانت‌ عدّة‌ أوراق‌ كُتبت‌ بخطّ دقيق‌ متقارب‌ ، فعددتها فكانت‌ ستّين‌ ورقة‌ ؛ وقال‌ البعض‌ إنّها كانت‌ تزيد علي‌ وقر بعير عند الحمل‌ والنقل‌ ، لكنّ عقد تلك‌ التصانيف‌ النفيسة‌ انفرط‌ بِيَدِ الحوادث‌ فلم‌ يبقَ من‌ ذاك‌ الكثير الوافر إلاّ هذا القليل‌ النادر .

[53] ـ يقول‌ عبد الحليم‌ الجنديّ في‌ كتاب‌ «الاءمام‌ جعفر الصادق‌» ص‌ 296 و 297 : وعندما توضع‌ أقوال‌ جابر بن‌ حيّان‌ في‌ القرن‌ الثاني‌ للهجرة‌ إلي‌ جوار أقوال‌ الحسن‌ بن‌ الهيثم‌ ( 354 إلي‌ 430 ه .ق‌) بعد أكثر من‌ قرنين‌ ، وقد عمل‌ في‌ خدمة‌ الدولة‌ الفاطميّة‌ ، وهي‌ دولة‌ من‌ دول‌ الشيعة‌ ، وله‌ 47 كتاباً في‌ الرياضيّات‌ و 58 كتاباً في‌ الهندسة‌ ؛ تتأكّد لنا طريقة‌ ونهج‌ العلوم‌ التجربيّة‌ والاستخلاص‌ التي‌ سلكها الاءمام‌ الصادق‌ وأتقن‌ العمل‌ بها ، ووصفها جابر والحسـن‌ ، وقد أحسـن‌ الحسـن‌ التعبير عنها بأفضل‌ المناهج‌ العلمـيّة‌ الواضحة‌ الفحـوي‌ والمحدّدة‌ العبارات‌ .*

 ويشهد بها من‌ أهل‌ أُوروبّا درايير في‌ كتابه‌ «النزاع‌ بين‌ العلم‌ والدين‌» فيقول‌ : كان‌ الاُسلوب‌ المختصّ الذي‌ توخّاه‌ المسلمون‌ سبب‌ تفوّقهم‌ في‌ العلم‌ . فإنّهم‌ تحقّقوا أنّ الاُسلوب‌ النظريّ وحده‌ لا يؤدّي‌ إلي‌ التقدّم‌ ، وأنّ الامل‌ في‌ معرفة‌ الحقيقة‌ معقود بمشاهدات‌ ذات‌ الحوادث‌ . ومن‌ هنا كان‌ شعارهم‌ في‌ أبحاثهم‌ هو «الاُسلوب‌ التجريبي‌ّ» . وهذا الاُسلوب‌ هو الذي‌ أرشدهم‌ إلي‌ اكتشاف‌ علم‌ الجبر وغيره‌ من‌ علوم‌ الرياضة‌ والحياة‌ . وإنّنا لندهش‌ حينما نري‌ في‌ مؤلّفاتهم‌ من‌ الآراء العلميّة‌ ما كنّا نظنّه‌ من‌ ثمرات‌ العلم‌ في‌ هذا العصر .

* ثمّ يذكر عبد الحليم‌ الجنديّ في‌ الهامش‌ : راجع‌ مقدّمة‌ كتاب‌ الدكتور مصطفي‌ نظيف‌ ، مدير جامعة‌ عين‌ شمس‌ بالقاهرة‌ عن‌ الحسن‌ بن‌ الحسن‌ الهيثم‌ البصريّ أكبر عالم‌ في‌ الرياضيّات‌ والطبيعة‌ في‌ العصور الوسطي‌ حيث‌ يقول‌ : وفد الحسن‌ من‌ العراق‌ إلي‌ القاهرة‌ ليعمل‌ مهندساً في‌ خدمة‌ الدولة‌ الفاطميّة‌ في‌ عصر الحاكم‌ بأمر الله‌ . وكان‌ من‌ رأيه‌ جواز إقامة‌ آلات‌ علي‌ النيل‌ يحرّكها تيّار مياهه‌. والدكتور نظيف‌ يقول‌ إنّه‌ ينبغي‌ أن‌ نستبدل‌ بأسماء روجير بيكون‌ ومور ليكوس‌ ودافنشي‌ وكبلر ودلابورتا باسم‌ الحسن‌ بن‌ الهيثم‌ .

