بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة الامام / المجلد الثامن/ القسم الخامس: اعتراف عمر بأحقّیة علی علیه السلام، اشکال الجمع بین النبوة و الخلافة

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ كان‌ حريصاً علی‌ هداية‌ الناس‌

 قال‌ تبارك‌ وتعإلی‌ في‌ نبيّه‌ الاكرم‌، مخاطباً الناس‌:

 لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ علیهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ علیكُم‌ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. [1]

 وهل‌ يمكن‌ الحرص‌ علی‌ هداية‌ الناس‌ بدون‌ اتّباعهم‌ أحداً ؟ وهل‌ الإطاعة‌ والاقتداء متيسّران‌ بدون‌ رئاسة‌ ولزوم‌ المتابعة‌ ؟ ومن‌ هذا المنطلق‌، كان‌ المشركون‌ والكافرون‌ يؤذون‌ النبي‌ّ ويتهكّمون‌ به‌ ويتّهمونه‌. ذلك‌ أنَّ النبوّة‌ تستلزم‌ الرئاسة‌ . فكانوا يرون‌ أنَّ رئاسة‌ النبي‌ّ تهدّد مناصبهم‌ وتنغّص‌ علیهم‌ حياتهم‌ . فلهذا كانوا ينكرون‌ نبوّته‌ حفظاً لرئاستهم‌ التي‌ تتعارض‌ مع‌ رئاسة‌ النبي‌ّ، وإطاحةً برئاسة‌ النبي‌ّ نفسه‌.

 أمّا النبي‌ّ الرحيم‌ فقد كان‌ دائم‌ الحرص‌ علی‌ إخراج‌ هؤلاء المساكين‌ من‌ ربقة‌ أفكارهم‌ الجاهليّة‌، وآدابهم‌ وعاداتهم‌ البهيميّة‌ . لم‌ يكن‌ له‌ ليل‌ ونهار؛ ولم‌ يسترح‌ لحظة‌ واحدة‌، كان‌ يتضوّر جوعاً وعطشاً، ويشدّ حجر المجاعة‌ علی‌ بطنه‌ . وكان‌ دائماً موجوداً في‌ ميادين‌ القتال‌ وأقرب‌ المسلمين‌ إلی‌ العدوّ . وهاجر إلی‌ الطائف‌ لشدّة‌ العنف‌ والاذي‌ والعذاب‌ الذي‌ لاقاه‌ بمكّة‌ . ولم‌ يستقبلوه‌ هناك‌، فقفل‌ راجعاً إلی‌ مكّة‌ خائباً حيث‌ لم‌يؤويه‌ أحد فيها، إذ كانوا كلّهم‌ أعداءه‌، ومصمّمون‌ بأجمعهم‌ علی‌ قتله‌ وسفك‌دمه‌ ؛ فاضطرّ إلی‌ الاحتماء بأحد المشركين‌ . وقضي‌ في‌ شعب‌ أبي‌ طالب‌ ثلاث‌ سنين‌ سجيناً معذّباً ومعه‌ بنو هاشم‌ وبعض‌ المسلمين‌، حيث‌ حرّموا علیهم‌ الطعام‌، وحظروا الزواج‌ والتعامل‌ معهم‌ . وكان‌ صراخ‌ جوع‌ الاطفال‌ يصل‌ إلی‌ مكّة‌ ليلاً والمشركون‌ يسمعون‌ إلی‌ أن‌ اضطرّ للهجرة‌ هارباً من‌ مكّة‌ . ومكث‌ في‌ غار ثور ثلاثة‌ أيّام‌ كي‌ لا يتمكّن‌ المشركون‌ أن‌ يتقصّوا طريقه‌ . ووحده‌ أمير المؤمنين‌ رجل‌ الساحة‌ الذي‌ سار علی‌ هديه‌ في‌ الحرص‌ علی‌ إيمان‌ الناس‌، وقدّم‌ نفسه‌ بكلّ إخلاص‌ قرباناً للّه‌، ورقد في‌ فراش‌ النبي‌ّ مطمئنّاً .

 ومن‌ الواضح‌ أنَّ هذه‌ المشاكل‌ كلّها، وهذه‌ المعاناة‌ والمقاسات‌ كانت‌ دعوة‌ إلی‌ الرئاسة‌، أي‌: وجوب‌ طاعة‌ الناس‌ طاعة‌ مطلقة‌ لاُولئك‌ الاشخاص‌. أمّا الرئاسة‌ الإلهيّة‌ والمعنويّة‌ فحليفتها الهموم‌، وقرينها التشرّد، ولاتعني‌ الجلوس‌ علی‌ العرش‌ ورفع‌ تاج‌ الاستكبار، واستعباد الناس‌ الابرياء، وجرّهم‌ ليكونوا تحت‌ مطرقة‌ الطغاة‌.

 *ز عشق‌ تا به‌ صبوري‌ هزار فرسنگ‌ است‌* [2]

 إنَّ مؤاخذة‌ عمر أميرَ المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ بحرصه‌ علی‌ الرئاسة‌ تتمثّل‌ في‌ الرئاسة‌ بمنظاره‌ الضيّق‌ والمظلم‌ . لقد قاس‌ ذلك‌ علی‌ نفسه‌ وممارساته‌، ناسياً الوصايا والتأكيدات‌ والآيات‌ القرآنيّة‌، وباع‌ ذلك‌ كلّه‌ بثمن‌ بخس‌ من‌ أجل‌ الرئاسة‌، بيد أنَّ منظار أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ للرئاسة‌ شي‌ء آخر، ويشغل‌ أُفقها مساحة‌ شاسعة‌ لا تجد الاهواء إلیها سبيلاً.

 كار پاكان‌ را قياس‌ از خود مگير                    گر چه‌ باشد در نوشتن‌ شير شير [3]

 لو كان‌ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ طالب‌ لرئاسة‌ غير إلهيّة‌، لامتشق‌ حسامه‌ منذ إلیوم‌ الذي‌ قبض‌ فيه‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وأخذ حقّه‌ بقمع‌ المتآمرين‌ وتأديبهم‌ . وكان‌ قادراً علی‌ ذلك‌، بيد أنـّه‌ لمّا رأي‌ الخطر محدقاً بالإسلام ‌، تنازل‌ عن‌ تلك‌ الرئاسة‌، عاضّاً علی‌ الالم‌، متدرّعاً بالصبر، وفي‌ عينه‌ قذي‌، وفي‌ حلقه‌ شجي‌ .

 ونقل‌ ابن‌ أبي‌ الحديد: لمّا اجتمع‌ المهاجرون‌ علی‌ بيعة‌ أبي‌ بكر، أقبل‌ أبو سفيان‌ [إلی‌ المدينة‌ ] وهو يقول‌: أَمَا وَاللَهِ إنِّي‌ لاَرَي‌ عَجَاجَةً لاَيُطْفِئُهَا إلاَّ الدَّمُ ؛ يَا لِعَبْدِ مَنَافٍ ! فِيمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَمْرِكُمْ؟! أَيْنَ المُسْتَضْعَفَانِ؟ أَيْنَ الاَذَلاَّنِ ؟ ـيعني‌ علیاً والعبّاس‌ـ مَا بَالُ هَذَا فِي‌ أَقَلِّ حَي‌ٍّ مِنْ قُرَيْشٍ؟

 ثمّ قال‌ لعلی‌ّ [علیه‌ السلام‌ ]: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَوَاللَهِ إنْ شِئْتَ لاَمْلاَنـَّهَا علی‌ أَبِي‌ فُضَيْلٍ ـيعني‌ أبا بكرـ خَيْلاً وَرَجِلاً ! فَامْتَنَعَ علی‌ٌّ علیهِ السَّلاَمُ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ قَامَ عَنْهُ وَهُوَ يُنْشِدُ شِعْرَ المُتَلَمِّسِ:

 وَلاَ يُقِيمُ علی‌ ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ                     إلاَّ الاَذَلاَّنِ غَيْرُ الحَي‌ِّ وَالوَتَدُ

 هَذَا علی‌ الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ              وَذَا يُشَجُّ فَلاَ يَرْثَي‌ لَهُ أَحَدُ [4]

 ونقل‌ الطبري‌ّ، وابن‌ الاثير أنّ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ زجر أبا سفيان‌، وقال‌ له‌: إنَّكَ وَاللَهِ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا إلاَّ الفِتْنَةَ! وَإنَّكَ وَاللَهِ طَالَمَا بَغِيتَ لِلإسْلاَمِ شَرَّاً ! لاَ حَاجَةَ لَنَا فِي‌ نَصِيحَتِكَ! [5]

 مضافاً إلی‌ أبي‌ سفيان‌، جاء العبّاس‌ عمّ رسول‌ الله‌ إلی‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ وقال‌ له‌: جئت‌ أُبايعك‌ ؛ فقال‌: عمّ رسول‌ الله‌ بايع‌ ابن‌ عمّ رسول‌الله‌، فلايختلف‌ علیك‌ اثنان‌ .

 وقال‌ ابن‌ قتيبة‌ الدينوري‌ّ: قَالَ العَبَّاسُ لِعلی‌ِّ بْنِ أَبِي‌ طَالِبٍ كَرَّمَاللَهُ وَجْهَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَيُقَالُ: عَمُّ رَسُولِ اللَهِ بَايَع‌ ابْنَ عَمِّ رَسُولِاللَهِ صَلَّي‌اللَهُ علیهِ [وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ، وَيُبَايِعُكَ أَهْلُ بَيْتِكَ فَإنَّ هَذَا الاَمْرَ إذَا كَانَ لَمْ يُفلْ.

 فَقَالَ علی‌ٌّ كَرَّمَ اللَهُ وَجْهَهُ: وَمَنْ يَطْلُبُ هَذَا الاَمْرَ غَيْرُنَا؟! [6]

 وعلی‌ الرغم‌ من‌ أنَّ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ كان‌ يعلم‌ أنَّ الخلافة‌ والإمارة‌ له‌ لا لغيره‌، بيد أنـّه‌ تنازل‌ عن‌ حقّه‌ المسلّم‌ به‌ إرضاءً للّه‌ وعملاً بوصيّة‌ رسول‌ الله‌، وتفادياً لوقوع‌ الفتنة‌ والفساد، وحفظاً للإسلام‌ الفتي‌ من‌ السقوط‌ والتداعي‌.

