بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة الامام / المجلد الثامن عشر/ القسم التاسع: الاسرائیلیات

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

حياة‌ الإمام‌ المهدي‌ّ وإمامته‌ أظهر من‌ الشمس‌

 أجل‌، إنّ وجود الإمام‌ المهدي‌ّ الحجّة‌ بن‌ الحسن‌ العسكري‌ّ عجّل‌ الله‌ تعالي‌ فرجه‌ الشريف‌ مطلب‌ برهاني‌ّ بدليل‌ العقل‌ من‌ الاحاديث‌ المتواترة‌ المستفيضة‌ الثابتة‌ بإجماع‌ الاُمّة‌. فما حاجة‌ الشيعة‌ إلي‌ نقل‌ أدلّة‌ وموضوعات‌ ضعيفة‌ لا شأن‌ لها في‌ كتبهم‌ ؟!

 وهل‌ لهذا الضرب‌ من‌ الروايات‌، التي‌ تدور حول‌ الجزيرة‌ الخضراء وهي‌ مخالفة‌ للواقع‌ والحقيقة‌، إلاّ استهزاء المعاندين‌ والاعداء وسخريتهم‌ بنا ؟!

 وعنـدما يهـتدي‌ الاُسـتاذ الفـرنسـي‌ّ البروفيسـور هنـري‌ كـوربان‌ المتخصّص‌ في‌ الشؤون‌ الشيعيّة‌ إلي‌ المذهب‌ الشيعي‌ّ بسبب‌ اعتقاده‌ بوجود إمام‌ العصر والزمان‌ الحي‌ّ فحسب‌، ويعدّ المذهب‌ المذكور من‌ أكثر المـذاهـب‌ أصالةً في‌ العالم‌، ويقـيم‌ الدليل‌ العـقلي‌ّ علي‌ ذلـك‌ الاسـاس‌، فليس‌ لنا أن‌ نتجاوز الاُصول‌ العقليّة‌ الثابتة‌ المعتبرة‌ والنقليّة‌ الصحيحة‌ ونُشغل‌ أنفسنا بكلمات‌ مُريبة‌ وحكايات‌ خياليّة‌.

 كان‌ سماحة‌ العـلاّمة‌ أُسـتاذنا الاكرم‌ الطـباطـبائي‌ّ رضـوان‌ الله‌ عليه‌ يقول‌ : كان‌ كوربان‌ يعتقد أنّ المذهب‌ الوحيد الذي‌ ظلّ حيّاً أصيلاً لم‌ يمت‌ في‌ العالم‌ هو المذهب‌ الشيعي‌ّ لقوله‌ بوجود الإمام‌ الحي‌ّ، وجعله‌ أساس‌ اعتقاده‌ علي‌ هذه‌ الدعامة‌. فهو حي‌ّ دائماً وأبداً لاتّكائه‌ علي‌ المهدي‌ّ قائم‌ آل‌ محمّد: محمّد بن‌ الحسن‌ العسكري‌ّ.

 ذلك‌ أنّ دين‌ اليهود قد مات‌ بموت‌ موسي‌ ودين‌ النصاري‌ قد مات‌ بعروج‌ عيسي‌. وسائر مذاهب‌ المسلمين‌ بوفاة‌ النبي‌ّ. بَيدَ أنّ الشيعة‌ تذهب‌ إلي‌ أنّ إمامها وصاحب‌ ولايتها المتّصل‌ بعالم‌ المعني‌ والإلهامات‌ السماويّة‌ حي‌ّ يُرزق‌. فما هو إلاّ مذهب‌ الشيعة‌ فقط‌ حي‌ٌّ خالد.

 كان‌ كوربان‌ قريـباً جدّاً إلي‌ التشـيّع‌. وغالباً ما كان‌ يقـرأُ أدعية‌ « الصحيفة‌ المهدويّة‌ » ويبكي‌. [1]

 أجل‌، ذكرنا هذا المـوضـوع‌ كدليل‌ علي‌ ما نقـول‌ حتّي‌ تسـتبين‌ مسؤوليّة‌ الاُمّة‌ عامّة‌ حِيال‌ وُضّاع‌ الحديث‌.

 الرجوع الي الفهرس

رواج‌ سوق‌ الوضّاعين‌ في‌ عصر معاوية‌

 استفاد معاوية‌ كثيراً من‌ كعب‌ الاحبار اليهودي‌ّ المنافق‌ المكّار المحتال‌، ومن‌ تلميذه‌ أبي‌ هريرة‌ ـ وقد اختلق‌ هذان‌ وأمثالهم‌ مئات‌ الاحاديث‌ في‌ إعلاء شأن‌ معاوية‌، والحطّ من‌ منزلة‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌.

 يقول‌ أبو ريّة‌: لم‌ يكن‌ ما قدّم‌ أبو هريرة‌ إلي‌ آل‌ أبي‌ العاص‌ عامّة‌، وسائر بني‌ أُميّة‌ ومعاوية‌ خاصّة‌، جهاداً بسيفه‌ أو بماله‌، وإنّما كان‌ كما قلنا أحاديث‌ ينشرها بين‌ الناس‌، يطعن‌ فيها علي‌ علي‌ّ رضي‌ الله‌ عنه‌ ويخذّل‌ بها أنصاره‌، ويجعل‌ الناس‌ يتبرّأون‌ منه‌، أو يُشيد بفضل‌ عثمان‌ ومعاوية‌ ! [2]

 وقد بلغ‌ من‌ شدّة‌ إخلاص‌ أبي‌ هريرة‌ لمعاوية‌ أنّه‌ كان‌ يتمنّي‌ لو يكون‌ من‌ أبطال‌ الحروب‌ فيغامر في‌ مواقع‌ صفّين‌ ضدّ علي‌ّ رضي‌ الله‌ عنه‌.

 فقد روي‌ العتكي‌ّ قال‌: كان‌ أبو هريرة‌ مع‌ معاوية‌ في‌ صفّين‌، وكان‌ يقول‌: لان‌ أرمي‌ فيهم‌ بسهم‌ ( يعني‌ أهل‌ العراق‌ ) أحبّ إلي‌ّ من‌ حُمْرِ النَّعَم‌. [3]

 وفي‌ كلام‌ ابن‌ الصلاح‌ وغيره‌ في‌ باب‌ « رواية‌ الاكابر عن‌ الاصاغر » أنّ ابن‌ عبّاس‌ والعبادلة‌ الثلاثة‌ وأبا هريرة‌ وغيرهم‌ قد رووا عن‌ كعب‌ الاحبار اليهودي‌ّ الذي‌ أسلم‌ خداعاً في‌ عهد عمر وعدّوه‌ من‌ كبار التابعين‌، ثمّ سوّده‌ بعد ذلك‌ علي‌ المسلمين‌.[4]

 راجت‌ سوق‌ الوضّاعين‌ في‌ عهد معاوية‌ كثيراً، إذ كان‌ فيها رضاه‌ وَدَعَتُه‌، ومن‌ الطبيعي‌ّ أنّ في‌ مثل‌ هذه‌ الاُمور يشتدّ كلّ أمر وتترسّخ‌ التهم‌ والافتراءات‌.

 ذكر آية‌ الله‌ الشيخ‌ حسين‌ علي‌ المنتظري‌ّ أنّ المرحوم‌ الميرزا علي‌ آغائي‌ الشيرازي‌ّ رحمه‌ الله‌ أحد علماء إصفهان‌ كان‌ يقول‌: كان‌ أحد العلماء جالسـاً في‌ مجلـس‌ عزاء. وكان‌ الخطـيب‌ يُطـريه‌ علي‌ المنـبر ! فقال‌ له‌: يا ولدي‌ ! أنا أعلم‌ أ نّك‌ تكذب‌ وتتملّق‌، لكن‌ قل‌ ما تشاء فإنّه‌ يروقني‌ ![5]

 تدلّ هذه‌ الحكاية‌ علي‌ أنّ للإطراء تأثيراً في‌ النفوس‌ حتّي‌ لو كان‌ لعلماء الدين‌ وكان‌ كذباً، لذا لابدّ من‌ الحؤول‌ دونه‌ وقطعه‌ من‌ دابره‌.

 يذكر أبو ريّة‌ قصّةً عجيبةً ذات‌ سماعٍ في‌ هذا الموضوع‌، فيقول‌: وإليك‌ مثلاً واحداً من‌ أمثلة‌ الوضع‌ للتقرّب‌ من‌ الملوك‌ والاُمراء:

 كان‌ الرشيد يُعجبه‌ الحَمَامُ واللهو به‌، فأُهدي‌ إليه‌ حمام‌ وعنده‌ أبو البختري‌ّ القاضي‌،[6] فقال‌: روي‌ أبو هُريرة‌ عن‌ النبي‌ّ أنّه‌ قال‌: لاَ سَبْقَ [7] إلاّ فِي‌ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أوْ جَنَاحٍ . فزاد جناح‌، وهي‌ لفظة‌ وضعها للرشيد، فأعطاه‌ جائزة‌ سنيّة‌. ولمّا خرج‌ قال‌ الرشيد: والله‌ لقد علمتُ أنّه‌ كذّاب‌. وأمر بالحمام‌ أن‌ يُذبح‌، فقيل‌: وما ذنب‌ الحمام‌ ؟! قال‌: من‌ أجله‌ كُذب‌ علي‌ رسول‌ الله‌ ![8]

 نلحظ‌ هنا أنّ هارون‌ أهدي‌ أبا البختري‌ّ جائزة‌ سنيّة‌ لوضعه‌ هذا الحديث‌ الذي‌ يدعم‌ لهوه‌ بالحمام‌ مع‌ عمله‌ بأنّه‌ كذب‌ بإضافة‌ كلمة‌ جناح‌.

 كان‌ معاوية‌ هو الذي‌ هدم‌ مبدأ الخلافة‌ في‌ الإسلام‌ فلم‌ تقم‌ لها من‌ بعده‌ إلي‌ اليوم‌ قائمة‌، وقد اتّخذ دمشق‌ حاضرةً لملكه‌. وإليك‌ بعض‌ ما وضعوه‌ من‌ الاحاديث‌ في‌ فضله‌:

 أخرج‌ الترمذي‌ّ أنّ النبي‌ّ قال‌ لمعاوية‌: اللَهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً.[9]

 وفي‌ حديث‌ آخر أنّ النبي‌ّ قال‌: اللَهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ وَالحِسَابَ، وَقِهِ العَذَابَ ! وهناك‌ زيادة‌ في‌ هذا الحديث‌ تقول‌ 5 وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ. [10]

 وروي‌ البيهقي‌ّ في‌ « الدلائل‌ » عن‌ أبي‌ هريرة‌ مرفوعاً: الخِلاَفَةُ بِالمَدِينَةِ وَالمُلْكُ بِالشَّامِ . وعن‌ كعب‌ الاحبار: أَهْلُ الشَّامِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَهِ يَنْتَقِمُ اللَهُ بِهِمْ مِمَّنْ عَصَاهُ.

 ومن‌ حديثٍ: سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الشَّامُ. فَإذَا خَيَّرْتُمُ المَنَازِلَ فِيهَا فَعَلَيْكُمْ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: «دِمَشْقُ» ـ وَهِيَ حَاضِرَةُ الاَمَويِّينَ ـ فَإنَّهَا مَعْقِلُ المُسْلِمِينَ فِي‌ المَلاَحِمِ، وَفُسْطَاطُهَا مِنْهَا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: الغُوطَةُ. [11]

 وقد صنّف‌ طائفة‌ من‌ الناس‌ مصنّفات‌ في‌ فضائل‌ بيت‌ المقدس‌ وغيره‌ من‌ البقاع‌ التي‌ بالشام‌، وذكروا فيها من‌ الآثار المنقولة‌ عن‌ أهل‌ الكتاب‌ وعمّن‌ أخذ عنهم‌ ما لا يحلّ للمسلمين‌ أن‌ يبنوا عليه‌ دينهم‌، وأمثل‌ من‌ نقل‌ عنه‌ تلك‌ الإسرائيليّات‌ كعب‌ الاحبار، وكان‌ الشاميّون‌ قد أخذوا عنه‌ كثيراً من‌ الإسرائيليّات‌.