 فعلي‌ يد الحسن‌ بن‌ الهيثم‌ أخذ علم‌ الضوء وجهة‌ جديدة‌ بمنهجه‌ الاءسلاميّ ، وهو (استقراء الموجودات‌ وتصفّح‌ أحوال‌ المبصرات‌ وتمييز خواصّ الجزئيّات‌ وما يخصّ البصر في‌ حال‌ الاءبصار . وما هو مطّرد لا يتغـيّر ، وظاهر لا يشـتبه‌ من‌ كيفيّة‌ الاءحسـاس‌ . ثمّ نترقّي‌ في‌ البحث‌ والمقاييس‌ علي‌ التدرّج‌ والترتيب‌ مع‌ انتقاد المقدّمات‌ والتحفّظ‌ في‌ النتائج‌ ، ونجعل‌ غرضنا في‌ جميع‌ ما نستقرؤه‌ ونتفحّصه‌ استعمال‌ العدل‌ لا اتّباع‌ الهوي‌ . ونتحرّي‌ في‌ سائر ما نميّزه‌ وننقده‌ طلب‌ الحقّ لا الميل‌ مع‌ الآراء ، فلعلّنا ننتهي‌ بهذا الطريق‌ إلي‌ الحقّ الذي‌ يثلج‌ الصدور ، ونصل‌ بالتدريج‌ والتلطّف‌ إلي‌ الغاية‌ التي‌ عندها يقع‌ اليقين‌ ، ونظفر مع‌ النقد والتحفّظ‌ بالحقيقة‌ التي‌ يزول‌ معها الخلاف‌ وتنحسم‌ بها موادّ الشبهات‌) فهذا جمع‌ للاستقراء والقياس‌ . وما هو إلاّ منهج‌ علماء الرياضيّات‌ والطبيعة‌ المسلمين‌ تابعهم‌ فيه‌ ابن‌ الهيثم‌ ونقله‌ علماء أُوروبّا ابتداءً من‌ الكنديّ (المتوفّي‌ سنة‌ 252 ) عالم‌ الطبيعة‌ أو الطبيب‌ الفيلسوف‌ ؛ والرازيّ (المتوفّي‌ سنه‌ 320 ) جالينوس‌ العرب‌ أو الطبيب‌ الفيلسوف‌ الذي‌ يتّخذ الاءحساسات‌ بالجزئيّات‌ أساساً لكلّ عمله‌ ويدلّل‌ بالكائنات‌ الحيّة‌ علي‌ وجود الخالق‌ ؛ وابن‌ سينا (المتوفّي‌ سنة‌ 428 ) الرئيس‌ أو الفيلسوف‌ الطبيب‌ الذي‌ يمثّل‌ فكرة‌ المثل‌ الاعلي‌ في‌ العصور الوسطي‌ كما يقول‌ سارتون‌ ؛ وللاخيرَين‌ صورتان‌ معلّقتان‌ علي‌ جدران‌ جامعة‌ باريس‌ الآن‌ مع‌ جرّاح‌ العظام‌ ابن‌ زُهَر .

[54] ـ «ريحانة‌ الادب‌» ج‌ 2 ، ص‌ 171 ، يقول‌ : ولد الخواجه‌ علي‌ المشهور في‌ الحادي‌ عشر من‌ جمادي‌ الاُولي‌ سنة‌ 597 هجريّة‌ في‌ طوس‌ . وبدأ في‌ بناء الرصد سنة‌ 657 ، وحسب‌ المشهور فقد رحل‌ عن‌ الدنيا يوم‌ عيدالغدير سنة‌ 672 في‌ بغداد ، ونقلت‌ جنازته‌ حسب‌ وصيّته‌ إلي‌ الكاظمين‌ عليهما السلام‌ ودُفنت‌ أسفل‌ أقدام‌ ذينك‌ الاءمامينِ المعصومين‌ .

[55] ـ يطلق‌ الزيج‌ علي‌ الكتب‌ التي‌ تتناول‌ أُصول‌ أحكام‌ علم‌ النجوم‌ ، أو علي‌ الجداول‌ التي‌ تُثَبَّت‌ بها نتائج‌ الرصد.

[56] ـ «ريحانة‌ الادب‌» ج‌ 2 ، ص‌ 177 .