بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة المعاد / المجلد الخامس/ القسم الخامس: تفسیر الآیة: و کان عرشه علی الماء، عاقبة الاعراض عن ذکر الله، نور المؤمن ...

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

بيان‌ مقام‌ الإنسان‌ ومنزلته‌ في‌ أشعار سعدي‌ الشيرازي‌ّ

 وما أجمل‌ ما مثّل‌ سعدي‌ّ الشيرازي‌ّ به‌ مقام‌ ومنزلة‌ الإنسان‌ في‌ غزله‌ الوعظي‌ّ المشهور:

 تن‌ آدمي‌ شريفست‌ به‌ جان‌ آدميّت‌             نه‌ همين‌ لباسِ زيباست‌ نشان‌ آدميّت‌

 اگر آدمي‌ به‌ چشم‌ است‌ ود هان‌ و گوش‌ وبيني‌                     چه‌ ميانِ نقشِ ديوار و ميانِ آدميّت‌

 خور و خواب‌ و خشم‌ و شهوت‌ شَغَبست‌ و جهل‌ و ظلمت‌                     حَيَوان‌ خبر ندارد ز جهانِ آدميّت‌

 به‌ حقيقت‌ آدمي‌ باش‌ و گر نه‌ مرغ‌ باشد                  كه‌ همين‌ سخن‌ بگويد به‌ زبان‌ آدميّت‌ [1]

 مگر آدمي‌ نبودي‌ كه‌ اسير ديو ماندي                       ‌ كه‌ فرشته‌ ره‌ ندارد به‌ مكان‌ آدميّت‌

 اگر اين‌ درنده‌ خوئي‌ ز طبيعتت‌ بميرد                        همه‌ عُمر زنده‌ باشي‌ به‌ روانِ آدميّت‌

 طَيَرانِ مرغ‌ ديدي‌ تو ز پاي‌ بندِ شهوت‌                       بدر آي‌ تا بيني‌ طَيَرانِ آدميّت‌

 نه‌ بيانِ فضل‌ كردم‌ كه‌ نصيحتِ تو گفتم‌                     هم‌ از آدمي‌ شنيدم‌ بيان‌ آدميّت‌ [2]

 وكما قلنا فإنّ المعاد ضروري‌ّ، إِنـَّا لِلَّهِ وَإِنـَّا إِلَيْهِ رَ ' جِعُونَ، إذ إنّنا جميعاً ملك‌ مطلق‌ للّه‌، ونحن‌ الراجعون‌ إليه‌ تعالي‌. فأي‌ّ عالم‌ هو ذلك‌ العالم‌؟ هو عالم‌ الظهور والبروز. يَوْمَ تُبْلَي‌ السَّرَائِرُ؛ والسرائر جمع‌ السريرة‌ وهي‌ موضع‌ السرّ، أي‌ يوم‌ تنكشف‌ القلوب‌ والبواطن‌، ويوم‌ ينكشف‌ سرّ الإنسان‌ وباطنه‌ وكمون‌ نفسه‌ ونيّته‌ وتتّضح‌ جهاراً.

 يُقال‌ إنّ الهدهد له‌ نظر حادّ بحيث‌ إنّه‌ يحلّق‌ في‌ السماء ويري‌ الماء في‌ طبقات‌ الارض‌ السفلي‌، إلاّأنـّنا لا نستطيع‌ رؤية‌ الماء. وهكذا فإنّنا حين‌ نريد الحصول‌ علی‌ الماء فإنّنا نحفر الارض‌؛ وماأكثر ما حصل‌ أن‌ حفرنا ونقّبنا فلم‌ نعثر علی‌ الماء فأُجبرنا علی‌ التفتيش‌ عنه‌ والحفر في‌ أماكن‌ أُخري‌.

 أمّا نظر الهدهد فلمّا كان‌ حادّاً ثاقباً، فإنّ الامواج‌ التي‌ يعكسها شعاع‌ نور عينه‌ تخترق‌ طبقات‌ الارض‌ فتصل‌ إلي‌ الماء، [3] وهو من‌ خصائص‌ الهدهد.

 إنّنا نفتح‌ أعيننا اليوم‌ فلا نري‌ إلاّالشخص‌ الذي‌ يواجهنا، لكنّ الله‌ سبحانه‌ يقول‌ لرسوله‌: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. [4] إنّ نظرك‌ اليوم‌ حادّ ثاقب‌ حديد. إنّناكشفناالحجاب‌ عن‌ عينيك‌ فصرتَ تري‌ ما لا يراه‌ الآخرون‌، وتطّلع‌ علی‌ الظاهر والباطن‌، والشهادة‌ والغيب‌، والذهن‌ والعقيدة‌، والفكر والنيّة‌، وكلّ الماضي‌ والمستقبل‌، وما كان‌ وما يكون‌ وما هو كائن‌.

 فلماذا...؟ وماالسبب‌؟ إنّه‌ قوله‌ تعالي‌: وَأَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا؛ لقد أشرقت‌ أرض‌ قلب‌ رسول‌ الله‌ وسرّ نفسه‌ وصقعها بإشراق‌ نور ربّه‌.

 يحدث‌ أحياناً أن‌ تشرق‌ أرض‌ الخارج‌ عند إشراق‌ الشمس‌، ويحدث‌ حيناً آخر أن‌ تشرق‌ أرضيّة‌ القلب‌ ـوهي‌ أرض‌ أيضاًـ بنور الله‌ تعالي‌. ففي‌ القيامة‌ تُنار أرض‌ القلوب‌ وتظهر السرائر والمخفيّات‌، وتنير مقابل‌ إشراق‌ نور الله‌ وبنور الله‌.

 وجملة‌ القول‌ إنّنا نتحرّك‌ من‌ هنا فنذهب‌ إلي‌ ذلك‌ العالم‌، حيث‌ لا مادّة‌ هناك‌، وحيث‌ الجميع‌ سواسية‌ لا فرق‌ بين‌ المؤمن‌ والمشرك‌ والمنافق‌، والرجل‌ والمرأة‌، ولا بين‌ الشرقي‌ّ والغربي‌ّ. وعلی‌ من‌ شاء الذهاب‌ إلي‌ ذلك‌ المكان‌ أن‌ يترك‌ البدن‌ في‌ القبر فيحلّق‌ إلي‌ ذلك‌ العالم‌. والموت‌ مكتوب‌ علی‌ الجميع‌، وعلیهم‌ أن‌ يتركوا عالم‌ المادّة‌ وراء ظهورهم‌، ويمزّقوا حجاب‌ الزمان‌ والمكان‌، ويرحلواإلي‌ مكانٍ مجرّد من‌ المادّة‌، إلي‌ مكانٍ يستبين‌ فيه‌ كلّ شي‌ء.

 وإذا ما شاء الإنسان‌ أن‌ يفعل‌ شيئاً في‌ هذه‌ الدنيا، فعلیه‌ أن‌ يعلم‌ أنّ القيامة‌ هي‌ عالم‌ البروز والظهور، وأنّ عمله‌ هذا سيظهر ويتجلّي‌ أمام‌ أنظار الخلائق‌.

 وهنا يخاف‌ الإنسان‌ إذا فعل‌ شيئاً أن‌ يعرف‌ به‌ أبوه‌ أو أُمّه‌ أو أخوه‌ أو رفيقه‌، لذا يسعي‌ دوماً لاءخفاء عمله‌ وإبقائه‌ طي‌ّ الكتمان‌. أمّا هناك‌ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، إذ إنّ كلّ شي‌ء سيكون‌ حاضراً ومشهوداً.

 الرجوع الي الفهرس

في‌ رحاب‌ الآية‌:... فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ

 إنّ أبصار موجودات‌ العالم‌ العلوي‌ّ حديد، فما أن‌ يفعل‌ الإنسان‌ شيئاً ويحاول‌ إخفاءه‌، فإنّ عمله‌ هذا ومحاولة‌ إخفائه‌ سيكونان‌ حاضرين‌ مشهودين‌ بأجمعهما. سيحضر العمل‌ ومعه‌ ذلك‌ المكر والخداع‌ الذي‌ دبّره‌ وأراد به‌ إخفاء فعله‌. ووا ويلاه‌ إذَن‌! إذ لم‌ يكن‌ الإنسان‌ يتوقّع‌ أو ينتظر أن‌ يصبح‌ عمله‌ مشهوداً للخلائق‌، فها هي‌ الحيلة‌ النفسيّة‌ في‌ الإخفاء قد تجسّدت‌ بجلاء، ناهيك‌ عن‌ العمل‌ نفسه‌.

 هنالك‌ يعضّ الإنسان‌ علی‌ أصابعه‌ ندماً، هنالك‌: خَـ'شِعَةً أَبْصَـ'رُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ. فوا عجباً أين‌ كُنّا؟ وإلي‌ أين‌ جي‌ء بنا؟ لقد تصوّرنا في‌ مكاننا الاوّل‌ أنّ كلّ شي‌ء مخفي‌ّ عن‌ كلّ شي‌ء، فجي‌ء بناإلي‌ حيث‌ نري‌ أنّ جميع‌ الموجودات‌ مشهودة‌ لجميع‌ الموجودات‌. صار الامر معكوساً تماماً، فلقد تبدّل‌ سنخ‌ العالم‌ وتحقّق‌ قوله‌: وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ، واتّضح‌ قوله‌: وَأَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.

 وليس‌ هذا الإشراق‌ كإشراق‌ الشمس‌ الذي‌ ينير الارض‌، بل‌ هو إشراق‌ آخر، فما الذي‌ يهمّنا يا تري‌ لو أنارت‌ هذه‌ الشمس‌ سطح‌ الارض‌ كلّه‌، أو ما تحت‌ الارض‌، أو أنارت‌ النصف‌ الآخر من‌ الكرة‌ الارضيّة‌ فرضاً؟ وأي‌ّ أثر سيتركه‌ ذلك‌ في‌ أبصارنا؟

 إنّنا نري‌ مسافة‌ معيّنة‌ محدودة‌ بقدر مدي‌ نور أعيننا؛ أمّا تلك‌ الشمس‌ التي‌ تضي‌ء بنور ربّها أرضَ القلب‌ والنفس‌ والقيامة‌ فهي‌ شمس‌ أُخري‌. تلك‌ هي‌ شمس‌ الولاية‌ التي‌ تطلع‌ بنور ربّها فتضي‌ء الارض‌ إلي‌ تخومها السفلي‌، وتنار بهاالاذهان‌، وتتلالا النفوس‌ والعقول‌ ويشرق‌ بها سرّ النفس‌ الناطقة‌ وحقيقتها. ومَثَل‌ ذلك‌ تماماً كمثل‌ كرة‌ بلّوريّة‌ في‌ يدكم‌ ترون‌ داخلها، وترون‌ ظاهرها وباطنها، وليس‌ لها ظاهر وباطن‌ آخر. كماأنّ الحور هناك‌ كَأَمْثَـ'لِ اللُّؤْلُوءِ الْمَكْنُونِ مضيئة‌ ومشرقة‌.

 هذه‌ هي‌ كيفيّة‌ طلوع‌ نور الولاية‌ في‌ عوالم‌ الغيب‌ وظهور القيامة‌ الانفسيّة‌. وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَ ' بًا. [5]

 إنّ أبواب‌ السماء مغلقة‌ الآن‌ فليس‌ لدينا ثمّة‌ خبر من‌ الغيب‌، بَيدَ أَنـَّها تُفتَح‌ يومئذٍ فيكون‌ التردّد عبرها مُباحاً، قد أُزيلت‌ منها لافتات‌ منع‌ المرور والدخول‌؛ وإذا ما ذهبتم‌ إلي‌ السماء فإنّكم‌ ستطّلعون‌ علی‌ كلّ شي‌ء.

 يَوْمَ تُبَدَّلُ الاْرْضُ غَيْرَ الاْرْضِ وَالسَّمَـ'وَ ' تُ وَبَرَزُوا لِلَهِ الْوَ ' حِدِ الْقَهَّارِ. [6]

 الرجوع الي الفهرس

كيفيّة‌ تلالؤ عالم‌ القيامة‌ واطّلاع‌ النفوس‌ بعضها علی‌ بعض‌

 إنّ الارض‌ الترابيّة‌ المادّيّة‌ المخلوقة‌ علی‌ أساس‌ الثقل‌ والكثافة‌ تُبدّل‌ إلي‌ أرض‌ نورانيّة‌، فتصبح‌ الارض‌ والسماء بلّوريّتين‌. ومن‌ الطبيعي‌ّ أنّ وصفهما بالبلّوريّة‌ وصف‌ منّي‌ قد أوردته‌ للتشبيه‌، بَيدَ أنـّه‌ ليس‌ هناك‌ عنوان‌ للبلّور.