 وهذه‌ هي‌ حقيقة‌ التنازل‌ ونكران‌ الذات‌، والتضحية‌ والعبوديّة‌؛ وهذا هو مفاد الشهامة‌ والشجاعة‌ والمروءة‌ والعظمة‌ والكرامة‌ ؛ وهذا هو معني‌ الولاية‌ والإشراف‌ والرعاية‌ . وهذه‌ هي‌ حقيقة‌ السعة‌ والإطلاق‌ والتجرّد.

 يقول‌ ابن‌ قتيبة‌: لمّا أُخذ علی‌ّ كرّم‌ الله‌ وجهه‌ إلی‌ المسجد للبيعة‌، كان‌ يقول‌:

 أَنَا عَبْدُ اللَهِ وَأَخُو رَسُولِهِ . فَقِيلَ لَهُ: بَايِعْ أَبَا بَكْرٍ! فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الاَمْرِ مِنْكُمْ ! لاَ أُبَايِعُكُمْ وَأَنْتُمْ أَوْلَي‌ لِي‌ ! أَخَذْتُمْ هَذَا الاَمْرَ مِنَ الاَنْصَارِ؛ وَاحْتَجَجْتُمْ علیهِمْ بِالقَرَابَةِ مِنَ النَّبِي‌ِّ صَلَّي‌اللَهُ علیهِ [وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ وَتَأْخُذُونَهُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ غَصْبَاً.

 أَلَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلاَنْصَارِ أَنـَّكُمْ أَوْلَي‌ بِهَذَا الاَمْرِ مَنْهُمْ، لِمَا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنْكُمْ؛ فَأَعْطُوكُمُ المَقَادَةَ، وَسَلَّمُوا إلیكُمُ الإمَارَةَ ؟ وَأَنَا أَحْتَجُّ علیكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ علی‌ الاَنْصَارِ . نَحْنُ أَوْلَي‌ بِرَسُولِ اللَهِ حَيَّاً وَمَيِّتَاً ؛ فَأَنْصِفُونَا إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ؛ وَإلاَّ فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

 فَقَالَ عُمَرُ: إنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكَاً حَتَّي‌ تُبَايِعَ ! فَقَالَ لَهُ علی‌ٌّ: احْلُبْ حَلْبَاً لَكَ شَطْرُهُ! وَاشْدُدْ لَهُ إلیوْمَ أَمْرَهُ يَرْدُدْهُ علیكَ غَدَاً . ثُمَّ قَالَ: وَاللَهِ يَاعُمَرُ! لاَأَقْبَلُ قَوْلَكَ وَلاَ أُبَايِعُهُ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإنْ لَمْتُبَايِعْ فَلاَأُكْرِهَكَ! [7]

 أجل‌، لا يغيب‌ علی‌ المؤرّخين‌ والباحثين‌ في‌ السير أنَّ ميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ لو كان‌ قبل‌ بيعة‌ العبّاس‌ وأبي‌ سفيان‌، ورفع‌ لواء المعارضة‌ للسقيفة‌ مع‌ الثلّة‌ التي‌ كانت‌ معه‌ من‌ المهاجرين‌ والانصار وبني‌ هاشم‌، فلاجرم‌ كان‌ يتسلّم‌ مقإلید الاُمور، بيد أنَّ هذا العمل‌ ما كان‌ يتحقّق‌ سلميّاً ونقيّاً من‌ شوائب‌ الفتنة‌ وإراقة‌ الدماء . ذلك‌ أنَّ الطرف‌ المقابل‌ الذي‌ يمثّل‌ الحزب‌ المعارض‌ كان‌ يعتزم‌ التآمر، ولو نشبت‌ نار المواجهة‌، لاُريقت‌ الدماء، وقُتِلَ حفظة‌ القرآن‌ الذين‌ كانوا يحفظونه‌ في‌ صدورهم‌؛ فلهذا تنازل‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ عن‌ حقّه‌ الثابت‌ والاكيد للّه‌ وفي‌ الله‌، وتجرّع‌ الغصص‌ والهموم‌ لوجه‌ الله‌، وتحمّل‌ ما تحمّل‌ من‌ فقدان‌ العزّ الظاهري‌ّ، وكسر ضلع‌ السيّدة‌ الزهراء، ووفاتها مهضومة‌، ويُتم‌ الاطفال‌، وغير ذلك‌، لئلاّ تذهب‌ جهود النبي‌ّ علی‌ امتداد ثلاث‌ وعشرين‌ سنة‌ أدراج‌ الرياح‌، ولاتستبدل‌ الرئاسة‌ الظاهريّة‌ بالحقائق‌ .

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ أمير المؤمنين‌ للعبّاس‌ وأبي‌ سفيان‌ بعد وفاة‌ رسول‌ الله‌

 ويستبين‌ هدفه‌ صلوات‌ الله‌ علیه‌ مشرقاً من‌ الخطبة‌ التي‌ ألقاها إبّان‌ وفاة‌ النبي‌ّ الاعظم‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌، وذلك‌ في‌ جواب‌ أبي‌ سفيان‌ والعبّاس‌ اللذين‌ دَعَواه‌ إلی‌ قبول‌ بيعتهما له‌ . قال‌ علیه‌ السلام‌ فيها:

 أَيُّهَا النَّاسُ ! شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ ! وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ المُنَافَرَةِ! وَضَعُوا عَنْ تِيجَانِ المُفَاخَرَةِ ! أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ! هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا ! وَمُجْتَنِي‌ الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ .

 فَإنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ علی‌ المُلْكِ ؛ وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزَعَ مِنَ المَوْتِ؛ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي‌ ؛ وَاللَهِ لاَبْنُ أَبِي‌ طَالِبٍ آنَسُ بِالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي‌ أُمِّهِ ؛ بَلِ انْدَمَجْتُ علی‌ مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَرْشِيَةِ فِي‌ الطَّوِي‌ِّ البَعِيدَةِ. [8]

 نري‌ هنا أنَّ الإمام‌ علیه‌ السلام‌ مع‌ اندماجه‌ علی‌ حكم‌ مكنون‌ وبحر عميق‌ من‌ العلم‌ الإلهي‌ّ، يشير إلی‌ الحرص‌ علی‌ الخلافة‌، الذي‌ يتّهمه‌ به‌ ذوو الاُفق‌ الضيّق‌، دون‌ الالتفات‌ إلی‌ حقيقة‌ ذلك‌ .

 الرجوع الي الفهرس

الخطبة‌ الشقشقيّة‌ التي‌ ألقاها أمير المؤمنين‌ في‌ أيّام‌ خلافته‌

 ونلحظه‌ في‌ الخطبة‌ الشقشقيّة‌ عندما ينقل‌ الاحداث‌ بشكل‌ واضح‌، يقسم‌ بالله‌ الذي‌ فلق‌ الحبّة‌، وبرأ النسمة‌، إنَّ هدفه‌ الوحيد من‌ قبول‌ الخلافة‌ هو دفع‌ الظلم‌، وقمع‌ الظالمين‌، والنظر في‌ شؤون‌ المظلومين‌ والفقراء والضعفاء والجياع‌، وإحقاق‌ الحقوق‌ المشروعة‌ للناس‌، ويلوح‌ من‌ مضامين‌ هذه‌ الخطبة‌ أنـّه‌ خطبها في‌ أيّام‌ خلافته‌ بعد الاحداث‌ التي‌ جرت‌ في‌ عصر من‌ سبقوه‌ من‌ الخلفاء الثلاثة‌:

 أَمَا وَاللَهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي‌ قُحَافَةَ وَإنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي‌ مِنْهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَي‌ ؛ يَنْحَدِرُ عَنِّي‌ السَّيْلُ وَلاَ يَرْقَي‌ إلی‌َّ الطَّيْرُ . فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْبَاً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحَاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَأي‌ بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ علی‌ طِخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيْهَا الكَبِيْرُ، وَيَشِيبُ فِيْهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّي‌ يَلْقَي‌ رَبَّهُ ؛ فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ علی‌ هَاتَا أَحْجَي‌؛ فَصَبَرْتُ وَفِي‌ العَيْنِ قَذَيً وَفِي‌ الحَلْقِ شَجَيً . أَرَي‌ تُرَاثِي‌ نَهْبَاً . حَتَّي‌ مَضَي‌ الاَوَّلُ لِسَبِيْلِهِ، فَأَدْلَي‌ بِهَا إلی‌ ابْنِ الخَطَّابِ بَعْدَهُ (ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الاَعْشَي‌):

 شَتَّانَ مَا يَوْمي‌ علی‌ كُورِهَا                    وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي‌ جَابِرِ

 فَيَا عَجَبَاً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقَيلُهَا فِي‌ حَيَاتِهِ إذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ـلَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَاـ فَصَيَّرَهَا فِي‌ حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُطُ كُلاَمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا وَالاعْتِذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِي‌َ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَهِ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ.

 فَصَبَرْتُ علی‌ طُوْلِ المُدَّةِ وَشِدَّةُ المِحْنَةِ حَتَّي‌ إذَا مَضَي‌ لِسَبِيْلِهِ، جَعَلَهَا فِي‌ جَمَاعَةٍ وَزَعَمَ أَنـِّي‌ أَحَدُهُمْ . فَيَا لِلَّهِ وَلِلشُّورَي‌! مَتَي‌ اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِي‌َّ مَعَ الاَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّي‌ صِرْتُ أُقْرَنُ إلی‌ هَذِهِ النَّظَائِرِ، لَكِنِّي‌ أَسْفَفْتُ إذَا أَسَفُوا وَطِرْتُ إذَا طَارُوا .

 فَصَغَي‌ رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ، وَمَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ، مَعَ هَنٍ وَهَنٍ. إلی‌ أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ نَافِجَاً حَضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ ؛ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ مَالَاللَهِ خَضْمَةَ الإبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ . إلی‌ أَنْ انْتَكَثَ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ علیهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ فَمَا رَاعَنِي‌ إلاَّ وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إلی‌َّ، يَنْثَالُونَ علی‌َّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّي‌ لَقَدْ وُطِي‌َ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَاي‌َ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي‌ كَرَبِيضَةِ الغَنِمِ . فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالاَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَي‌ وَقَسَطَ آخَرُونَ؛ كَأَنـَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلاَمَ اللَهِ حَيْثُ يَقُولُ:

 تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي‌ الاْرْضِ وَلاَفَسَادًا وَالْعَـ'قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. [9]

 بَلَي‌ وَاللَهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعُوهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتْ الدُّنْيَا فِي‌ أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا. أَمَا وَالَّذِي‌ فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسْمَةَ لَوْلاَ حُضُورُ الحَاضِرِ، وَقِيَامُ الحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللَهُ علی‌ العُلَمَاءِ أَنْ لاَيُقَارُّوا علی‌ كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلاَسَغَبِ مَظْلُومٍ لاَلْقَيْتُ حَبْلَهَا علی‌ غَارِبِهَا، وَلَسَقَبْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَلاَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدُ عِنْدِي‌ مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ!