 الرجوع الي الفهرس

 معاوية‌ يري‌ نفسه‌ أمين‌ وحي‌ الله‌

 أصل‌ قرية‌ الابدال‌

 كان‌ ممّا خصّوا به‌ بلاد الشام‌ من‌ الفضل‌ ـ بعد أن‌ وصفوها وأهلها بما وصفوا أن‌ جعلوا منها « الابدال‌ » . وقد كانت‌ هذه‌ العقيدة‌ من‌ عوامل‌ هدم‌ الإسلام‌ إذ اتّخذها الصوفيّة‌ أصلاً لطريقتهم‌، وبنوا عليها ما بنوا من‌ أوهامهم‌ وخرافاتهم‌.

 روي‌ الواقدي‌ّ [12] أنّ معاوية‌ لمّا عاد من‌ العراق‌ إلي‌ الشام‌ بعد بيعة‌ الحسن‌ ( سنة‌ 41 ه ) خطب‌ فقال‌:

 أَيُّهَا النَّاسُ ! إنَّ رَسُولَ اللَهِ قَالَ: إنَّكَ سَتَلِي‌ الخِلاَفَةَ مِنْ بَعْدِي‌ ! فَاخْتَرِ الاَرْضَ المُقَدَّسَةَ فَإنَّ فِيهَا الاَبْدَالَ؛ وَقَدْ أَخْبَرْتُكُمْ فَالعَنُوا أَبَا تُرَابٍ ! ـ أَي‌ عَلِي‌َّ بْنَ أَبِي‌ طَالِبٍ .

 فلمّا كان‌ من‌ الغدِ كتب‌ كتاباً ثم‌ جمعهم‌ فقرأه‌ عليهم‌ وفيه‌:

 هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةُ صَاحِبُ وَحْي‌ِ اللَهِ الَّذِي‌ بَعَثَ مُحَمَّداً نَبِيَّاً وَكَانَ أُمِّيَّاً لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ، فَاصْطَفَي‌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَزِيراً كَاتِباً أَمِيناً. فَكَانَ الوَحْـي‌ُ يَنْزِلُ عَلَي‌ مُحَـمَّدٍ وَأَنَا أَكْتُـبُهُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا أكْتُبُ ! فَلَمْ يَكُنْ بَيْنِي‌ وَبَيْنَ اللَهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ.[13] فَقَالَ الحَاضِرُونَ: صَدَقْتَ ! [14]

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ ابن‌ خلدون‌ في‌ طريقة‌ دسّ الإسرائيليّات‌ في‌ التفاسير

 قال‌ ابن‌ خلدون‌ في‌ وضع‌ الإسرائيليّات‌ المدسوسة‌ في‌ تفسير القرآن‌ الكريم‌: ثمّ صارت‌ علوم‌ اللسان‌ صناعيّة‌ من‌ الكلام‌ في‌ موضوعات‌ اللغة‌ وأحكام‌ الإعراب‌ والبلاغة‌ في‌ التراكيب‌ فوضعت‌ الدواوين‌ في‌ ذلك‌ بعد أن‌ كانت‌ ملكات‌ للعرب‌ لا يرجع‌ فيها إلي‌ نقل‌ ولا كتاب‌ فتنوسي‌ ذلك‌ وصارت‌ تُتلَقّي‌ من‌ كتب‌ أهل‌ اللسان‌ فاحتيج‌ إلي‌ ذلك‌ في‌ تفسير القرآن‌ لأنّه‌ بلسان‌ العرب‌ وعلي‌ منهاج‌ بلاغتهم‌ وصار التفسير علي‌ صنفين‌: تفسير نقلي‌ٍ مسندٍ إلي‌ الآثار المنقولة‌ عن‌ السلف‌ وهي‌ معرفة‌ الناسخ‌ والمنسوخ‌ وأسباب‌ النزول‌ ومقاصد الآي‌ وكلّ ذلك‌ لا يُعرَف‌ إلاّ بالنقل‌ عن‌ الصحابة‌ والتابعين‌، وقد جمع‌ المتقدّمون‌ في‌ ذلك‌ وأوعوا إلاّ أنّ كتبهم‌ ومنقولاتهم‌ تشتمل‌ علي‌ الغثّ والسمين‌ والمقبول‌ والمردود، والسبب‌ في‌ ذلك‌ أنّ العرب‌ لم‌ يكونوا أهل‌ كتاب‌ ولا علم‌ وإنَّما غلبت‌ عليهم‌ البداوة‌ والاُمّيّة‌ وإذا تشوّقوا إلي‌ معرفة‌ شي‌ءٍ ممّا تتشوّق‌ إليه‌ النفوس‌ البشريّة‌ في‌ أسباب‌ المكوّنات‌ وبدء الخليقة‌ وأسرار الوجود فإنّما يسألون‌ عنه‌ أهل‌ الكتاب‌ قبلهم‌ ويستفيدونه‌ منهم[15]‌ وهم‌ أهل‌ التوراة‌ من‌ اليهود ومن‌ تبع‌ دينهم‌ من‌ النصاري‌ وأهل‌ التوراة‌ الذين‌ بين‌ العرب‌ يومئذٍ باديةٌ مثلهم‌ ولا يعرفون‌ من‌ ذلك‌ إلاّ ما تعرفه‌ العامّة‌ من‌ أهل‌ الكتاب‌ ومعظمهم‌ من‌ حِمْيَر الذين‌ أخذوا بدين‌ اليهوديّة‌ فلمّا أسلموا بقوا علي‌ ما كان‌ عندهم‌ ممّا لا تعلّق‌ له‌ بالاحكام‌ الشرعيّة‌ التي‌ يحـتاطون‌ لها مثل‌ أخبار بدء الخـليقة‌ وما يرجـع‌ إلي‌ الحـدثان‌ والمـلاحم‌ وأمثال‌ ذلك‌ وهؤلاء مثل‌ كعب‌ الاحبار ووهب‌ بن‌ منبّهٍ وعبد الله‌ بن‌ سلام‌ وأمثالهم‌ فامتلات‌ التفاسير من‌ المنقولات‌ عندهم‌ في‌ أمثال‌ هذه‌ الاغراض‌ أخبارٌ موقوفةٌ عليهم‌ وليست‌ ممّا يرجع‌ إلي‌ الاحكام‌ فتُتَحَرَّي‌ في‌ الصحّة‌ التي‌ يجب‌ بها العمل‌ وتساهل‌ المفسّرون‌ في‌ مثل‌ ذلك‌ وملاوا كتب‌ التفسير بهذه‌ المنقولات‌. [16]

 وقال‌ ابن‌ خلدون‌ أيضاً في‌ بداية‌ مقدّمته‌ حول‌ فضل‌ علم‌ التأريخ‌ وتحقيق‌ مذاهبه‌:... وكثيراً ما وقع‌ للمؤرّخين‌ والمفسّرين‌ وأئمّة‌ النقل‌ من‌ المغالط‌ في‌ الحكايات‌ والوقائع‌ لاعتمادهم‌ فيها علي‌ مجرّد النقل‌ غثّاً أو سميناً ولم‌ يعرضوها علي‌ أُصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة‌ والوقوف‌ علي‌ طبائع‌ الكائنات‌ وتحكيم‌ النظر والبصيرة‌ في‌ الاخبار فضلّوا عن‌ الحقّ وتاهوا في‌ بيداء الوهم‌ والغلط‌.[17]

 إنّ ابن‌ خلدون‌ مع‌ غزارة‌ معلوماته‌ وسعة‌ دراساته‌ وتدقيقاته‌، رجل‌ مترف‌ لا يروقه‌ أُسلوب‌ أمير المؤمنين‌ صلوات‌ الله‌ عليه‌، وينحاز إلي‌ معاوية‌ عليه‌ اللعن‌ والهاوية‌ ويُخفي‌ جرائمه‌ ويؤوّلها ويُوجّهها، ويراه‌ مجتهداً يخطأ في‌ اجتهاده‌ أحياناً.

 الرجوع الي الفهرس

انحياز ابن‌ خلدون‌ إلي‌ سلطة‌ معاوية‌

 يواصل‌ المؤرّخ‌ المذكور كلامه‌ فيتحدّث‌ بدهاء وبراعة‌ عن‌ تبدّل‌ الخلافة‌ إلي‌ مُلك‌ وسلطنة‌ علي‌ يد معاوية‌ وذلك‌ في‌ مقدّمات‌ مفصّلة‌ حتّي‌ يظنّ الإنسان‌ غير المطّلع‌ علي‌ حقائق‌ التأريخ‌ أنّ هذا التبدّل‌ كان‌ أمراً بسيطاً ضروريّاً حتميّاً قد حدث‌. فهو يقول‌ بعد مقدّمة‌ وتفصيل‌ في‌ هذا المجال‌:

 ولمّا لقي‌ معاوية‌ عُمر بن‌ الخـطّاب‌ عند قدومه‌ إلي‌ الشـام‌ في‌ أُبَّهة‌ المُلكِ وزِيِّهِ من‌ العديد والعدّة‌ استنكر ذلك‌ وقال‌: أكِسرَويَّةٌ يا معاوية‌ ؟ فقال‌: يا أمير المؤمنين‌ أنا في‌ ثَغْرٍ تجاه‌ العدوّ وبنا إلي‌ مُباهاتهم‌ بزينة‌ الحرب‌ والجهاد حاجة‌ فسكت‌ ولم‌ يُخطّئه‌ لِمَا احتجّ عليه‌ بمقصد من‌ مقاصد الحقّ والدين‌. فلو كان‌ القصد رفض‌ المُلك‌ من‌ أصله‌، لم‌ يُقنعه‌ الجواب‌ في‌ تلك‌ الكسرويَّة‌ وانتحالها بل‌ كان‌ يُحرّض‌ علي‌ خروجه‌ عنها بالجملة‌. وإنّما أراد عمر بالكسرويّة‌ ما كان‌ عليه‌ أهل‌ فارس‌ في‌ ملكهم‌ من‌ ارتكاب‌ الباطل‌ والظلم‌ والبغي‌ وسلوك‌ سبله‌ والغفلة‌ عن‌ الله‌ وأجابه‌ معاوية‌ بأنّ القصد بذلك‌ ليس‌ كسرويّة‌ فارس‌ وباطلهم‌ وإنّما قصده‌ بها وجه‌ الله‌، فسكت‌.

 ويواصل‌ ابن‌ خلدون‌ كلامه‌ إلي‌ أن‌ يقول‌: فلمّا تدرّجت‌ البداوة‌ والغضاضة‌ إلي‌ نهايتها وجاءت‌ طبيعة‌ الملك‌ التي‌ هي‌ مقتضي‌ العصبيّة‌ كما قلناه‌ وحصل‌ التغلّب‌ والقهر كان‌ حكم‌ ذلك‌ المُلك‌ عندهم‌ حكم‌ ذلك‌ الرَّفَهِ والاستكثار من‌ الاموال‌ فلم‌ يصرفوا ذلك‌ التغلّب‌ في‌ باطل‌ ولا خرجوا به‌ عن‌ مقاصد الديانة‌ ومذاهب‌ الحقّ.