 الجميع‌ أُذن‌، وعين‌، وفَهم‌ وإدراك‌، وطاعة‌ وانقياد، أمّا الآن‌ فمهما قيل‌ للاءنسان‌ إنّ الله‌ حاضر فهل‌ سيصدّق‌ يا تري‌؟

 لو قيل‌ لمسجون‌ قضي‌ مدّة‌ في‌ السجن‌ لم‌ ير خلالها نوراً: لقد طلعت‌ الشمس‌ فأنارت‌ الارض‌ بحيث‌ لم‌ يعد فيها نقطة‌ مظلمة‌ ومبهمة‌! فإنّ تصديق‌ ذلك‌ سيكون‌ عسيراً علیه‌. أمّا حين‌ يُكسر باب‌ السجن‌ ويطلق‌ هذا السجين‌ فيري‌ نفسه‌ ـ من‌ شدّة‌ الضياء ـ مدهوشاً بهذا الإشراق‌ والنور، فإنّه‌ لو أُقسم‌ له‌ بأن‌ ليس‌ هناك‌ شمس‌ ولا نور، لما صدّق‌ ولقال‌: إنّ الإخبار عن‌ الظلام‌ مع‌ وجود الرؤية‌ والوجدان‌ والشهود أمر خاطي‌ غير مقبول‌.

 وَإِنَّ الدَّارَ الاْخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. [7]

 إنّ الناس‌ يتصوّرون‌ أنّ الحياة‌ والعيش‌ بمعني‌ النوم‌ والشخير والتنفّس‌، وأنّ من‌ يتنفّس‌ فهو حي‌ّ، فإن‌ انقطع‌ نَفَسُه‌ كان‌ ميّتاً؛ إلاّ أنّ الحياة‌ ليست‌ كذلك‌. الحياة‌ هي‌ الإدراك‌ المحض‌، والعقل‌ المحض‌؛ الحياة‌ هي‌ العيش‌ بلا موت‌. إنّ حياتنا نحن‌ الذين‌ نعيش‌ علی‌ الارض‌ هي‌ توأم‌ الموت‌، ليس‌ بسبب‌ الموت‌ الذي‌ سيدركنا، بل‌ لانـّنا في‌ حال‌ خَلْع‌ ولبس‌ دوماً. أي‌: أنّ لنا موتاً وحياةً. فبدننا في‌ حركة‌ دائبة‌ دائماً تدور بين‌ الحياة‌ والموت‌، والوجود والعدم‌، فنحن‌ نسير من‌ الوجود إلي‌ العدم‌، ومن‌ العدم‌ إلي‌ الوجود؛ نموت‌ ونحيا باستمرار. وشرح‌ وتفصيل‌ هذا المختصر يحتاج‌ إلي‌ مجال‌ واسع‌. إلاّأنـّنا نقول‌ إجمالاً إنّ حياتنا الحاليّة‌ ليست‌ حياة‌ محضة‌ وخالصة‌، بل‌ حياة‌ مخلوطة‌ بالموت‌، تُشبه‌ مثقال‌ ذهب‌ خُلط‌ بمثقال‌ من‌ النحاس‌ فصيغت‌ منهما حِلية‌ ما، وفي‌ كلّ ذرّة‌ ذهب‌ ذرّة‌ نحاس‌، فهما متجاورتان‌. أمّا حين‌ يضع‌ الصائغ‌ هذا المخلوط‌ في‌ البوتقة‌ فيصهره‌ ويفصل‌ الذهب‌ الخالص‌، فإنّ كلّ ذرّة‌ من‌ الذهب‌ ستكون‌ ذهباً خالصاً.

 وهكذا فإنّ حياتنا في‌ هذه‌ الدنيا ليست‌ حياة‌ محضة‌، وليست‌ حياة‌ عقليّة‌ صرفة‌، ونحن‌ لا نتمتّع‌ بالارزاق‌ المختصّة‌ بالنفوس‌ الناطقة‌ القدسيّة‌ والانوار الإلهيّة‌، إذ إنّ هذه‌ الحياة‌ توأم‌ اللهو واللعب‌، اللعب‌ بالاوهام‌ والخيالات‌، وتعشّق‌ الجيفة‌ والميتة‌، وبدننا في‌ حال‌ تغيّر وتبدّل‌ دائمين‌.

 أمّا حياة‌ ذلك‌ العالم‌، فحياة‌ صرفة‌ لا موت‌ فيها ولا نوم‌ ولا سِنة‌، ولالهو فيها ولا لعب‌ ولا لغو؛ كماأنـّها ليست‌ بطلاناً ومجازاً.

 إنّنا ننام‌ هنا فنفقد إدراكاتنا، أمّا هناك‌ فنحن‌ إدراك‌ محض‌ وعلم‌ محض‌. وهذه‌ المزعجات‌ والمنغّصات‌ التي‌ تزعجنا هنا ناشئة‌ عن‌ ضعف‌ في‌ درجة‌ الحياة‌، أمّا هناك‌ فلذّة‌ ومسرّة‌ محضة‌: وَفِيْهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاْنفُسُ وَتَلَذُّ االاْعْيُنُ.

 ثمّ إنّ العلوم‌ والمعارف‌ الإلهيّة‌ المكتسبة‌ معنا بأجمعها يوم‌ القيامة‌، فهي‌ ليست‌ قابلة‌ للنسيان‌ ولا يطرأ علیها الخطأ والسهو والاشتباه‌. الحياة‌ هناك‌ لها فَوَران‌، واللذّة‌ والسرور والبهجة‌ لها فَوَران‌، والعالم‌ هناك‌ عالم‌ بسيط‌ مملوء بالنور والإشراق‌.

 وَإِذَا الاْرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ.

 حيث‌ تطهر الارض‌ وتشرق‌ وتتمهّد. وإنّ في‌ باطن‌ الارض‌ الآن‌ أشياء كثيرة‌ غير الارض‌ نفسها، فإذا شئنا تطهيرها وتصفية‌ قابليّتها وتنقيتها من‌ غيرها، فعلینا أن‌ نطرح‌ كلّ ما كان‌ غيرها

 الرجوع الي الفهرس

 علی‌ النفس‌ أن‌ تتنزّه‌ عن‌ الادران‌ لتتنوّر بنور الله‌ تعالي‌

وهكذا الامر بالنسبة‌ إلي‌ نفس‌ الإنسان‌. ففيها أشياء كثيرة‌ من‌ غير حقيقتها. هناك‌ ثعبان‌، وعقرب‌، وحيوانات‌ مفترسة‌، وصور شيطانيّة‌، وهناك‌ خيالات‌ وأوهام‌ وآمال‌ لا أساس‌ لها ولا أصالة‌. وهذه‌ الاُمور قد اصطفّت‌ في‌ نفس‌ الإنسان‌ متأهّبة‌ للقتال‌ والمنازلة‌ مع‌ جنود العقل‌ الذين‌ لا يبارحون‌ النفس‌. والحرب‌ فيها قائمة‌ مستمرّة‌ بين‌ الاُمم‌ الاثنتين‌ والسبعين‌ وبين‌ أُمّة‌ العقل‌، وهي‌ قائمة‌ علی‌ الدوام‌ بين‌ جنود الشيطان‌ وجنود الرحمن‌. وهذه‌ كلّها يجب‌ تطهيرها وتصفيتها.

 فيُقتل‌ جنود الشيطان‌، وتُسحق‌ الافاعي‌ والعقارب‌، وتُقطع‌ رؤوس‌ الحيّات‌، كما يجب‌ كنس‌ جميع‌ الخيالات‌ ونفي‌ الخواطر قاطبة‌ استهداءً بالاسماء الإلهيّة‌، وتصفية‌ الذهن‌ وتنزيهه‌. وجَعْل‌ القلب‌ بحضور وانتباه‌ كامل‌ مقابل‌ الانوار الإلهيّة‌ ليكتسب‌ المعارف‌ الإلهيّة‌ كالمغناطيس‌.

 وخلاصة‌ القول‌ انّ أرض‌ القلب‌ يجب‌ أن‌ تطهّر من‌ كلّ ما عدا الحقيقة‌ البسيطة‌ للنفس‌ الناطقة‌ المشرقة‌ بنور الله‌، فإن‌ لم‌ تخرج‌ باختيارها، فإنّها ستُلقي‌ خارجاً بمشقّة‌ وعسر، وذلك‌ عند سكرات‌ الموت‌، وسؤال‌ منكر ونكير وأنواع‌ العذاب‌ البرزخي‌ّ وشدّة‌ نفخ‌ الصور، ذلك‌ أنّ الجنّة‌ محلّ المطهّرين‌ المنزّهين‌.

 الرجوع الي الفهرس

تفسير الآية‌: وَكَانَ عَرْشُهُ و علی‌ الْمَآءِ

 وقد روي‌ في‌ «تفسير علی‌ّ بن‌ إبراهيم‌» وهو من‌ كبار المحدّثين‌ والمفسّرين‌، ويُعدّ مقدّماً علی‌ الشيخ‌ الكليني‌ّ ومن‌ مشايخه‌ في‌ الحديث‌، عن‌ الإمام‌ زين‌ العابدين‌ علیه‌ السلام‌ في‌ تفسير الآية‌ المباركة‌:

 يَوْمَ تُبَدَّلُ الاْرْضُ غَيْرَ الاْرْضِ. [8]

 قَالَ علیهِ السَّـلاَمُ: يَعْنِـي‌ بِأَرْضٍ لَمْ تُكْتَسَـبْ علیهَا الذُّنُـوبُ بَارِزَةً لَيْسَعلیهَا جِبَالٌ وَلاَ نَبَاتٌ كَمَا دَحَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيُعِيدُ عَرْشَهُ علی‌ الْمَاءِ كَما كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، مُسْتَقِلاَّ بِعَظِمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. [9]

 أي‌: كما كان‌ عرش‌ الله‌ علی‌ الماء في‌ أوّل‌ الخلقة‌، قال‌ تعالي‌:

 وَكَانَ عَرْشُهُ و علی‌ الْمَآءِ. [10]

 والمقصود بعرش‌ الله‌ إرادة‌ ظهور بناء الخلقة‌ الشامخ‌ والمشيئة‌ في‌ إيجاده‌، أي‌: الحياة‌ المحضة‌ والقدرة‌ المحضة‌، ثمّ إنّ تلك‌ القدرة‌ والعظمة‌ ظهرت‌ في‌ عالم‌ الكثرة‌ بصور مختلفة‌، وظهر عالم‌ الكثرة‌ هذا بواسطة‌ التجلّيات‌ الإلهيّة‌. ثمّ إنّ هذا العالم‌ سينطوي‌ مرّة‌ أُخري‌ فيتحرّك‌ الإنسان‌ نحو عالم‌ الحياة‌ والقدرة‌ المحضة‌. كماأنّ الموجودات‌ جميعها تعود إلي‌ أصلها، فليس‌ هناك‌ من‌ أحد غير الله‌ وقدرته‌ وعظمته‌، وَلَيْسَ فِي‌ الدَّارِ غَيْرَهُ دَيَّارُ.

 هنالك‌ سيفهم‌ الإنسان‌:

 لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَ ' حِدِ الْقَهَّارِ. [11]

 وقال‌ سماحة‌ أُستاذنا العلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ مدّ ظله‌ في‌ تفسير كلام‌ الإمام‌ السجّاد (مُسْتَقِلاَّ بِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ): تفسير لكون‌ عرشه‌ علی‌ الماء، وله‌ شواهد من‌ الكتاب‌ تدلّ علی‌ أنّ الماء إشارة‌ إلي‌ منبع‌ كلّ حياة‌ وقدرة‌ وعظمة‌، إن‌ تمحي‌ نقوش‌ الخلقة‌ ظهرت‌ الموجودات‌، وإذا انمحت‌ عاد العرش‌ علی‌ الماء. [12]

 هذا هو معني‌ قوله‌ تعالي‌ وَكَانَ عَرْشُهُ و علی‌ الْمَآءِ، إذ إنّ الموجودات‌ ستعود فتجد عظمة‌ الله‌ تعالي‌ وعلمه‌ وقدرته‌.