 (قَالُوا) وَقَامَ إلیهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلی‌ هَذَا المَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَابَاً فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ.

 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي‌َ اللَهُ عَنْهُمَا: يَا أَمِيَر المُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدْتَ خُطْبَتَكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ ! فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَا بْن‌ عَبَّاسٍ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ!

 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَ اللَهِ مَا أَسِفْتُ علی‌ كَلاَمٍ قَطُّ كَأَسَفِي‌ علی‌ هَذَا الكَلاَمِ أَنْ لاَ يَكُونَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ علیهِ السَّلاَمُ بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرَادَ. [10]

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ عمر حول‌ لزوم‌ الجمع‌ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد

 إنَّ من‌ الإشكالات‌ التي‌ أُثيرت‌ حول‌ خلافة‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ هو أنـّها مدعاة‌ لاجتماع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد. فلهذا لايتسنّي‌ ـبزعمهم‌ـ لرسول‌ الله‌ وأمير المؤمنين‌ علیهما الصلاة‌ والسلام‌ وهما من‌ بيت‌ واحد أن‌ يجمعا بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ . ولمّا كانت‌ نبوّة‌ النبي‌ّ ثابتة‌، فليس‌ لعلی‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌ أن‌ يتسلّم‌ مقإلید الخلافة‌.

 يقول‌ ابن‌ أبي‌ الحديد: « وتعلّلت‌ طائفة‌ أُخري‌ منهم‌ بكراهيّة‌ الجمع‌ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد يجفخون‌ علی‌ الناس‌ » .[11]

 ونحن‌ قمنا بالتنقيب‌ في‌ كتب‌ التأريخ‌ والحديث‌ فوجدنا أنَّ جذور هذا الرأي‌ نابتة‌ في‌ كلام‌ أبي‌ بكر وعمر . فهما أوّل‌ من‌ نطق‌ بهذه‌ الاُحدوثة‌. بينما هما أنفسهما احتجّا علی‌ الحباب‌ بن‌ المنذر في‌ السقيفة‌ بقربهما من‌ رسول‌الله‌ بعد أن‌ تكلّم‌ الحباب‌ في‌ فضل‌ الانصار وشرفهم‌ وأولويّتهم‌، ومع‌ ذلك‌ قالا: لا يعقل‌ أن‌ تكون‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيتين‌ ؛ فحيثما كانت‌ النبوّة‌، كانت‌ الخلافة‌ . وخطب‌ الحباب‌ بن‌ المنذر في‌ السقيفة‌ فتحدّث‌ عن‌ أولويّة‌ الانصار وأفضليّتهم‌ بحضور بعض‌ المهاجرين‌ وأبي‌ بكر، وأبي‌ عبيدة‌ الجرّاح‌، ومعاذ بن‌ جبل‌، وجميع‌ الانصار، ومنهم‌ سعدبن‌ عبادة‌ رئيس‌ الاوس‌، وبشير بن‌ سعد رئيس‌ الخزرج‌ . وقال‌ في‌ آخر كلامه‌: فَأَنْتُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ نَصِيبَاً فِي‌ هَذَا الاَمْرِ، وَإنْ أَبَي‌ القَوْمُ فَمِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْهُمْ أَمِيرٌ.

 فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: هَيْهَاتَ لاَ يَجْتَمِعُ سَيْفَانِ فِي‌ غِمْدٍ وَاحِدٍ، وَإنَّهُ وَاللَهِ لاَيَرْضَي‌ العَرَبُ أَنْ نُؤَمِّرَكُمُ وَنَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ ؛ وَلَكِنَّ العَرَبَ لاَيَنْبَغِي‌ أَنْ تُوَلِّي‌َ هَذَا الاَمْرَ إلاَّ مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ وَأُولُوا الاَمْرِ مِنْهُمْ.

 لَنَا بِذَلِكَ علی‌ مَنْ خَالَفَنَا مِنَ العَرَبِ الحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ وَالسُّلْطَانُ المُبِينُ. مَنْ يُنَازِعُنَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَمِيرَاثَهُ ـوَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُـ إلاَّ مُدْلٍ بِبَاطِلٍ، أَوْ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ، أَوْ مُتَوَرِّطٍ فِي‌ هَلَكَةٍ! [12]

 استدلّ عمر بهذا النحو علی‌ مرأي‌ ومسمع‌ من‌ أبي‌ بكر، وعلی‌ هذا النهج‌ لفت‌ نظر الانصار إلی‌ بيعة‌ قريش‌ التي‌ ينتسب‌ إلیها هو وأبو بكر معتبراً نفسه‌ ورفيقه‌ من‌ أقرباء النبي‌ّ وعشيرته‌ . بينما نجد أنَّ عمر وأبا بكر أنفسهما عندما يتواجهان‌ مع‌ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ ويقول‌ لهما: لقد خنتما، واستدللتما بالشجرة‌، وأضعتما الثمرة‌، ودعوتما الناس‌ إلی‌ البيعة‌ بالمكر والخديعة‌ محتجّين‌ بأنـّكما شجرة‌ رسول‌ الله‌، ونحن‌ ثمرة‌ هذه‌ الشجرة‌، ونحن‌ أهل‌ بيت‌ رسول‌ الله‌ الذين‌ أنزل‌ الله‌ فينا آية‌ التطهير، ونزل‌ علینا القرآن‌، يجيبان‌ قائلين‌: لا تجتمع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ مكان‌ واحد، والعرب‌ تكره‌ اجتماعهما في‌ بيت‌ واحد .

 ويضع‌ أبو بكر أيضاً حديثاً في‌ هذا المجال‌ ينسبه‌ إلی‌ النبي‌ّ، ويُشهد علیه‌ عمر وأعوانه‌: أبا عبيدة‌، وسالماً مولي‌ أبي‌ حذيفة‌، ومعاذاً. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَهِ، وَأُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَكْذِبُونَ علی‌ رَسُولِاللَهِ مُتَعَمِّدَاً؛ وَقَدْ قَالَ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَذَبَ علی‌َّ مُتَعَمِّدَاً فَلْيَتَبَوَّءْ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ. [13]

 ويذكر السيّد هاشم‌ البحراني‌ّ نقلاً عن‌ كتاب‌ « سليم‌ بن‌ قيس‌ الهلإلی‌ّ » الذي‌ يعتبر من‌ الكتب‌ المشهورة‌ والموثّقة‌، ومن‌ المصادر التأريخيّة‌ التي‌ ينقل‌ عنها الكبار والموثّقون‌ من‌ أصحاب‌ السير، يذكر في‌ حديث‌ كثير التفاصيل‌ قصّة‌ أخذ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ إلی‌ أبي‌ بكر في‌ المسجد لبيعته‌ ومحاججة‌ الإمام‌ ضدّه‌، ويقول‌: وكان‌ علی‌ّ علیه‌ السلام‌ مشغولاً في‌ الكلام‌ فقال‌: يا معاشر المسلمين‌ والمهاجرين‌ والانصار ! أنشدكم‌ الله‌: أسمعتم‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ يقول‌ يوم‌ غدير خمّ كذا وكذا ؟! وفي‌ غزوة‌ تبوك‌ كذا وكذا ؟!

 فلم‌ يدع‌ [علی‌ّ علیه‌ السلام‌ ] شيئاً قاله‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ علانية‌ للعامّة‌ إلاّ ذكّرهم‌ إيّاها . قالوا: اللهمّ نعم‌ . فلمّا أن‌ تخوّف‌ أبو بكر أن‌ تنصره‌ الناس‌ وأن‌ يمنعوه‌ منه‌، بادرهم‌ فقال‌ له‌:

 كلّما قلتَ حقّ قد سمعناه‌ بآذاننا وعرفناه‌ ووعته‌ قلوبنا؛ ولكن‌ سمعت‌ رسول‌الله‌ يقول‌ بعد هذا:

 إنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اصْطَفَانَا اللَهُ تَعَإلی‌ وَاخْتَارَ لَنَا الآخِرَةَ علی‌ الدُّنْيَا؛ فَإنَّ اللَهَ لَمْيَكُنْ لِيَجْمَعَ لَنَا أَهْلَ البَيْتِ النُّبُوَّةَ وَالخِلاَفَةَ.

 فقال‌ [أمير المؤمنين‌ ] علی‌ّ علیه‌ السلام‌ [لابي‌ بكر ]: هل‌ أحد من‌ أصحاب‌ رسول‌الله‌ شهد هذه‌ معك‌ ؟! فقال‌ عمر: صدق‌ خليفة‌ رسول‌الله‌؛ قد سمعته‌ منه‌ . وقال‌ أبو عبيدة‌، وسالم‌ مولي‌ أبي‌ حذيفة‌، ومعاذبن‌ جبل‌: قد سمعنا ذلك‌ من‌ رسول‌ الله‌، فقال‌: لهم‌ علی‌ّ: لقد وفيتم‌ بصحيفتكم‌ التي‌ تعاهدتم‌ علیها في‌ الكعبة‌: إن‌ مات‌ محمّد أو قتل‌ لتزوون‌ هذا الامر عنّا أهل‌ البيت‌. [14]

 ولا يمكن‌ أن‌ نجد راوياً لهذه‌ الاحاديث‌ الموضوعة‌ التي‌ يختلقونها ويرجعون‌ إلیها عندما يدانون‌ غير أبي‌ بكر الذي‌ غصب‌ فدكاً من‌ السيّدة‌ فاطمة‌ الزهراء سلام‌ الله‌ علیها واختلق‌ هذا الحديث‌ القائل‌: نَحْنُ مَعَاشِرَ الاَنْبِيَاءِ لاَنُوَرِّثُ دِرْهَمَاً وَلاَ دِيْنَارَاً ؛ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ.