 ولمّا وقعت‌ الفتنة‌ بين‌ عليٍّ ومعاوية‌ وهي‌ مقتضي‌ العصبيّة‌ كان‌ طريقهم‌ فيها الحقّ والاجتهاد. ولم‌ يكونوا في‌ محاربتهم‌ لغرض‌ دنيوي‌ّ أو لإيثار باطل‌ أو لاستشعار عقد كما قد يتوهّمه‌ متوهّم‌ وينزع‌ إليه‌ ملحد.[18]

 وإنّما اختلف‌ اجتهادهم‌ ( علي‌ّ ومعاوية‌ ) في‌ الحقّ وسفّه‌ كلُّ واحد نظر صاحبه‌ باجتهاده‌ في‌ الحقّ فاقتتلوا عليه‌، وإن‌ كان‌ المُصيبُ عليّاً فلم‌ يكن‌ معاوية‌ قائماً فيها بقصد الباطل‌،[19] إنّما قصد الحقّ وأخطأ، والكلّ كانوا في‌ مقاصدهم‌ علي‌ حقٍّ. ثمّ اقتضت‌ طبيعة‌ الملك‌ الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به‌. ولم‌ يكن‌ لمعاوية‌ أن‌ يدفع‌ عن‌ نفسه‌ وقومه‌، فهو أمر طبيعي‌ّ ساقته‌ العصبيّة‌ بطبيعتها، واستشعرته‌ بنو أُميّة‌ ومن‌ لم‌ يكن‌ علي‌ طريقة‌ معاوية‌ في‌ اقتفاء الحقّ من‌ أتباعهم‌ فاعصوصبوا عليه‌ واستماتوا دونه‌ ولو حملـهم‌ معاوية‌ علي‌ غير تلـك‌ الطريقة‌ وخالفـهم‌ في‌ الانفراد بالامر لوقعوا في‌ افتراق‌ الكلمة‌ التي‌ كان‌ جمعها، وتأليفها أهمّ عليه‌ من‌ أمرٍ ليس‌ وراءه‌ كبير مخالفة‌.

 إلي‌ أن‌ يقول‌: وهذا كلّه‌ إنّما حمل‌ عليه‌ منازع‌ المُلك‌ التي‌ هي‌ مقتضي‌ العصبيّة‌. فالمُلك‌ إذا حصل‌، وفرضنا أنّ الواحد انفرد به‌ وصرفه‌ في‌ مذاهب‌ الحقّ ووجوهه‌ لم‌ يكن‌ في‌ ذلك‌ نكيرٌ عليه‌... .[20]

 وكذلك‌ عهد معاوية‌ إلي‌ يزيد خوفاً من‌ افتراق‌ الكلمة‌ بما كانت‌ بنو أُميّة‌ لم‌ يرضوا تسليم‌ الامر إلي‌ ما سواهم‌. فلو قد عهد إلي‌ غيره‌ اختلفوا عليه‌، مع‌ أنّ ظنّهم‌ كان‌ به‌ صالحاً ولا يرتاب‌ أحدٌ في‌ ذلك‌ ولا يُظَنّ بمعاوية‌ غيره‌ فلم‌ يكن‌ ليعهد إليه‌ وهو يعتقد ما كان‌ عليه‌ من‌ الفسق‌. حاشا الله‌ لمعاوية‌ من‌ ذلك‌ ![21]

 لقد دار ابن‌ خلدون‌ هنا مائة‌ وثمانين‌ درجة‌ تماماً، وقلب‌ الحقائق‌ وجعل‌ مدار الحقيقة‌ والحقّ العصبيّة‌ التي‌ تقتضيها طبيعة‌ البشر. ومفاد استدلاله‌ البقاء علي‌ الهمجيّة‌ والبربريّة‌ والحيوانيّة‌ لانّها من‌ لوازم‌ الغرائز البشريّة‌. وكأنّه‌ لا يدري‌ أنّ الدين‌ والنبي‌ّ والقرآن‌ جاؤوا ليديروا الحكومة‌ من‌ مدار العصبيّة‌ ويجعلوها علي‌ محور الحقّ والواقعيّة‌ ويستبدلوا المدينة‌ الإنسانيّة‌ بالمدينة‌ الحيوانيّة‌.

 إنّ كلمات‌ ابن‌ خلدون‌ وأدلّته‌ في‌ هذا المقام‌ تتعارض‌ مع‌ موضوعات‌ الاجزاء الثمانية‌ عشر من‌ كتابنا هذا « معرفة‌ الإمام‌ » كما يتسنّي‌ لنا أن‌ نعدّ الاجزاء المذكورة‌ ردّاً علي‌ كلامه‌ بإيجاز.

 لقد جاء الإسلام‌ وجميع‌ الاديان‌ والانبياء من‌ أجل‌ تربية‌ الناس‌، وجعل‌ المحـور الاصلي‌ّ علي‌ مركز الحقّ والصـدق‌، والبعد عن‌ العصـبيّة‌ وحميّة‌ الجاهليّة‌. وقالت‌ كلمتها وبلّغت‌ وحاربت‌ لإعلاء الحقّ. ونلحظ‌ أنّ ابن‌ خلدون‌ باستدلاله‌ الماكر قد غيّر مسار دعوة‌ الانبياء. وغطّي‌ علي‌ أعمال‌ الجبابرة‌ الطواغيت‌ من‌ أمثال‌ فرعون‌، والنمرود، وأبي‌ سفيان‌، ومعاوية‌، ويزيد، وأوّلها تأويلاً متعسّفاً ما أنزل‌ الله‌ به‌ من‌ سلطان‌.

 الكلام‌ كثير هنا، ولنا أن‌ نُدرك‌ عن‌ طريق‌ هذا الاستدلال‌ لبّ الادلّة‌ التي‌ يعرضها السنّة‌ وأُسلوبهم‌ في‌ التغطية‌ علي‌ حكوماتهم‌ الجائرة‌. وَمَن‌ لَّمْ يَجْعَلِ اللَهُ لَهُ و نُورًا فَمَا لَهُ و مِن‌ نُّورٍ. [22] وهنا ينبغي‌ الخضوع‌ والتسليم‌ أمام‌ عظمة‌ الله‌ والتجلّيات‌ الجلاليّة‌ والقهريّة‌ والغضبيّة‌ التي‌ صاغت‌ أمثال‌ هؤلاء الاشخاص‌، والنظـر إلي‌ هذه‌ الحـجب‌ العـميقة‌ مع‌ سعة‌ العـلم‌ والفهم‌ عند ابن‌ خلدون‌ وأضرابه‌ علي‌ أنّها ناتجة‌ من‌ عظمة‌ جلاله‌، في‌ مقابل‌ عظمة‌ الجمال‌ المتجلّي‌ عند المؤمنين‌ والصادقين‌.

 أنوار جمال‌ توست‌ در ديدة‌ هر مؤمن‌                        آثار جلال‌ توست‌ در سينة‌ هر كافر[23]

 وَالَّذِينَ كَفَرُو´ا أَعْمَـ'لُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْـَانُ مَآءً حَتَّي‌'´ إذَا جَآءَهُ و لَمْ يَجِـدْهُ شَيْـًا وَوَجَدَ اللَهَ عِنْـدَهُ و فَوَفَّب'هُ حِسَـابَهُ و وَاللَهُ سَـرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَـ'تٍ فِي‌ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَب'هُ مَوْجٌ مِّن‌ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن‌ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـ'تٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ و لَمْ يَكَدْ يَرَبـ'هَا وَمَن‌ لَّمْ يَجْعَلِ اللَهُ لَهُ و نُورًا فَمَا لَهُ و مِن‌ نُّورٍ. [24]

 الرجوع الي الفهرس

تسرّب‌ الإسرائيليّات‌ بواسطة‌ أحبار اليهود الحديثي‌ عهد بالإسلام‌

 قال‌ أبو ريّة‌: وقال‌ الدكتور أحمد أمين‌:

 « اتّصل‌ بعض‌ الصحابة‌ بوهب‌ بن‌ منبّه‌، وكعب‌ الاحبار، وعبد الله‌ بن‌ سلام‌، واتّصل‌ التابعون‌ بابن‌ جريح‌، وهؤلاء كانت‌ لهم‌ معلومات‌ يروونها عن‌ التوراة‌ والإنجيل‌ وشروحهما وحواشيهما، فلم‌ ير المسلمون‌ بأساً من‌ أن‌ يقصّوها بجانب‌ آيات‌ القرآن‌ . فكانت‌ منبعاً من‌ منابع‌ التضخّم‌ » انتهي‌ .[25]

 من‌ أجل‌ ذلك‌ كلّه‌ أخذ أُولئك‌ الاحبار يبثّون‌ في‌ الدين‌ الإسلامي‌ّ أكاذيب‌ وترّهات‌. يزعمون‌ مرّةً أنّها في‌ كتابهم‌ أو من‌ مكنون‌ علمهم‌، ويدّعون‌ أُخري‌ أنّها ممّا سمعوه‌ من‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌، وهي‌ في‌ الحقيقة‌ من‌ مفترياتهم‌.

 وأنّي‌ للصحابة‌ أن‌ يفطنوا لتمييز الصدق‌ من‌ الكذب‌ من‌ أقوالهم‌ وهم‌ من‌ ناحية‌ لا يعرفون‌ العبرانيّة[26]‌ التي‌ هي‌ لغة‌ كتبهم‌ ، ومن‌ ناحية‌ أُخري‌ كانوا أقلّ منهم‌ دهاءً وأضعف‌ مكراً، وبذلك‌ راجت‌ بينهم‌ سوق‌ هذه‌ الاكاذيب‌، وتلقّي‌ الصحابة‌ ومن‌ تبعهم‌ كلّ ما يلقيه‌ هؤلاء الدهاة‌ بغير نقد أو تمحيص‌، معتبرين‌ أنّه‌ صحيح‌ لا ريب‌ فيه‌.

 وقبل‌ أن‌ نعرض‌ لبيان‌ بعض‌ الإسرائيليّات‌ التي‌ امتلات‌ بها كتب‌ التفسير والحديث‌ والتأريخ‌، نؤرّخ‌ هنا بإيجاز لزعماء هؤلاء الاحبار: كعب‌، ووهب‌، وعبد الله‌ بن‌ سلام‌.