 وخلاصة‌ القول‌، فإنّ هذه‌ المطالب‌ جاءت‌ لاءقرار الإنسان‌ واعترافه‌ أنّ الله‌ العظيم‌ القدير واحدٌ أحد، لا تدخّل‌ ولا تصرّف‌ لاي‌ّ موجود في‌ حكومته‌ المطلقة‌، لاأنـّه‌ كان‌ مستقلاّ في‌ العظمة‌ والقدرة‌ أوّل‌ الخليقة‌، ثمّ يصبح‌ ممتلكاً لهما من‌ جديد عند المعاد وعودة‌ الموجودات‌؛ وإذا ما ظهرت‌ في‌ غضون‌ ذلك‌ نقوش‌ الكائنات‌ وارتدت‌ الماهيّات‌ رداء الوجود، فإنّ قدرته‌ وعظمته‌ ستقلاّن‌، أو أنّ استقلاله‌ سيتصدّع‌ وينهار، أو أن‌ غيره‌ في‌ صدد منازعته‌ ومشاركته‌ في‌ هذه‌ الصفات‌. ثمّ إنّ تلك‌ الشركة‌ ستُفسخ‌ عند الرجوع‌ والعودة‌، فتستبدل‌ المصالحة‌ بالمنازعة‌.

 ليس‌ الامر كذلك‌ أبداً، وإن‌ كانت‌ أذهان‌ العوامّ مشحونة‌ بهذا المعني‌، لكنّ هذا يمثّل‌ شركاً يجب‌ تصحيحه‌؛ ولقد كانت‌ جهود الانبياء والمرسلين‌ والائمّة‌ الطاهرين‌ صلوات‌ الله‌ علیهم‌ أجمعين‌ لمحاربة‌ أمثال‌ هذاالشرك‌، وعندما كانوا يدعون‌ الإنسان‌ إلي‌ هذه‌ النقطة‌ من‌ التوحيد، فإنّه‌ كان‌ يفرّ ويتمرّد ويهرب‌ هنا وهناك‌.

 نفس‌ اژدرهاست‌ او كي‌ مرده‌است              ‌ از غم‌ بي‌ آلتي‌ افسرده‌ است‌ [13]

 وقد يحدث‌ أحياناً أنّ الفأر يتورّط‌ ويقع‌ ذَنَبه‌ في‌ شرك‌ المصيدة‌، فيقول‌ «سلّمنا وآمنّا»، ويكل‌ أُموره‌ إلي‌ الله‌، لكنّه‌ بمجرّد أن‌ يُفرج‌ عنه‌ ويُرفع‌ عُسره‌ فإنّه‌ يرجع‌ إلي‌ حالته‌ الاُولي‌ في‌ الغفلة‌.

 إنّ الإنسان‌ يتوجّه‌ نحو التعاليم‌ الدينيّة‌ دفعاً للآفات‌ والعاهات‌، فيقرّ بوحدانيّة‌ الله‌ ويقول‌ مَـ'لِكِ يَوْمِ الدِّينِ. أمّا في‌ القيامة‌ حيث‌ يزال‌ الستار عن‌ هذه‌ الحقيقة‌، فإنّه‌ يقرّ بمالكيّة‌ الله‌ وملكيّته‌ بروحه‌ وسرّه‌ وعقله‌ ولسانه‌ ونفسه‌ ويقول‌: آمَنَّا وَصَدَّقْنَا.

 نحن‌ اليوم‌ نري‌ بعضنا بعضاً أوّلاً، ثمّ نري‌ الله‌، وننظر إلي‌ الموجودات‌ والآثار بادي‌ بدء ثمّ نستدلّ علی‌ وجود الله‌ وإتقان‌ صنعه‌. أمّا هناك‌ فالامر علی‌ العكس‌. حيث‌ يقع‌ النظر علی‌ الله‌ وصفاته‌ أوّلاً. ثمّ يقع‌ بالتبع‌ علی‌ الموجودات‌. وسيكون‌ مشهوداً أنَّالارض‌ في‌ قبضة‌ الله‌ تعالي‌، وهي‌ إذ ذاك‌ أرضٌ مشرقة‌ نورانيّة‌. كما سيكون‌ مشهوداً أنّ السماوات‌ مطويّات‌ في‌ يد قدرته‌. أي‌: أنّ المُلك‌ والملكوت‌، والارض‌ والسماء، وعالم‌ الغيب‌ والشهادة‌، والظاهر والباطن‌، والدنيا والآخرة‌، والجسم‌ والروح‌ كلّها جميعاً في‌ قدرة‌ الله‌ مقهورة‌ مشهودة‌ بالمقهوريّة‌.

 إنّ الامتحانات‌ والابتلاءات‌ التي‌ يبتلي‌ الله‌ سبحانه‌ بها الناس‌ هي‌ من‌ أجل‌ الإقرار والاعتراف‌ بهذه‌ المسألة‌، لا من‌ أجل‌ أن‌ ينكشف‌ للّه‌ أمرٌ ما.

 ال´م‌´ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن‌ يُتْرَكُو´ا أَن‌ يَقُولُو´ا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ. [14]

 إنّ الناس‌ سيُمتحنون‌ ويُفتنون‌ ليتّضح‌ لهم‌ أنّ القول‌ باللسان‌ دون‌ اعتقاد وإيمان‌ قلبي‌ّ ليس‌ مثمراً.

 فجلي‌ّ للّه‌ وواضح‌ مَن‌ هو المؤمن‌ ومَن‌ هو الكافر؟، فلا حاجة‌ له‌ في‌ الابتلاء، ولكنهم‌ يُمتحنون‌ ويُفتنون‌ من‌ أجل‌ أن‌ لا يدّعوا الإيمان‌ الكامل‌، ولئلاّ يعدّوا أنفسهم‌ في‌ مصافّ سلمان‌ الفارسي‌ّ أو في‌ مرتبة‌ جهاد عمّاربن‌ ياسر وأبي‌ ذرّ الغفاري‌ّ، ولتتّضح‌ لهم‌ درجتهم‌ ومنزلتهم‌ وتصبح‌ مشهودة‌ لديهم‌. كذلك‌ فإنّ ظهور سائر أسماء الله‌ وصفاته‌ في‌ القيامة‌ هو من‌ أجل‌ إقرار واعتراف‌ المنكرين‌، لالتحقّق‌ هذه‌ الصفات‌ نسبة‌ إلي‌ نفس‌ ذات‌ الباري‌ تعالي‌ شأنه‌ العزيز.

 الرجوع الي الفهرس

كيفيّة‌ نزول‌ نور التوحيد والولاية‌ في‌ عالم‌ الإمكان‌ مشهود لاهل‌ القيامة

 إنّ الإنسان‌ محبوس‌ في‌ هذه‌ الدنيا خلف‌ الحجب‌ الظلمانيّة‌ والنورانيّة‌، لكنّه‌ حين‌ يتحرّك‌ ويتعرّف‌ علی‌ موجودات‌ العالم‌ العلوي‌ّ، ويأنس‌ بتلك‌ الصور العَارِيَة‌ عَن‌ الْمَوادِّ الْعَالِيَة‌ عَنِ القُوَّةِ وَالاسْتِعْدَادِ، فإنّه‌ سيري‌ أنّ ذلك‌ العالم‌ كلّه‌ نور. فهو أوّلاً نور أزلي‌ّ وأبدي‌ّ أشرق‌ علی‌ الموجودات‌؛ أي‌: علی‌ تلك‌ الموجودات‌ الملكوتيّة‌ التي‌ هي‌ روح‌ محض‌ بلا صورة‌، والاعلی‌ من‌ الكمّ والكيف‌. ذلك‌ أنّ الصورة‌ تتعلّق‌ بعالم‌ المثال‌ والبرزخ‌، أمّا هناك‌ فعالَمٌ لا صورةَ فيه‌ يفوق‌ عالم‌ المثال‌. هناك‌ عالم‌ ذو معانٍ مجرّدة‌ وبسيطة‌ وحقائق‌ بحتة‌ وصرفة‌.

 ثمّ إنّ ذلك‌ النور تنزّل‌ من‌ هناك‌ وجاء إلي‌ عالم‌ الصورة‌، فصار مشهوداًللاءنسان‌ كيف‌ قد أشرق‌ النور علی‌ الاسماء الجزئيّة‌، ومن‌ ثَمّ علی‌ الاسماء الاقلّ جزئيّة‌، ووصل‌ إلي‌ جميع‌ ملائكة‌ عالم‌ الصورة‌، حيث‌ كان‌ للعوالم‌: الواحد بعد الآخر حظّ من‌ نور الله‌ تبعاً لسلسلة‌ مراتبها المنظّمة‌، ثمّ انتشر من‌ العوالم‌ العلويّة‌ إلي‌ النفس‌ الإنسانيّة‌، ومنها إلي‌ العوالم‌ الادني‌.

 وهنا يتجلّي‌ لنا كلام‌ مولي‌ الموالي‌ في‌ هذا الحديث‌ الشريف‌ الذي‌ سبق‌ ذكره‌:

 وَإِذَا اعْتَدَلَ مِزَاجُهَا وَفَارَقَتِ الاْضْدَادَ فَقَدْ شَارَكَ بِهَا السَّبْعَ الشِّدَادَ.

 اللَهُ الَذِي‌ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَ ' تٍ وَمِنَ الاْرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الاْمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُو´ا أَنَّ اللَهَ علی‌' كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. [15]

 ويُستفاد منه‌ أنّ القصد من‌ خلق‌ السماوات‌ والارض‌ معرفة‌ الإنسان‌ وإقراره‌ بسعة‌ قدرة‌ الله‌ وإحاطة‌ علمه‌ تعالي‌ شأنه‌.

 الرجوع الي الفهرس


 

الدرس‌ الثاني‌ والثلاثون‌:

 الكفّار والفجّار محجوبون‌ في‌ القيامة‌ في‌ عين‌ النور والإشراق‌

 

بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للَّه‌ ربّ العالمين‌ ولا حول‌ ولا قوّة‌ إلاّ بالله‌ العلی‌ّ العظيم‌

وصلَّي‌ الله‌ علی‌ محمّد وآله‌ الطاهرين‌

ولعنة‌ الله‌ علی‌ أعدائهم‌ أجمعين‌ من‌ الآن‌ إلي‌ قيام‌ يوم‌ الدين‌

قال‌ الله‌ الحكيم‌ في‌ كتابه‌ الكريم‌:

 وَمَا قَدَرُوا اللَهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ و يَوْمَ الْقِيَـ'مَةِ وَالسَّمَـ'وَ ' تُ مَطْوِيَّـ'تٌ بِيَمِينِهِ سبْحَـ'نَهُ و وَتَعَـ'لَي‌' عَمَّا يُشْرِكُونَ.

 إلي‌ قوله‌ تعالي‌:

 وَأَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتـ'بُ وَجَايَءَ بِالْنَّبِيِّــنَ وَالشُّهُدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم‌ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَـمُونَ. [16]

 دار البحث‌ في‌ أنّ ذلك‌ العالم‌ هو عالم‌ الإشراق‌ وعالم‌ النور، لذا فإنّ أيّاً من‌ موجوداته‌ ليس‌ محجوباً عن‌ الموجود الآخر، وأنّ كلّ شي‌ء ظاهر وبارز لكلّ شي‌ء.