 والحديث‌ المفتري‌: أَصْحَابِي‌ كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ، الذي‌ يكذّب‌ مضمونه‌ سَنَدَهُ ونسبته‌ إلی‌ رسول‌ الله‌.

 ومن‌ المصاديق‌ الواضحة‌ لذلك‌، هذا الحديث‌ الموضوع‌ القائل‌بعدم‌ اجتماع‌النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد، إذ اختلقوه‌ ونسبوه‌ إلی‌ رسول‌الله‌ علی‌ خلاف‌ كتاب‌ الله‌ والاحاديث‌ المتواترة‌ والإجماع‌ وحكم‌ العقل‌.

 الرجوع الي الفهرس

جواب‌ ابن‌ عبّاس‌ الصارم‌ لعمر حول‌ عدم‌ الجمع‌ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌

 يقول‌ الطبري‌ّ في‌ سيرة‌ عمر ضمن‌ نقل‌ وقائع‌ السنة‌ الثالثة‌ والعشرين‌ من‌ الهجرة‌: ( في‌ سفر عمر إلی‌ الشام‌، واصطحابه‌ كبار الصحابة‌ وبينهم‌ عبدالله‌بن‌ عبّاس‌ . علماً أنَّ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ استنكف‌ عن‌ الذهاب‌ معه‌ وردّ دعوته‌ ) عن‌ رجل‌ من‌ ولد طلحة‌: عن‌ ابن‌ عبّاس‌، قال‌: خرجت‌ مع‌ عمر في‌ بعض‌ أسفاره‌ ؛ فإنَّا لنسير ليلة‌، وقد دنوت‌ منه‌، إذ ضرب‌ مقدّم‌ رحله‌ بسوطه‌، وقال‌:

 كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللَهِ يُقْتَلُ أَحْمَدُ                    وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُوْنَهُ وَنُنَاضِلُ

 وَنُسْلِمُهُ حَتَّي‌ نُصَرَّعَ حَوْلَهُ                     وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالحَلاَئِلُ

 ( هذان‌ البيتان‌ لابي‌ طالب‌ علیه‌ السلام‌ الوالد الماجد للإمام‌ علی‌ّبن‌ أبي‌ طالب‌ علیه‌ السلام‌ خاطب‌ بهما كفّار قريش‌ الذين‌ كانوا ينوون‌ قتل‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ فأنشدهما لرسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ ) .

 ثمّ قال‌ أَسْتَغْفِرُ اللَهَ ؛ ثمّ سار فلم‌ يتكلّم‌ قليلاً، ثمّ قال‌:

 وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا              أَبَرَّ وَأَوْفَي‌ ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ

 وَأَكْسَي‌ لِبُرْدِ الخَالِ [15] قَبْلَ ابْتِذَالِهِ                       وَأَعْطَي‌ لِرَأْسِ السَّابِقِ المُتَجَرِّدِ

 ثمّ قال‌: أَسْتَغْفِرُ اللَهَ، يا بن‌ عبّاس‌ ! ما منع‌ علیاً من‌ الخروج‌ معنا ؟ قلت‌: لاأدري‌. قال‌: يا بن‌ عبّاس‌ ! أبوك‌ عمّ رسول‌ الله‌ صلّي‌الله‌ علیه‌ [وآله‌ ] وسلّم‌، وأنت‌ ابن‌ عمّه‌، فما منع‌ قومكم‌ منكم‌ ؟! قلتُ: لاأدري‌. قال‌: لكنّي‌ أدري‌ ؛ يكرهون‌ ولايتكم‌ لهم‌ . قلتُ: لِمَ، ونحن‌ لهم‌ كالخير ؟ قال‌: اللَهُمَّ غَفْرَاً، يُكْرَهُونَ أَنْ تَجْتَمِعَ فِيكُمُ النُّبُوَّةُ وَالخِلاَفَةُ فَيَكُونَ بَجَحَاً بَجَحَاً. [16]

 لعلّكم‌ تقولون‌: إنَّ أبا بكر فعل‌ ذلك‌، لا والله‌ ولكن‌ أبا بكر أتي‌ أحزم‌ ماحضره‌. ولو جعلها بكم‌ ما نفعكم‌ مع‌ قربكم‌، أنشدني‌ لشاعر الشعراء زهير قوله‌:

 إذَا ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بْنُ عَْيلاَنَ غَايَةً               مِنَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إلیهَا يُسَوَّدُ

 [يقول‌ ابن‌ عبّاس‌ ]: فأنشدته‌ [هذه‌ القصيدة‌ ]، وطلع‌ الفجر . فقال‌: اقرأ سورة‌ الواقعة‌؛ فقرأتها، ثمّ نزل‌ فصلّي‌، وقرأ بالواقعة‌. [17]

 وروي‌ الطبري‌ّ أيضاً عن‌ عكرمة‌، عن‌ ابن‌ عبّاس‌ قال‌: بينما عمربن‌ الخطّاب‌ وبعض‌ أصحابه‌ يتذاكرون‌ الشعر، قال‌ بعضهم‌: فلان‌ أشعر؛ وقال‌ بعضهم‌: بل‌ فلان‌ أشعر ؛ قال‌: فأقبلت‌ . فقال‌ عمر: قد جاءكم‌ أعلم‌ الناس‌ بها .

 فقال‌ عمر: مَن‌ شاعر الشعراء يا بن‌ عبّاس‌ ؟ قال‌: فقلتُ: زُهَيْرُبْنُ أَبِي‌ سُلْمَي‌ فقال‌ عمر: هلمّ من‌ شعره‌ ما نستدلّ به‌ علی‌ ما ذكرت‌ ! فقلتُ: امتدح‌ قوماً من‌ بني‌ عبد الله‌ بن‌ غطفان‌، فقال‌:

 لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ                     قَوْمٌ بِأَوَّلِهِمْ أَوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا

 قَوْمٌ أَبُوهُمْ سَنَانٌ حِينَ تَنْسُبُهُمْ              طَابُوا وَطَابَ مِنَ الاَوْلاَدِ مَا وَلَدُوا

 إنْسٌ إذَا أَمِنُوا جِنٌّ إذَا فَزَعُوا                   مُرَزَّؤونَ بَهَإلیلٌ إذَا حَشَدُوا

 مُحَسَّدُونَ علی‌ مَا كَانَ مِنْ نِعَمٍ              لاَ يَنْزِعُ اللَهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسِدُوا

 ولمّا سمع‌ عمر هذه‌ الابيات‌، قال‌: أحسن‌ ؛ وما أعلم‌ أحداً أولي‌ بهذا الشعر من‌ هذا الحي‌ّ من‌ بني‌ هاشم‌، لفضل‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ [وآله‌ ] وسلّم‌ وقرابتهم‌ منه‌.

 [يقول‌ ابن‌ عبّاس‌ ]: فقلتُ: وفِّقت‌ يا أمير المؤمنين‌، ولم‌تزل‌ موفّقاً ! فقال‌ [عمر ]: يا بن‌ عبّاس‌ ! أتدري‌ ما منع‌ قومكم‌ منهم‌ بعد محمّد ؟! فكرهت‌ أن‌ أُجيبه‌ ؛ فلهذا قلتُ: إن‌ لم‌ أكن‌ أدري‌، فأميرالمؤمنين‌ يدريني‌ !

 فَقَالَ عُمَرُ: كَرِهُوا أَنْ تَجْمَعُوا لَكُمُ النُّبُوَّةَ وَالخِلاَفَةَ فَتَبَجَّحُوا علی‌ قَوْمِكُمْ بَجَحَاً بَجَحَاً ؛ فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لاِنْفُسِهَا ؛ فَأَصَابَتْ وَوُفِّقَتْ.

 [قال‌ ابن‌ عبّاس‌ ]: فقلتُ: يا أمير المؤمنين‌ ! إن‌ تأذن‌ لي‌ في‌ الكلام‌، وتُمِط‌ عنّي‌ الغضب‌، تكلّمتُ . فقال‌ عمر: تكلّم‌ يا بن‌ عبّاس‌ ! فقلتُ: أمّا قولك‌ ياأميرالمؤمنين‌: اختارت‌ قريش‌ لانفسها فأصابت‌ ووفّقت‌: فلو أنَّ قريشاً اختارت‌ لانفسها حيث‌ اختار الله‌ عزّ وجلّ لها، لكان‌ الصواب‌ بيدها غيرمردود ولامحمود. وأمّا قولك‌: إنَّ قريشاً كرهت‌ أن‌ تكون‌ لنا النبوّة‌ والخلافة‌، فإنَّ الله‌ عزّ وجلّ وصف‌ قوماً بالكراهيّة‌، فقال‌: ذَ ' لِكَ بِأَنـَهُمْ كَرِهُوا مَآ أَنزَلَ اللَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـ'لَهُمْ. [18]

 فقال‌ عمر: هيهات‌ ! والله‌ يا بن‌ عبّاس‌ قد كانت‌ تبلغني‌ عنك‌ أشياء كنت‌ أكره‌ أن‌ أفرّك‌ [19] عنها، فتزيل‌ منزلتك‌ منّي‌ ! فقلتُ: وما هي‌ ياأمير المؤمنين‌ ؟! فإن‌ كانت‌ حقّاً، فما ينبغي‌ أن‌ تزيل‌ منزلتي‌ منك‌ ! وإن‌ كانت‌ باطلاً، فمثلي‌ أماط‌ الباطل‌ عن‌ نفسه‌ .

 فقال‌ عمر: بلغني‌ أنـّك‌ تقول‌: إنَّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً ! فقلتُ: أمّا قولك‌ يا أمير المؤمنين‌: ظلماً، فقد تبيّن‌ للجاهل‌ والحليم‌ ! وأمّا قولك‌: حسداً، فإنَّ إبليس‌ حسد آدم‌ ؛ فنحن‌ ولده‌ المحسودون‌ !

 فقال‌ عمر: هيهات‌، أبت‌ والله‌ قلوبكم‌ يا بني‌ هاشم‌ إلاّ حسداً ما يحول‌، وضغناً وغشّاً ما يزول‌ ! فقلتُ: مهلاً يا أمير المؤمنين‌ ! لاتصف‌ قلوب‌ قوم‌ أذهب‌ الله‌ عنهم‌ الرجس‌ وطهّرهم‌ تطهيراً بالحسد والغشّ ! فإنَّ قلب‌ رسول‌الله‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ [وآله‌ ] وسلّم‌ من‌ قلوب‌ بني‌ هاشم‌ !

