|
|
|
إلید الاجنبيّة في تغيير التأريخ الإسلاميّوقد تنبّه أعداء الإسلام في القرون الاخيرة جيّداً إلی أنّ السبيل الوحيد للسيطرة علی المسلمين، والقضاء علی كيانهم العقيديّ والثقافيّ هو إيجاد التفرقة بينهم في الآداب والتقإلید وتقسيم أقطارهم، وتدمير الاركان التي تقوم عليها وحدتهم، وذلك تحقيقاً لمصالحهم المادّيّة، وإمعاناً في استغلالهم. لذلك استخدموا كلّ قواهم من أجل تقويض كيان المسلمين، وعملوا كلّ ما في وسعهم لتمزيق أوصالهم علی امتداد السنين الخإلیة. وأفلحوا في ذلك من خلال خطط مزوّرة فجعلوهم طرائق قدداً، وزعزعوا دعائم حضارتهم وآدابهم وأخلاقهم وعلومهم واحدة تلو الاُخري. وكان المرحوم والدي آية الله السيّد محمّد صادق الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه يقول: عندما سيطر الإسكندر علی الشرق وفتح الاقطار كلّها، وسار حتّي الهند، كتب إلی أُستاذه أرسطو يخبره أنـّه استولي علی أقطار الشرق جميعها. وطلب منه أن يرشده ماذا يفعل لكي تبقي تلك الاقطار تحت سيطرته. فأجابه أرسطو أن يقسّم تلك الاقطار المفتوحة إلی أقطار صغيرة، ويجعل علی كلّ قطر حاكماً، ويعلن نفسه حاكماً علی الجميع! وحينئذٍ تنقاد الشعوب كلّها إلی طاعته والعمل بأوامره، ولايتمرّد حاكم منهم ولايرفع لواء المعارضة خوفاً علی عرشه. وعندئذٍ تعمر تلك الاقطار ويجدّ حكّامها لحفظ مصالحه. ولو قدّر لاحد أن يقوم ضدّه، فإنّه يبادر إلی قمعه وإخماد نار فتنته بما أُوتي من قدرة كبيرة! بَيدَ أنـّه إذا حكم تلك الاقطار وحده، أو فوّض أُمورها إلی شخص واحد غيره. فإنّه يُخشي من أن يستفحل أمرها شيئاً فشيئاً وتتوحدّ فيما بينها وتتمرّد ضدّه. وذلك الشخص حتّي لو كان من أخصّ الخواصّ، فإنّه يتمرّد ويطغي أيضاً، ويطالب بالحكومة والسلطنة، وحينَئذٍ يندحر ويأفل نجمه، وتفلت تلك الاقطار كلّها من قبضته! وقد انتهج الإنجليز نفس الخطّة في تعاملهم مع المسلمين. وساروا عليها بعد اندحار الإمبراطوريّة العثمانيّة المترامية الاطراف التي حكمت قسماً عظيماً من آسيا، وأُوروبا، وإفريقيا تحت عنوان الخلافة الإسلاميّة أكثر من ستّة قرون ( من سنة 1299 إلی سنة 1923م ). تعاقب علی حكومتها ثمانية وثلاثون سلطاناً علی التوإلی أوّلهم السلطان عثمان خان الغازي الذي تسلّم زمام الاُمور سنة699ه وآخرهم السلطان عبدالعزيز الثاني الذي حكم حتّي سنة 1342ه وقد قسّم الإنجليز الدولة العثمانيّة عدّة أقسام، جعلوا علی كلّ قسم عميلاً من عملائهم. فالقسم الاُوروبي الشامل لاقطار شبه جزيرة البلقان و هنغاريا وقسم من رومانيا الذي يضمّ بوخارست، قسّموه إلی دول: يوغسلافيا ( صربيا )، و ألبانيا، و إلیونان، و بلغاريا، وقسم من تركيا الاُوروبيّة، و هنغاريا ( المجر )، و رومانيا الشاملة ل بوخارست. والقسم الآسيويّ قسّموه إلی تركيا، و سورية، و لبنان و الاردن و فلسطين، و الحجاز، و عدن، و إلیمن، و العراق، و الكويت. والقسم الإفريقيّ قسّموه إلی مصر، و طرابلس التي تمثّل القطر ال ليبيّ، وكما يلاحظ، فإنّهم جزّءوا الدولة العثمانيّة إلی تسعة عشر جزءاً. لقد بذل الكفّار قصاري جهودهم بعد تقسيم هذه الاقطار وقبله أيضاً من أجل القضاء علی وحدة المسلمين الذين يحملون القرآن المجيد رمزاً لها، وذلك بعد تغلغلهم في الاقطار الإسلاميّة الاُخري قدراً ما وسيطرتهم عليها تحقيقاً لاهدافهم المشؤومة. وعملوا كلّ ما في وسعهم لزرع الافكار القوميّة وتعاهدها بالرعاية، وجعل كلّ شعب متمسّكاً بقوميّته وآدابه وتقإلیده، ومحبّاً لوطنه الذي يمثّل الحدود المعيّنة التي وضعوها في اجتماعاتهم. وشغلوا الناس بالصحف، والإذاعات، والسينمات، وهيمنوا علی معارفهم وثقافتهم بواسطة المدارس والجامعات، وتأسيس الجامعات المستقلّة بذريعة الحفاظ علی قوميّتهم وآدابهم التي لا تمثّل إلاّ ألفاظاً جوفاء، وهراء لا طائل تحته. وليس فيها إلاّ الفخر بالعظام البإلیة النخرة لاسلافهم، والتهافت علی مقدار من الكؤوس والكيزان المحطّمة بوصفها آثاراً قوميّة، وجمعها في متاحف فخمة. فحرّضوا الفرس علی التمسّك بالآداب والتقإلید الزرادشتيّة وإحياء الزَّند ] كتاب زرادشت [ والاوِسْتا ] كتابه المقدّس أيضاً [ والمدح المفرط بملحمة الشاهنامة التي نظهما الفردوسيّ، وعرض الاساطير الخاصّة بكورش، وداريوش، وسيروس، ورستم، وزال ] والد رستم [. وقد رأينا بأعيننا كيف كانوا يقفزون من فوق النار في آخر أربعاء من السنة الشمسيّة، وكيف يحترمون النوروز والمهرجان ] وهو عيد قديم للفرس، يعتبر أكبر عيد بعد عيد النوروز [ ويخرجون من البيوت في إلیوم الثالث عشر من فروردين ] يصادف الثاني من نيسان [، وآلاف الحكايات والاساطير المخدّرة التي كانت تمثّل التعإلیم السياسيّة للطبقة الحاكمة المتسلّطة علی رقاب الناس وينبغي أن تطبّق في هذا البلد مع ما تتطلبّه من تكإلیف باهظة. واعتبروا لغة القرآن لغة أجنبيّة، وهي اللغة الاُولي لكلّ مسلم ولميعد لتدريسها في المدارس قيمة تذكر، إذ امتهنوها امتهاناً حتّي كادت أن تعدم. وكانوا يستبدلون المفردات العربيّة العذبة بالمفردات الاجنبيّة والغربيّة التي يأخذونها من كتاب «أوِسْتا» متذرّعين بذرائع واهيّة، وأنشأوا مجمعاً لغويّاً لوزارة التربيّة والتعليم لايشمّ منه إلاّ توجّه محموم يقضي بمحو الإسلام، والاهتمام بالتغريب. وقد طبّق المستعمرون أعداء الإسلام هذا المنهج في البلدان الإسلاميّة الاُخري من خلال الاهتمام بالجذور التأريخيّة لكلّ بلد قبل الإسلام. ففي إيران ركّزوا علی النعرة الفارسيّة، وفي الاقطار العربيّة علی نعرة العروبة، وفي تركيا علی النعرة التركيّة، وفي شبه القارّة الهنديّة، علی النعرة الهندوسيّة، وهكذا في بقيّة الاقطار حتّي لو كانت صغيرة، كما في الإمارات الواقعة علی سواحل الخليج الفارسيّ نحو قَطَر، و القطيف، و أبو ظبي، وغيرها، إذ منحوا تلك الاقطار استقلالاً ظاهريّاً، وضربوا علی وتر النعرة القوميّة. فهذه الاقطار التي قسّموها ومنحوها الاستقلال، لمتستقلّ بحقيقة الاستقلال، بل ظلّت تعيش