 ويُثار هنا سؤال‌ مفاده‌: ما هي‌ حال‌ أهل‌ المعصية‌ والشقاء والكفر الذين‌ يرحلون‌ عن‌ هذه‌ الدنيا إلي‌ ذلك‌ العالم‌، ويحلّ علیهم‌ هناك‌ غضب‌الله‌ فيبتلون‌ بنار جهنّم‌ جزاءً وفاقاً علی‌ أعمالهم‌؟ هل‌ يكون‌ وجودهم‌ نورانيّاً ومشرقاً، أم‌ مظلماً مع‌ أنّ العالم‌ هناك‌ عالم‌ النور والإشراق‌؟

 وإذا كان‌ وجودهم‌ نورانيّاً فما الذي‌ سيعنيه‌ العذاب‌ والابتلاء والوقوع‌ تحت‌ تأثير أسماء الله‌ الجلاليّة‌؟

 وإذا كان‌ وجودهم‌ ظلمانيّاً، مع‌ فرض‌ أنّ سنخ‌ ذلك‌ العالم‌ نور وإشراق‌ وظهور وبروز؛ فكيف‌ يكون‌ لوجودهم‌ الظلماني‌ّ سنخيّة‌ مع‌ عالم‌ النور والإشراق‌ ذلك‌؟

 والإجابة‌ عن‌ هذا السؤال‌ هي‌:

 أنّ الافراد الذين‌ يرحلون‌ عن‌ هذه‌ الدنيا، يرحلون‌ عنها بما اكتسبوا فيها:

 لَهَا مَاكَسَبَتْ وَعلیهَا مَااكْتَسَبَتْ. [17]

 وَأَن‌ لَّيْسَ لِلاْءنْسَـ'نِ إِلاَّ مَا سَعَي‌' * وَأَنَّ سَعْيَهُ و سَوْفَ يُرَي‌'. [18]

 ومن‌ ثَمَّ فإنّ أي‌ّ درجة‌ ينالها الإنسان‌ في‌ ذلك‌ العالم‌، إنّما ينالهاإثر الاعمال‌ التي‌ قام‌ بها هنا. كلّ ما في‌ الامر أنّ تلك‌ الاعمال‌ قد ظهرت‌ وبرزت‌ هناك‌ جليّة‌. وإذا ما كان‌ للاءنسان‌ ترقٍّ في‌ عالم‌ البرزخ‌ أيضاً، أو كُتب‌ في‌ صحيفة‌ أعماله‌ شي‌ء بعد موته‌، فإنّه‌ في‌ آخر المطاف‌ نتيجة‌ أعمالٍ قام‌ بها في‌ الدنيا وكان‌ لها آثار واقعيّة‌؛ وإلاّ فإنّ ذلك‌ العالم‌ في‌ حدّ نفسه‌ ليس‌عالماً للعمل‌.

 اَلْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ.

 فالإنسان‌ كان‌ له‌ عمل‌ في‌ الدنيا، سواء كان‌ عملاً صالحاً أم‌ طالحاً، فإنّ كلّ نيّة‌ كانت‌ له‌، وكلّ غريزة‌ تسوقه‌ إلي‌ جهةٍ ما، وكلّ عقيدة‌ ضمّ علیها جوانحه‌ كلّ أُولئك‌ سيكون‌ قابلاً للتغيير إلي‌ وقت‌ الموت‌، أمّا حين‌ يموت‌ فإنّ نفسه‌ تُختم‌، وكتاب‌ عمله‌ يُغلق‌، فيحاسَب‌ هناك‌ علی‌ أساس‌ ما عمل‌ في‌ الدنيا.

 أمّا الذيـن‌ لم‌ يتّجهـوا في‌ هـذه‌ الدنيا بحثـاً عن‌ المعـارف‌ الإلهيّـة‌، ولم‌يعرفوا الله‌ سبحانه‌، وتحرّكوا في‌ اتّجاه‌ معاكس‌ للغرائز والفطرة‌ الموهوبة‌ من‌ قبل‌ الله‌ تعالي‌، وساروا في‌ جهة‌ منحرفة‌ كانوا من‌ أهل‌ الشقاء والظلم‌ والذنوب‌، وكماكانت‌ روحهم‌ ظلمانيّة‌ عديمة‌ النور محجوبة‌ عن‌ الحقيقة‌ في‌ هذه‌ الدنيا، فستكون‌ هناك‌ أيضاً بلا نور.

 وَمَن‌ لَّمْ يَجْعَلِ اللَهُ لَهُ و نُورًا فَمَالَهُ و مِن‌ نُّورٍ. [19]

 ومن‌ كان‌ بلا نور، فما له‌ من‌ نور؛ وأنّ «زيد بن‌ عمرو هو زيدبن‌ عمرو» سواءً كان‌ في‌ المسجد أم‌ الشارع‌ أم‌ المنزل‌ أم‌ مكان‌ آخر.

 وَمَن‌ كَانَ فِي‌ هَـ'ذِهِ أَعْمَي‌' فَهُوَ فِي‌ الاْخِرَةِأَعْمَي‌' وَأَضَلُّ سَبِيلاً. [20]

 وليس‌ المراد بالعمي‌ عمي‌ العين‌ الظاهريّة‌، إذ ليس‌ لهذه‌ الاعين‌ عمي‌ يوم‌ القيامة‌، فقد جاء في‌ كتاب‌ المعارف‌ الإلهيّة‌: القرآن‌ الكريم‌ أنّ هؤلاء الافراد العُمي‌ هُنا لا يُعدّون‌ هناك‌ عُمياناً:

 إِنَّهَا لاَ تَعْمَي‌ الاْبْصَـ'رُ وَلَـ'كِن‌ تَعْمَي‌ الْقُلُوبُ الَّتِي‌ فِي‌ الصُّدُورِ. [21]

 إلي‌ أي‌ّ درجة‌ الإبصار المعنوي‌ّ مهمّ جدّاً، وذلك‌ العمي‌ مهمّ أيضاً، بحيث‌ إنّ بصيرة‌ القلب‌ والإبصار الاُخروي‌ّ وذلك‌ العمي‌ الروحي‌ّ والعمي‌ الاُخـروي‌ّ أُمور يؤبه‌ لها، ولا يعدّ هذا العمـي‌ الظاهري‌ّ عمـيً قياسـاً بذلك‌ العمي‌.

 الرجوع الي الفهرس

القرآن‌ الكريم‌ يقول‌:إِنَّهَا لاَ تَعْمَي‌ الاْبْصَـ'رُ وَلَـ'كِن‌ تَعْمَي‌ الْقُلُوبُ الَّتِي‌...

 يقول‌ القرآن‌ الكريم‌ إنّ هذه‌ الاعين‌ لا تعمي‌، بل‌ إنّ العمي‌ يصيب‌ ذلك‌ القلب‌ الذي‌ في‌ الصدور، وهو الذي‌ فقد ـأثر انغماسه‌ في‌ الشهوات‌ـ إدراكاته‌ ومعارفه‌ ونظرته‌ الواقعيّة‌، فصار أعمي‌.

 العمي‌ للقلب‌ الذي‌ لا يدرك‌ الحقائق‌ والاُمور الواقعيّة‌، ويتخبّط‌ في‌ الاوهام‌ والاباطيل‌. لذلك‌ فإنّ من‌ كان‌ أعمي‌ البصيرة‌ في‌ الدنيا، فهو أعمي‌ البصيرة‌ في‌ الآخرة‌ أيضاً.

 وَمَن‌ كَانَ فِي‌ هَـ'ذِهِ أَعْمَي‌' فَهُوَ فِي‌ الاْخِرَةِ أَعْمَي‌'.

 إنّ من‌ لم‌ يكحّل‌ عيني‌ بصيرته‌ بكحل‌ الهدايـة‌، ولم‌ يدرك‌ أسـرار العالم‌، ولم‌ يرتبط‌ بالله‌ سـبحانه‌، ولم‌ يعتمد علی‌ الذات‌ الازليّة‌ الابديّة‌، وسار نحو هوس‌ النفس‌ والهواجس‌ الوهميّة‌، فأعمي‌ بذلك‌ بصيرة‌ قلبه‌ هنا، فهو هناك‌ أعمي‌ ومحجوب‌ أيضاً.

 أُولَـ'بءِكَ يُنَادَوْنَ مِن‌ مَّكَانٍ بَعِيدٍ. [22]

 كَلاَّ بَلْ رَانَ علی‌' قُلُوبِهِم‌ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلآ إِنَّهُمْ عَن‌ رَّبِّهِمْ يَوْمَنءِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ. [23]

 كلاّ ليس‌ كما يتخيّلون‌ أنّ آيات‌ الله‌ أساطير الاوّلين‌ وخرافات‌ السـابقين‌، وليـس‌ كـمـا يكذّبـون‌ بحقائق‌ الآيات‌ الإلهيّـة‌ ويعدّونها كذباً وافتراءً، بل‌ إنّ أعمالهم‌ القبيحة‌ وسلوكهم‌ السيّي‌ علی‌ تواتر الايّام‌ سبّبا الكدر والدنس‌ والرين‌ علی‌ قلوبهم‌.

 كلاّ، ليـس‌ كما يتصـوّرون‌ أنّ لهم‌ مقام‌ القرب‌ في‌ الآخـرة‌ كذلك‌، وأنـّهم‌ حين‌ عاشوا في‌ هذا العالم‌ عيش‌ المستكبرين‌، فسيعشون‌ بالملازمة‌ في‌ رفعة‌ ورفاهيّة‌ هناك‌. بل‌ هم‌ محجوبون‌ عن‌ ربّهم‌ يومئذٍ، محجوبون‌ وعُميان‌. والعلّة‌ في‌ ذلك‌ غلبة‌ الرين‌ علی‌ قلوبهم‌. والرين‌ بمعني‌ الدنس‌ واللوث‌، فهذاالرين‌ هو الذي‌ حجب‌ قلوبهم‌ فمنعها من‌ لقاء الله‌ تعالي‌، وحبسها في‌ المحجوبيّة‌.

 أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ علی‌' قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ. [24]

 هذه‌ الاقفال‌ تمنع‌ التدبّر والتفكّر وإدراك‌ المعاني‌ الحقيقيّة‌ للقرآن‌، وهي‌ حجاب‌ وستر يطبق‌ علی‌ القلوب‌ فيمنع‌ ظهور الحقائق‌ وتجلّيها فيها. إنّ الاقذار حين‌ تغطّي‌ المصباح‌، فإنّها تمنع‌ نفوذ النور الباطني‌ّ إلي‌ الخارج‌، فيُحبس‌ ذلك‌ النور الداخلي‌ّ الباطني‌ّ، ومع‌ أنّ المصباح‌ يكون‌ مضيئاً، إلاّأنّ البيت‌ ـمع‌ ذلك‌ـ سيبقي‌ مظلماً معتماً.

 الرجوع الي الفهرس

الإعراض‌ عن‌ ذكر الله‌ يوجب‌ العمي‌ والمعيشة‌ الضنكي‌ في‌ الآخرة‌

 وهكذا الحال‌ بالنسبة‌ إلي‌ مصباح‌ قلب‌ الإنسان‌، إذ يُحجب‌ ويُستر ويتّسخ‌ إثر الهوي‌ والهوس‌ والمعاصي‌ والافكار الشيطانيّة‌، فلا يدع‌ القلب‌ يفكّر ويتدبّر في‌ الآفاق‌ والانفس‌، أو يعتبر من‌ عالم‌ الخلقة‌، أو يفطن‌ من‌ الآيات‌ الإلهيّة‌ إلي‌ وجود الصانع‌ الحكيم‌.

 وَمَنْ أَعْرَضَ عَن‌ ذِكْرِي‌ فَإِنَّ لَهُ و مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ و يَوْمَ الْقِيَـ'مَةِ أعْمَي‌'*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي‌´ أَعْمَي‌' وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَ ' لِكَ أَتَتْكَ ءَايَـ'تُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَ ' لِكَ الْيَوْمَ تُنسَي‌'. [25]

 والمعيشة‌ الضنكي‌ هي‌ المعيشة‌ الشاقّة‌ العسيرة‌ المقرونة‌ بالابتلاء، وهي‌ عاقبة‌ الإعراض‌ عن‌ ذكر الله‌ سُبحانه‌. ومهما امتلك‌ الإنسان‌ أموالاً وثروة‌ طائلة‌، إلاّأنّ حياته‌ مقرونة‌ بالقلق‌ وتشويش‌ البال‌ والابتلاءات‌ وانعدام‌ بركة‌ العمر والثروة‌ والولد، إذ يبتلي‌ المرء بضغط‌ الاضطرابات‌ الروحيّة‌ وهجوم‌ الخواطر المزعجة‌ والافكار الشيطانيّة‌.

 ولعلّه‌ يمتلـك‌ قـدرة‌ وإمكـانيّـة‌ وثـروة‌ تـعـادل‌ المـلايين‌، إلاّأنـّه‌ لايتمكّن‌ من‌ تناول‌ طعام‌ هاني‌ بلا تشويش‌، ولا أن‌ ينام‌ نوماً مريحاً بفراغ‌ بال‌، أو يتنفّس‌ نفساً مريحاً هادئاً، وهذا كلّه‌ من‌ نتائج‌ الإعراض‌ عن‌ ذكر الله‌ تعالي‌. إنّ من‌ يُعرض‌ عن‌ الارتباط‌ بالله‌ وذكره‌ سبحانه‌، ويشيح‌ عن‌ الاعتماد علیه‌ تعالي‌؛ فإنّ معيشتة‌ الدنيويّة‌ تتمخّض‌ بالمحن‌ والمصائب‌؛ هذا في‌ الدنيا.