 الرجوع الي الفهرس

ترجمة‌ كعب‌ الاحبار ووهب‌ بن‌ منبّه‌ وعبد الله‌ بن‌ سلام‌

كعب‌ الاحبار[27]

 هو كعب‌ بن‌ ماتع‌ الحِمْيَري‌ّ من‌ آل‌ ذي‌ رعين‌، وقيل‌ من‌ ذي‌ الكلاع‌، ويكنّي‌ أبا إسحاق‌ من‌ كبار أحبار اليهود، وعُرف‌ بكعب‌ الاحبار وأسلم‌ في‌ عهد عمر علي‌ التحقيق‌ وسكن‌ المدينة‌ في‌ خلافته‌، وكان‌ معه‌ في‌ فتح‌ القدس‌، ثمّ تحوّل‌ إلي‌ الشام‌ في‌ زمن‌ عثمان‌ فاستصفاه‌ معاوية‌ وجعله‌ من‌ مستشاريه‌ لكثرة‌ علمه‌.[28]

 كما كانوا يفهمون‌، وهو الذي‌ أمرهُ أن‌ يقصّ في‌ بلاد الشام‌ [29] وبذلك‌ « أصبح‌ أقدم‌ الاخباريّين‌ في‌ موضوع‌ الاحاديث‌ اليهوديّة‌ والإسلاميّة‌ » ، وبواسطة‌ كعب‌ وابن‌ منبّه‌ وسواهما من‌ اليهود الذين‌ أسلموا تسرّبت‌ إلي‌ الحديث‌ طائفةٌ من‌ أقاصيص‌ التلمود ـ الإسرائيليّات‌ ـ وما لبثت‌ هذه‌ الروايات‌ أن‌ أصبحت‌ جزءاً من‌ الاخبار الدينيّة‌ والتأريخيّة‌. وقال‌ عنه‌ الذهبي‌ّ في‌ « تذكرة‌ الحفّاظ‌ » إنّه‌ قدم‌ من‌ اليمن‌ في‌ دولة‌ أمير المؤمنين‌ عمر فأخذ عنه‌ الصحابة‌ وغيرهم‌، وروي‌ عنه‌ جماعة‌ من‌ التابعين‌ مرسلاً. مات‌ بِحمْص[30]‌ في‌ سنة‌ 32 أو 33 أو 38 بعدما ملا الشام‌ وغيرها من‌ البلاد الإسلاميّة‌ برواياته‌ اليهوديّة‌ وقصصه‌ المستمدّة‌ من‌ الاخبار، كما فعل‌ تميم‌ الداري‌ّ في‌ الاخبار النصرانيّة‌.[31]

 سبب‌ إسلامه‌

 ذكر هذا الكاهن‌ لإسلامه‌ سبباً عجيباً ليتسلّل‌ به‌ إلي‌ عقول‌ المسلمين‌ وقلوبهم‌. فقد أخرج‌ ابن‌ سعد بسندٍ صحيح‌ عن‌ سعيد بن‌ المسيّب‌ قال‌: قال‌ العبّاس‌ لكعب‌: ما منعك‌ أن‌ تسلم‌ في‌ عهد النبي‌ّ وأبي‌ بكر ؟! فقال‌: إنّ أبي‌ كتب‌ لي‌ كتاباً من‌ التوراة‌، فقال‌ أعجل‌ به‌ ! وختم‌ علي‌ سائر كتبه‌، وأخذ عَلَي‌َّ بحقّ الوالد علي‌ الولد ـ ألاّ أفضّ الختم‌ عنها. فلمّا رأيت‌ ظهور الإسلام‌، قلت‌ لعلّ أبي‌ غيّب‌ عنّي‌ علماً ! ففتحتها فإذا صفة‌ محمّد وأُمّته‌ ! فجئت‌ الآن‌ مسلماً !

 وهب‌ بن‌ منبّه‌

 ذكر المؤرّخون‌ أنّه‌ فارسي‌ّ الاصل‌ جاء جدّه‌ إلي‌ اليمن‌ في‌ جملة‌ مَن‌ بعثهم‌ كسري‌ لنجدة‌ اليمن‌ علي‌ الحبشة‌، فأقاموا هناك‌ وتناسلوا وصاروا يعرفون‌ بين‌ العرب‌ بالابناء أي‌ أبناء الفرس‌، ومنهم‌ طاووس‌ بن‌ كيسان‌ التابعي‌ّ المشهور.

 وكان‌ آباء وهب‌ علي‌ دين‌ الفرس‌ ـ المجوسيّة‌ أو الزردشتيّة‌ فلمّا أقاموا بين‌ اليهود باليمن‌، أخذوا عنهم‌ آداب‌ اليهود وتقاليدهم‌ فتعلّموا شيئاً من‌ النصرانيّة‌.

 وكان‌ يعرف‌ اليونانيّة‌ وعنده‌ من‌ علم‌ أهل‌ الكتاب‌ شي‌ء كثير، ولكن‌ ضعّفه‌ الفلاّس‌. [32]

 أدرك‌ عدّة‌ من‌ الصحابة‌ وروي‌ عنهم‌، وكذلك‌ روي‌ عنه‌ كثير من‌ الصحابة‌ منهم‌ أبو هريرة‌، وعبد الله‌ بن‌ عمر وابن‌ عبّاس‌ وغيرهم‌ وكان‌ للعرب‌ ثقة‌ به‌.

 وذكر الإمام‌ أحمد أنّ والده‌ منبّهاً فارسي‌ّ أخرجه‌ كسري‌ إلي‌ اليمن‌ فأسلم‌، وأنّ ابنه‌ وهباً كان‌ يخـتلف‌ من‌ بعـده‌ إلي‌ بـلاده‌ بعد فتـحها. ومن‌ أقواله‌:

 إنّي‌ قرأتُ من‌ كتب‌ الله‌ 72 كتاباً.

 وقال‌ الذهبي‌ّ في‌ « تذكرة‌ الحفّاظ‌ » إنّه‌ عالم‌ أهل‌ اليمن‌ ولد سنة‌ 34 ه ، وتُوفّي‌ بصنعاء سنة‌ 110 ه . أو بعد ذلك‌ بسنة‌ أو أكثر، وقيل‌: إنّه‌ تُوفِّي‌ سنة‌ 116 ه . [33]

  عبد الله‌ بن‌ سلام‌

 هو أبو الحارث‌ الإسرائيلي‌ّ، أسلم‌ بعد أن‌ قدم‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ المدينة‌، وهو من‌ أحبار اليهود، حدّث‌ عنه‌ أبو هريرة‌ وأنس‌ بن‌ مالك‌، وجماعة‌، وقال‌ فيه‌ وهب‌ بن‌ منبّه‌ الإسرائيلي‌ّ: كان‌ أعلم‌ أهل‌ زمانه‌، وكعب‌ أعلم‌ أهل‌ زمانه‌، وقد مات‌ سنة‌ 40 ه .[34]

 في‌ حين‌ أنّنا نجد أنّ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ منع‌ أُمّته‌ منعاً شديداً من‌ مراجعة‌ علماء اليهود وأخذ أخبارهم‌ وآثارهم‌.

 الرجوع الي الفهرس

الاحاديث‌ في‌ فضيلة‌ بيت‌ المقدس‌ موضوعة‌

 قصّة‌ صخرة‌ بيت‌ المقدس‌ بين‌ عمر وكعب‌ الاحبار

 لمّا افتُتِحت‌ إيليا وأرضها علي‌ يدي‌ عمر في‌ ربيع‌ الآخر سنة‌ 16 ه ودخل‌ عمر بيت‌ المقدس‌، دعا كعب‌ الاحبار وقال‌ له‌: أين‌ تري‌ أن‌ نجعل‌ المُصَلّي‌ ؟! فقال‌ كعب‌ الاحبار: إلي‌ الصخرة‌ ! [35] فقال‌ له‌ عمر: ضاهيتَ والله‌ اليهوديّة‌ ! يا كعب‌. وفي‌ رواية‌: يا بن‌ اليهوديّة‌ ![36] خالطتك‌ يهوديّة‌، أبنيه‌ في‌ صدر المسجد ؟! فإنّ لنا صدر المساجد. وقد رأيتك‌ وخلعك‌ نعليك‌ ! فقال‌: أحببتُ أن‌ أُباشره‌ بقدمي‌ !

 ولمّا أخذ في‌ تنظيف‌ بيت‌ المقدس‌ من‌ الكناسة‌ التي‌ كانت‌ الروم‌ قد دفنتها به[37]‌ ـ سمع‌ التكبير من‌ خلفه‌ وكان‌ يكره‌ سوء الرعة‌ في‌ كلّ شي‌ء. فقال‌: ما هذا ؟! فقالوا: كبّـر كعب‌ وكبّر الناس‌ بتكـبيره‌. فقال‌: عَلَي‌َّ به‌ ! فقال‌: يا أمير المؤمنين‌ ! إنّه‌ قد تنبّأ علي‌ ما صنعت‌ اليوم‌ نبي‌ّ منذ خمسمائة‌ سنة‌ !! قال‌: وكيف‌ ؟! قال‌: إنّ الروم‌ أغـاروا علي‌ بني‌ إسـرائـيل‌ فأديـلوا عليهم‌ فدفنوه‌. إلي‌ أن‌ وليتَ فبعث‌ الله‌ نبيّاً علي‌ الكناسة‌. فقال‌: أبشري‌ أُوري‌ شلم‌ ! عَلَيْكِ الفَارُوقُ يُنَقِّيكِ مِمَّا فِيكِ ![38] وفي‌ روايةٍ: أَتَاكِ الفَارُوقُ فِي‌ جُنْـدِي‌ المُطِـيعِ وَيُدْرِكُـونَ لاِهْلِـكِ بِثَأْرِكِ مِنَ الرُّومِ . إلي‌ آخر هذه‌ الخرافات‌ التي‌ افتجرها هذا الدجّال‌ الافّاك‌.

 وقد ظلّت‌ الصخرة‌ مكشوفةً في‌ خلافة‌ عمر وعثمان‌ مع‌ حكمهما علي‌ الشام‌، وكذلك‌ في‌ خلافة‌ علي‌ّ رضي‌ الله‌ عنه‌ وإن‌ كان‌ لم‌ يحكم‌ عليها. ثمّ كذلك‌ في‌ إمارة‌ معاوية‌ وابنه‌ وابن‌ ابنه‌. فلمّا كان‌ في‌ زمن‌ عبد الملك‌ وجري‌ بينه‌ وبين‌ ابن‌ الزبير من‌ الفتنة‌ ما جري‌ كان‌ هو الذي‌ بني‌ القبّة‌ علي‌ الصخرةِ.[39] وعظّم‌ عبد الملك‌ شأن‌ الصخرة‌ بما بناه‌ عليها وجعل‌ عليها من‌ الكسوة‌ في‌ الشتاء والصيف‌، ليكثر قصد الناس‌ للبيت‌ المقدس‌ فيشتغلوا بذلك‌ عن‌ قصد ابن‌ الزبير ـ وَالنَّاسُ عَلَي‌ دِينِ المُلُوكِ.

 وظهر من‌ ذلك‌ الوقت‌ من‌ تعظيم‌ الصخرة‌ ما لم‌ يكن‌ المسلمون‌ يعرفونه‌، وصار بعض‌ الناس‌ ينقل‌ الإسرائيليّات‌ في‌ تعظيمها، حتّي‌ روي‌ بعضهم‌ عن‌ كعب‌ الاحبار عند عبد الملك‌ بن‌ مروان‌ ـ وعروة‌ بن‌ الزبير حاضر أنّ الله‌ قال‌ للصخرة‌: أَنْتِ عَرْشِيَ الاَدْنَي‌ !

 وقد صنّف‌ طائفة‌ من‌ الناس‌ مصنّفات‌ في‌ فضائل‌ بيت‌ المقدس‌ وغيره‌ من‌ البقاع‌ التي‌ بالشام‌، وذكروا من‌ الآثار المنقولة‌ عن‌ أهل‌ الكتاب‌ وعمّن‌ أخذ عنهم‌ ما لا يحلّ للمسلمين‌ أن‌ يبنوا عليه‌ دينهم‌. وأمثل‌ من‌ ينقل‌ عنه‌ تلك‌ الإسرائيليّات‌ كعب‌ الاحبار. وكان‌ الشاميّون‌ قد أخذوا عنه‌ كثيراً من‌ الإسرائيليّات‌.