في بقعتها الهزيلة شبه ميّتة، تحت وصاية المستعمرين وانتدابهم. ومن أهمّ الاشياء التي أفلحوا في طمس معالمها هو التأريخ الإسلاميّ القمريّ الذي أبطلوا مفعوله في كافّة الاقطار الإسلاميّة إلاّ في المملكة العربيّة السعوديّة كما يبدو. ونسخوا ذلك التأريخ، واستبدلوا التأريخ الشمسيّ به، وذلك بحجّة أنـّه نداء للاتّحاد العالميّ، وضرورة للارتباط بتأريخ الاقطار الصناعيّة والتجاريّة، وأنـّه لابدّ منه في العلاقات السياسيّة علی الصعيد العالميّ. وأصبح التأريخ القمريّ الإسلاميّ منسوخاً بالتأريخ الشمسيّ متّخذين ميلاد السيّد المسيح بداية له. فأضحي التأريخ الميلاديّ هو التأريخ الرسميّ للبلدان الإسلاميّة، وبذلك لا يعرف الناس شيئاً عن الهجرة النبويّة، ولا عن محرّم وصفر. وجعلوا بداية السنة في العراق وبين النهرين: كانون الثاني والشهور شهوراً روميّة، وهكذا بدأوا بالتقويم وفقاً للشهور الميلاديّة التي تبدأ بكانون الثاني، ويقع الشتاء في الشهر الاوّل والثاني منها. وهذه الشهور هي: كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان أيار، حزيران، تمّوز، آب، أيلول، تشرين الاوّل، تشرين الثاني كانون الاوّل، [1] وهو الشهر الاوّل في الشتاء، وجعلوا ميلاد السيّد المسيح بداية للتقويم، وأطلقوا علی السنين: اسم السنين المسيحيّة أو الميلاديّة. وفعلوا مثل ذلك في أقطار بلاد الشام ( سوريا ـ لبنان ـ فلسطين ) ومصر وغيرها مستعملين تأريخ الإفرنج نفسه وبأسماء إفرنجيّة أجنبيّة مثل: نوفمبر، وديسمير وأمثالهما. وجعلوا تقويمهم ميلاديّاً أيضاً. وهكذا فعلوا في شبه القارّة الهنديّة ( الهند، والباكستان ). وقد وجدوا أنّ من غير الصالح أن يجعلوا التأريخ ميلاديّاً في إيران دفعة واحدة لانّ شعبها يتشرّف بتشيّعة واتّباعه العلماء الابرار ولعدم استسلامه وخضوعه لحكّام الجور، علی عكس الشعوب الاُخري التي تعتنق المذهب السنّيّ فإنّها تنظر إلی الحكّام علی أنـّهم أولو الامر وأنّ طاعتهم واجبة مهما كانوا. فإذا حكموا بتبنّي التأريخ الميلاديّ، فالجميع سامعون طائعون. وكان استبدال التأريخ الميلاديّ الشمسيّ بالهجريّ القمريّ عسيراً جدّاً، بل ممتنعاً، وذلك بسبب وجود العلماء المتنفّذين في هذا البلد الشيعيّ. لذلك نري أنّ المستعمرين قاموا بتحقيق أهدافهم في هذا المجال مرحليّاً، لكي يعتاد الناس علی المراحل السابقة ويألفوها شيئاً فشيئاً، حتّي لايجدوا مانعاً من تنفيذ المراحل اللاحقة. استبدال السنين الشمسيّة بالقمريّة في الدورة الثانية لمجلس النوّابفطبّقوا مرحلة واحدة من تلك المراحل قبل ثمانين سنة، وذلك في الدورة الثانية لمجلس النوّاب، وهذه المرحلة هي استبدال الشهور الشمسيّة بالشهور القمريّة، وفي الدوائر الحكوميّة فقط دون حدوث تغيير في رأس السنين الشمسيّة، أو في أسماء الشهور الشمسيّة، فرأس السنين هو هجرة النبيّ الاعظم صلّي الله عليه وآله وسلّم من مكّة إلی المدينة المنّورة. [2]وأسماء الشهور هي الاسماء العربيّة المتداولة، وفقاً لحركة الشمس في البروج الاثني عشر، أي: من أوّل الربيع بالترتيب، وهذه البروج هي: الحَمَل، والثَـوْر، والجَـوْزاء، والسَّـرَطان، والاسـد، والسُّنْبُلَة، والميزان، والعَقْرَب، والقَوْس، والجَدْي، والدَّلْو، والحوت. وقد طرحوا المسوّغ لهذا التغيير فيالمجلس، وهو تنظيم الشؤون المإلیة، وذكروا أنّ السنة الشمسيّة من مصلحة الحكومة، ذلك لانّ السنة الشمسيّة تزيد علی السنة القمريّة أحد عشر يوماً وحينئذٍ تصبّ ميزانيّة الحكومة ودفع رواتب الموضّفين وفقاً لهذه الشهور في مصلحة الحكومة ونفعها. وعلی سبيل المثال، لو كانت نفقات الحكومة حسب السنين الشمسيّة أربعة وعشرين مليوناً سنويّاً، فإذا أرادت أن تنفق ذلك المبلغ حسب الشهور القمريّة فإنّ عليها أن تزيد النفقات مليونين في كلّ ثلاث سنوات، وذلك لزيادة شهر في كلّ ثلاث سنوات، فتتضرّر الحكومة مليونين. [3] وكذلك عندما بدأت دائرة الجمارك أعمالها في إيران، تصوّروا أنّ التأريخ الشمسيّ ضروريّ في الشؤون الحكوميّة. فسألوا الناس: أيّ سنة شمسيّة هذه؟ فلم يحصلوا علی شيء. قالوا: ثمّة حَمَل وثور في سنين المنجّمين، وهم يعلمون ذلك، وهو ما أخذه البلجيك وطبّقوه. وكلّما فكّرتُ في هذه الادلّة لاعرف كيف تكون كافية لاستبدال الشهور والسنين القمريّة الإسلاميّة بالشهور والسنين الشمسيّة، فلم أهتدِ إلی شيء. وهل يكون الدليل علی هذه الدرجة من الضعف، إذ يغيّرون السنة المتداولة في بلد ما إلی سنة شمسيّة بسبب حاجة التعرفة الجمركيّة إلی ذلك، ويبدّلون جميع الآداب والتقإلید والعطل والإجراءات الإداريّة والمراسيم في كافّة الداوئر كدائرة العدل، والتربية والتعليم وغيرهما، وحتّي وزارة المإلیة ويتلاعبون بشؤون البلد كلّها من خلال هذه الممارسات؟ فأيّ حساب هذا؟! وأيّ كتاب هو؟! وأمّا الميزانيّة ونفقات الحكومة التي تتضرّر حسب الشهور القمريّة، فإنّ دليلها باهت واهٍ إلی درجة أنّ الإنسان يندهش من عقول الذين اقترحوا تغيير التأريخ ودرايتهم. فمن قال بأنَّ تجعل الحكومة ميزانيّتها من الضرائب التي تجمعها من الشعب حسب الشهر والسنة القمريّة، ثمّ تصرفها حسب الشهر والسنة الشمسيّة، وتدفعها لموظّفيها؟ فلو جمعتها الحكومة حسب التأريخ الشمسيّ، فإنّها تدفعها وفقاً لذلك التأريخ. ولو جمعتها حسب التأريخ القمريّ، فإنّها تدفعها وفقاً له أيضاً. وهكذا تبقي النسبة متعادلة ومحفوظة في كلا الحإلین، ولا يمكن أن يُتَصَوَّر ربح وخسارة أبداً. فلو كانت ميزانيّة البلاد أربعة وعشرين مليوناً في السنة الشمسيّة، وأراد ذوو الامر صرفها حسب السنة القمريّة، فلن تبقي علی المبلغ نفسه، بل تقلّ طبعاً، وما يضرّ دفع المقدار الاقلّ حسب شهور وسنين أقصر؟ إنّ تعيين الميزانيّة وعائدات الحكومة ومصاريفها، وكذلك إنفاقها وجمعها، كلّ ذلك سواء كان حسب السنين الشمسيّة أو القمريّة، فإنّه يعود إلی الحكومة، وهي صاحبة التصرّف، والتناسب محفوظ علی أيّ حال، لاينقص أو يزيد ريالاً واحداً. لو دعوتم عشرة ضيوف إلی بيتكم مثلاً، فإنّكم تضعون أمام كلّ واحد إناءً أو صحناً لطعامه! ولو دعوتم عشرين ضيفاً! فعليكم أن تهيّئوا عشرين إناءً! والضيوف في كلا الحإلین يأكلون من أوانيهم المعدّة لهم ويشبعون! بَيدَ أنـّكم لو دعوتم عشرين ضيفاً، ووضعتم أمامهم طعاماً يكفي لعشرة ضيوف فقط! فإنّ الجميع يبقون جياعاً! ولاضرورة تلزمكم أن تدعوا عشرين ضيفاً، وتقدّموا لهم طعاماً يكفي لعشرة! فإمّا أن تدعوا عشرين، تقدّموا لهم طعاماً لعشرين، أو تدعوا عشرة، وتقدّموا طعاماً لعشرة. وفي كلتا الحالتين يشبع ضيوفكم جميعهم، ولا تخجلون بسبب قلّة الطعام، وتؤدّون ما عليكم! إنّ كلّ ما أتي به أُولئك الاشخاص تبريرات وذرائع واهية. فهم يريدون إلغاء محرّم، وصفر، ورمضان، وذي الحجّة وطمس معالمها. ليخطوا خطوتهم الاُولي، ويطووا مرحلة من المراحل ليمهّدوا الطريق لخطوات قادمة ومراحل لم تطو بعد. قام المجلس الثاني بإلغاء السنين والشهور القمريّة من التقويم الرسميّ. واستبدل الحَمَل والثَوْر والجوزاء بمحرّم وصفر. وعندما اعترضت عليهم الفئة المؤمنة الواعية الملتزمة بأنّ هذه الخطوة تعني إلغاء الشعائر الإسلاميّة! وتغيير محرّم وصفر! أجابوا: لا دخل لنا بمحرّمكم وصفركم! أقيموا مجالس العزاء في هذين الشهرين! وصوموا في شهر رمضان! وأدّوا مناسك الحجّ في ذي الحجّة! لايعنينا أبداً ممارسة أعمالكم العباديّة في أوقاتها المقرّرة في الشرع! إنّه شيء يخصّكم! فنحن نجعل التأريخ الشمسيّ تأريخاً رسميّاً للبلاد بسبب الاعمال الحكوميّة، والعلاقات الدبلوماسيّة وتنظيم شؤون الحكومة وتنسيقها، والانظمة الإداريّة والوزارات! وليس في هذا ضرر لايّ شخص أو لايّ مرفق حيويّ! ومتي طلبنا منكم أن تصوموا في الحَمَل! أو تحجّوا في السرطان! فالحقّ ـ حينئذٍ ـ معكم! ولكم أن تعترضوا علينا! ولم يقل أحد لهؤلاء: إنّ الإسلام لا يفرّق بين الشؤون العباديّة والسياسيّة، وإنّ الانظمة الإداريّة لا تنفصل عن الصلاة والصوم، وإنّ عمل الوزارات يصبّ في خدمة الثقافة الإسلاميّة الاصيلة، والحجّ والزيارة، وصوم شهر رمضان، وإقامة العزاء علی سيّد الشهداء عليه السلام. وليسعندنا: نحن وأنتم! فالحكومة الإسلاميّة واحدة، والاُمّة الإسلاميّة واحدة! إنّ استبدال التأريخ القمريّ بالتأريخ الشمسيّ يؤدّي إلی فصل الشعب المسلم عن الحكومة، ويستلزم عزل الإسلام عن الحقل الاجتماعيّ والرسميّ. ويؤول ـفي الحقيقةـ إلی نسْخِ الإسلام وإقرار النظام الغربيّ والتغريب. فهذه هي المرحلة الاُولي من التغيير التي كانت جارية وسارية المفعول في البلاد علی امتداد عشرين سنة، إلی أن حان الوقت لتنفيذ المرحلة الثانية لهذه الخطّة، وكانت الارضيّة ممهّدة من كلّ الجهات، وأعداء الإسلام يتربّصون وينتهزون الفرصة لتنفيذ تلك المرحلة. استبدال السنين الفارسيّة القديمة بالشمسيّة في الدورة الخامسةفكانت الدورة الخامسة لمجلس النوّاب التي عقدت جلستها الثالثة والاربعين بعد المائة يوم الثلاثاء 27 حوت 1303 شمسيّ المصادف 21 شعبان 1342 قمريّ، فنسخت التأريخ الشمسيّ الذي كان وفقاً للشهور العربيّة وبأسماء عربيّة، وأبدلته بالتأريخ الهجريّ الشمسيّ القديم. وكلّ ما طرح في المجلس من كلمات وخطب للحؤول دون تحقيق هذا الامر لم يؤت أُكُله. ولا سيّما كلمة السيّد شريعتمدار الدامغانيّ الذي تحدّث بنحو استدلالیّ، فقال: إنّ الشهور الشمسيّة المعيّنة وفقاً لحركة الشمس في البروج أفضل من الشهور التأريخيّة القديمة المزيّفة المختلفة التي لا تنسجم مع المبادي العلميّة من قريب أو بعيد. علماً أنّ أصل الاقتراح الذي طرح في المجلس جاء من قبل الاقطاعيّ كيخسرو شاهرخ [4] المجوسيّ المعادي للاءسلام وأحد أعضاء المحفل الماسونيّ الإيرانيّ، وبتشجيع من قبل السيّد حسن تقي زاده [5] العميل الخاصّ للاجانب في إيران ومن رؤساء المحفل الماسونيّ والمتمرّسين ذوي الخبرة الممتدّة ستّين سنة فيه. وكان لل سيّد محمّد تديّن [6] دور ملحوظ في هذا الموضوع كما يظهر من كلامه في ذلك المجلس. وهذا الاقتراح يقضي بإجراء تغييرين في التأريخ الشمسيّ الرسميّ للبلاد: الاوّل: استبدال الشهور العربيّة كالحمل والثور والجوزاء بالشهور. الشهور الفارسيّة القديمة وهي: فروردين أُرديبهشت، خُرداد، تِير، أُمرداد، شهريور، مهر، آبان، آذر، دي، بهمن، إسفند. [7] الثاني: يكون عدد أيّام الشهور الستّة الاُولي: 31 يوماً والشهور الخمسة التي تليها: 30 يوماً، والشهر الاخير: 29 يوماً فيصبح المجموع: 365 يوماً. ويحسب الشهر الاخير ( إسفند ): 30 يوماً في كلّ أربع سنوات، وذلك للكسر الموجود فتحسب تلك السنة: 366 يوماً. وكانوا يقولون: إنّ هذا التقويم مأخوذ من تقويم السلطان ملك شاه السلجوقيّ. حيث إنّ هذا الملك لمّا رأي أنّ السنين الشمسيّة تسير إلی الوراء بسبب عدممحاسبة التعديلات، وعدم محاسبة السنين الكبيسة بدقّة، لذلك جعل السنين الشمسيّة بهذا الشكل مستهدياً بتنظيم وتنسيق الحكيم عمر الخيّام وبعض المنجّمين الآخرين؛ إذ تكون الشهور جميعها ثلاثين يوماً في كلّ شهر، ويصبح المجموع ثلاثمائة وستّين يوماً، وعندها كانوا يضيفون خمسة أيّام لآخر شهر آبان أو إسفند، لكي لا يحصل نقص في السنين، ويسمّون تلك الايّام الخمسة: الخَمْسَة المُسْتَرَقَّةَ. ويعود السبب في ذلك إلی أنّ المجوس قبل الإسلام كانوا لا يحسبون خمسة أيّام من السنة ضمن السنة، وكانوا يتطوّعون للقيام بالاعمال الخيريّة خلال تلك الايّام. وكانت السنة تتألّف من ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً بالايّام الخمسة المضافة إلیها. وكانوا يكبسون سنة في كلّ أربع سنوات، فيحسبونها ثلاثمائة وستّة وستّين يوماً. وللحصول علی حساب أدق، كانوا يحسبون كبيسة ثانية، ويجعلون السنة الكبيسة سنة خامسة مرّة واحدة في كلّ ثلاث وثلاثين سنة، أي: كان المفروض أن يحسبوا سنة 32 كبيسة بعد سنين 29، 30، 31. إلاّ أنـّهم أخّروها سنة وكبسوا سنة 33. [8] وفي ضوء هذا الحساب، تتأخّر السنون الشمسيّة يوماً واحداً فحسب إلی ستّة