 أمّا في‌ الآخرة‌ فإنّ العمي‌ سيكون‌ نصيبه‌، لذا يخاطب‌ الله‌ تعالي‌ في‌ مقام‌ السؤال‌ أو الاعتراض‌: لقد كنتُ بصيراً في‌ الدنيا، فَلِمَ حشرتني‌ أعمي‌ هنا؟

 بَيدَ أنّ هذا المسكين‌ لا يعلم‌ أنّ هذاالعمي‌ الاُخروي‌ّ هو غير عمي‌ العين‌ المبصرة‌ في‌ الدنيا، إذ يتصوّر أنّ كلّ من‌ كانت‌ له‌ في‌ الدنيا عينٌ ظاهرةٌ، فإنّه‌ ينبغي‌ كذلك‌ أن‌ يكون‌ في‌ الآخرة‌ بصيراً. لذا يسأل‌ مثل‌ هذا السؤال‌ متعجّباً. فيجاب‌ بأنّ تلك‌ العين‌ المادّيّة‌ والبصـر الواقـع‌ في‌ الرأس‌ غيرهذه‌ العين‌ المعنويّة‌ والبصر الواقع‌ في‌ القلب‌.

 أنّ باطنك‌ أعمي‌ اليوم‌، لانـّك‌ أعميته‌ في‌ الدنيا، ونحن‌ لم‌ نتجنّ علیك‌، بل‌ حشرنا بصيرتك‌ العمياء عمياء. ولقد أتتك‌ آياتنا فنسيتها ولم‌ تفتح‌ عين‌ بصيرتك‌ لتراها، فها هي‌ اليوم‌ عين‌ بصيرتك‌ مغلقة‌ محجوبة‌، فأنت‌ في‌ زمرة‌ العميان‌.

 وكما لم‌ تتقبّل‌ بقلبك‌ آياتنا، ولم‌ تفتح‌ بصر قلبك‌ علیها، ولم‌ تُزِل‌ صدأ قلبك‌ وأوساخه‌ ورينه‌ بالعمل‌ الصالح‌ والإيمان‌ والاعتقاد بالله‌ تعالي‌، فبقيت‌ أخيراً في‌ حجاب‌ وفي‌ عمي‌ عن‌ إدراك‌ الحقائق‌، فإنّ نتيجة‌ العمي‌ والإعراض‌ ستكون‌ عمي‌ في‌ هذا اليوم‌.

 ويستفاد من‌ هذه‌ الآية‌ بجلاء أنّ من‌ لم‌ يرتبط‌ بالله‌ تعالي‌ في‌ الدنيا، ولم‌ يخضع‌ لاوامره‌ وتشريعاته‌، ولم‌ يسجد للحقّ، ولم‌ يرتدِ رداء ذلّ العبوديّة‌، فجاءه‌ الموت‌ علی‌ هذه‌ الحال‌، فإنّه‌ سيكون‌ هناك‌ أيضاً في‌ عمي‌ وظلمة‌ وحجاب‌. فماالذي‌ سيعود علی‌ هذا الاعمي‌ لو كان‌ عالم‌ القيامة‌ كلّه‌ إشراقاً وضياءً؟ ومَثَله‌ تماماً كمثل‌ العميان‌ في‌ هذه‌ الدنيا، إذ ماذا يفيدون‌ منهالو كانت‌ جميعها مشرقة‌ بنور الشمس‌؟

 يَوْمَ تَرَي‌ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤمِنَـ'تِ يَسْعَي‌' نُورُهُم‌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبَأَيْمَـ'نِهِم‌ بُشْرَب'كُمُ الْيَوْمَ جَنَّـ'تٌ تَجْرِي‌ مِن‌ تَحْتِهَا الاْنْهَـ'رُ خَـ'لِدِينَ فِيهَا ذَ ' لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَـ'فِقُونَ وَالْمُنَـ'فِقَـ'تُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن‌ نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا. [26]

 وسنتحدّث‌ بحول‌ الله‌ وقوّته‌ حديثاً وافياً عن‌ تفسير هذه‌ الآية‌ المباركة‌ في‌ فصل‌ الاعراف‌ الذي‌ سيأتي‌ لاحقاً، إلاّأنـّنا سنتكلّم‌ عنها باختصار يناسب‌ مقامنا وبحثنا الحالي‌.

 سيأتي‌ يومٌ تري‌ فيه‌ يا رسولنا نورَ المؤمنين‌ والمؤمنات‌ يسعي‌ ويُسرع‌ أمامهم‌ وعن‌ أيمانهم‌، وهو بالطبع‌ نورهم‌ الذي‌ يسعي‌ أمامهم‌ حيثما ذهبوا، فيستضيئون‌ به‌ في‌ ظلمات‌ طرقات‌ القيامة‌ وعقباتها، ويُنيرون‌ به‌ مواطي‌ أقدامهم‌.

 وكما قدّم‌ المؤمنون‌ إلي‌ الآخرة‌ أعمالهم‌ التي‌ فعلوها في‌ الدنيا ثمّ أتبعوها بأنفسهم‌، فإنّ هذاالنور سيسعي‌ أمامهم‌ هو الآخر يوم‌ القيامة‌ يمثّل‌ تجلّي‌ الاعمال‌. وسيبشّر ملائكةُ الرحمة‌ المؤمنين‌ بأنـّهم‌ سيردون‌ اليوم‌ جنّات‌ غنّاء متشابكة‌ الاغصان‌، تجري‌ الانهار في‌ أرضها، فيخلّدون‌ هناك‌، وذلك‌ هو الفوز العظيم‌.

 يومذاك‌ يقول‌ المنافقون‌ والمنافقات‌ للمؤمنين‌: انظرونا نقتبس‌ من‌ نوركم‌ قبساً ننتفع‌ به‌، فيُقال‌ في‌ جوابهم‌: ارجعوا إلي‌ الوراء فالتمسوا هناك‌ نوراً.

 الرجوع الي الفهرس

النور في‌ الآخرة‌ يجب‌ اصطحابه‌ من‌ الدنيا

 إنّ المنافقين‌ لا نور لهم‌ في‌ الآخرة‌، وذلك‌ أنّ الذين‌ جاءوا بنورهم‌ إلي‌ الآخرة‌، فإنّما جاءوا به‌ من‌ هذه‌ الدنيا. ويُطلق‌ لفظ‌ المنافق‌ علی‌ من‌ غاير قلبه‌ لسانه‌، فهو يُظهر الإيمان‌ بلسانه‌ ويُبطن‌ الكفر بقلبه‌؛ لسانه‌ يقول‌: أنا خادمكم‌ (مخاطباًأحد العلماء)، روحي‌ فداكم‌، إنّ استقرار الإسلام‌ من‌ بركات‌ السادة‌ العلماء. لكنّ قلبه‌ يقول‌: أيّها اللئيم‌. (يقصد العالِم‌ المخاطَب‌).

 لسانه‌ يقول‌: صلّوا علی‌ محمّد وآل‌ محمّد من‌ أجل‌ سماحة‌ آية‌ الله‌! لكنّ قلبه‌ يقول‌: أهلكه‌ الله‌، فهو إنسان‌ سيّي‌.

 إنّ المنافقين‌ أسوأ من‌ الكفّار والمشركين‌، لانّ الكافر والمشرك‌ يقولان‌ علناً نحن‌ كفّار لا نقبل‌ الإسلام‌ ولا نعتقد بشريعة‌ محمّد صلّي‌الله‌ علیه‌ وآله‌، فيعلم‌ المسلمون‌ واجبهم‌ تجاههم‌، أمّا المنافقون‌ فيتشدّقون‌ بالحديث‌ عن‌ الإسلام‌، ويتحدّثون‌ دوماً عن‌ الإيمان‌ والقرآن‌ والعدل‌، إلاّ أنـّهم‌ لا عقيدة‌ لهم‌ في‌ الباطن‌، بل‌ هم‌ في‌ صدد تخريب‌ الإسلام‌ وهدمه‌.

 يأتي‌ المنافق‌ إلي‌ المسجد فيقف‌ في‌ الصفّ الاوّل‌ خلف‌ الإمام‌ وقريباً منه‌، فيخلع‌ رداءه‌ ويضع‌ العباءة‌ علی‌ منكبيه‌، ويصلّي‌ النافلة‌ باستمرار. ويقرأ الادعية‌ في‌ كتاب‌ «المفاتيح‌»، [27] ويقرأ سورة‌ الواقعة‌ في‌ صلاة‌ الوتيرة‌، إلاّأنـّه‌ يركّز سمعه‌ وفكره‌ وجميع‌ قواه‌ الباطنيّة‌ في‌ متابعة‌ ما يدور في‌ المسجد، محاولاً معرفة‌ مَن‌ يلتقي‌ بإمام‌ الجماعة‌، وماالذي‌ يقوله‌ الإمام‌ لهم‌، ما رأيه‌ ونظره‌ بشأن‌ الحكومة‌؟ فيركّز هذه‌ الاُمور كلّها في‌ ذهنه‌ ليأخذها إلي‌ أعداء الإسلام‌ ويكشفها لهم‌ باعتباره‌ جاسوساًلهم‌. يأتي‌ في‌ الظاهر فيقبّل‌ يد الإمام‌ وينحني‌ إجلالاًله‌ وتقديساً، لكنّه‌ يخطّط‌ في‌ باطنه‌ لسجنه‌ وإعدامه‌.

 وعلی‌ هذا الاساس‌ فقد قال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌: مَاأُوذِي‌َ نَبِي‌ٌّ مِثْلَ مَاأُوذِيتُ، لانـّه‌ كان‌ في‌ غاية‌ الانزعاج‌ والاذي‌ من‌ المنافقين‌ في‌ الداخل‌.

 ولقد كان‌ المنافقون‌ يأتون‌ إلي‌ مسجد رسول‌ الله‌ فيصلّون‌، ويعدّون‌ أنفسـهم‌ شـركاء للمسـلمين‌، فإذا جنّهم‌ الليل‌ جلسـوا حول‌ بعضهم‌ إلي‌ الصباح‌ يخوضون‌ في‌ سيرة‌ رسول‌ الله‌ ويسخرون‌ من‌ أعماله‌ ويهزأون‌ به‌ ويخطّطون‌ في‌ السرّ ضدّ الإسلام‌، ويتعاونون‌ مع‌ الكفّار والمشركين‌ سرّاً.

 وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي‌ تَقُولُ وَاللَهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ علی‌ اللَهِ وَكَفَي‌' بِاللَهِ وَكِيلاً. [28]

 وعلی‌ هذا الاساس‌ جاء في‌ القرآن‌ الكريم‌ قوله‌ تعالي‌:

 إِنَّ الْمُنَـ'فِقِينَ فِي‌ الدَّرْكِ الاْسْفَلِ مِنَ النَّارِ. [29]

 الرجوع الي الفهرس

المنافقون‌ يتخبّطون‌ في‌ الظلمات‌ يوم‌ القيامة‌

 هم‌ يوم‌ القيامة‌ في‌ ظلمات‌ محضة‌، وفي‌ عقبات‌ مظلمة‌ معتمة‌، قد ابتلوا بمتاهات‌ وسبل‌ وعرة‌ عسيرة‌، متاهات‌ ما إن‌ تزلّ فيها أقدامهم‌ حتّي‌ يرتطمون‌ بقعر وادي‌ جهنّم‌ وساء لهم‌ منزلا. فلا نور الخارج‌ يهديهم‌ سواء السبيل‌، ولا نور الباطن‌ فيهتدوا بضيائه‌.

 ظُلُمَـ'تٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. [30]

 ويقول‌ هؤلاء المنافقون‌ والمنافقات‌ للمؤمنين‌ والمؤمنات‌:

 انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن‌ نُّورِكُمْ؛ فيأتي‌ الجواب‌: قِيلَ ارْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا.

 هنالا يأتي‌ أحد بالنور، ومن‌ كان‌ له‌ نور، فإنّما جاء به‌ من‌ الدنيا، وكان‌ ينبغي‌ أن‌ يكون‌ لكم‌ نور، لكنّكم‌ لا تملكونه‌ الآن‌، وهؤلاء المؤمنون‌ والمؤمنات‌ ذوو النور الذين‌ ترونهم‌ قد جاءوا بنورهم‌ معهم‌ من‌ الدنيا، فهو نورهم‌ لا نور غيرهم‌؛ وبينما يسبح‌ المؤمنون‌ في‌ بحار من‌ مياه‌ رحمة‌ الله‌، يلهث‌ المنافقون‌ ظماءً إلي‌ جرعة‌ من‌ ماء.