 وفي‌ « مرآة‌ الزمان‌ » لسبط‌ بن‌ الجوزي‌ّ: توقّفهم‌ فيما رواه‌ كعب‌ الاحبار عن‌ الرسول‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌، لانّه‌ أسلم‌ علي‌ يد الفاروق‌، وكان‌ يضربه‌ بالدرَّة‌ ويقول‌ له‌: دَعْنَا مِنْ يَهُودِيَّتِكَ ! [40]

 الرجوع الي الفهرس

الاحاديث‌ الموضوعة‌ في‌ تفضيل‌ بيت‌ المقدس‌ علي‌ الكعبة‌

 وقال‌ اليعقوبي‌ّ في‌ تاريخه‌: ومنع‌ عبد الملك‌ أهل‌ الشام‌ من‌ الحجّ، وذلك‌ أنّ ابن‌ الزبير كان‌ يأخذهم‌ إذا حجّوا بالبيعة‌. فلمّا رأي‌ عبد الملك‌ ذلك‌ منعـهم‌ من‌ الخـروج‌ إلي‌ مكّة‌ فضـجّ الناس‌ وقالـوا: تمنعـنا مـن‌ حجّ بيت‌ الله‌ الحرام‌ وهو فرض‌ من‌ الله‌ علينا ! فقال‌ لهم‌ : هذا ابن‌ شهاب‌ الزهري‌ّ يحدّثكم‌ أنّ رسول‌ الله‌ قال‌: لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلَي‌ ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي‌، وَمَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وَهُوَ يَقُومُ لَكُمْ مَقَامَ المَسْجِدِ الحَرَامِ. وَهَذِهِ الصَّخْرَةُ الَّتِي‌ يُرْوَي‌ أَنَّ رَسُولَ اللَهِ وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا لَمَّا صَعَدَ إلَي‌ السَّمَاءِ، تَقُومُ لَكُمْ مَقَامَ الكَعْبَةِ !

 فبني‌ ( عبد الملك‌ ) علي‌ الصخرة‌ قبّة‌، علّق‌ عليها ستور الديباج‌، وأقام‌ لها سَدَنَةً وأخذ الناسَ بأن‌ يطوفوا حولها كما يطوفون‌ حول‌ الكعبة‌. وأقام‌ بذلك‌ أيّام‌ بني‌ أُميّة‌. [41]

 وتبنّي‌ هذا الرأي‌ جولدتسيهر. وقد نقله‌ الاُستاذ الدكتور مصطفي‌ السباعي‌ّ في‌ كتابه‌ « السنّة‌ ومكانتها في‌ التشريع‌ الإسلامي‌ّ » عن‌ مسوّدة‌ للاُستاذ الدكتور علي‌ حسن‌ عبد القادر كما ألقاها علي‌ طلاّبه‌ في‌ الدرس‌، ولا تزال‌ المسوّدة‌ بخطّ الدكتور عبد القادر محفوظةً عند الاُستاذ الدكتور السباعي‌ّ. وفيما يأتي‌ بعض‌ ما جاء في‌ مسوّدة‌ الدكتور عبد القادر من‌ رأي‌ جولدتسيهر، قال‌:

 إنّ عبد الملك‌ بن‌ مروان‌ منع‌ الناس‌ من‌ الحجّ أيّام‌ فتنة‌ ابن‌ الزبير، وبني‌ قبّة‌ الصخرة‌ في‌ المسجد الاقصي‌ ليحجّ الناس‌ إليها ويطوفون‌ حولها بدلاً من‌ الكعبة‌. ثمّ أراد أن‌ يحمل‌ الناسَ علي‌ الحجّ إليها بعقيدة‌ دينيّة‌، فوجد الزهري‌ّ ـ وهو ذائع‌ الصيت‌ في‌ الاُمّة‌ الإسلاميّة‌ مستعدّاً لان‌ يضع‌ له‌ أحاديث‌ في‌ ذلك‌، فوضع‌ أحاديث‌، منها حديث‌: لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلَي‌ ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدي‌ هَذَا، وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الاَقْصَي‌ ، ومنها حديث‌: الصَّلاَةُ فِي‌ المَسْجِدِ الاَقْصَي‌ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ . وأمثال‌ هذين‌ الحديثين‌. والدليل‌ علي‌ أنّ الزهري‌ّ هو واضع‌ هذه‌ الاحاديث‌ أنّه‌ كان‌ صديقاً لعبد الملك‌، وكان‌ يتردّد عليه‌، وأنّ الاحاديث‌ التي‌ وردت‌ في‌ فضائل‌ بيت‌ المقدس‌ مرويَّةً من‌ طريق‌ الزهري‌ّ فقط‌... .[42]

 نعم‌، جاء في‌ كتاب‌ « الحـيوان‌ » للدمـيري‌ّ نقلاً عن‌ ابن‌ خلّـكان‌ أنّ عبد الملك‌ هو الذي‌ بني‌ القبّة‌ وعبارته‌ هكذا: بَنَاهَا عَبْدُ المَلِكِ وَكَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ.

 ورجّح‌ سائر المستشرقين‌، ما عدا جولدتسيهر، الرأي‌ القائل‌ بأنّ عبد الملـك‌ هو الذي‌ بني‌ القـبّة‌، لكنّـهم‌ لم‌ يذهـبوا إلي‌ ما ذهـب‌ إلـيه‌ ( جولدتسيهر ) من‌ أمره‌ الناس‌ الطواف‌ حولها، وإن‌ كان‌ أكثرهم‌ يعتقد سوءاً في‌ بني‌ أُميّة‌.

 يقول‌ المستشرق‌ يوليوس‌ فلهوزن‌: ولكي‌ يزيد خلفاء بني‌ أُميّة‌ في‌ رجحان‌ كفّة‌ الشام‌ من‌ الناحية‌ السياسيّة‌ حاولوا فيما حاولوا نقل‌ مركز الشعائر الدينيّة‌ إلي‌ الشام‌. وكان‌ ممّا استوجب‌ ذلك‌ أنّ ابن‌ الزبير ظلّ يحتلّ البيت‌ الحرام‌ في‌ مكّة‌ قرابة‌ من‌ عشر سنين‌، فلم‌ يكن‌ أهل‌ الشام‌ يستطيعون‌ الحجّ ماداموا علي‌ ولائهم‌ للاُسرة‌ الامويّة‌ إلاّ بمشقّة‌.

 وقد استغلّ عبد الملك‌ ذلك‌ لمنع‌ رعاياه‌ من‌ الحجّ إلي‌ مكّة‌، وحضّهم‌ علي‌ أن‌ يحجّوا إلي‌ بيت‌ المقدس‌ بدلاً من‌ أن‌ يحجّوا إلي‌ مكّة‌. وهذا ما يحكيه‌ ( أوتيخـيوس‌ ) علي‌ الاقلّ في‌ كتابه‌ « التاريخ‌ » . أمّا الذي‌ لا شـكّ فيه‌ فهو أنّ عبد الملك‌ جهد في‌ أن‌ يجعل‌ لبيت‌ المقدس‌ ـ باعتباره‌ مكاناً مقدّساً في‌ نظر الإسلام‌ مظهراً أروع‌ ممّا كان‌ له‌. وذلك‌ أنّ الدليل‌ علي‌ صدق‌ الرواية‌ القائلة‌ بأنّه‌ هو الذي‌ بني‌ قبّة‌ الصخرة‌ موجود في‌ النقش‌ الذي‌ لا يزال‌ باقياً في‌ الجزء القديم‌ من‌ هذا البناء.

 أمّا النقش‌ الحالي‌ فيُذكر فيه‌ اسم‌ المأمون‌ الخليفة‌ العبّاسي‌ّ، علي‌ أنّه‌ هو الباني‌، ولكن‌ ( دي‌ فوجي‌ ) اكتشف‌ أنّ اسم‌ المأمون‌ إنّما أُدخل‌ في‌ النقش‌ الاصلي‌ّ من‌ طريق‌ تصحيحٍ لكتابة‌ سابقة‌. وقد فات‌ علي‌ المصحّحين‌ أن‌ يصحّحوا التأريخ‌ القديم‌ الذي‌ يُبيّن‌ السنة‌ التي‌ كان‌ فيه‌ البناء. ويمكن‌ علي‌ هذا أن‌ يكون‌ النصّ الاصلي‌ّ علي‌ القطع‌ هكذا: « بني‌ هذا القبّة‌ في‌ سنة‌ 72 ه عبد الله‌ عبد الملك‌ أمير المؤمنين‌ » .[43]

 الروايات‌ في‌ فضل‌ الشام‌ كلّها مدسوسة‌ بوجود الامويّين‌

 الذين‌ كانوا قد اتّخذوها عاصمةً لملكهم‌

 

 قال‌ أبو ريّة‌: قال‌ كعب‌: إنَّ اللَهَ نَظَرَ إلَي‌ الاَرْضِ فَقَالَ: إنِّي‌ وَاطِي‌ٌ عَلَي‌ بَعْضِكِ فَاسْتَبْقَتْ لَهُ الجِبَالُ، وَتَضَعْضَعَتِ الصَّخْرَةُ، فَشَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَوَضَعَ عَلَيْهَا قَدَمَهُ.

 وقال‌: إنَّ العَرْضَ وَالحِسَابَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، مَقْبُورَ بَيْتِ المَقْدِسِ لاَ يُعَذَّبُ.

 وقال‌: هِيَ أَقْرَبُ إلَي‌ السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلاً، وَهِيَ أَرْضُ المَحْشَرِ وَالمَنْشَرِ.

 وقال‌: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّي‌ يَزُورَ البَيْتُ الحَرَامُ بَيْتَ المُقْدِسِ، فَيَنْقَادَانِ جَمِيعاً إلَي‌ الجَنَّةِ وَفِيهِمَا أَهْلُوهُمَا.

 وقال‌: إنَّ فِي‌ التَّورَاةِ إنَّهُ يَقُولُ لِصَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ: أَنْتِ عَرْشِي‌َ الاَدْنَي‌ وَمِنْكِ ارْتَفَعْتُ إلَي‌ السَّمَاءِ، وَمِنْ تَحْتِكِ بَسَطْتُ الاَرْضَ وَكُلَّ مَا يَسِيلُ مِنْ ذِرْوَةِ الجِبَالِ، مَنْ مَاتَ فِيكِ فَكَأَ نَّمَا مَاتَ فِي‌ السَّمَاءِ ... إلي‌ آخره‌.

 وعن‌ أبي‌ هريرة‌ ـ تلميذ كعب‌ الاحبار ـ أنّ النبي‌ّ قال‌: الاَنْهَارُ كُلَّهَا وَالسَّحَابُ وَالبِحَارُ وَالرِّيَاحُ تَحْتَ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ.

 وقال‌ كعب‌: قَالَ الله‌ عزّ وجلّ لبيت‌ المقدس‌: أَنْتِ جَنَّتِي‌ وَقُدْسِي‌ وَصَفْوَتِي‌ مِنْ بِلاَدِي‌ ! مَنْ سَكَنَكِ فَبِرَحْمَةٍ مِنِّي‌، وَمَنْ خَرَجَ مِنْكِ فَبِسَخَطٍ مِنِّي‌ عَلَيْهِ !

 وعن‌ كعب‌: اليوم‌ في‌ بيت‌ المقدس‌ كألف‌ يوم‌، والشهر كألف‌ شهر، والسنة‌ فيه‌ كألف‌ سنةٍ، ومَن‌ مات‌ فيه‌ فكأنّما مات‌ في‌ السماء، ومن‌ مات‌ حوله‌ فكأنّما مات‌ فيه‌.[44]

 وعن‌ وهب‌ بن‌ منبّه‌ قال‌: أهل‌ بيت‌ المقدس‌ جيران‌ الله‌ وحقّ الله‌ عزّ وجلّ ألاّ يعذّب‌ جيرانه‌، ومن‌ دُفن‌ في‌ بيت‌ المقدس‌ نجا من‌ فتنة‌ القبر وضيقه‌.

 وفي‌ حديـث‌: إنَّ الطَّائِـفَةَ مِنْ أُمَّـتِهِ الظَّاهِـرِينَ عَلَي‌ الحَقِّ وَالَّذِيـنَ لاَ يَضُـرُّهُمْ مَنْ خَالَفَـهُمْ حَتَّي‌ يَأْتِيَـهُمْ أَمْرُ اللَهِ، إنَّهُمْ فِي‌ بَيْـتِ المَقْـدِسِ وَأَكْنَافِهِ.