 فقال‌ عمر: إلیك‌ عنّي‌ يا بن‌ عبّاس‌ ! فقلتُ: أفعل‌ . فلمّا ذهبت‌ لاقوم‌، استحيا منّي‌، فقال‌: يا بن‌ عبّاس‌، مكانك‌ ! فو الله‌ إنّي‌ لراعٍ لحقّك‌، محبّ لما سرّك‌ !

 فقلتُ: يا أمير المؤمنين‌ إنَّ لي‌ علیك‌ حقّاً وعلی‌ كلّ مسلم‌ ! فمن‌ حفظه‌ فحظّه‌ أصاب‌، ومن‌ أضاعه‌ فحظّه‌ أخطأ . ثمّ قام‌ عمر فمضي‌. [20]

 والشاهد الآخر علی‌ ما نقول‌ كلام‌ ابن‌ عبد ربّه‌ القرطبي‌ّ الاندلسي‌ّ المتوفّي‌ سنة‌ 328 ه، قال‌ فيه‌:

 وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَاشَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَوْمَاً فَقَالَ لِي‌: يَابْنَ عَبَّاسٍ! مَا يَمْنَعُ قَوْمَكُمْ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ أَهْلُ البَيْتِ خَاصَّةً ؟ قُلْتُ: لاَأَدْرِي‌! قَالَ: لَكِنَّنِي‌ أَدْرِي‌ ؛ إنَّكُمْ فَضَلْتُمُوهُمْ بِالنُّبُوَّةِ ؛ فَقَالُوا إنْ فَضَلُوا بِالخِلاَفَةِ مَعَ النُّبُوَّةِ لَمْيُبْقُوا لَنَا شَيْئَاً ؛ وَإنَّ أَفْضَلَ النَّصِيبَيْنِ بِأَيْدِيكُمْ، بَلْ مَا أَخَالُهَا إلاَّ مُجْتَمِعَةً لَكُمْ وَإنْ نَزَلَتْ علی‌ رَغْمِ أَنْفِ قُرَيْشٍ. [21]

 وقال‌ ابن‌ خلدون‌ عند بحثه‌ في‌ بداية‌ دولة‌ الشيعة‌: وفيما نقله‌ أهل‌ الآثار أنَّ عمر قال‌ يوماً لابن‌ عبّاس‌: إنَّ قومكم‌ ـيعني‌ قريشاًـ ما أرادوا أن‌ يجمعوا لكم‌ ـيعني‌ بني‌ هاشم‌ـ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ فتحموا علیهم‌ ! وأنَّ ابن‌عبّاس‌ نكر ذلك‌ وطلب‌ من‌ عمر إذنه‌ في‌ الكلام‌، فتكلّم‌ بما غضب‌ له‌. وظهر من‌ محاورتهما أنـّهم‌ كانوا يعلمون‌ أنَّ في‌ نفوس‌ أهل‌ البيت‌ شيئاً من‌ أمر الخلافة‌ والعدول‌ عنهم‌ بها. [22]

 وقال‌ جرجي‌ زيدان‌: والظاهر من‌ أقوال‌ عمر وغيره‌ في‌ مواقف‌ مختلفة‌ أنـّهم‌ رأوا بني‌ هاشم‌ قد اعتزّوا بالنبوّة‌ لانَّ النبي‌ّ منهم‌، فلم‌يستحسنوا أن‌ يضيفوا إلیها الخلافة‌. [23]

 فهذه‌ مستمسكات‌ حول‌ عدم‌ الجمع‌ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بني‌ هاشم‌ نقلناها عن‌ لسان‌ عمر وأبي‌ بكر . وممّا نقلناه‌ في‌ هذا الكتاب‌ حتّي‌ الآن‌ من‌ كلامهم‌ فإنَّ فساده‌ واضح‌ جدّاً، ونحن‌ في‌ غني‌ عن‌ ردّه‌ مستقلاّ، بيد أنـّا نتمسّك‌ بالادلّة‌ الاربعة‌: الكتاب‌، والسنّة‌، والعقل‌، والإجماع‌، من‌ وحي‌ أن‌ يكون‌ جوابه‌ واضحاً بعينه‌ .

 أَمَّا الكَتَابُ: فقد رأينا أخيراً أنَّ بريدة‌ الاسلمي‌ّ كان‌ في‌ الشام‌ عندما غصب‌ أبو بكر الخلافة‌ . ولمّا رجع‌ إلی‌ المدينة‌، ورأي‌ أبا بكر علی‌ رأس‌ الاُمور، اعترض‌ وقال‌ له‌: ألم‌ تكن‌ قد سلّمت‌ علی‌ علی‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌ بوصفه‌ أميرالمؤمنين‌ بأمر النبي‌ّ ؟ ... ولمّا قيل‌ له‌: لا تجتمع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد، قرأ هذه‌ الآية‌ في‌ المسجد:

 أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس‌ علی‌' مَآ ءَاتَـ'هُمُ اللَهُ مِن‌ فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَ ' هِيمَ الْكِتَـ'بَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـ'هُم‌ مُّلْكًا عَظِيمًا. [24]

 يلاحظ‌ في‌ هذه‌ الآية‌ بوضوح‌ أنَّ الله‌ أتي‌ إبراهيم‌ الكتاب‌ والحكمة‌، وهما يمثّلان‌ النبوّة‌، وكذلك‌ آتاهم‌ الملك‌ العظيم‌ الذي‌ يمثّل‌ الخلافة‌ والحكومة‌.

 وَأَمَّا السُّنَّةُ: فقد روي‌ أبو نعيم‌ الإصفهاني‌ّ بسنده‌ عن‌ حذيفة‌ إلیماني‌ّ أنـّه‌ قال‌: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَهِ أَلاَ تَسْتَخْلِفُ علیاً ؟ قَالَ: إنْ تُوَلُّوا علیاً تَجِدُوهُ هَادِيَاً مَهْدِيَّاً يَسْلُكُ بِكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ. [25]

 وكذلك‌ روي‌ أبو نعيم‌ بسند آخر عن‌ حذيفة‌ أنـّه‌ قال‌: قَالَ رَسُولُاللَهِ صَلَّي‌اللَهُ علیهِ [وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ: إنْ تَسْتَخْلِفُوا علیاً ـوَمَا أَرَاكُمْ فَاعلینَـ تَجِدُوهُ هَادِيَاً مَهْدِيَّاً يَحْمِلُكُمْ علی‌ المَحَجَّةِ البَيَضَاءِ. [26]

 وجاء في‌ الصحيحين‌ (« صحيح‌ البخاري‌ّ » و « صحيح‌ مسلم‌ ») عن‌ ابن‌عبّاس‌، قال‌: لَمَّا احْتَضَرَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَفِي‌ البَيْتِ رِجَالٌ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ؛ قَالَ النَّبِي‌ُّ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ: هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً لاَ تَضِلُّونَ بَعْدَهُ . فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللَهِ صَلَّي‌اللَهُ علیهِ قَدْ غَلَبَ علیهِ الوَجَعُ ؛ وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَهِ!

 فَاخْتَلَفَ القَوْمُ وَاخْتَصَمُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا إلیهِ يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: القَوْلُ مَا قَالَهُ عُمَرُ.

 فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ والاخْتِلاَفَ عِنْدَهُ علیهِ السَّلاَمُ قَالَ لَهُمْ: قُومُوا، فَقَامُوا. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِاللَهِ صَلَّي‌اللَهُ علیهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَكُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ. [27]

 وجاء في‌ بعض‌ الروايات‌ أنَّ عمر قال‌: لاَ تَأْتُوهُ بِشَي‌ءٍ أو إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ! [28]

 وفي‌ رواية‌ عن‌ ابن‌ عبّاس‌ جاء فيها: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِي‌َّ اللَهِ لَيَهْجُرُ. [29]

 ونحن‌ نريد أن‌ نثبت‌ هنا أنَّ طلب‌ الرسول‌ الاعظم‌ صلّي‌الله‌ علیه‌ وآله‌ الكتف‌ والدواة‌ في‌ ساعة‌ الاحتضار هو من‌ أجل‌ أن‌ يكتب‌ ويختم‌ للمسلمين‌ عهداً بخلافة‌ أمير المؤمنين‌ علی‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌ علیه‌ السلام‌ لاغير، لانـّه‌ مضافاً إلی‌ النصوص‌ الثابتة‌، مثل‌: آية‌ الولاية‌، وحديث‌ الغدير، وحديث‌ الثقلين‌، وحديث‌ الحقّ، وحديث‌ المنزلة‌، وحديث‌ السفينة‌، وحديث‌ دعوة‌ العشيرة‌ الاقربين‌، وكثير من‌ الاحاديث‌ الاُخري‌ التي‌ بيّنت‌ إمامة‌ الإمام‌ وخلافته‌ علی‌ نحو إلیقين‌، فإنَّ تلوّث‌ الجوّ في‌ المدينة‌ نتيجة‌ لوجود معارضي‌ الولاية‌ فيها كعمر، وأبي‌ بكر، وأبي‌ عبيدة‌ الجرّاح‌، والمغيرة‌بن‌ شعبة‌ وأمثالهم‌، ممّا دعا إلی‌ الترغيب‌ في‌ تجهيز جيش‌ أُسامة‌، وجعل‌ هؤلاء المذكورين‌ في‌ الجيش‌ ليخلو الجوّ في‌ المدينة‌ منهم‌ لاميرالمؤمنين‌ عند موت‌ النبي‌ّ، وبسبب‌ ما كان‌ يستشرفه‌ نور النبوّة‌ وعلمها بالاضغان‌ والاحقاد التي‌ كانت‌ تعتمل‌ في‌ صدور البعض‌، وأرهقت‌ أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ وأضنته‌ ؛ وكذلك‌ بسبب‌ الاخبار التي‌ كانت‌ تتسرّب‌ من‌ بيت‌ النبي‌ّ إلی‌ الخارج‌ بواسطة‌ حفصة‌ وعائشة‌ وحزبهما، ممّا أدّي‌ إلی‌ إباحة‌ أسرار البيت‌ النبوي‌ّ، وكانت‌ قضيّة‌ الولاية‌ من‌ أهمّ تلك‌ الاسرار، إذ كان‌ النبي‌ّ يعلم‌ بعزم‌ المعارضين‌ علی‌ المواجهة‌ بكلّ قواهم‌، وكان‌ النبي‌ّ يريد أن‌ يضبط‌ الاُمور ويركّز الموضوع‌ أكثر ويرفع‌ الحواجز والعقبات‌، ولكن‌ وبسبب‌ إفشاء هذه‌ الاسرار، حالوا دون‌ تحرّك‌ جيش‌ أُسامة‌، وكانوا يؤجّلون‌ كلّ يوم‌ بمعاذير واهية‌، وتخلّف‌ عمر وأبو بكر عن‌ الجيش‌. ولمّا آخذهما النبي‌ّ علی‌ ذلك‌، جاءا بأعذار تافهة‌.