 وَأَنَّ اللَهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ. [31]

 وَمَاكُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّي‌ نَبْعَثَ رَسُولاً. [32]

 لمّا كان‌ المنافقون‌ لا يؤمنون‌ بكلام‌ رسول‌ الله‌، ولجأوا ـمن‌ جهة‌ أُخري‌ـ إلي‌ التخريب‌ والإفساد بالاحتيال‌ والمكر، فإنّ مكانهم‌ في‌ الدرك‌ الاسفل‌ من‌ النار، ومهما طلبوا نوراً فإنّ أحداً لن‌ يأبه‌ لهم‌.

 أمّاالمؤمنون‌ فإنّ: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ. [33]

 نورهم‌ وأجرهم‌ معهم‌ دوماً، وكلٌّ منهم‌ يتمتّع‌ بعالم‌ النور المتناسب‌ مع‌ مقدار إيمانه‌. ذلك‌ أنّ النور كالماء، له‌ نهر وشطّ وبحيرة‌ وبحر ومحيط‌؛ فالمؤمنون‌ أصحاب‌ اليقين‌ يغوصون‌ في‌ بحار النور ومحيطاته‌.

 نُورٌ علی‌ نُورٍ. [34]

 جميع‌ الانوار متراكمة‌ شفّافة‌؛ فالنور علی‌ النور يشمل‌ المؤمنين‌ ويسعهم‌.

 أَوَ مَن‌ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـ'هُ وَجَعَلْنَا لَهُ و نُورًا يَمْشِي‌ بِهِ فِي‌ النَّاسِ كَمَن‌ مَّثَلُهُ و فِي‌ الظُّلُمَـ'تِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَ ' لِكَ زُيِّنَ لِلْكَـ'فِرِينَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ. [35]

 أي‌: أنّ الكافرين‌ سعداء يُخَيّل‌ إليهم‌ أنّ لهم‌ نوراً، لكنّ الامر ليس‌ كذلك‌، فهم‌ في‌ الظلمات‌، ولقد زُيّنت‌ لهم‌ أعمالهم‌ فهم‌ يتخيّلون‌ الفهم‌ والبصيرة‌. وتوضّح‌ هذه‌ الآية‌ أنّ الإيمان‌ نور وحياة‌، وأنّ من‌ آمن‌ بالله‌ وعمل‌ صالحاً كان‌ حيّاً، أمّا باقي‌ الناس‌ فأموات‌ غير أحياء. الحياة‌ عبارة‌ عن‌ حياة‌ العلم‌ والوجدان‌؛ الحياة‌ ارتباط‌ بربّ العالم‌ وقيّومه‌. فالذين‌ آمنوا يمشون‌ بين‌ الناس‌ بنور الله‌، ويشاركون‌ في‌ شؤون‌ المجتمعات‌ ويعاشرون‌ وينكحـون‌ ويتاجـرون‌ ويزرعـون‌ ويصنعـون‌ ويسـافـرون‌ وينامـون‌ ويستيقظون‌، فجميع‌ أعمالهم‌ هذه‌ إنّما هي‌ بنور الله‌ تعالي‌، وبقلب‌ يقظ‌ وعين‌ مُبصرة‌، وهم‌ يمارسونها ببصيرة‌ ووعي‌ قلبي‌ّ ووجداني‌ّ.

 خلافاً للاعمال‌ التي‌ يقوم‌ بها سائر الناس‌ الذين‌ يمارسون‌ الاعمال‌ نفسها: يسافرون‌ ويمسكون‌ المسحاة‌ ويزرعون‌ ويتاجرون‌ ويشتغلون‌ بالاُمور الصناعيّة‌ وينكحون‌ وينجبون‌ الاولاد ويرسلونهم‌ إلي‌ المدارس‌، إلاّ أنّ كلّ هذه‌ الاُمور تحصل‌ في‌ الظلمة‌، فقد ضرب‌ ستار من‌ الجهل‌ وعدم‌ البصيرة‌ وفقدان‌ اليقين‌ علی‌ قلوبهم‌ وضمائرهم‌، فهم‌ يمارسون‌ هذه‌ الاعمال‌ بلا هدف‌ أو قصد وهي‌ مشوبة‌ بالشكّ والريب‌.

 فَهُمْ فِي‌ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. [36]

 يتردّدون‌ في‌ عالم‌ الشكّ والاحتمال‌ والظنّ، فلا يضعون‌ أقدامهم‌ علی‌ مسير عالم‌ العلم‌ واليقين‌: أمّا المؤمنون‌ بقلوبهم‌ المشرقة‌ وصدورهم‌ المنشرحة‌ وفكرهم‌ المنفتح‌، كالبصير الذي‌ يفعل‌ ما يفعله‌ عن‌ تروٍّ وتأمّل‌، فيُقدم‌ علی‌ القيام‌ بالاُمور المهمّة‌ بفكر متين‌ وعزم‌ راسخ‌.

 الرجوع الي الفهرس

هل‌ المؤمن‌ البصير العالم‌ كالكافر الاعمي‌ الجاهل‌؟

 فهل‌ يستوي‌ مَن‌ كان‌ له‌ مثل‌ هذا النور ومَن‌ هو في‌ الظلمات‌ لايخرج‌ منها؟ وهل‌ يستوي‌ من‌ كان‌ مرتبطاً بربّه‌ ومن‌ يزحف‌ في‌ سجن‌ الوهم‌ والتخيّل‌، فيري‌ هذا العالم‌ ـ مع‌ ما فيه‌ من‌ الجمال‌ والسعة‌ ـ منفصلاً ومتفرّقاً لاارتباط‌ له‌ بالله‌؟ إنّ الذي‌ لا يعرف‌ ربّه‌ عدوّ للعالَم‌ ومنفصل‌ عنه‌، وعدوّ للاُمّ والاب‌، والزوجة‌ والولد، وعدوّ لسائق‌ السيّارة‌، ولساعي‌ البريد، وللرفيق‌ والشريك‌، وللعالم‌ والجاهل‌، وللشيخ‌ والشابّ؛ لانـّه‌ ينظر إلي‌ الموجودات‌ بنظر التفرقة‌. وبدلاً من‌ أن‌ ينظر إليها كلّها بنظر أُلفة‌ وأُنس‌ لارتباطها واتّحادها بأصل‌ الخلقة‌، فإنّه‌ ينظر إليها بنظر الاثنينيّة‌ والانفصال‌ والعداء، فيبقي‌ في‌ سجن‌ الظلام‌ الملي‌ء بالجهل‌.

 ومهما حاول‌ إخراج‌ نفسه‌ من‌ هذا السجن‌ فإنّه‌ سيعجز، إذ لا عين‌ له‌ فيبصر بها، ولا معرفة‌ له‌ بمحلّ الخروج‌ والخلاص‌، فهو أشبه‌ بمن‌ يغرق‌ في‌ البحر فتغمره‌ اللجج‌ العظيمة‌، كلّما تخبّط‌ في‌ جهة‌ ما زاد انغمارة‌ فيها، حتّي‌ يكتنفه‌ الهلاك‌ المحض‌. وهذه‌ هي‌ عاقبة‌ الجهل‌ والغفلة‌ والخيانة‌ والجناية‌ في‌ الدنيا.

 إنّ الله‌ تعالي‌ ينمّي‌ كل‌ عمل‌ يفعله‌ الإنسان‌، فإن‌ سار الإنسان‌ في‌ سبيل‌ الخير وفي‌ مسير النور، فإنّ الله‌ سيقوّي‌ ذلك‌ وينمّيه‌؛ وإن‌ تحرّك‌ في‌ مسير الظلمة‌، والشرّ، فإنّ الله‌ سينمّي‌ ذلك‌ أيضاً.

 ولو زرع‌ الإنسان‌ بذور نبات‌ البطيخ‌ الاحمر الحلو، لحصل‌ علی‌ البطيخ‌ الاحمر الحلو، أمّا لو زرع‌ بذور الحنظل‌ لما جني‌ غير الحنظل‌.

 كُلاًّ نُّمِدُّ هَـ'´ؤُلآءِ وَهَـ'´ؤلآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَاكَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. [37]

 إنّنا سنعطي‌ كلّ فردٍ ما شاء، فإن‌ شاء أحدٌ الدنياأعطيناها مَن‌ نشاء، وإن‌ شاء أحدٌ الآخرة‌ وسعي‌ لها وكان‌ مؤمناً، فإنّنا سنعطيه‌ إيّاها، فنحن‌ نمدّ الجميع‌ ونساعدهم‌.

 إِنَّا هَدَيْنَـ'هُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. [38]

 لقد هدينا الإنسان‌ السبيل‌، فإمّا يختار سبيل‌ الجنّة‌ والسعادة‌، أو سبيل‌ جهنّم‌ والشقاء. ولذا يستفاد من‌ هذه‌ الفقرة‌ من‌ الآية‌:

 كَمَن‌ مَّثَلُهُ و فِي‌ الظُّلُمَـ'تِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا، [39] أَنّ هناك‌ جماعة‌ في‌ الظلمات‌ لا يمكنهم‌ الخروج‌ منها، قد تسرّبت‌ الظلمات‌إلي‌ قلوبهم‌ وترسّخت‌ فيها، فصارت‌ جوارحهم‌ وأعضاؤهم‌ مظلمة‌، وصارت‌ الظلمة‌ تكتنفهم‌ وتحيط‌ بهم‌ أينما اتّجهوا؛ الظلمة‌ في‌ قبورهم‌، فإن‌ خرجوا منها وجدوها أمامهم‌؛ والظلمة‌ في‌ المحشر، والصراط‌، والميزان‌ وسائر المواقف‌، فهم‌ يواجهونها في‌ المواطن‌ بأسرها. قال‌ تعالي‌:

 وَالَّذِينَ كَفَرُو´ا أَولِيَآؤُهُمُ الطَّـ'غُوتُ يُخْرِجُونَهُم‌ مِّنَ النُّورِ إِلَي‌ الظُّلُمَـ'تِ أُولَـ'´نءِكَ أَصْحَـ'بُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـ'لِدُونَ. [40]

 وهذه‌ الآية‌ بَعد قوله‌ تعالي‌:

 اللَهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم‌ مِّنَ الظُّلُمَـ'تِ إِلَي‌ النُّورِ.

 ومن‌ الجلي‌ّ أنّ المراد بالنور والظلمة‌ ليس‌ هذا النور والظلمة‌ الطبيعيّينِ الخارجيّينِ، بل‌ المراد بهما النور والظلمة‌ المعنويّان‌ الروحيّان‌، والانوار النفسانيّة‌ والظلمات‌ النفسانيّة‌ التي‌ تلازمهم‌ وتقترن‌ بهم‌.

 الرجوع الي الفهرس

كلّ عمل‌ للمؤمن‌ هو ورود في‌ عالم‌ النور، وكلّ عمل‌ للكافر ورود في‌ الظلمات‌

 علی‌ أنّ أي‌ّ عمل‌ يفعله‌ المؤمن‌ سيقوده‌ إلي‌ عالم‌ النور، فيوجب‌ ازدياد نوره‌، وسيكون‌ الله‌ سبحانه‌ ربّه‌ ومدبّره‌، حتّي‌ يدخله‌ في‌ حريم‌ أمنه‌ وأمانه‌.

 كماأنّ أي‌ّ فعل‌ يفعله‌ الكافر المُعرِض‌ عن‌ الله‌ تعالي‌ إنّما يخطو به‌ خطوة‌ في‌ الظلمات‌، فالافراد الذين‌ اعتمدوا علی‌ أنفسهم‌ وعلی‌ علومهم‌ التجريبيّة‌، أنكروا الله‌ تعالي‌ وتردّوا في‌ وادي‌ الإنكار والإلحـاد، لانـّهم‌ لم‌يرواالله‌ تعالي‌ عياناً، ولم‌ يشاهدوه‌ بالعلوم‌ التجريبيّة‌، ولم‌ يلمسوه‌ تحت‌ مبضع‌ الجراحة‌؛ فأولياؤهم‌ الطاغوت‌.