آلاف سنة. وهكذا نظّم السلطان ملك شاه السلجوقيّ هذا التقويم، وجعل يوم جلوسه علی العرش بداية للسنة معرضاً عن التأريخ الهجريّ ومهملاً إيّاه. وأراد أن يشيع هذا التقويم. إلاّ أنّ الناس رفضوا ذلك بسبب تغيير بداية التأريخ من الهجرة إلی الجلوس علی العرش، فلميلق تقويمه ترحيباً من الناس، غير أنـّه دقيق من حيث المحاسبة. فإذا جعلنا أيّام الشهور الستّة الاُولي من السنة: 31 يوماً، وأيّام الشهور الستّة الاُخري: 30 يوماً، وأيّام إسفند: 29 يوماً، ونكبس كلّ أربع سنين مرّة واحدة، وكلّ ثلاث وثلاثين سنة نكبس كبيسة ثانية، فلايظهر أيّ تغيير في عدد أيّام السنة، ولا تتأخّر السنة أيضاً أي: أنّ هذا الحساب ينسجم مع تقويم ملك شاه من حيث المحتوي ويغايره من حيث عدد أيّام كلّ شهر خاصّة. وهذا الامر ليس ذا بال. وخلاصة القول إنّ هذا الحساب ضروريّ في السنين الشمسيّة بمقدار أوّل السنة وآخرها، ولكن ليس هناك من فرق فيما إذا كانت أيّام الشهر الشمسيّ ثلاثون أو واحد وثلاثون، أو قلّ عن ذلك أو زاد، فالاصل في الحساب هو مجموع أيّام السنة. نحن نجعل اسم فروردين للشهر الاوّل من الربيع، طابق شهر الحَمَل أو لم يطابق. هذا من حيث عدد أيّام الشهور، وأمّا من حيث تغيير الاسماء فقد قالوا: لا يهمّنا، لانّ التغيير هو تغيير الالفاظ، ولا يضرّ أحداً. إذ إنّه رفع للالفاظ العربيّة واستعاضة الالفاظ التراثيّة القديمة بها، وفي ذلك إحياء للسنن القوميّة. وكلّ شعب ينبغي أن يحترم طقوسه وشعائره. ويزيدون علی ذلك أنـّهم يزعمون بأنّ الإسلام دعاهم إلی إحياء السنن القوميّة. ولمّا قيل لهم: إنّكم تقصدون رفع محرّم وصفر وطمس معالمهما! قالوا: لا، لا نقصد ذلك! فالاُمور الشرعيّة لها حرمتها وإنّما نريد رفع الالفاظ العربيّة ووضع ألفاظنا العريقة الجميلة العذبة موضعها! ولا ينبغي لنا أن نكون أشدّ تحمّساً علی العروبة من العرب أنفسهم. فما يستعمل بين النهرين ( العراق ) وغيره هذا إلیوم هو: تشرين، وكانون، وشباط، ولانعرف دولة من الدول العربيّة قد استعملت الحَمَل، والجوزاء، والسنبلة. وهنا قال المرحوم المجاهد والعالم العظيم السيّد حسن المُدَرِّس: إنّ الاقطار الإسلاميّة كلّها تستعمل مُحَرَّم، وصَفَر. فقالوا: لا يعنينا محرّم، وصفر، فهما ممّا يعني الشعوب ويخصّها، إذ تقوم بشؤونها الشرعيّة حسب تلك الشهور، وإنّما يرجع كلامنا إلی التقويم الحكوميّ الرسميّ، لا الشؤون الشرعيّة للناس. وها نحن نريد أن نغيّر أسماء الشهور في هذا التقويم الرسميّ الشمسيّ نفسه الذي لا زلنا نعهده إلی إلیوم. هو أمر لا ضرر فيه، ولا علاقة له بمحرّم وصفر، إذ لهما حرمتهما. وما نريده هو استبدال الحَمَل والجوزاء بأُرديبهشت وفروردين وليس هذا إلاّ إحياءً لتقإلیدنا العريقة وتراثنا القديم. فقال أحد النوّاب المعارضين: إذا أردتم تغيير الالفاظ فغيّروها إلی الالفاظ التي اخترعها أحد المنجّمين المعاصرين لهذه الشهور، وهي تناسبها أكثر من غيرها. وهذا المنجّم هو السيّد جلال الدين الطهرانيّ، فقد وضع تقويماً، وجعل شهور السنة الشمسيّة كالآتي: چَمَنْ آرا، گُل آور، جان پرور، گرما خيز، آتش بيز، جهان بخش، دِژَم خوي، باران ريز، أندوهگين، سرماده، برفآور، مشگين فام. [9] فهذه الاسماء أجمل، وتناسب الشهور من حيث المعني أكثر من الاسماء التي أعدّها الإقطاعيّ كيخسرو من الكتب القديمة. فچمن آرا أكثر مناسبة من فروردين الذي ترجم إلی « هم مانندي روانان » ويعني: مساواة الارواح. ] چمن آرا في اللغة العربيّة يعني: مُزيّن المرج [. وگل آور أفضل من أُرديبهشت الذي ترجم إلی « النظم التامّ وقدسيّة الافضل ». والخلاصة فقد أصرّوا علی أنّ فروردين وأُرديبهشت وغيرهما أفضل، وذلك إحياءً للاعراف القديمة. وحتّي أنـّهم قالوا بأنّ مُرداد ينبغي أن يكون: أمرداد، وذلك لمجيئة بالهمزة المفتوحة في اللغة القديمة. [10] وكم دعا النوّاب المعارضون إلی: التأمّل في هذه الاُمور، وإلی اهتمام المجلس بأعمال أهمّ منها، ومناقشة الموادّ المهمّة التي تستلزم الاهتمام، وعدم تضييع الوقت في تغيير الاسماء، إلاّ أنّ دعوتهم لم تلق أُذناً صاغية، إذ تمّ التصويت علی ما أرادوا حالاً. أسماء الشهور الفارسيّة القديمة موافقة لاسماء الملائكة في دين المجوسوحقّاً لقد خدعوا النوّاب المعارضين في هذه الجلسة، وقالوا: إنّها ألفاظ تراثيّة قديمة لاجل حفظ الروح القوميّة. ولم يناقش أحد أنّ هذه الالفاظ أُخذت من «الابستا»، وأنّ أسماء ستّة من الملائكة الممثّلين لاهُورمزدا ] وجود غير مرئيّ وخالق الروح والحياة [ الحي الدائم موجودة بين هذه الشهور، وهي: أُرديبهشت، وخرداد وأمرداد، وشهريور، وبهمن، وإسفند. وكثير من النوّاب المعارضين أصابهم الدوار فلم يعرفوا ماذا يقولون. وكانوا يقولون: نحن لا نعارض الآداب والتقإلید القوميّة. فلم يقل أحد: هذه الآداب القوميّة هي آداب زرادشت والمجوس وقد نسف الإسلام دين زرادشت وآدابه وشعائره، وشعّت شمسه المتألّقه فأذابت كلّ ما يدعو إلی ذكر « أهورمزدا » وملائكته. وماذا يعني أن نجعل التأريخ علی أساس الايّام والشهور المجوسيّة في دولة إسلاميّة نظامها محمّديّ وتوجّهاتها قرآنيّة؟ إنّه نسخ للاءسلام، وليسحديثاً عن ألفاظ جميلة حلوة. بل هو حديث عن غزو شيطانيّ غاشم لكيان الإسلام العظيم. إنّكم تضعون أسماء الشهور هذا إلیوم بأسماء ملائكة الدين المجوسيّ! وتبقون الهجرة النبويّة بداية للتأريخ بسبب خوفكم وعدممؤاتاة الظروف! وستبدّلونه غداً! وتجعلون مكانه التأريخ الهخامنشيّ مع بداية جلوس سيروس، وهو أكبر ملك هخامنشيّ علی العرش، أو مع بداية سلطنة كورش أو داريوش! أو تجعلون بداية التأريخ اعتلاء البهلويّ علی العرش، كما فعل السلطان السلجوقيّ، زاعمين أنـّه المبدع للجديد، والثائر ضدّ الرجعيّة والافكار البإلیة! لقد دافع أحد النوّاب في تلك الجلسة نوعاً ما، وهو المرحوم شريعتمدار الدامغانيّ فقال مستدّلاً: لا فائدة في تغيير أيّام الشهور وهو يمثّل خروجاً علی الموازين العلميّة، وأسماء الحَمَل، والثَوْر والجَوْزاء، أفضل من أسماء فروردين، وأُرديبهشت، وغيرها التي لا تحمل معني مناسباً. قال ذلك إلاّ أنـّه لم يسبر أغوار الموضوع ولميبرهن علی أنّ الاقتراح المطروح حول تغيير التأريخ بوصفه إحياءً للسنن القوميّة، هو في الحقيقة إحياء لسنّة زرادشت والمجوس وإماتة للاحكام الشرعيّة والمحمّديّة الاساسيّة في بلد إسلاميّ، إذ ـكما قلنا هنا، وكما ذكرنا ملائكة الدين الزرادشتيّ في التعليقةـ لعلّه لم يعلم، ولم يطّلع علی جذور هذا التغيير. لانّ المقترحين خبّأوا مقاصدهم، وخاضوا في الموضوع من منطلق استبدال الالفاظ العربيّة بالالفاظ القديمة فقط، وقالوا: إنّ المسألة مسألة تغيير الالفاظ فحسب، وهي سهلة ويسيرة جدّاً. وفي السابع والعشرين من حوت 1303 الموافق للحادي والعشرين من شعبان سنة 1342، ولثلاثة أيّام بقين للنوروز تمّ التصويت بأقصي سرعة وفي جلسة واحدة [11] فبدّلوا التأريخ، [12] وبعد إجراء المراسيم المطلوبة، صادقوا علی هذا الاقتراح في الحادي عشر من فروردين سنة 1304 شمسيّ ] 31/3/1925م [. وكان مؤتمن الملك ( حسين بيرنيا ) رئيساً للمجلس يومئذٍ فأرسل ما صادق عليه المجلس إلی الحكومة بوصفه بلاغاً تعميميّاً تنفّذه الدوائر الحكوميّة. وجاءوا بالالفاظ الجميلة لاُرديبهشت، وبهمن، وغيرها بوصفها هديّة العيد للشعب الإيرانيّ ( عيد النوروز القوميّ ). وسقوا الشعب المسكين هذا السمّ الزعاف الذي تعلوه طبقة من القوميّة المعسولة، إلی درجة أنّ كثيراً من الناس لم يعوا حقيقة الامر لحدّ الآن فهم ينطقون بالاسماء القديمة دون أن يعرفوا جذورها. وفي أعقاب اتّخاذ تلك الاسماء ( فروردين، أُرديبهشت وغيرهما ) طابعاً رسميّاً في الدوائر الحكوميّة، والمدارس، والتقاويم والإعلانات، نلاحظ أوّلاً: أنّ هذه الاسماء التي لم يعرفها إلی ذلك الزمن إلاّ عدد يسير من الناس. قد اشتهرت وعرفت، وانتقلت من المدارس إلی البيوت، ومن تقاويم إداريّة إلی تقاويم جداريّة وبيتيّة فحفظ الكبير والصغير، والرجل والمرأة آذر، وبهمن، وإسفند كما تحفظ سورة الإخلاص. و ثانياً: أنّ أسماء: محرّم، وصفر، وربيع الاوّل، وجمادي الآخرة، وذي القعدة وغيرها قد زالت تدريجيّاً. فلا أحد يعرف هذه الشهور، ولايدري متي تبدأ ومتي تنتهي، ولا يطبّق ممارساته إلیوميّة وواجباتة الاجتماعيّة ومراسيمه ودعواته وحفلاته ومآتمه علی هذه الشهور. وكان شهر محرّم، وشهر رمضان أشهر من غيرهما نسبيّاً بسبب إقامة العزاء، والصوم. وجميع الناس الذين كانوا يصومون ـإلاّ الشيوخ الكبار منهمـ يقولون: نصوم هذه السنة من 15 بهمن إلی 14 إسفند. مثلهم في ذلك مثل الشباب الذين يقيمون في الخارج فإنّهم يؤدّون عباداتهم حسب الشهور الميلاديّة مثل فبراير، ومارس، وأبريل، ومايو، ويونيو، ويوليو، وغيرها. وهذا التوجّه يتأسّي بالمنهج الذي رسمه الاستعمار الكافر لعزل النظام الإسلاميّ الرصين. ومن هنا نفهم جيّداً مبلغ ما حقّقه الكافر من نجاح في تحقيق هدفه، إذ وضع الاسماء الاجنبيّة والمجوسيّة بدل الاسماء الإسلاميّة وجعلها متداولة مستعملة من قبل الرجل والمرأة، والعالم والعامّيّ والموظّف الحكوميّ والتاجر، والعامل والفلاّح، [13]حتّي لوحظ أنّ بعض العلماء يستعملون الشهور القديمة في بياناتهم أيضاً. ويستعملون التأريخ الشمسيّ والاسماء المجوسيّة في تواقيعهم. وقد يلحقون التأريخ القمريّ بها أحياناً، فيستعملون ما يطابق السابع من المحرّم سنة 1387 ه مثلاً. وقد يتركون ذلك التأريخ مكتفين بالتأريخ القديم وحده. استبدال السنين الشاهنشاهيّة بالسنين الهجريّةفهذه هي المرحلة الثانية من التغيير، وقد طوت خمسين سنة من عمرها. وكانوا يتحيّنون الفرص باستمرار لتنفيذ المرحلة الثالثة من المشروع، والاهم من التغيير الحاصل في المرحلتين السابقتين وهو نسخ التأريخ الهجريّ واستبداله بالتأريخ الشاهنشاهيّ. أي: نسخ رسول الله نفسه، وسيطرة الطاغوت، ورسميّة حكّام الجور وتلاعبهم بمقدّرات الشعب وعقائده. وعلی الرغم من أنّ الطاغوت كان يحكم قبضته علی الشعب مدّة طويلة، إلاّ أنـّه لم يعلن حتّي ذلك الحين عن نسخ حكومة رسولالله، والقرآن، ونسخ الشرف والفضيلة والوحي والنبوّة والولاية، ونسخ الإيمان والعقيدة. وإذا هم يعلنون ـ بهذا التغيير ـ علی رؤوس الاشهاد عدم الحاجة إلی الدين، والنظام المحمّديّ، وقطع حلقة الوصل بين الظاهر والباطن، والخروج من كنف رسول الله المعنويّ الروحانيّ والاستغناء عن الاحكام الإلهيّة. ونعرض فيما يلي ما جاء في العدد 14959 من صحيفة « اطّلاعات » المؤرّخة في 24 إسفند 1354 ] 15/3/1975 م [ ثمّ نتطرّق إلی الحديث عنه بشكل مقتضب: العنوان البارز في الصحيفة: تمّت إلیوم المصادقة علی قرار تأريخيّ اتّخذه المجلسان في جلستهما المشتركة ويقضي بتغيير التقويم وبداية التأريخ في إيران. وسيكون عيد النوروز القادم في سنة 2535 الشاهنشاهيّة. هويدا، رئيس الوزراء: التقويم الدينيّ سيبقي ساري المفعول كما في السابق. القرار الصادر عن الجلسة المشتركة لمجلسي الشيوخ والنوّاب التي ترأسها جعفر شريف إمامي في قصر الاعيان. حيّا رئيس الجلسة في البداية العائلة البهلويّة المالكة وقدّم شكره لها علی ما قامت به من جهود مضنية لرفعة البلد وشموخه ورقيّة طيلة خمسين عاماً معرباً عن تقديره لذلك. واعتبر ثورة الشاه والشعب السبيل الوحيد لتحرّر الوطن واستقلاله. وفيما يلي نصّ القرار: بإيمان قاطع بالنظام الشاهنشاهيّ ] الملكيّ [ الذي كان منذ أكثر من خمسة وعشرين قرناً ركناً ركيناً لدولتنا وحصناً حصيناً لقوميّتنا قـرّر المجلسـان اعتبار حكـومة كـورش الكبير مؤسّـس النظام الشاهنشاهيّ في إيران بداية للتقويم واستهلالاً لتأريخ إيران القوميّ. [14] وباعتقاد راسخ بمبادي حزب رستاخيز ] البعث [ الإيرانيّ صادق المجلسان علی هذا القرار وذلك في جلستهما المؤرّخة في الرابع والعشرين من إسفند سنة ألف وثلاثمائة وأربع وخمسين. وقد استهلّ رئيس المجلس الكلام في هذه الجلسة، ثمّ تلاه السناتور الدكتور عيسي صدّيق، وتحدّث بعده كلّ من: هلاكو