 وقال‌ العلاّمة‌ الاُستاذ نعمة‌ الله‌ السلجوقي‌ّ رئيس‌ فخر المدارس‌ بهرات‌ من‌ بلاد أفغانستان‌ وهو يقرظ‌ كتابنا «أضواءٌ عَلَي‌ السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّة‌» في‌ كتاب‌ قيّم‌ بعث‌ به‌ إلينا:

 أمّا الاحاديث‌ المرويّة‌ في‌ فضل‌ الشام‌ فنحن‌ نعترف‌ بأنّ أكثرها دسائس‌ إسرائيليّة‌. وفي‌ ذلك‌ ما رُوي‌ في‌ بعض‌ الكتب‌:

 إنَّ مَنْ أَهَلَّ مِنَ المَسْجِدِ الاَقْصَي‌ لِلحَجِّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.

 فهذه‌ الرواية‌ مع‌ ما تدلّ علي‌ أفضليّة‌ المسجد الاقصي‌ تؤدّي‌ إلي‌ الإلحاد وعدم‌ المبالاة‌ بإرتكاب‌ المعاصي‌ وتفتح‌ أبواب‌ الفسوق‌.

 ومن‌ الخرافات‌ التي‌ دسّها اليهود وأُدرجت‌ في‌ كتب‌ السير وبعض‌ التفاسـير: أنّ السماوات‌ بعضـها من‌ الفضّة‌ وبعضـها من‌ الزبـرجد، وأنّ السيّارات‌ مركوزة‌ في‌ السماوات‌ علي‌ الترتيب‌ المذكور في‌ كتب‌ اليونان‌، مثل‌ أنّ القمر مركوز بسماء الدنيا، والعُطَارِد بالثانية‌، وهكذا إلي‌ السابعة‌.

 وهكذا أنّ السماوات‌ موضوعة‌ علي‌ رأس‌ جبل‌ محيط‌ بالارض‌ يقال‌ له‌: قاف‌. وأنّ الارض‌ موضوعة‌ علي‌ قرن‌ ثور قائم‌ فوق‌ ظهر حوت‌ يسبح‌ في‌ الماء.

 كلّ ذلك‌ من‌ غفلة‌ العلماء، وعدم‌ مبالاتهم‌ بوخامة‌ عاقبة‌ ما دسّ أعداء الدين‌ بين‌ المسلمين‌. [45]

 الرجوع الي الفهرس

دور اليهود في‌ الاحاديث‌ التي‌ تفضّل‌ الشام‌

اليد اليهوديّة‌ في‌ تفضيل‌ الشام‌

 وقال‌ أبو ريّة‌ أيضاً: إنّ إشادة‌ كهّان‌ اليهود إلي‌ أنّ مُلك‌ النبي‌ّ سيكون‌ بالشام‌ إنّما هو لامرٍ خُبِّي‌َ في‌ أنفسهم‌. ونبيّن‌ هنا أنّ الشام‌ ما كان‌ ليُنال‌ من‌ الإشادة‌ بذكره‌، والثناء عليه‌، إلاّ لقيام‌ دولة‌ بني‌ أُميّة‌ فيه‌، تلك‌ الدولة‌ التي‌ قلبت‌ الحكم‌ من‌ خلافة‌ عادلة‌ إلي‌ ملك‌ عضوض‌، والتي‌ تحت‌ كنفها وفي‌ أيّامها نشأت‌ الفرق‌ الإسلاميّة‌ التي‌ فتّت‌ في‌ عضد الدولة‌ الإسلاميّة‌ ومزّقتها تمزيقاً واستفاض‌ فيـها وضع‌ الحـديث‌. فكان‌ جديـراً بكهـنة‌ اليهـود أن‌ ينتهزوا هذه‌ الفرصة‌ وينفخوا في‌ نار الفتنة‌، ويمدّوها بجيوش‌ الاكاذيب‌ والكيد. وكان‌ من‌ هذه‌ الاكاذيب‌ أن‌ بالغوا في‌ مدح‌ الشام‌ وأهله‌، وأنّ الخير كلّ الخير فيه‌، والشرّ كلّ الشرّ في‌ غيره‌.

 وعلي‌ أنّه‌ قد مرّ بك‌ ذرو ممّا قاله‌ هؤلاء الكهنة‌ في‌ أنّ ملك‌ النبي‌ّ سيكون‌ بالشام‌، وأنّ معاوية‌ قد زعم‌ أنّ الرسول‌ قد قال‌ له‌: إنّه‌ سيلي‌ الخلافة‌ من‌ بعده‌. وطلب‌ منه‌ أن‌ يختار الارض‌ المقدّسة‌ التي‌ فيها الابدال‌، فإنّا نكشف‌ هنا عن‌ جانب‌ آخر من‌ كيد الدهاء اليهودي‌ّ للمسلمين‌ ودينهم‌ وملكهم‌، ذلك‌ أنّهم‌ لم‌ يكتفوا بما قالوه‌ في‌ الشام‌ ممّا أتينا علي‌ بعضه‌ من‌ قبل‌، بل‌ زادوا علي‌ ذلك‌ بأن‌ جعلوا الطائفة‌ الظاهرة‌ علي‌ الحقّ تكون‌ في‌ الشام‌ كذلك‌، وحتّي‌ نزول‌ عيسي‌ الذي‌ قالوا عنه‌ سيكون‌ بأرضه‌... .

 وفي‌ « كشف‌ الخفاء » أنّ كعب‌ الاحبار قال‌: أهل‌ الشام‌ سيف‌ من‌ سيوف‌ الله‌ ينتقم‌ الله‌ بهم‌ من‌ العصاة‌. [46]

 ولعلّ العصاة‌ هنا هم‌ الذين‌ لا ينضوون‌ تحت‌ لواء معاوية‌ ويتّبعون‌ غيره‌، وغيره‌ هو علي‌ّ رضي‌ الله‌ عنه‌... .

 وعن‌ نافع‌، عن‌ ابن‌ عمر، عن‌ كعب‌ قال‌: تَخْرُجُ نَارٌ تَحْشِـدُ النَّاسَ فَإذَا سَمِعْتُمْ بِهَا فَاخْرُجُوا إلَي‌ الشَّامِ .[47] وابن‌ عمر هو أحد تلاميذ كعب‌.

 ومن‌ أحاديث‌ « الجامع‌ الصغير » للسيوطي‌ّ التي‌ أشَّرَ عليها بالصحّة‌:

 الشَّامُ صَفْوَةُ اللَهِ مِنْ بِلاَدِهِ، إلَيْهَا يَجْتَبِي‌ صَفْوَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الشَّامِ إلَي‌ غَيْرِهَا فَبِسَخَطِهِ، وَمَنْ دَخَلَهَا فَبِرَحْمَتِهِ. طُوبَي‌ لِلشَّامِ، إنَّ الرَّحْمَنَ لَبَاسِطٌ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِ.

 لَيَبْعَثَنَّ اللَهُ مِنْ مَدِينَةٍ بِالشَّامِ يُقَالُ لَهَا «حِمْصُ» سَبْعِينَ أَلْفاً يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ. يَبْعَثُهُمْ فِيمَا بَيْنَ الزَّيْتُونِ وَالحَائِطِ... . إلي‌ آخره‌.

 ومدينة‌ حِمْص‌ هذه‌ يجب‌ أن‌ يكون‌ لها هذا الشأن‌ العظيم‌ حتّي‌ في‌ الآخرة‌ بحيث‌ لايُدانيها في‌ ذلك‌ مدينة‌ أُخري‌ حتّي‌ مدينة‌ النبي‌ّ ! ... وذلك‌ لانّ الكاهن‌ اليهودي‌ّ ـ الذي‌ يعدّه‌ كثير من‌ شيوخ‌ المسلمين‌ أنّه‌ من‌ كبار التابعين‌ قد اتّخذها مقاماً له‌، ثمّ ضمّت‌ رُفاته‌ بعد موته‌. ولا نُطيل‌ بإيراد كلّ ما لدينا من‌ هذه‌ الاخبار لانّ ما جئنا به‌ فيه‌ الكفاية‌.

 ثمّ ذكر أبو ريّة‌ مفصّلاً انتقادات‌ ابن‌ تيميّة‌، وابن‌ كثير، وابن‌ خلدون‌ لكعب‌ وإسرائيليّاته‌، وقال‌ بعد ذلك‌:

 ولم‌ نجد في‌ هذا العصر، بل‌ في‌ العصور الاخيرة‌ من‌ فطن‌ لدهاء كعب‌ ووهب‌ وكيدهما، مثل‌ الفقيه‌ المحدّث‌ السيّد محمّد رشيد رضا رحمه‌ الله‌. وإنّي‌ انقل‌ هنا بعض‌ ما قاله‌ في‌ كعب‌ خاصّة‌. وفيه‌ وفي‌ زميله‌ وهب‌ عامّة‌.

 قال‌ في‌ كعب‌ ردّاً علي‌ من‌ وصفوه‌ بأنّه‌ كان‌ من‌ أوعية‌ العلم‌ ما يلي‌:[48]

 إنّ ثبوت‌ العلم‌ الكثير لا يقتضي‌ نفي‌ الكذب‌. وكان‌ جُلُّ علمه‌ عندهم‌ ما يرويه‌ عن‌ التوراة‌ لِيُقْبَلَ، وغيرها من‌ كتب‌ قومه‌ وينسبه‌ إليها لِيُقْبَلَ. ولا شكّ أنّه‌ كان‌ من‌ أذكي‌ علماء اليهود قبل‌ إسلامه‌ وأقدرهم‌ علي‌ غشّ المسلمين‌ بروايته‌ بعده‌.

 الرجوع الي الفهرس

الصحابة‌ غير معصومين‌ في‌ معرفة‌ الاشخاص

 وقال‌ عنه‌: إنّه‌ كان‌ من‌ زنادقة‌ اليهود الذين‌ أظهروا الإسلام‌ والعبادة‌ لِتُقبل‌ أقوالهم‌ في‌ الدين‌. وقد راجت‌ دسيسته‌ حتّي‌ انخدع‌ به‌ بعض‌ الصحابة‌ ورووا عنه‌، وصاروا يتناقلون‌ قوله‌ بدون‌ إسناد إليه‌، حتّي‌ ظنّ بعض‌ التابعين‌ ومن‌ بعدهم‌ أنّها ممّا سمعوه‌ عن‌ النبي‌ّ.

 وأدخلها بعض‌ المؤلّفين‌ في‌ الموقوفات‌ التي‌ لها حكم‌ المرفوع‌ كما قال‌ الحافظ‌ ابن‌ كثير في‌ مواضع‌ من‌ تفسيره‌.[49]

 وقال‌ عنه‌: إنّه‌ كان‌ بُركان‌ الخـرافـات‌ وأجـزم‌ بكـذبه‌، بل‌ لا أثق‌ بإيمانه‌.[50]

 وقال‌ فيهما معاً ـ أي‌ّ كعب‌ ووهب‌: [51]

 « إنّ شرّ رواة‌ هذه‌ الإسرائيليّات‌، أو أشدّهم‌ تلبيساً وخداعاً للمسلمين‌ هذان‌ الرجلان‌. فلا تجد خُرافة‌ دخلت‌ في‌ كتب‌ التفسير والتأريخ‌ الإسلامي‌ّ في‌ أُمور الخلق‌ والتكوين‌ والانبياء وأقوامهم‌، والفتن‌ والساعة‌ والآخرة‌، إلاّ وهي‌ منهما مضرب‌ المثل‌ في‌ كلّ وادٍ أثرٌ من‌ ثعلبة‌ ، ولا يهولنّ أحداً انخداعُ بعض‌ الصحابة‌ والتابعين‌ بما بثّاه‌ وغيرهما من‌ هذه‌ الاخبار، فإنّ تصديق‌ الكاذب‌ لا يسلم‌ منه‌ أحد البشر ولا المعصومين‌ من‌ الرُّسل‌.