 فمن‌ وحي‌ هذه‌ الاعراض‌ كلّها، طلب‌ النبي‌ّ الاكرم‌ في‌ اللحظات‌ الاخيرة‌ من‌ حياته‌ الشريفة‌ دواة‌ وورقة‌ بحضور جمع‌ من‌ الصحابة‌ ليكتب‌ لهم‌ شيئاً إذا رعوه‌ حقّ رعايته‌، فلن‌ يضلّوا بعده‌ أبداً . فقال‌ عمر: غلبه‌ الوجع‌، وإنَّه‌ ليهجر، وحسبنا كتاب‌ الله‌ . ولمّا علا الضجيج‌ واللغط‌، وارتفعت‌ الاصوات‌ في‌ ذلك‌ المجلس‌، قال‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌: قوموا، لاينبغي‌ عند نبي‌ّ نزاع‌. [30]

 وبالنظر إلی‌ الموضوعات‌ المتقدّمة‌، والالتفات‌ إلی‌ أنَّ الذين‌ حالوا بين‌ الرسول‌ الاعظم‌ وبين‌ طلبه‌ المتمثّل‌ بعزمه‌ علی‌ كتابة‌ شي‌ء يشهده‌ الجميع‌ ولن‌يضلّوا بعده‌، هم‌ الذين‌ أصابوا حظّاً من‌ الحكومة‌ في‌ غد ذلك‌ إلیوم‌، بخاصّة‌ وأنـّهم‌ اختاروا خليفتهم‌ من‌ غير أن‌ يُطلِعوا أميرالمؤمنين‌ وأصحابه‌ وخاصّته‌ وأقاربه‌ من‌ بني‌ هاشم‌ علی‌ ذلك‌، فهل‌ يرتاب‌ أحد في‌ أنَّ قصد النبي‌ّ الاكرم‌ من‌ الكتابة‌ كان‌ شيئاً آخر غير خلافة‌ أميرالمؤمنين‌ ؟

 الرجوع الي الفهرس

قصد عمر من‌ نسبة‌ الهجر إلی‌ رسول‌ الله‌ إثارة‌ اللغط‌ والضجيج‌

 وما هو القصد من‌ قولهم‌: الرجل‌ يهجر، وقولهم‌: غلبه‌ الوجع‌ ؟ إلیس‌ قصدهم‌ من‌ ذلك‌ إثارة‌ الجلبة‌ والضجيج‌، وصرف‌ النبي‌ّ عن‌ عزمه‌ ؟ وهل‌ يتصوّر أحد أنـّهم‌ أرادوا المعني‌ الحقيقي‌ّ للهجر الناتج‌ عن‌ غلبة‌ الوجع‌ ؟

 ذلك‌ أنـّه‌ أوّلاً: مضافاً إلی‌ أنَّ التأريخ‌ لم‌ ينقل‌ أنَّ أحداً سمع‌ من‌ النبي‌ّ الاكرم‌ كلاماً اعتباطيّاً عابثاً طيلة‌ فترة‌ النبوّة‌ وقبلها، فإنَّ أي‌ّ مسلم‌ لايستطيع‌ ـفي‌ ضوء الموازين‌ الدينيّة‌ـ أن‌ ينسب‌ إلی‌ النبي‌ّ الاعظم‌ الذي‌ ضمن‌ الله‌ تعإلی‌ في‌ القرآن‌ الكريم‌ عصمته‌ وحفظه‌، هجراً وعبثاً.

 وثانياً: لو كان‌ القصد من‌ هذا الكلام‌ معناه‌ الحقيقي‌ّ والجادّ، فلامعني‌ لقول‌ عمر: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَهِ ؛ عِنْدَنَا كِتَابُ اللَهِ . وينبغي‌ الاستدلال‌ علی‌ هجر النبي‌ّ بسبب‌ الوجع‌، لا أنَّ وجود القرآن‌ الكريم‌ يغني‌ عن‌ كلام‌ النبي‌ّ.

 وثالثاً: أنَّ كتاب‌ الله‌ هو الذي‌ فرض‌ طاعة‌ النبي‌ّ الاكرم‌ صلّي‌الله‌ علیه‌ وآله‌ علی‌ المسلمين‌، واعتبر كلامه‌ كلام‌ الله‌، وصرّح‌ بعد خِيَرَة‌ الناس‌ حيال‌ حكم‌ الله‌ ورسوله‌ . فحجّيّة‌ كتاب‌ الله‌ نفسها هي‌ حجّيّة‌ كلام‌ رسول‌ الله‌ . ولا مجال‌ لاحتمال‌ الهجر فيه‌، وأنَّ نسبة‌ الهجر إلی‌ رسول‌الله‌ لاتستهدف‌ شيئاً في‌ قاموس‌ ذلك‌ الصحابي‌ّ غير إثارة‌ الضجيج‌ والضوضاء.

 ورابعاً: لقد حدث‌ مثل‌ هذا الامر في‌ المرض‌ الذي‌ مات‌ فيه‌ الخليفة‌ الاوّل‌ أبو بكر، وأوصي‌ بخلافة‌ عمر . وكان‌ عثمان‌ حاضراً عند أبي‌ بكر، وكلّف‌ من‌ قبلة‌ بكتابة‌ الوصيّة‌ . وكان‌ قد أُغمي‌ علی‌ أبي‌ بكر أثناء الكتابة‌، ثمّ استفاق‌؛ ومع‌ ذلك‌ فلم‌ ينسب‌ الخليفة‌ الثاني‌ إلیه‌ الهجر الذي‌ نسبه‌ إلی‌ رسول‌الله‌، بل‌ اعتبر وصيّته‌ نافذة‌، إذ جلس‌ علی‌ كرسي‌ الخلافة‌ بعد موت‌ أبي‌بكر، وتسلّم‌ زمام‌ الاُمور . فيستبين‌ ـإذَن‌ـ أنَّ ذلك‌ الهجر المزعوم‌ لم‌يكن‌ هجراً جدّيّاً يحول‌ دون‌ الإقرار والاعتراف‌ والوصيّة‌، بل‌ هو الهجر الذي‌ تقوّله‌ أصحابه‌ لإثارة‌ التشويش‌ والاضطراب‌ في‌ مجلس‌ الرسول‌ الاعظم‌، وبالتإلی‌ عزوف‌ الرسول‌ القائد صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ عن‌ الكتاب‌.

 ونقرأ في‌ حديث‌ ابن‌ عبّاس‌ مع‌ عمر الذي‌ يدور حول‌ الخلافة‌ أنَّ عمر قال‌ بصراحة‌: إنَّ قومكم‌ ( قريشاً ) كرهوا أن‌ تكون‌ لكم‌ الخلافة‌، فأقصوا علیاً عنها.

 ونقل‌ ابن‌ أبي‌ الحديد وقائع‌ هذا الحوار، وذكر أنَّ عمر قال‌ لابن‌ عبّاس‌: يَا بْنَ عَبَّاسٍ ! إنَّ أَوَّلَ مَنْ رَيَّثَكُمْ عَنْ هَذَا الاَمْرِ أَبُو بَكْرٍ ! إنَّ قَوْمَكُمْ كَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَكُمُ الخِلاَفَةَ وَالنُّبُوَّةَ. [31]

 الرجوع الي الفهرس

اعتراف‌ عمر بأحقّيّة‌ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ للخلافة‌

 وروي‌ ابن‌ أبي‌ الحديد أيضاً بسنده‌ عن‌ الإمام‌ الباقر علیه‌ السلام‌ أنـّه‌ قال‌: مَرَّ عُمَرُ بِعلی‌ٍّ وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَسَلَّمَ، فَسَأَلاَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بِيَنْبُعٍ، [32] قَالَ علی‌ٌّ: أَفَلاَ نَصِلُ جَنَاحَكَ وَنَقُومُ مَعَكَ؟! فَقَالَ: بَلَي‌! فَقَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: قُمْ مَعَهُ . قَالَ: فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي‌ أَصَابِعِي‌ وَمَضَي‌، حَتَّي‌ إذَا خَلَّفْنَا البَقِيعَ، قَالَ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، أَمَا وَاللَهِ أَنْ كَانَ صَاحِبُكَ هَذَا أَوْلَي‌ النَّاسِ بِالاَمْرِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَهِ، إلاَّ أَنـَّا خِفْنَاهُ علی‌ اثْنَتَيْنِ.

 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ بِمَنْطِقٍ لَمْ أَجِدْ بُدَّاً مَعَهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَاأَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! مَا هُمَا ؟! قَالَ: خَشِينَاهُ علی‌ حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَحُبِّهِ بَنِي‌ عَبْدِالمُطَّلِبِ. [33]

 وبعد أن‌ استبان‌ أنَّ عمر وأعوانه‌ كانوا يقرّون‌ بأنَّ علی‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌ كان‌ أولي‌ وأحقّ بالخلافة‌ ؛ ففي‌ ضوء الموازين‌ الدينيّة‌، ينبغي‌ الوقوف‌ بوجه‌ المتخلّف‌ وإبعاده‌ عن‌ الساحة‌ . وينبغي‌ إرغامه‌ علی‌ الحقّ، لا أن‌ يُترَك‌ الحقّ تطييباً لخاطره‌ . ولو لم‌ يكن‌ أُولئك‌ المنتخبون‌ للخلافة‌ هم‌ أنفسهم‌ من‌ أقطاب‌ المعارضة‌ ضدّ علی‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌، لكان‌ واجبهم‌ الشرعي‌ّ والعقلي‌ّ بعد وفاة‌ الرسول‌ الاعظم‌ التشمير عن‌ ساعد الجدّ والتأهّب‌ عن‌ الحقّ وإرجاعه‌ إلی‌ أهله‌، والانضواء تحت‌ راية‌ علی‌ّ علیه‌ السلام‌ طوعاً . فهذا هو الصراط‌ السوي‌ . لا أنـّهم‌، مضافاً إلی‌ عدم‌ إرجاعهم‌ الحقّ إلی‌ أهله‌، يتواطؤون‌ مع‌ قريش‌، ويتكتّلون‌ ضدّ الإمام‌، ويشغلون‌ منصبه‌ عنوة‌، ويقسرونه‌ علی‌ بيعة‌ رجل‌ لم‌ يؤمنوا بكفإته‌ وكانت‌ بيعته‌ فلتة‌ [34]، ويكسرون‌ ضلع‌ الزهراء إمضاءً لقريش‌ وجذباً لقلوبهم‌، ويضرب‌ قنفذ غلام‌ أبي‌ بكر عضدها بأمر عمر ضرباً ترك‌ أثره‌ كالدمّل‌ حتّي‌ وفاتها !