 أي‌: أنـّهم‌ ذوو الطغيان‌، طغيان‌ القدرة‌ وطغيان‌ العلم‌ وطغيان‌ المال‌ والهوي‌ والهوس‌، فهؤلاء يريدون‌ ـ إذَن‌ ـ أن‌ يتنصّلوا من‌ المسؤوليّة‌ والالتزام‌، إلاّأنـّهم‌ لا يعلمون‌ أنـّهم‌ يفرّون‌ من‌ الله‌ إليه‌. مثلهم‌ كمثل‌ الحَجَل‌ الذي‌ يهرب‌ من‌ يد الصيّاد فيدفن‌ رأسه‌ تحت‌ الثلج‌. فهو لم‌ يفرّ، بل‌ أسلم‌ نفسه‌ لذلك‌ الصيّاد، وأسدل‌ حجاب‌ الغفلة‌ والجهل‌ علی‌ عينيه‌ وأغمضها ودفن‌ رأسه‌ في‌ الثلج‌ كي‌ لا يراه‌ الصيّاد، فهو بعمله‌ هذا لايري‌ الصيّاد، لكنّ الصيّاد يراه‌.

 وهكذا فإنّ الحَجَل‌ لم‌ يُخرج‌ نفسهِ ـفي‌ عالم‌ الواقع‌ ومتن‌ الخارج‌ـ من‌ سيطرة‌ الصيّاد وقبضته‌، بل‌ جعل‌ نفسه‌ طعمة‌ سائغة‌ له‌ علی‌ أساس‌ من‌ الجهل‌ وإسدال‌ حجاب‌ علی‌ فهمه‌ وبصره‌.

 وهكذا فإنّ الذين‌ يفرّون‌ من‌ يد الله‌ تعالي‌ يتصوّرون‌ أنـّهم‌ يدخلون‌ عالماً من‌ البهجة‌ واللذّة‌ والمسرّة‌، إلاّأنـّهم‌ يجهلون‌ أنـّهم‌ خرجوا من‌ الرحمة‌ ودخلوا في‌ البلاء والنكبة‌ والنقمة‌. وأنّ الطاغوت‌، ونعني‌ به‌ الاُمراء والحكّام‌ الجائرين‌ المستكبرين‌ الجاهلين‌ بالله‌، سيدخلونهم‌ في‌ الظلمات‌، ويسلبونهم‌ ذلك‌ القدر الذي‌ كان‌ لهم‌ من‌ النور، فيغوصون‌ في‌ الظلمة‌ والحلكة‌ تدريجيّاً إثر متابعة‌ الطاغوت‌، حتّي‌ يصلواإلي‌ محض‌ الظلمة‌ المطبقة‌، فيخلدوا هناك‌.

 أُولَـ'´نءِكَ أَصْحَـ'بُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـ'لِدُونَ.

 ذلك‌ أنّ جهنّم‌ من‌ مظاهر البُعد عن‌ رحمة‌ الله‌ وقربه‌، فمن‌ كان‌ مخلّداً فيها كان‌ مخلّداً في‌ الظلمة‌.

 الرجوع الي الفهرس

الكفّار في‌ الظلمات‌ يوم‌ الحساب‌ مع‌ أنّ القيامة‌ تمثّل‌ عالم‌ النور

 إذَن‌ يستفاد من‌ هذه‌ الآية‌ أنـّه‌ علی‌ الرغم‌ من‌ أنّ القيامة‌ هي‌ عالم‌ النور، إلاّأنّ هناك‌ شِرذمة‌ يعيشون‌ مخلّدين‌ في‌ الظلمة‌. وقد عرضنا سابقاً نظير هذا المطلب‌ في‌ موضوع‌ الحجب‌،وقلنا:إنّ العالَم‌ ليس‌ بعالم‌ الحجاب‌، بل‌ هو عالم‌ الظهور والبروز والتجلّي‌، إلاّأنّ البعض‌ ـفي‌ الوقت‌ نفسه‌ـ محجوبون‌ عن‌ البعض‌ الآخر، وأنّ الكفّار محجوبون‌، فهذه‌ المحجوبيّة‌ من‌ لوازم‌ محدوديّة‌ وجودهم‌، فقد حدّدوا وجودهم‌ وضيّقوه‌ في‌ الدنيا، فصارت‌ هذه‌ المحدوديّة‌ موجبة‌ لحجابهم‌ وبُعدهم‌، وصاروالا يستطيعون‌ الخروج‌ من‌ ذلك‌ التعيّن‌ والتقيّد.

 كما نقرأ في‌ القرآن‌ الكريم‌ مثل‌ هذا المعني‌، في‌ أنّ المخفيّات‌ تظهر يومئذٍ، وأنّ هناك‌ عالم‌ السرّ والحقيقة‌، فليس‌ لاحد ـمن‌ ثمّـ قدرة‌ علی‌ الكذب‌، كمالا يمكن‌ لاحد أن‌ يجيب‌ منكر ونكير كذباً حين‌ يسألانه‌: مَن‌ ربُّك‌؟ فلا يمكنه‌ الكذب‌ للخلاص‌ من‌ عذابهما، ولا يسعه‌ إلاّ التصريح‌ بماكان‌ يعبده‌ ويجعله‌ إلهه‌ ومعبوده‌ في‌ هذه‌ الدنيا. كمالا يمكن‌ لاحد يوم‌ القيامة‌ ـوهي‌ يوم‌ الجمع‌ ويوم‌ الشهودـ أن‌ يظهر خلاف‌ عقائده‌.

 الرجوع الي الفهرس

الكفّار يحلفون‌ كذباً يوم‌ القيامة

 بَيدَ أنـّه‌ وردت‌ ـ في‌ الوقت‌ نفسه‌ ـ بعض‌ الآيات‌ التي‌ تذكر أنّ الافراد الذين‌ كانوا في‌ الدنيا من‌ أهل‌ الكذب‌، يحاولون‌ هناك‌ أيضاً تخليص‌ أنفسهم‌ بالكذب‌. قال‌ تعالي‌:

 انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا علی‌'´ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم‌ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ. [41]

 فهم‌ يقولون‌ هناك‌: والله‌ ربّنا ماكنّا مشركين‌. فانظر (أيـّها النبي‌ّ) كيف‌ كذبوا علی‌ أنفسهم‌ وضلّ عنهم‌ ما كانوا يفترون‌.

 فَأَلْقَوُاالسَّلَمَ مَاكُنَّا نَعْمَلُ مِن‌ سُوّءٍ. [42]

 وحين‌ يأتي‌ الملائكة‌ الشداد الغلاظ‌ لقبض‌ أرواح‌ الظالمن‌ وسوقهم‌ إلي‌ جهنّم‌، فإنّ هؤلاء الظالمين‌ يحاولون‌ مسالمتهم‌ وخداعهم‌ بالحيلة‌ والمكر للخلاص‌ من‌ أيديهم‌، وتخفيف‌ شدّة‌ سكرات‌ الموت‌ وألم‌ نزع‌ أرواحهم‌. لذا يقولون‌ مسالمين‌: ما كنّا نعمل‌ من‌ سوء في‌ هذه‌ الدنيا.

 بَلَي‌'´ إِنَّ اللَهَ علیمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. [43]

 يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ و كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنـَّهُمْ علی‌' شَيْءٍ أَلآإِنـَّهُمْ هُمُ الْكَـ'ذِبُونَ. [44]

 فهذاالحلف‌ الكاذب‌ هو ظهور حيلتهم‌ في‌ الكذب‌ والافتراء الذي‌ يظهر يومئذٍ، فمن‌ كان‌ الكذب‌ سجيّته‌، لازمته‌ سجيّته‌ هذه‌ واصطحبها حين‌ يرد المحشر.

 إنّ اللصّ يحبّ السرقة‌ علی‌ الدوام‌، فإن‌ نام‌ رأي‌ في‌ المنام‌ أنـّه‌ يسرق‌. فهو في‌ اليقظة‌ يسرق‌ خفية‌ بعد ملاحظة‌ ما يحيط‌ به‌، ويتكتّم‌ علی‌ سرقته‌ لئلاّ يطّلع‌ علیها أحد، أمّا حال‌ النوم‌ حيث‌ لا يري‌ سرقته‌ أحد، فإنّه‌ يسرق‌ دونما مبالاة‌.

 والامر صادق‌ بالنسبة‌ إلي‌ المحتكرين‌ الذين‌ يجنون‌ الارباح‌ الطائلة‌، فإنّهم‌ يرون‌ في‌ النوم‌ أنـّهم‌ يحتكرون‌ ويبيعون‌ بأثمان‌ مرتفعة‌ فيلتذّون‌ برؤياهم‌ هذه‌، ثمّ يستيقظون‌ فيتحسّرون‌ لانّ ذلك‌ كان‌ مجرّد رؤيا، ولانّ ذلك‌ الاحتكار للارزاق‌ لم‌ يكن‌ له‌ وجود خارجي‌ّ.

 وهكذا الامر بالنسبة‌ إلي‌ الإنسان‌ المتهتّك‌ الغارق‌ في‌ الشهوات‌، فهو يري‌ في‌ المنام‌ المناظر الشهويّة‌، فيري‌ نفسه‌ ملِكاً، ويري‌ أنـّه‌ يأمر وينهي‌ ويضرب‌ ويسلب‌. أمّا العالِم‌ فيري‌ رؤيا تدور حول‌ المطالعة‌ والتدريس‌، كما يري‌ العابد رؤيا تحوم‌ حول‌ العبادة‌ والصلاة‌ والركوع‌ والسجود. وهذا أمر مسلّم‌ تصدّقه‌ التجربة‌ وتشهد علیه‌ بشواهد صادقة‌، وقد بُيّنت‌ علّته‌ في‌ الفلسفة‌ الإلهيّة‌.

 إنّ بعض‌ الافـراد يكذبـون‌ إجمالاً، لكنّ فيهم‌ من‌ ينسـج‌ الاكاذيب‌ ويلفّقها بمهارة‌ وحنكة‌، فهم‌ يختلقون‌ أمام‌ الإنسان‌ قصّة‌ كاذبة‌ دون‌ أدني‌ تأمّل‌ أو تروٍّ سابق‌ فيخدعونه‌ بها. فمثل‌ هؤلاء الافراد قد تحجّرت‌ خليقة‌ الكذب‌ القذرة‌ في‌ أنفسهم‌، فهم‌ يرحلون‌ عن‌ الدنيا بهذه‌ النفس‌ الكاذبة‌، ويردون‌ المحشر بها، ويحاولون‌ هناك‌ أيضاًأن‌ يخدعواالله‌ تعالي‌، فيختلقون‌ الكذب‌ ويحلفون‌ افتراءً وينكرون‌ كفرهم‌ وشركهم‌ وظلمهم‌ وجناياتهم‌ أيّما إنكار. ومثلهم‌ كمثل‌ سارقي‌ الجيوب‌ الذين‌ إذا ماأمسك‌ أحد بأيديهم‌ حال‌ تلبّسهم‌ بالسرقة‌، فإنّهم‌ سينكرون‌ ذلك‌ مع‌ أنّ أيديهم‌ في‌ جيوب‌ الناس‌. وماأكثر ما شوهد أنـّهم‌ يُعتقلون‌ ومعهم‌ الاموال‌ التي‌ سرقوها، فيُلقون‌ التهمّة‌ علی‌ مَن‌ أمسك‌ بهم‌ ويتّهمونه‌ أنـّه‌ سرق‌ تلك‌ النقود من‌ جيبهم‌؛ نعوذ بالله‌.

 وإذا ما حضر هؤلاء يوم‌ القيامة‌، فإنّهم‌ يحاولون‌ إلقاء التبعة‌ علی‌ الله‌ تعالي‌، وتحميله‌ المسؤوليّة‌ وإدانته‌.

 وبناءً علی‌ ما قيل‌ في‌ باب‌ ظهور السجايا والمَلَكات‌، فإنّ سوق‌ كذب‌ الكاذبين‌ وإنكار المنكرين‌ وحجاب‌ المحجوبين‌ ستكون‌ رائجة‌ يوم‌ القيامة‌. فكيف‌ ـتري‌ـ ستقع‌ هذه‌ المخالفات‌ مع‌ أنّ العالم‌ هناك‌ هو عالم‌ الحقيقة‌ المحضة‌ والصدق‌ الخالص‌ والنور والإشراق‌، وعالم‌ الظهور والبروز؟

 سيتّضح‌ الامر بإيراد مقدّمة‌ مختصرة‌، وهي‌ أنّ ذلك‌ العالم‌، علی‌ الرغم‌ من‌ كونه‌ عالم‌ النور، إلاّأنّ مراتب‌ النور متفاوتة‌ متغايرة‌.