 فإنّ العصـمة‌ إنّما تتعـلّق‌ بتبلـيغ‌ الرسـالة‌ والعـمل‌ بها، فالرسـل‌ معصومون‌ من‌ الكذب‌ ومن‌ الخطأ في‌ التبليغ‌ ومن‌ العمل‌ بما ينافي‌ ما جاؤوا به‌ من‌ التشريع‌، لانّ هذا ينافي‌ القدوة‌ ويُخلّ بإقامة‌ الحجّة‌ . ولكن‌ الرسول‌ إذا صدّق‌ الكاذب‌ في‌ أمر يتعلّق‌ به‌ وبعمله‌، أو بمصلحة‌ الاُمّة‌، فإنّ الله‌ تعالي‌ يبيّن‌ له‌ ذلك‌ ومنه‌ ما كان‌، من‌ بعض‌ أزواجه‌، الذي‌ نزل‌ فيه‌ أوّل‌ سورة‌ التحريم‌، وعلم‌ من‌ قوله‌ تعالي‌ فيها : قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـ'ذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.[52]

 أي‌: أنّه‌ لم‌ يعلم‌ المكيدة‌ بمَلَكة‌ العصمة‌، بل‌ بوحي‌ الله‌ تعالي‌ بعد وقوعـها. ومنه‌ قوله‌ تعالي‌ فيما كان‌ كذب‌ عليه‌ بعض‌ المنافقـين‌ الذين‌ اعتـذروا عن‌ الخـروج‌ معه‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ إلي‌ تبـوك‌: عَفَا اللَهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّي‌'´ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَـ'ذِبِينَ... .[53]

 وقال‌ رحمهُ الله‌:[54] وإنّا بعد اختبارنا ثلث‌ قرن‌ قضيناه‌ في‌ معالجة‌ الشبهات‌ ومناظرة‌ الملاحدة‌ وأمثالهم‌ من‌ خصوم‌ الإسلام‌ والردّ عليهم‌ قولاً وكتابةً، قد ثبت‌ عندنا أنّ روايات‌ كعب‌، ووهب‌ في‌ كتب‌ التفسير والقصص‌ والتأريخ‌، كانت‌ شبهات‌ كثيرة‌ للمؤمنين‌، لا للملاحدة‌ والمارقين‌ وحدهم‌. وأنّ المستقلّين‌ في‌ الرأي‌ لا يقبلون‌ ما قالوه‌: إنّ كلّ من‌ قال‌ جمهور رجال‌ الجرح‌ والتعديل‌ بعدالته‌ فهو عدل‌، وإن‌ ظهر لمن‌ بعدهم‌ فيه‌ من‌ أسباب‌ الجرح‌ ما لم‌ يظهر لهم‌.

 وقال‌ رحمه‌ الله‌: رأينا الشي‌ء الكثير في‌ رواياتهما ممّا نقطع‌ بكذبه‌، لمخالفة‌ ما روياه‌ ممّا كانا يعزوانه‌ للتوراة‌ وغيرها من‌ كتب‌ الانبياء، فجزمنا بكذبهما وهو ممّا لم‌ يكن‌ يعلمه‌ المتقدّمون‌، لأنّهم‌ لم‌ يطّلعوا علي‌ كتب‌ أهل‌ الكتاب‌.

 والطعن‌ في‌ روايتهما يدفع‌ شبهات‌ كثيرة‌ عن‌ كتب‌ الإسلام‌ ولا سيّما تفسير كتاب‌ الله‌ المحشوّ بالخرافات‌.

 وقال‌ كذلك‌ عن‌ روايتهما: إنّ أكثرها خرافات‌ إسرائيليّة‌ شوّهت‌ كتب‌ التفسير وغيرها من‌ الكتب‌، وكانت‌ شبهاً علي‌ الإسلام‌ يحتجّ بها أعداؤه‌ الملاحدة‌ أنّه‌ كغيره‌ دين‌ خرافات‌ وأوهام‌، وما كان‌ فيها غير خرافة‌ فقد تكون‌ الشبهة‌ فيه‌ أكبر كالذي‌ ذكره‌ كعب‌ من‌ صفة‌ النبي‌ّ في‌ التوراة‌.[55]

 وعلي‌ أنّ الائمّة‌ المحقّقين‌ قد طعنوا في‌ رواية‌ هذين‌ الكاهِنَين‌، ولا يزال‌ يوجد بيننا ـ وآسفاه‌ ـ مَن‌ يثق‌ بهما، ويصدّق‌ ما يرويانه‌، ولا يقبل‌ أي‌ّ كلام‌ فيهما.[56]

 وقال‌ أبو ريّة‌ أيضاً: وإليك‌ مثلاً من‌ هذا الكيد في‌ أمر خطير تحوّل‌ به‌ التأريخ‌ الإسلامي‌ّ عن‌ مجراه‌:

 الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـ «مهـر تابـان‌» (= الشـمـس‌ الساطـعة‌). في‌ ذكـري‌ العلاّمة‌ العالم‌ الربّاني‌ّ السـيّد محمّد حسين‌ الطباطبائي‌ّ التبريزي‌ّ وحوار التلميذ معه‌، ص‌ 46 و 47.

[2] ـ «شيخ‌ المضيرة‌ أبو هريرة‌ الدوسي‌ّ» ص‌ 206. الطبعة‌ الثانية‌، عن‌ كتاب‌ «قبول‌ الاخبار ومعرفة‌ الرجال‌» لابي‌ القاسم‌ البلخي‌ّ، ص‌ 59.

[3] ـ «شيخ‌ المضيرة‌» ص‌ 210.

[4] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 72. الطبعة‌ الثالثة‌.

[5] ـ «شرح‌ عهد الإمام‌ أمير المؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ إلي‌ مالك‌ الاشتر» ص‌ 302.

[6] ـ كان‌ أبو البختري‌ّ قاضي‌ مدينة‌ النبي‌ّ بعد بكّار بن‌ عبد الله‌، ثمّ ولي‌ قضاء بغداد بعد أبي‌ يوسف‌ صاحب‌ أبي‌ حنيفة‌، توفّي‌ سنة‌ 200 ه في‌ خلافة‌ المأمون‌. («تفسير القرطبي‌ّ» ج‌ 1. ص‌ 69 ).

[7] ـ يمكن‌ أن‌ تكون‌ سَبْق‌ بسكون‌ الباء بمعني‌ المسابقة‌، ويمكن‌ أن‌ تكون‌ سَبَق‌ بفتحها بمعني‌ ما يتراهن‌ عليه‌ المتسابقون‌.

[8] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 126.

[9] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 128.

[10] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 129.

[11] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 129.

[12] ـ «شرح‌ نهج‌ البلاغة‌» ج‌ 1. ص‌ 361. الطبعة‌ القديمة‌.

[13] ـ هذه‌ المصائب‌ التي‌ حلّت‌ كلّها بالاءسلام‌ تقوم‌ علي‌ أساس‌ عدالة‌ جميع‌ الصحابة‌. وهي‌ النظريّة‌ التي‌ تجعل‌ معاوية‌ وأضرابه‌ عدولاً غير مذنبين‌ وإن‌ بَلَغَ مَبْلَغُ جِنَايَاتِهِمْ مَا بَلَغَ. «وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَي‌ النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ» (الآية‌ 101. من‌ السورة‌ 9: التوبة‌).

 فكيف‌ يكون‌ جميع‌ الصحابة‌ الذين‌ كانوا بالمدينة‌ عدولاً معصومين‌ مع‌ صراحة‌ هذه‌ الآية‌ الكريمة‌ ؟! قال‌ المرحوم‌ السيّد شرف‌ الدين‌ العاملي‌ّ في‌ رسالته‌ «إلي‌ المجمع‌ العلمي‌ّ العربي‌ّ بدمشق‌» ص‌ 88: والقرآن‌ الكريم‌ يُثبت‌ كثرة‌ المنافقين‌ علي‌ عهد النبي‌ّ، وإخواننا يوافقوننا علي‌ ذلك‌، لكنّهم‌ يقولون‌: إنّ الصحابة‌ بعد النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ بأجمعهم‌ عدول‌، حتّي‌ كأنّ وجود النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ بين‌ ظهرانيهم‌ كان‌ موجباً لنفاق‌ المنافقين‌ منهم‌. فلمّا لحق‌ بالرفيق‌ الاعلي‌، وانقطع‌ الوحي‌، حَسُنَ إسلام‌ المنافقين‌، وتمّ إيمانهم‌، فإذا هم‌ أجمعون‌ أكتعون‌ أبصعون‌ ثقات‌ عدول‌ مجتهدون‌ لا يُسألون‌ عمّا يفعلون‌، وإن‌ خالفوا النصوص‌، ونقضوا محكماتها انتهي‌.

 وأنا أقول‌: في‌ ضوء هذا المنطق‌ السقيم‌ يكون‌ النبي‌ّ عياذاً بالله‌ خَسْرَةً للعالَمين‌ لا رَحْمَةً للعالمين‌. لانّ وجوده‌ كان‌ سبباً للنفاق‌، وبموته‌ نزلت‌ الرحمة‌ وأصبح‌ المنافقون‌ برمّتهم‌ مسلمين‌ معصومين‌ عدولاً موثّقين‌ مجتهدين‌ في‌ أُمور الدين‌ تلقائيّاً بلا توبة‌ منهم‌ ولا تغيير في‌ أنفسهم‌.

[14] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 130. وقال‌ أبو ريّة‌ في‌ الهامش‌: لم‌ يكن‌ معاوية‌ من‌ كتّاب‌ الوحي‌ ولا خطّ بقلمه‌ لفظةً واحدةً من‌ القرآن‌.

[15] ـ وكان‌ (ابن‌ إسحاق‌) يحمل‌ عن‌ اليهود والنصاري‌، ويسمّيهم‌ في‌ كتبه‌: أهل‌ العلم‌ الاوّل‌. («معجم‌ الاُدباء» ج‌ 18. ص‌ 8 ).

[16] ـ «مقدّمة‌ ابن‌ خلدون‌» ص‌ 439.

[17] ـ «مقدّمة‌ ابن‌ خلدون‌» ص‌ 9 و 10.