 وأشخص‌ أبو بكر عمر وخالد بن‌ الوليد إلی‌ دار الإمام‌ لجلبه‌، وأمرهما أن‌ لو تعلّقت‌ فاطمة‌ بعلی‌ّ وحالت‌ دون‌ مجيئه‌، فافصلوها عنه‌؛ فلهذا فصلوا فاطمة‌ بهذا الاُسلوب‌، وأخذ عمر سيف‌ علی‌ّ ورماه‌، وأوكل‌ أمره‌ إلی‌ خالد بن‌ الوليد ليقتاده‌ إلی‌ المسجد بمؤازرة‌ أعوانه‌. وامتنع‌ أميرالمؤمنين‌ من‌ الذهاب‌ إلی‌ المسجد ؛ فدفعوه‌ بقبضاتهم‌ حتَّي‌ أوصلوه‌. [35]

 الرجوع الي الفهرس

الخلفاء المنتخبون‌ بعد رسول‌ الله‌ مدانون‌ في‌ محكمة‌ التأريخ‌

 فهذه‌ أحداث‌ نقلتها لنا كتب‌ التأريخ‌، ويا ليتها كانت‌ مثبّتة‌ في‌ تأريخ‌ الشيعة‌ وحدها حتّي‌ يتسنّي‌ إزالة‌ وصمة‌ العار من‌ جبين‌ جناتها إلی‌ حدّ ما، فتواريخ‌ العامّة‌ مشحونة‌ بها، وكلّ من‌ نظر في‌ « تاريخ‌ الطبري‌ّ » وابن‌ الاثير، و « الإمامة‌ والسياسة‌ » لابن‌ قتيبة‌، و « شرح‌ النهج‌ » لابن‌ أبي‌ الحديد، وغيرها، يجدها حافلة‌ بهذه‌ المصائب‌ التي‌ حلّت‌ بالإسلام ‌.

 ولمّا كان‌ واضحاً كالشمس‌ في‌ كبد النهار أنَّ العامّة‌ أ لّفوا كلّ هذه‌ الكتب‌ وتمسّكوا بالآراء الفاسدة‌ والاهواء الكاسدة‌ في‌ الاُصول‌ والفروع‌، حفظاً للحكومات‌ الاستبداديّة‌ التي‌ انتهت‌ بالحكومة‌ الامويّة‌ والعبّاسيّة‌، واستعبدت‌ الناس‌ وأخضعتهم‌ لقبضتها الحديديّة‌، وبسطت‌ نفوذها الفرعوني‌ّ بأعنف‌ الاسإلیب‌ السلطويّة‌ طيلة‌ ستّة‌ قرون‌ باسم‌ الإسلام والقرآن‌ وتحت‌ غطاء الخلافة‌ الإسلام يّة‌ . وإلیوم‌ حيث‌ أُطيح‌ بالحكومات‌ الاستبداديّة‌ القائمة‌ علی‌ مثل‌ تلك‌ الدعامة‌ الفرعونيّة‌ التي‌ أرساها الاوّلون‌، فمن‌ المناسب‌ أن‌ يغيّروا خطّهم‌ بالرجوع‌ إلی‌ التأريخ‌ الصحيح‌، ولايغالطوا أكثر من‌ ذلك‌، ويتركوا التعسّف‌ في‌ تبرير وتأويل‌ الاحاديث‌ الصحيحة‌ التي‌ زخرت‌ بها كتبهم‌ كحديث‌ الثقلين‌، والغدير، والعشيرة‌، والولاية‌، والمنزلة‌، وكثير من‌ الاحاديث‌ الاُخري‌، ويرفعوا الستار عن‌ الحقائق‌، ويجمعوا علی‌ عدم‌ فصل‌ سبيل‌ الشريعة‌ عن‌ سبيل‌ الولاية‌ في‌ ضوء القرآن‌ الكريم‌ والسنّة‌ النبويّة‌، ويختاروا المذهب‌ الجعفري‌ّ المقدّس‌.

 وإنّي‌ أُشهد الله‌ أنَّ نصيحتي‌ هذه‌ هي‌ نصيحة‌ الشفيق‌ المخلص‌ الذي‌ سبر غور الكتب‌ سنيناً من‌ عمره‌، وبحث‌ ونقّب‌ وحقّق‌ ودقّق‌ حتّي‌ ظفر باللباب‌، وها هو يسعي‌ بإخلاص‌ لتقديم‌ ما ظفر به‌ إلی‌ الإخوة‌ الاعزّاء من‌ شباب‌ العامّة‌ الذين‌ ليس‌ لهم‌ علم‌ بهذه‌ الاُمور، حتّي‌ يتأ لّق‌ نور الحقيقة‌ في‌ قلوبهم‌ بحول‌ الله‌ وقوّته‌، وأن‌ يتّبعوا مذهب‌ أهل‌ البيت‌، ذلك‌ المذهب‌ الحنيف‌ الحقّ والسبيل‌ القويم‌ للولاية‌ العلويّة‌ بمجرّد قراءة‌ هذه‌ السطور. وَفَّقَهُمُ اللَهُ جَمِيعَاً وَهَدَاهُمْ إلی صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ وَمَنْهَجِهِ القَوِيمِ، آمِينَ يارَبَّ العَالَمِينَ.

 قال‌ سيّدنا أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ في‌ الخطبة‌ الثانية‌ من‌ خطب‌ « نهج‌ البلاغة‌ »: زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وَحَصَدُوا الثُّبُورَ. لاَيُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الاُمَّةِ أَحَدٌ، ولاَيُسَوَّي‌ بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نَعْمَتُهمْ علیهِ أَبَدَاً . هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ إلیقِينِ؛ إلیهِمْ يَفِي‌ءُ الغإلی‌، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّإلی‌، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الوِلاَيَةِ، وَفِيهِمُ الوَصِيَّةُ وَالوِرَاثَةُ. الآنَ إذْ رَجَعَ الحَقُّ إلی‌ أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إلی‌ مُنْتَقَلِهِ. [36]

 نري‌ في‌ هذه‌ الخطبة‌ التي‌ خطبها أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ في‌ أوّل‌ خلافته‌، أنـّه‌ يؤكّد علی‌ أنَّ أي‌ّ فرد من‌ أفراد الاُمّة‌ المسلمة‌ لايمكن‌ أن‌ يوازَن‌ بأهل‌ البيت‌ النبوي‌ّ الكريم‌ . وبعد أن‌ يسرد صفاتهم‌ وآثارهم‌، يركّز علی‌ أنَّ الحقّ قد آبَ إلی‌ أهله‌، وعاد إلی‌ نصابه‌.

 ألم‌ تصرّح‌ هذه‌ الفقرات‌ بلزوم‌ اجتماع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ بني‌ هاشم‌ ؟ ثمَّ ألم‌ تنصّ علی‌ فساد الاوضاع‌ في‌ عصر من‌ سبقه‌ من‌ الحكّام‌، وقد تحسّنت‌ في‌ عهده‌ ووقرت‌ علی‌ أساس‌ صحيح‌ ؟

 أوَ لم‌ يكن‌ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ جامعاً لبيت‌ النبوّة‌ والخلافة‌ ؟

 وقال‌ علیه‌ السلام‌ في‌ الخطبة‌ السادسة‌ من‌ خطب‌ « نهج‌ البلاغة‌ »: وَاللَهِ لاَأَكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ علی‌ طُولِ اللَّدْمِ، حَتَّي‌ يَصِلَ إلیهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلُهَا رَاصِدُهَا، وَلَكِنِّي‌ أَضْرِبُ بِالمُقْبِلِ إلی‌ الحَقِّ المُدْبَرِ عَنْهُ، وَبِالسَّامِعِ المُطِيعِ العَاصِي‌َ المُرِيبَ أَبَدَاً حَتَّي‌ يَأْتِي‌َ علی‌َّ يَوْمِي‌ . فَوَاللَهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعَاً عَنْ حَقِّي‌ مُسْتَأْثَرَاً علی‌َّ مُنْذُ قَبَضَ اللَهُ نَبِيَّهُ صَلَّي‌ اللَهُ علیهِ [وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ حَتَّي‌ يَؤُمَّ النَّاسَ هَذَا. [37]

 ينصّ الإمام‌ صلوات‌ الله‌ علیه‌ في‌ هذه‌ الخطبة‌ علی‌ أنَّ الخلافة‌ كانت‌ حقّه‌ منذ وفاة‌ الرسول‌ الاعظم‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ .

 وقال‌ رونالدسن‌ في‌ كتاب‌ له‌ نُقل‌ إلی‌ العربيّة‌: وَيَرْوِي‌ أَحْمَدُبْنُ حَنْبَلٍ أَنـَّهُ بَعْدَ مَقْتَلِ علی‌ٍّ، خَطَبَ الحَسَنُ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: لَقَدْ قُبِضَ فِي‌ هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الاَوَّلُونَ بِعَمَلٍ، وَلاَ يُدْرِكُهُ الآخِرُونَ بِعَمَلٍ، وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُاللَهِ. [38]

 ثمّ قال‌: وَقَدْ نَاقَشْنَا صِحَّةَ هَذِهِ القَضِيَّةِ آنِفَاً . بَيْدَ أنَّ هذه‌ المناقشة‌ لاتضرّ بقصدنا المتمثّل‌ بنقل‌ رواية‌ أحمد بن‌ حنبل‌ وكلام‌ الإمام‌ الحسن‌ المجتبي‌ علیه‌ السلام‌، لانـّها تعكس‌ رأيه‌ الخاصّ ولا تمتّ بصلة‌ إلی‌ الرواية‌.