 افرضواأنّ الشمس‌ قد طلعت‌ فأشرقت‌ في‌ الوهلة‌ الاُولي‌ علی‌ سقف‌ بلّوري‌ّ، ثمّ إنّها عبرت‌ من‌ هناك‌ إلي‌ سقف‌ بلّوري‌ّ آخر أسفل‌ منه‌، وهكذا تعبر من‌ الطبقات‌ البلّوريّة‌ المتعدّدة‌ للعمارة‌ لتصل‌ إلي‌ أرضيّة‌ الغرف‌ وإلي‌ داخل‌ البناية‌ السفلي‌.

 فإذاكان‌ لكلّ واحد من‌ هذه‌ السقوف‌ والبلّورات‌ إجمالاً شخصيّة‌ وأنانيّة‌، فإنّ ذلك‌ سيؤثّر في‌ النور العابر خلاله‌، وحينئذٍ سيفقد لونه‌ قدراً من‌ إشراقه‌ عند عبوره‌ من‌ كلّ بلّورة‌، فإذا وصل‌ إلي‌ الطابق‌ الاسفل‌ كان‌ لونه‌ معتماً متفاوتاً كلّ التفاوت‌ مع‌ اللون‌ المشرق‌ الشفّاف‌ للطابق‌ الاعلی‌.

 وهكذا سيري‌ الشخص‌ الجالس‌ في‌ الطابق‌ العلوي‌ّ نور الشمس‌ وينعم‌ بضيائها وإشراقها، إلاّأنّ الامر يختلف‌ كثيراً بالنسبة‌ إلي‌ الجالس‌ في‌ الطبقة‌ السفلي‌، إذ إنّه‌ يتمتّع‌ بإشراق‌ الشمس‌ أيضاً، لكنّه‌ إشراق‌ ضعيف‌ مرّ من‌ الحجب‌ وزادت‌ علیه‌ التعيّنات‌ الإمكانيّة‌ حجباً جديدة‌.

 ولا ريب‌ في‌ أنّ الواردين‌ إلي‌ القيامة‌ أُولو درجات‌ مختلفة‌ في‌ الإيمان‌ والعلم‌ والتقوي‌، وأنّ العاصين‌ والمذنبين‌ هم‌ أيضاً في‌ درجات‌ متباينة‌. وهذاالاختلاف‌ سيوجب‌ قلّة‌ الحجب‌ أو كثرتها. ونتيجة‌ ذلك‌ أنّ المنغمرين‌ في‌ المعصية‌ والمصرّين‌ المعاندين‌ علی‌ الشرك‌ والكفر والإنكار والجحود، هم‌ في‌ مراتب‌ بعيدة‌ نائية‌ عن‌ الرحمة‌، وأنّ حجبهم‌ أكثر والنور الذي‌ يصلهم‌ أقلّ وأندر، فهم‌ بالملازمة‌ في‌ الظلمة‌ والعتمة‌ المبهمة‌.

 أُولَـ'´نءِكَ يُنَادَوْنَ مِن‌ مَّكَانٍ بَعِيدٍ. [45]

 أمّا المقرّبون‌ الذين‌ يتمتّعون‌ بالمرحلة‌ الاُولـي‌ للنور، فيكتسـبونه‌ بلاغشّ ولا رَيْن‌ ولا تلوّث‌. وهكذا يتلقّي‌ الانبياء والائمّة‌ علیهم‌ السلام‌ الفيض‌ من‌ الذات‌ المقدّسة‌ للحضرة‌ الاحديّة‌ ويستجلبون‌ النور بلا واسطة‌؛ أمّا باقي‌ الافراد من‌ المقرّبين‌ وأهل‌ الإخلاص‌ والابرار والاخيار وأصحاب‌ اليمين‌، فلكلّ منهم‌ نور حسب‌ درجته‌ ومقامه‌ ومنزلته‌.

 وَمَا مِنَّآإِلاَّ لَهُ و مَقَامٌ مَّعْلُومٌ. [46]

 وأنّ أصحاب‌ الشمال‌ هم‌ أيضاً في‌ درجات‌ متنوّعة‌، لانّ درجة‌ شقائهم‌ متفاوتة‌. ومن‌ ثمّ فإنّ الاشقياء في‌ عالم‌ النور، ولكن‌ من‌ وراء حجاب‌ وتحت‌ غطاء الاسماء الجلاليّة‌.

 المؤمنون‌ والمقرّبون‌ والابرار والاخيار تحت‌ إشراق‌ النور والاسماء الجماليّة‌، والاشقياء والكفّار تحت‌ إشراق‌ النور والاسماء الجلاليّة‌، وشتّان‌ بين‌ هذين‌ الامرين‌. فحين‌ يوزِّع‌ المَلِكُ في‌ يوم‌ معيّن‌ صِلاته‌ العامّة‌ علی‌ الجميع‌، فإنّه‌ يكرم‌ أهل‌ خدمته‌ كما يستحقّون‌، ويجزي‌ أهل‌ العصيان‌ بالعذاب‌ والسجن‌ والعقوبة‌ حسب‌ ما يستحقّون‌. الجميع‌ يرون‌ المَلِكَ وهو بمرأي‌ منهم‌ ومسمع‌، إلاّأنّ المطيعين‌ في‌ ظلّ ألطافه‌ وعناياته‌، والعاصين‌ والمتمرّدين‌ تحت‌ سطوته‌ وغضبه‌ وقهره‌.


 

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـ «كلّيّات‌ سعدي‌» طبعة‌ فروغي‌، قسم‌ مواعظ‌ سعدي‌، ص‌ 122.

 يقول‌: إنّ الإنسان‌ شريف‌ بروحه‌ البشريّة‌، وليس‌ هذا الرداء الجميل‌ علامة‌ البشريّة‌.

 فإن‌ كان‌ الإنسان‌ إنساناً بعينه‌ وفمه‌ وأُذنه‌ وأنفه‌، فما الفرق‌ بينه‌ وبين‌ الصورة‌ علی‌ الجدار؟

 الاكل‌ والنوم‌ والغضب‌ والشهوة‌ شغب‌ وجهل‌ وظلمة‌،و هي‌ للحيوان‌ والغافل‌ عن‌ عالم‌. البشريّة‌! فتمثّل‌ بحقيقة‌ البشر، و إلاّكنتَ طيراً يتكلّم‌ هذا الكلام‌ بلسان‌ البشر.

[2] ـ يقول‌: ألم‌ تكن‌ إنساناً حين‌ بقيت‌ أسير الشيطان‌؟ بينما ليس‌ للمَلَك‌ سبيل‌ إلي‌ محلّ البشر.

 إذا ماتت‌ في‌ طبعك‌ هذه‌ النزعة‌ الوحشيّة‌، عشت‌ طوال‌ العمر بروح‌ البشر.

 يصل‌ الإنسان‌ إلي‌ موضع‌ لا يري‌ فيه‌ أحداً إلاّالله‌، فانظر إلي‌ أي‌ّ حدّ وصلت‌ منزلة‌ البشر!

 لقد رأيتَ طيران‌ الطيور، فاخرج‌ من‌ أغلال‌ الشهوة‌ لتري‌ طيران‌ البشريّة‌!

 لم‌ اتفضّل‌ بنصيحتي‌ لك‌، فقد سمعنا من‌ الإنسان‌ بيان‌ الإنسانيّة‌.

[3] ـ وفي‌ ضوء العلوم‌ الجديدة‌ هذا اليوم‌، فإنّ شعاع‌ الاجسام‌ من‌ الطبقات‌ الارضيّة‌ يصل‌ إلي‌ عين‌ الهدهد.

[4] ـ من‌ الآية‌ 22، من‌ السورة‌ 50: ق‌.

[5] ـ الآية‌ 19، من‌ السورة‌ 78: النبأ.

[6] ـ الآية‌ 48، من‌ السورة‌ 14: إبراهيم‌.

[7] ـ النصف‌ الثاني‌ من‌ الآية‌ 64، من‌ السورة‌ 29: العنكبوت‌.

[8] ـ النصف‌ الاوّل‌ من‌ الآية‌ 48، من‌ السورة‌ 14: إبراهيم‌.

[9] ـ «رسالة‌ مخطوطة‌ في‌ المعاد» للعلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ، ص‌ 27.

[10] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 7، من‌ السورة‌ 11: هود.

[11] ـ النصف‌ الثاني‌ من‌ الآية‌ 16، من‌ السورة‌ 40: غافر.

[12][12] ـ «رسالة‌ مخطوطة‌ في‌ المعاد» للعلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ، ص‌ 27.

[13] ـ يقول‌: النفس‌ كالتنين‌، فمتي‌ ماتت‌ يا تري‌؟ لقد كانت‌ خاملة‌ كئيبة‌ للفاقة‌ وانعدام‌ الوسيلة‌.

[14] ـ الآيتان‌ 1 و 2، من‌ السورة‌ 29: العنكبوت‌.

[15] ـ الآية‌ 12، من‌ السورة‌ 65: الطلاق‌.

[16] ـ الآيات‌ 67 إلي‌ 69، من‌ السورة‌ 39: الزمر.

[17] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 286، من‌ السورة‌ 2: البقرة‌.

[18] ـ الآيتان‌ 39 و 40، من‌ السورة‌ 53: النجم‌.

[19] ـ المقطع‌ الاخير من‌ الآية‌ 40، من‌ السورة‌ 24: النور.

[20] ـ الآية‌ 72، من‌ السورة‌ 17: الإسراء.

[21] ـ النصف‌ الثاني‌ من‌ الآية‌ 46، من‌ السورة‌ 22: الحجّ.

[22] ـ المقطع‌ الاخير من‌ الآية‌ 44، من‌ السورة‌ 41: فصّلت‌.

[23] ـ الآيتان‌ 14 و 15، من‌ السورة‌ 83: المطفّفين‌.

[24] ـ الآية‌ 24، من‌ السورة‌ 47: محمّد.

[25] ـ الآيات‌ 124 إلي‌ 126، من‌ السورة‌ 20: طه‌.

[26] ـ الآية‌ 12 والنصف‌ الاوّل‌ من‌ الآية‌ 13، من‌ السورة‌ 57: الحديد.

[27] ـ كتاب‌ «مفاتيح‌ الجنان‌» كتاب‌ دعاء معروف‌. (م‌)

[28] ـ الآية‌ 81، من‌ السوررة‌ 4: النساء.

[29] ـ النصف‌ الاوّل‌ من‌ الآية‌ 145، من‌ السورة‌ 4 النساء.

[30] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 40، من‌ السورة‌ 24: النور.

[31] ـ النصف‌ الثاني‌ للا´ية‌ 182، من‌ السورة‌ 3: آل‌ عمران‌.

[32] ـ النصف‌ الثاني‌ للا´ية‌ 15، من‌ السورة‌ 17: الإسراء.

[33] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 19، من‌ السورة‌ 57: الحديد.

[34] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 35، من‌ السورة‌ 24: النور.

[35] ـ الآية‌ 122، من‌ السورة‌ 6: الانعام‌.

[36] ـ المقطع‌ الاخير للا´ية‌ 45، من‌ السورة‌ 9: التوبة‌.

[37] ـ الآية‌ 20، من‌ السورة‌ 17: الإسراء.

[38] ـ الآية‌ 3، من‌ السورة‌ 76: الإنسان‌.

[39] ـ الآية‌ 122، من‌ السورة‌ 6: الانعام‌.

[40] ـ الآية‌ 257، من‌ السورة‌ 2: البقرة‌.

[41] ـ الآية‌ 24، من‌ السورة‌ 6: الانعام‌.

[42] ـ مقطع‌ من‌ الآية‌ 28، من‌ السورة‌ 16: النحل‌.

[43] ـ تتمّة‌ الآية‌ 28، من‌ السورة‌ 16: النحل‌.

[44] ـ الآية‌ 18، من‌ السورة‌ 58: المجادلة‌.

[45] ـ المقطع‌ الاخير من‌ الآية‌ 44، من‌ السورة‌ 41: فصلّت‌.

[46] ـ الآية‌ 164، من‌ السورة‌ 37: الصافّات‌.

 الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com