رامبد والسناتور عماد تربتي، والدكتور مصطفي ألموتي، والسناتور شوكت ملك جهانباني، والدكتورة مهين صنيع. وعندها تمّت المصادقة علی القرار بالإجماع. وقد أثني شريف إمامي في كلمته الافتتاحية علی جهود الشاه ودعا إلی دمج المجلسين بسبب ضيق الوقت، ثمّ طلب أن يتكلّم ثلاثة أعضاء من كلّ مجلس ( يوم ميلاد رضا شاه ). وتُلي القرار من قبل الدكتور جواد سعيد نائب رئيس المجلس النيابيّ، ثمّ تحدّث هويدا. وكان المتحدّث الاوّل هو الدكتور صدّيق، فأشاد بجهود رضاشاه، وتحدّث عن الظروف التي كانت تمرّ بها إيران آنذاك والفوضي التي كانت سائدة. وأحصي الإنجازات الهامّة التي حقّقها رضاشاه يومئذٍ، ومنها: إيفاد الطلبة الجامعيّين إلی الخارج، وتأسيس جامعة طهران في فروردين سنة 1310 ] 1931 م [ والتعليم المجّانيّ في جميع أرجاء البلاد، وتشكيل النوادي، وإنشاء المسابح من قبل وليّ العهد، وإقامة الذكري الالفيّة للفردوسيّ سنة 1313، وافتتاح مقبرته في طوس ( وفي تلك السنة أقامت الجامعات العالميّة المهمّة احتفالات لتكريم الفردوسيّ وخدماته للغة الفارسيّة، والقوميّة الفارسيّة، وتأريخ الفرس )، وإنجاز مهم جدّاً كان يبدو مستحيلاً، وهو إلغاء الحجاب في 17 دي 1314 ] 7/1/1935م [، وتجمّع العلماء من شتّي أنحاء العالم للتحقيق حول الفردوسيّ والمفاخر الفارسيّة. حيث أطال الشرح في هذا المجال، وتحدّث عن جهود الشاه محمّد رضا وخدماته. ثمّ تطرّق إلی ما يسمّي بالثورة البيضاء. وتحدّث بعده السناتور عماد تربتي فتطرّق إلی مواضيع شتّي كما فعل صدّيق. وتلاه السناتور شوكت ملك جهانباني، فتحدّث عن جهود رضا شاه في إعلانه وإلغاء الحجاب. وتحدّث بعده الدكتور مصطفي ألموتي فخاض في ما خاضوا فيه. أعقبه هلاكو رامبد، فالدكتورة مهين صنيع اللذين دار حديثهما حول المواضيع المطروحة نفسها. وبعد المصادقة علی القرار، تحدّث السناتور العلاّمة وحيدي. ولمّا كان حديثه مشحوناً بالافتراء والكذب والمكر، وفيه ما فيه من التشويه والتدليس والتبديل المعنويّ، إذ أعلن عن دعمه لحكّام الجور بدهاء عجيب مع الدليل والبرهان، وأشاد بهم علی لسان رسولالله مطبّقاً الروايات والاخبار المأثورة حول الإمام العادل علی السلاطين الجائرين والحكّام الفاسقين الظالمين، لذلك ننقل حديثه هنا نصّاً ليطّلع القرّاء علی كيده وتدليسه وتلبيسه. بدأ حديثه قائلاً: اسمحوا لي أن أوافيكم بموجز عن عظمة كورش الكبير مؤسّس الشاهنشاهيّة الفارسيّة، وعن وجوب طاعة الملوك والحكّام مستهدياً بمبادي الدين الإسلاميّ المبين، وموازين الاستنباط والاجتهاد. لقد جاء في علم الاُصول أنّ مصادر الاستنباط هي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل. فالكتاب هو القرآن المجيد، كتاب سماويّ ومرشد عالميّ نزل علی الرسول الاكرم صلّي الله عليه وآله وسلّم. ويلاحظ في هذا الكتاب الإلهيّ المقدّس آيات باهرة تتحدّث عن شخصيّة كورش الكبير وإنسانيّته وحبّه الخير للآخرين، وتسمّيه: ذُو الْقَرْنَيْنِ. قال تعإلی: وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو مِنْهُ ذِكْرًا، وتسمية كورش الكبير بذي القرنين من لطائف المعجزات فيالقرآن المبين، إذ ثبت بعد بحوث علميّة دقيقة أنّ طرفي قبّعة هذا الإمبراطور لهما نتوآن. ولذلك ذكر القرآن الكريم هذا الملك العظيم بذي القرنين. ثمّ قال دفعاً للشبهة التي تري أنّ المقصود بذي القرنين هنا هو الإسكندر: كان الإسكندر ظالماً سفّاحاً، والقرآن الكريم لا يمدح الظالم السفّاح أبداً. وقال بعد ذلك: وتعكس آيات أُخري أيضاً فكر هذا الإمبراطور العادل وسلوكه. وأردف قائلاً: وأنا أتحدّث عن عظمة هذا الملك والاعتقاد بنظام الملكيّة والسلطنة، أنقل لكم ما جاء في الخبر أنّ الله الجليل خاطب نبيّه إبراهيم الخليل قائلاً: ياإبراهيم! أنت مظهر علمنا والمَلِك مظهر ملكنا. ويستنبط من هذا الخبر أنّ مقام الملكيّة والسلطنة الشامخ كان ولا يزال يستظلّ بعناية إلهيّة خاصّة. وقال الشاعر جلال الدين مولويّ إشارة إلی مضمون هذا الخبر: « پادشاهان مظهر شاهي حقّ » [15] وتقرّر السنّة النبويّة هذا الخبر أيضاً. وجاء في المأثور والخبر المشهور أنّ النبيّ الاكرم صلّي الله عليه وآله وسلّم كان يشير مراراً إلی عظمة الزمن الذي ولد فيه، فقد نقل عنه قوله في جمع من أصحابه: وُلِدْتُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ. ونجد هنا أنّ النبيّ الاعظم يثني بكلّ صراحة علی أنوشيروان إمبراطور فارس آنذاك. أمّا الحديث الآخر الذي يوجب طاعة الملك بكلّ وضوح وأري من الافضل قبل ذكره أن أُنْبّه علی مصدره، ثمّ أتطرّق إلیه لئلاّ يتبادر إلی الاذهان أنّ هذا الكلام غير مأثور، ولا يمكن التعويل عليه. فمصدره كتاب معتبر وعظيم لاحد علماء الإسلام، وهو الشيخ الصدوق. والحديث مذكور في كتابه « الامإلی »، وجاء فيه: لاَ تُذِلُّوا رِقَابَكُمْ بِتَرْكِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ! إلی أن يقول: وَإِنَّ صَلاَحَكُمْ فِي صَلاَحِ سُلْطَانِكُمْ وَإنَّ السُّلْطَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ الرَّحِيمِ؛ فَأحِبُّوا لَهُ مَا تُحِبُّونَ لاِنْفُسِكُمْ وَاكْرَهُوا لَهُ مَا تَكْرَهُونَ لاِنْفُسِكُمْ. وثمّة حديث آخر جاء في هذا الكتاب المعتبر والقيّم، وهو قوله: قال رسولالله صلّي الله عليه وآله وسلّم: طَاعَةُ السُّلْطَانِ وَاجِبَةٌ، وَمَنْ تَرَكَ طَاعَةَ السُّلْطَانِ فَقَدْ تَرَكَ طَاعَةَ اللَهِ، عَزَّ وَجَلَّ وَدَخَلَ فِي نَهْيِهِ. ونري هنا أنّ هذا الحديث يعتبر طاعة الملك كطاعة الله ولاغبار عليه. وأمّا وجوب طاعة الملك بالإجماع، فإنّنا لمّا كنّا نعلم أنّ الإجماع هو الرأي الكاشف عن قول المعصوم، وأنّ سيّد المعصومين وإمامهم أوجب طاعة الملك بالنظر إلی وحدة الملاك فمن هذا المنطلق تصبح طاعة الملك واجبة. وبخاصّة علينا نحن الإيرانيّون الذين لنا خصوصيّاتنا الإيمانيّة والروحانيّة كما قال مولي المتّقين وأمير المؤمنين. وقد عُرفنا في التأريخ أنـّنا