 فهذا عدد من‌ الاحاديث‌ التي‌ تدلّ علی‌ اجتماع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ بني‌ هاشم‌ . وكلّ من‌ نظر في‌ كتب‌ التأريخ‌ والحديث‌ الموثوقة‌، فسيجدها زاخرة‌ بمسائل‌ تعضد هذا الموضوع‌.

 الرجوع الي الفهرس

بطلان‌ لزوم‌ عدم‌ الجمع‌ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد عقلاً

 وأمَّا العقل‌: أي‌ حكم‌ العقل‌ ببطلان‌ لزوم‌ عدم‌ الجمع‌ بين‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد . فنقول‌: يحكم‌ العقل‌ بأنَّ كلّ من‌ يستطيع‌ أن‌ يدير شؤون‌ الاُمّة‌ أفضل‌ من‌ غيره‌، وكان‌ أخلص‌ وأشجع‌ وأكثر تحمّساً وإيثاراً، وأعلم‌، وأعرف‌ بمبادي‌ الاحكام‌ والشرائع‌ والسنن‌ والآداب‌، وتوحيد ذات‌ الحقّ المتعال‌، وكان‌ متحرّراً من‌ هوي‌ النفس‌، وملتحقاً بكلّيّة‌ مقام‌ الإطلاق‌ والتجرّد، وكان‌ أعرف‌ من‌ غيره‌ بعالم‌ الانوار، هذا من‌ جهة‌، ومن‌ جهة‌ أُخري‌، كان‌ أكثر بصيرة‌ وخبرة‌ بالمصالح‌ الاجتماعيّة‌ من‌ غيره‌، فهذا الشخص‌ ينبغي‌ أن‌ يكون‌ الامير المطاع‌ ورئيس‌ الاُمّة‌ وقائدها بلاترديد، وتجري‌ شؤون‌ الاُمّة‌ بمشورة‌ الكبار، وأهل‌ الحلّ والعقد، ويُستهدَي‌ عند اتّخاذ القرار برأيه‌ الحصيف‌، وذهنه‌ الرائق‌، وروحه‌ النقيّة‌، وعلمه‌ العظيم‌، ويُؤْثَر رأيه‌ علی‌ آراء الآخرين‌، ويُجْعَل‌ مصدراً للامر والنهي‌، والسلم‌ والحرب‌، والسكون‌ والحركة‌، وغير هذه‌ الاشياء . ولا فرق‌ في‌ هذا الحكم‌ العقلي‌ّ أن‌ يكون‌ ذلك‌ الشخص‌ من‌ بيت‌ شعّ فيه‌ نور النبوّة‌، أم‌ من‌ غيره‌، فالميزان‌ هو الاعلم‌، والاكثر معرفة‌، والاشجع‌ الاورع‌، والافقه‌، والاكثر بصيرة‌ بالاُمور، والاحرص‌ علی‌ شؤون‌ الاُمّة‌ والمحافظة‌ علیها من‌ صروف‌ الدهر، واقتيادها نحو الكمال‌ المعنوي‌ّ والروحي‌ّ، وطي‌ّ المعارج‌ والمراقي‌ الإنسانيّة‌، ورعاية‌ الشؤون‌ الاجتماعيّة‌، وجعل‌ الناس‌ يتمتّعون‌ بالنعم‌ الإلهيّة‌ الموهوبة‌ . وفي‌ هذه‌ الحالة‌ لو توفّرت‌ هذه‌ كلّها في‌ شخص‌ عاش‌ في‌ بيت‌ أشرق‌ فيه‌ نور النبوّة‌، كأمير المؤمنين‌ علیه‌ أفضل‌ صلوات‌ المصلّين‌ فإنَّ العقل‌ يقضي‌ بلزوم‌ إمارته‌ وحكومته‌ وخلافته‌ ؛ أمّا إذا لم‌تتوفّر في‌ شخص‌ عاش‌ في‌ بيت‌ النبوّة‌ كابن‌ نوح‌ نبي‌ّ الله‌ علی‌ نبيّنا وآله‌ وعلیه‌ صلوات‌ الله‌ فالعقل‌ لا يقضي‌ باتّباع‌ من‌ حاز تلك‌ الشروط‌ والكمالات‌.

 وعندما نري‌ أنَّ علی‌ّ بن‌ أبي‌ طالب‌ يُقصي‌ من‌ القيادة‌ بسبب‌ المناقب‌ والفضائل‌ التي‌ كانت‌ عنده‌، لا المثالب‌ والمساوي‌ التي‌ يتنزّه‌ عنها، ويقول‌ أقطاب‌ المعارضة‌ أيضاً إنَّه‌ أحقّ من‌ غيره‌ بالخلافة‌ بعد رسول‌ الله‌، إلاّ أنّ قريشاً كرهت‌ اجتماع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد، وإنَّ علیاً كان‌ معروفاً بحبّه‌ بني‌ عبد المطّلب‌، أو إنَّه‌ كان‌ حَدَثَاً، فإنَّ أُولئك‌ المتقوّلين‌ قد تصرّفوا خلاف‌ حكم‌ العقل‌ ومصالح‌ الاُمّة‌ . ومع‌ وجود الاعلم‌ والاورع‌ والاتقي‌ والاشجع‌ والاعرف‌ بكتاب‌ الله‌ وسنّة‌ نبيّه‌، لكنّهم‌ سلّموا زمام‌ الاُمور إلی‌ من‌ هو دون‌ علی‌ّ باعتراف‌ الصديق‌ والعدوّ، وبمراجعة‌ التأريخ‌ الصحيح‌.

 ومن‌ الواضح‌ في‌ هذه‌ الحالة‌ أنَّ الاُمّة‌ الإسلام يّة‌ لم‌تواصل‌ تصعيد مستواها، بل‌ انحدرت‌ وهوت‌ لانـّه‌ « ما ولّت‌ أُمّة‌ أمرها رجلاً وفيهم‌ من‌ هو أعلم‌ منه‌ إلاّ لم‌ يزل‌ أمرهم‌ يذهب‌ سَفالاً حتّي‌ يرجعوا إلی‌ ما تركوا » . [39] ونحن‌ نلاحظ‌ أنَّ تقدّم‌ الإسلام بعد النبي‌ّ لم‌ يلمس‌ إلاّ في‌ أُمور ظاهريّة‌ كفتح‌ البلدان‌؛ بينما لو فُوّضت‌ شؤون‌ الاُمّة‌ إلی‌ أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ لسارت‌ الفتوحات‌ بنحو أفضل‌، وكانت‌ قرينة‌ بالمعنويّات‌ والدعوة‌ إلی‌ الله‌، مستضيئة‌ بسيرة‌ النبي‌ّ الاكرم‌، ولو تحقّق‌ ذلك‌ لما استبدلت‌ السلطة‌ بالخلافة‌، ولاستمتع‌ الناس‌ بالإسلام الحقيقي‌ّ حتّي‌ يوم‌ القيامة‌ . بَيْدَ أنـّه‌ لمّا تغيّر مجري‌ الدعوة‌، وانحرف‌ مسير التبليغ‌، ولم‌ يذق‌ الناس‌ طعم‌ الإسلام الحقيقي‌ّ ومعنويّته‌ ومساواته‌ ومواساته‌ وإيثاره‌ وعدم‌ تفريقه‌ بين‌ الاجناس‌ والقبائل‌، لذلك‌ ظلّ الناس‌ علی‌ سيرتهم‌ الاُولي‌ من‌ البهيميّة‌ والشرك‌، وتأخّر موكب‌ الإسلام عن‌ التطوّر والتوحيد والعدل‌، وأُجّل‌ ذلك‌ إلی‌ عصر الإمام‌ المهدي‌ّ قائم‌ آل‌ محمّد الحجّة‌ بن‌ الحسن‌ العسكري‌ّ أرواحنا له‌ الفداء وعجّل‌ الله‌ تعإلی‌ فرجه‌ الشريف‌ .

 وما هم‌ إلاّ أتباع‌ أهل‌ البيت‌ الشيعة‌ الذين‌ يتواجدون‌ هذا إلیوم‌ في‌ أنحاء العالم‌، وعددهم‌ ملحوظ‌ بين‌ المسلمين‌، استطاعوا أن‌ يقيموا حكومة‌ مستقلّة‌ ببركة‌ دماء سيّد الشهداء علیه‌ السلام‌ وجهود صادق‌ آل‌ محمّد علیه‌ السلام‌، وسائر الائمّة‌ الطاهرين‌ سلام‌ الله‌ علیهم‌ أجمعين‌، إذ إنَّ كلّ إمام‌ ـبدوره‌ـ يبذل‌ قصاري‌ جهوده‌ في‌ سبيل‌ إيصال‌ حقيقة‌ الولاية‌، وذلك‌ بغية‌ إحياء الارواح‌ وإبقاء مدرسة‌ التشيّع‌ منفتحة‌ نابضة‌ بالحياة‌، فلهذا نلحظ‌ منذ ذلك‌ الزمان‌ حتّي‌ يومنا هذا أنَّ عدد أتباع‌ أهل‌ البيت‌ الشيعة‌ في‌ تصاعد وتزايد، وعدد غيرهم‌ من‌ أتباع‌ المذاهب‌ الاُخري‌ في‌ تنازل‌ وتناقص‌، وما هذا إلاّ بسبب‌ سريان‌ الولاية‌ في‌ قلوب‌ الناس‌، وإدراك‌ معناها الحقيقي‌ّ علی‌ حسب‌ الظروف‌، وبالتناسب‌ مع‌ استعدادات‌ الناس‌ في‌ كلّ زمان‌.

 وكلاّ، فإنَّ نتيجة‌ هذا البحث‌ العقلي‌ّ هي‌ أنَّ كلام‌ عمر الذي‌ جاء في‌ مواطن‌ مختلفة‌، واعترف‌ هو بنفسه‌ بصراحة‌ إذ قال‌ بأنَّ سبب‌ إقصاء أميرالمؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ عن‌ الخلافة‌ هو كراهة‌ اجتماع‌ النبوّة‌ والخلافة‌ في‌ بيت‌ واحد هو كلام‌ مبتذل‌ ولا يرتكز علی‌ حجّة‌ شرعيّة‌، ولايقوم‌ علی‌ حكم‌ عقلي‌ّ، وإنَّما هو كلام‌ موض