نعتبر أوامر الشاه هي أوامر الله سواء كانت صادرة من الله أو من الشاه، وذلك انطلاقاً من سنننا القوميّة. ومن الجدير ذكره أنّ طاعة الملك مسلّمة الصدور عن المعصوم حسب ما تفيده الاخبار العديدة، لذلك نعتبرها كالإجماع المصطلح بالنظر إلی وحدة الملاك. وأمّا الدليل العقليّ الذي يدور حول لزوم طاعة الملك، فمن البديهيّ أنّ معصية الملك العادل والعالِم والمقتدر تؤدّي إلی تخلخل النظم، وتصدّع الاُمور السياسيّة والاجتماعيّة والعلميّة والاقتصاديّة وغيرها. لَوْلاَ السُّلْطَانُ لاَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً. أيّها النوّاب المحترمون! ولحسن الختام نذكر حديثاً مشهوراً نقله شيخ المحدّثين الحرّ العامليّ، وهو قوله: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَهِ فِي الاْرْضِ، يَأْوِي إلیهِ كُلُّ مَظْلُومٍ. وقد ترجمه الشاعر العزيز سعدي شعراً، وأضاف إلیه امتزاج الظلّ بصاحبه: پادشه ساية خدا باشد سايه از ذات كي جدا باشد؟ [16] والآن حيث تمّ تشكيل هذه الجلسة الحماسيّة المشتركة لتكريم الذكري الخمسين للحكومة الشاهنشاهيّة البهلويّة المباركة التي تتزامن مع الميلاد السعيد لعميد الاُسرة الشاهنشاهيّة، يطيب لي أن أبعث السلام والتحيّة إلی الروح الطاهرة لهذا الشاهنشاه الكبير، وأسأل الله تعإلی أن يمنّ علينا بتوفيق الطاعة لجلالة الشاهنشاه آريامهر وخدمته أكثر فأكثر. يحيا الشاهنشاه آريامهر، والملكة الكريمة فرح، ووليّ العهد الميمون رضا. تحياإيران. ويلاحظ من خلال التمعّن في هذا الكلام كم مسخ العلاّمة الوحيديّ نفسه وكم شوّه الحقائق الواضحة. [17] ولا نناقش هنا ما قاله سائر المتحدّثين، ولا قضيّة رفع الحجاب وانتهاك عفّة النساء، أو تكريم الفردوسيّ صانع الاساطير الذي اعتبروه رمزاً للقوميّة، ورفعوه في مقابل الإسلام بذريعة مجابهة العرب ومواجهتهم وتجمّعوا حول تمثاله ليلطموا عليه الصدور، وأمثال هذه الخزعبلات، ذلك لانّ هؤلاء المتحدّثين أشخاص معروفون لا يخفي أمرهم علی أحد، إذ درسوا منذ طفولتهم في هذه المدارس الاستعماريّة، وتعلّموا علی يد هؤلاء المعلّمين الذين يسيرون علی منهج مرسوم لهم من الخارج لاءضعاف الإسلام والتبجّح بالقوميّة الفارسيّة الزرادشتيّة المجوسيّة البإلیة. فلانرتّب أثراً علی سماع هذه الكلمات المكرورة التي يجترّونها. وذلك لانّ اتّجاه هؤلاء ومبدأهم ومنتهاهم وغايتهم وهدفهم ليس إلاّ هذه الكلمات الجوفاء الفارغة التي لا تُغني ولا تُسمن. ولعلّهم درسوا في الخارج وسمعوا هذه الاباطيل من أُولئك الاساتذة الاجانب الذين يتظاهرون برغبتهم في تقدّم البلدان الشرقيّة ورقيّها كأنـّهم أعطف عليها من أهلها. ولنا أن نقول لهم: أظئر أعطف من أُمّ علی ولدها! فقد سمعوا تلك الاباطيل وتعلّموها وتعلّقت بها أرواحهم فأصبحوا أدوات طيّعة بِيَدِ الاجانب والاستعمار الكافر. لذلك لا عجب أن يعتبروا الشاه البهلويّ الإمبراطور العادل الوحيد الذي يرعي شعبه، وهو الذي يشهد التأريخ علی عمالته للاستعمار، وقد تسلّط علی رقاب الناس بالحديد والنار، وفُرض علی الشعب المسلم طيلة خمسين سنة فأذاقه الامرّين إبعاداً وسجناً وتعذيباً وقتلاً وأسراً. بل العجب من الوحيديّ وأمثاله، إذ كيف يبيعون شرفهم وكرامتهم وهم علی ما هم عليه من الرصيد العلميّ تطييباً لقلب ملك جائر هم أعرف بظلمه منّا، ويلهجون باسمه في المجالس والمحافل الخاصّة من أجل حطام الدنيا الزائل. ويتملّقون تملّقاً تشمئزّ منه الطباع ليقتاتوا من فتات مائدته الوضيعة. ويضحّون بدينهم وكتابهم ونبيّهم ويبيعونها بثمن بخس من أجل منصب لا يبقي، وبغية التزوّد من الحطام الكاسد لاُولئك الزعانف التافهين. فكلّ عاقل وعالم له أدني إلمام بمادي الاُصول والفقه في الإسلام يفهم من كلام هذا الرجل أنـّه لم يأت بشيء غيرالتزوير والخداع والمكر والزيغ، ولم يقدّم للناس إلاّ تشويه الحقائق. فالقرآن الذي نزل من الباري تعإلی لتوطيد دعائم العدل والتوحيد، متي أوجب طاعة الحاكم؟ والنبيّ الذي عاني ما عاني من الهموم طيلة ثلاث وعشرين سنة لتثبيت أركان التوحيد والعدل والكفاح ضدّ الشرك والظلم. وطيلة مدّة هجرته لعشرة سنوات في المدينة كان في الصفّ الاوّل للمجاهدين وأقربهم إلی العدوّ، وكان يذهب في الغزوات التي كانت تقع في كلّ شهرين علی النحو المتوسّط، كيف يأمر بإطاعة الملك، ويفرض اتّباعه بلا نقاش؟ وهذه الروايات التي نقلها مع ما فيها من الضعف والإرسال في سندها لاتدلّ علی اتّباع الحاكم الجائر. فالمراد بالسلطان هو السلطان العادل، والإمام بالحقّ أو الفقيه الجامع للشرائط المنصوب من قبل الإمام. وحرمة اتّباع السلطان الجائر، والاقتداء بالحاكم الفاسق العاصي وفقاً للحديث المتّفق عليه بين الفريقين القائل: لاَطَاعَة لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ لا تُبقي إطلاقاً أو عموماً لمطلقات وجوب طاعة السلطان علی فرض صحّة سندها. وقد حصر القرآن الكريم وجوب الطاعة برسول الله، وأُولي الامر المراد بهم أئمّة الدين وخلفاء المرسلين بالحقّ، وأوجب القرآن طاعة الانبياء العظام المبعوثين من ربّ العالمين لا غير، وأمر بلزوم اتّباعهم واقتداء الناس بهم. والقرآن الذي يعنّف حكّام الجور في العالم كفرعون، والنمرود، وهامان ومن دار في فلكهم، ويأمر الاُمم باتّباع الانبياء ويحثّها علی التمرّد ضدّ أُولئك الطغاة الذين وقفوا بوجه الانبياء، كيف يوجب طاعة أمثالهم بلاقيد ولا شرط؟ إنّ خيانة الوحيديّ في نقل هذه الاخبار تتمثّل بـ: أوّلاً: في طرحه هذه الاخبار وكأنـّها صحيحة السند ومشهورة ومعروفة، وهي ليست كذلك طبعاً، ولم يذكرها أيّ كتاب من مجاميع الشيعة أو السنّة بسند صحيح. وثانيا: في إطلاقه لها وتغاضيه عن ذكر القيد والمقيّد والخاصّ، والمخصّص. وهذه خيانة عظمي. وثمّة مؤاخذة كبيرة علی من قال بأنّ ذاالقرنين المذكور في القرآن هو كورش الفارسيّ. وعلی فرض صحّة هذا المعني، فإنّ القرآن أثني علی شمائل ذي القرنين وحسب، ولم يرد فيه ذكر يؤكّد علی لزوم متابعته بوصفه ملكاً، فأين وجد ذلك؟ ليدلّنا ويرينا ما وجده. والعجيب أنـّه يستدلّ علی أنّ ذاالقرنين لا يمكن أن يكون الإسكندر المعروف، لما قيل إنّه كان ظالماً والقرآن لا يمدح الظالم، فكيف يجوز له حينئذٍ أن يوظّف هذا الكلام من أجل لزوم اتّباع الشاه والشاهنشاه والاُسرة البهلويّة، ويزعم أنّ ذلك جاء في بيان القرآن وعلی لسان الاخبار؟ وكأنّ هؤلاء جميعهم معصومون وطاهرون ومطهّرون، أو كأنـّهم ملائكة، أو هم الذين نزلت فيهم آية التطهير! إنّ ما ينسب إلی رسول الله قوله: وُلِدْتُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ حديث مزيّف وموضوع لم تذكره كتب الحديث الشيعيّة والسنيّة كلّها. فقد كان أنوشيروان رجلاً ظالماً ولم يمدحه رسول الله. وقوله: « كلام مأثور وخبر مشهور أنّ النبيّ الاكرم كان يشير مراراً إلی عظمة الزمن الذي ولد فيه، وهو في جمع من أصحابه » كذب محض. من أين جاءت شهرة هذا الخبر؟ وفي أيّ كتاب من كتب الحديث أو الفقه أو الرجال اشتهر؟ ونبيّنا لم ينطق بذلك في جمع من أصحابه قطّ، فضلاً عن أنـّه قال ذلك مراراً. وكلام الفردوسيّ: « چه فرمان يزدان چه فرمان شاه» أي: « سواء كانت أوامر الله أو أوامر الشاه » يتوكّأ علی دين المجوس الذين يعتقدون أنّ الشاه ممثّل عن الله، فما علاقة ذلك بالإسلام؟ والإسلام يرفض الإله الذي هو في مقابل الشيطان، ويعتبر الاعتقاد به شركاً وثنويّة، فضلاً عن أنـّه ظلّ الله وممثّله. إنّ الفردوسيّ مسؤول أمام الله وسيقف في ساحة العدل الإلهيّ في عرصات القيامة علی ما ارتكبه من أخطاء، وما فعله من خلط وخبط. وعليه أن يستعدّ للجواب. فشعره أبعد ما يكون عن الحقائق وقد فرض علی الناس طاعة السلطان والشاه والحاكم مهما كانوا. ثمّ إنّ الوحيديّ قلب المعني تماماً في كلام نقله، وهو قوله: وَإنَّ صَلاَحَكُمْ فِي صَلاَحِ سُلْطَانِكُمْ. لانّ معني هذا الكلام هو « أنـّكم ستكونون صالحين إذا كان سلطانكم صالحاً ». أمّا الوحيديّ فإنّه قلب المعني بقوله: « صلاحكم فيما يراه الملك صالحاً لكم ». أي: ستكونون صالحين إذا طبّقتم ما يراه الملك صالحاً لكم! وهذه خيانة في الترجمة. وممّا يستشكل عليه ( الوحيديّ ) هو أنـّه لمّا أراد الاستهداء بالإجماع كأحد الادلّة الاصطلاحيّة الاُصوليّة الاربعة التي أقامها، ولميكن هناك إجماع قطّ، قال: لمّا كان قول المعصوم ملاكاً لحجيّة الإجماع، وقوله حجّة من حيث الكاشفيّة، وجاء ذكره في هذه المسألة، فملاك الإجماع قائم بناءً علی وحدة ملاك الإجماع والخبر الصادر عن المعصوم. في حين أنّ أهل العلم والتخصّص في علم الاُصول يعلمون أنّ هذا ليس إجماعاً، فالإجماع في مقابل السنّة التي تمثّل الروايات الصادرة عن المعصوم، عبارة عن اتّفاق المسلمين جميعهم اتّفاقاً كاشفاً عن رأي المعصوم. أمّا هذا المُتَحَدِّث فإنّه زوّر معني الإجماع ليزيد أدلّته، وبعبارة أُخري، أراد الخيانة أيضاً في مسألة أُصوليّة، لتتمّ خدمته، وتظهر الادلّة الاربعة جميعها قائمة وثابتة. وأمّا الدليل العقليّ، فإنّ العقل يحكم بخلاف ما قالوا، ويحكم بأنّ الإنسان لا ينبغي له أن يتّبع الباطل والفساد، ولا يحقّ له أن يطيع السلطان الجائر والحاكم الظالم، بل عليه أن يحرّر نفسه من ربقة حكومته التعسفيّة. يطيع السلطان العادل ذا الرؤية الواقعيّة، المنكر لذاته والمضحّي والمتحمّس من أجل الاُمّة، والمتحقّق بالحقيقة وواقع الامر، ذاالسريرة النقيّة من شوائب الرذائل الاخلاقيّة وحبّ الدنيا ونزوة حبّ الظهور والصيت والسمعة، والنَّفَس الاستكباريّ والغرور، والعجب، والتمحور. أجل، فلقد فصّلنا الكلام هنا في تفسير ما قاله ليعلم الناس أنّ حكّام الجور في كلّ زمان يحتضنون مثل هؤلاء في أجهزتهم الحكوميّة ويهتمّون بإعدادهم إعداداً خاصّاً وذلك لخداع الناس وإضلالهم، وليسود الصمت المطبق والوجوم علی الاجواء فلا ينبس أحد ببنت شفة. وعندئذٍ لا يتعجّب أحد كيف أصبح أمثال أبي هُريرة، وأبي الدرداء، وكعب الاحبار، وسَمُرَة بن جُنْدُب وغيرهم من الذين كانوا في عداد الصحابة فترة من عمرهم، بطانة لمعاوية، ومن الذين يسيل لعابهم علی مائدته الملوّنة مقتاتين من فضلاتها. وعند ذاك يحلو لهم أن يختلقوا آلاف الاحاديث في فضيلة الشيخين، وبني أُميّة، وعثمان، ومعاوية. ولايتورّعوا عن اختلاق الطعن والقدح في أميرالمؤمنين عليه السلام والتحدّث إلی الناس من علی المنبر نقلاً عن لسان رسول الله صلّي الله عليه وآله وسلّم. فالتأريخ يعيد نفسه ولا يمثّل إلاّ تكراراً للحوادث الواقعة. ولو أردنا أن نتمثّل بلاط معاوية، فلننظر إلی مجلسي الشيوخ والنوّاب وأعضائهما. فالصورة واحدة، وما نراه إلیوم مرآة تعكس ذلك الوضع تماماً. ولقد أرسل معاوية إلی سَمُرَة بن جُنْدُب ووعده ببذل مائة ألف درهم له ليروي أنّ قوله تعإلی: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَهِ وَاللَهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد. [18] نزل في ابن ملجم أشقي رجل في قبيلة مراد. وقوله تعإلی: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ و فِي الْحَيَو'ةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَهَ علی' مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّي' سَعَي' فِي الاْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَهُ لاَيُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ و جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. [19] نزل في أمير المؤمنين علی بن أبي طالب، فلميقبل. فبذل له مائتي ألف درهم، فلميقبل. فبذل له أربعمائة ألف درهم، فقبل. [20] فتغيير التأريخ يمثّل نهاية المرحلة الثالثة من المراحل التي تمّ تطبيقها من قبل الاستعمار دون أيّ اطّلاع قبليّ من الشعب، وبادروا إلی اتّخاذ هذه الخطوة بأسرع ما يكون إذ دمجوا المجلسين معاً خوفاً من اطّلاع الناس عليه، حيث من الطبيعيّ أن يكون في الفترة التي تتخلّل المجلسين، ممّا قد يؤدّي إلی قيام الشعب. فبادروا إلی ذل |