[18] ـ نقل‌ الشيخ‌ محمّد جواد مغنيّة‌ في‌ كتاب‌ «الشيعة‌ في‌ الميزان‌» ص‌ 285 و 286. موضوعاً عن‌ الدكتور طه‌ حسين‌ يدلّ علي‌ إنصاف‌ الدكتور واستقصائه‌ في‌ البحث‌ عقّاً. ولمّا كان‌ يقف‌ من‌ حيث‌ الفكر والرأي‌ في‌ النقطة‌ المقابلة‌ لفكر ابن‌ خلدون‌ ورأيه‌، لذا من‌ المناسب‌ أن‌ ننقله‌ هنا أيضاً. يقول‌ الشيخ‌ مغنيّة‌: أخرج‌ الدكتور المجلّد الثاني‌ من‌ كتابه‌ الكبير «الفتنة‌ الكبري‌»، وموضوع‌ هذا المجلّد «علي‌ّ وبنوه‌» ابتدأه‌ بخلافة‌ الإمام‌ علي‌ّ، وختمه‌ بمقتل‌ ولده‌ الحسين‌، ذكر ما قاله‌ الرسول‌ وأصحاب‌ الرسول‌ في‌ مدح‌ علي‌ّ، وأنّه‌ كان‌ أهلاً لتلك‌ الفضائل‌، ولاكثر منها، وأنّه‌ علي‌ الرغم‌ من‌ الخطوب‌ والمحن‌ التي‌ توالت‌ عليه‌ من‌ كلّ جانب‌ كان‌ يمضي‌ علي‌ الحقّ لا يلوي‌ علي‌ شي‌ء مهما تكن‌ العاقبة‌. أمّا أخصام‌ الإمام‌ كعائشة‌، ومعاويةٍ، وابن‌ العاص‌، وطلحة‌، والزبير، وغيرهم‌ فقد عارضوه‌ وخاصموه‌ ليصرفوا الامر عنه‌ إلي‌ أهوائهم‌ وأغراضهم‌. ـ وهذه‌ الحقيقة‌ أثبتها الدكتور بالوقائع‌ والارقام‌ ـ وإليك‌ هذا المثال‌ علي‌ أُسلوبه‌ في‌ إثبات‌ الحقائق‌، قال‌: «من‌ الممكن‌ أن‌ يقال‌: إنّ معاوية‌ اجتهد للناس‌ فأخطأ أو أصاب‌، لكنّه‌ قاتل‌ عليّاً علي‌ دم‌ عثمان‌ من‌ جهة‌، وعلي‌ أن‌ يردّ الخلافة‌ شوري‌ بين‌ المسلمين‌ من‌ جهة‌ أُخري‌. فلمّا استقام‌ له‌ السلطان‌ نسي‌ ما قاتل‌ عليه‌، أو أعرض‌ عمّا قاتل‌ عليه‌» أي‌: بعد أن‌ أصبح‌ معاوية‌ دكتاتوراً لم‌ يتتبّع‌ قتلة‌ عثمان‌، وجعل‌ الخلافة‌ كِسرويّة‌ وقيصريّة‌، فنقلها إلي‌ ولده‌ الطاغية‌ يزيد بالقهر عن‌ المسلمين‌. بهذا المنطق‌ السليم‌ حاكم‌ الدكتور جميع‌ القضايا التي‌ تعرّض‌ لها في‌ كتابه‌. أمّا النتيجة‌ التي‌ انتهي‌ إليها فهي‌ أنّ الذين‌ حاربوا عليّاً، وكادوا له‌، وعارضوه‌ فيما كان‌ يراه‌ من‌ حقّ، هم‌ وحدهم‌ السبب‌ في‌ محنة‌ الإسلام‌ من‌ ذلك‌ العهد حتّي‌ آخر يوم‌، وهم‌ وحدهم‌ الذين‌ أُورثوا المسلمين‌ عناءً وخلافاً لم‌ ينقضيا، ولن‌ ينقضيا إلي‌ أن‌ يشاء الله‌.

[19] ـ تُرجمت‌ «مقدّمة‌ ابن‌ خلدون‌» إلي‌ الفارسيّة‌، وقال‌ مترجمها السيّد محمّد بروين‌ الكنابادي‌ّ في‌ الجزء الاوّل‌، ص‌ 405 معترضاً علي‌ ابن‌ خلدون‌ ورادّاً عليه‌ في‌ هامشٍ له‌ بما نصّه‌: إنّ الشعوب‌ الكثيرة‌ التي‌ آمنت‌ بالإسلام‌ إيماناً تامّاً، ولا يمكن‌ اعتبار عقيدتها توهّماً أو الذهاب‌ إلي‌ أنّها تنزع‌ إلي‌ الإلحاد، أدركت‌ هذه‌ الحقيقة‌، وهي‌ أنّ عداء معاوية‌ لآل‌ علي‌ّ عليه‌ السلام‌ ينطلق‌ من‌ حبّ الرئاسة‌ والجاه‌ والعلوّ في‌ الارض‌ فحسب‌. وهذه‌ حقيقة‌ استوعبها حتّي‌ المحايدون‌ والاُوروبّيّون‌. وهو ما نلحظه‌ عند دسلان‌ مترجم‌ «المقدّمة‌» إلي‌ الفرنسيّة‌، فإنّه‌ لم‌ يسكت‌ عنها، فنسب‌ في‌ هامش‌ ص‌ 418. من‌ الجزء الاوّل‌ رأي‌ ابن‌ خلدون‌ هذا إلي‌ عقائد السنّة‌ وقال‌: ألا نجد في‌ كلام‌ ابن‌ خلدون‌ اعترافاً ضمنيّاً بأنّ معاوية‌ كان‌ في‌ عدائه‌ لعلي‌ّ رجلاً محبّاً للشهرة‌ والجاه‌، وأنّه‌ كان‌ يسوق‌ الإسلام‌ نحو حكومة‌ ارستقراطيّة‌ (حكومة‌ إترافيّة‌) ؟! لكن‌ لمّا كانت‌ عصبيّة‌ ابن‌ خلدون‌ متوكّئة‌ علي‌ حكومة‌ الارستقراطيّين‌ والنبلاء فإنّه‌ استساغ‌ منهج‌ معاوية‌، وآثر رأيه‌ علي‌ حساب‌ الحقّ مضحّياً بالحقّ فداءً لرأيه‌ المتعصّب‌.

[20] ـ يرفض‌ الدكتور أحمد أمين‌ المصري‌ّ في‌ كتاب‌ «يوم‌ الإسلام‌» ص‌ 65 إلي‌ 67 بشدّة‌ الاستبداد بالخلافة‌ وجعلها مُلكاً وتبديلها إلي‌ إمارةٍ وراثيّة‌ مستبدّة‌ علي‌ هوي‌ معاوية‌. وله‌ حديث‌ طويل‌ حول‌ كيفيّة‌ افتراق‌ الحكومة‌ الإسلاميّة‌ بلغ‌ به‌ إلي‌ قوله‌:... لا سيّما بعد أن‌ قالوا بحرمة‌ الاجتهاد ووقفوا عند حدٍّ محدود من‌ الفروع‌. وهذا ما جعل‌ ذلك‌ الضعف‌ الكامن‌ ينمو في‌ جسم‌ الاُمّة‌ نموّاً جعلها تأنس‌ بحياة‌ السكون‌ والاستسلام‌، وتعطي‌ أزمّتها إلي‌ الاُمراء والحكّام‌ حتّي‌ في‌ عصر زال‌ فيه‌ الاعتقاد بوجوب‌ الطاعة‌ العمياء للاُمراء وجوباً دينيّاً. ومع‌ هذا الخلاف‌ الشديد بين‌ المسلمين‌ فقد استطاع‌ معاوية‌ وأهل‌ بيته‌ من‌ الامويّين‌ أن‌ يقضوا علي‌ هذه‌ الخلافات‌ بشتّي‌ الوسائل‌ ويؤسّسوا إمبراطوريّة‌ من‌ أوسع‌ الإمبراطوريّات‌ تعلو فيها مآذن‌ المساجد في‌ الهواء، ويؤذّن‌ المؤذّنون‌ فيملاون‌ الجوّ بأذانهم‌ وبذلك‌ اتّسعت‌ رقعة‌ العالم‌ الإسلامي‌ّ فاستولوا علي‌ أكثر الاندلس‌ وفتحوا عدداً من‌ المدن‌ في‌ جنوبي‌ فرنسا. وفي‌ تمام‌ المائة‌ سنة‌ بعد وفاة‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ كان‌ العرب‌ يحكمون‌ مملكةً واسعة‌ أكبر من‌ المملكة‌ الرومانيّة‌ تمتدّ من‌ حدود الصين‌ إلي‌ شلاّلات‌ النيل‌ السفلي‌، ومن‌ الجنوب‌ الغربي‌ّ في‌ أُوروبّا حتّي‌ غربي‌ آسيا وأواسطها. وعاصمة‌ هذه‌ المملكة‌ دمشق‌ كما استطاعوا أن‌ يغيّروا أكبر مظهرين‌ من‌ مظاهر المملكة‌ وهما: تحويل‌ الدواوين‌ إلي‌ عربيّة‌ وتخلّصهم‌ من‌ الدخلاء الذين‌ كانوا يضطرّون‌ إليهم‌ في‌ تدوين‌ الدواوين‌. والثاني‌: صكّ النقود. وقد ظلّوا طوال‌ هذه‌ العهود يتعاملون‌ بالنقود الرومانيّة‌ والفارسيّة‌. فلمّا اطمأنّوا واتّسع‌ ملكهم‌ بدأوا يصكّون‌ نقودهم‌ بأنفسهم‌. وبذلك‌ أصبحت‌ هذه‌ المملكة‌ الواسعة‌ مملكة‌ بمعني‌ الكلمة‌. وقد بلغت‌ هذه‌ المملكة‌ أقصي‌ سعتها في‌ هذا العصر الاموي‌ّ ثمّ أخذت‌ تنشقّ قليلاً قليلاً في‌ العصـر العبّاسي‌ّ وفيما بعد ذلك‌ من‌ عصـور. وبمعاوية‌ انتقل‌ الامر من‌ خلافة‌ إلي‌ ملـك‌ عضوض‌. والفرق‌ بينهما أنّ الخلافة‌ أساسها اقتفاء أثر الرسول‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ والاعتماد في‌ حلّ المشاكل‌ علي‌ شوري‌ أهل‌ الحلّ والعقد واختيار الخليفة‌ منهم‌ حسب‌ ما يرون‌ أنّه‌ الاصلح‌. أمّا الملك‌ فيشبه‌ الملوك‌ الاقدمين‌ من‌ فرس‌ وروم‌، واستبداد بالرأي‌ وقصر الخلافة‌ علي‌ الابناء أو الاقرباء ولو لم‌ يكونوا صالحين‌ لذلك‌. وهذا كلّه‌ ما فعله‌ معاوية‌. ونموذج‌ الخلافة‌ ما قاله‌ الاعرابي‌ لعمر: لَوْ رَأَيْنَا فِيكَ اعْوِجَاجاً لَقَوَّمْنَاهُ بِسُيُوفِنَا. ونموذج‌ الملك‌ ما قاله‌ عبد الملك‌ بن‌ مروان‌: مَنْ قَالَ بِلِسَـانِهِ هَكَذَا قُلْنَا بِسَـيْفِنَا هَكَذَا ! والحقّ أنّ معاوية‌ ساد الناس‌ بالغلبة‌ لا بالاختيار، ثمّ استبدّ بتسيير الاُمور.

[21] ـ «مقدّمة‌ ابن‌ خلدون‌» الفصل‌ 28. ص‌ 202 إلي‌ 206.

[22] ـ الآية‌ 40. من‌ السورة‌ 24: النور.

[23] ـ للمغربي‌ّ. يقول‌: «أنوار جمالك‌ تتجلّي‌ في‌ عين‌ كلّ مؤمن‌. وآثار جلالك‌ تنعكس‌ في‌ صدر كلّ كافر».

[24] ـ الآيتان‌ 39 و 40. من‌ السورة‌ 24: النور.

[25] ـ «ضحي‌ الإسلام‌» ج‌ 2. ص‌ 139. وكنّا قد ذكرنا هذا الكلام‌ في‌ الجزء الرابع‌ عشر من‌ كتابنا هذا «معرفة‌ الإمام‌» الدرس‌ 201 إلي‌ 210.

[26] ـ روي‌ البخاري‌ّ عن‌ أبي‌ هريرة‌: أنّ أهل‌ الكتاب‌ كانوا يقرؤون‌ التوراة‌ بالعبرانيّة‌، ويفسّرونها بالعربيّة‌ لاهل‌ الإسلام‌ (ج‌ 2. ص‌ 285 ).

[27] ـ كان‌ الاُستاذ سعيد الافغاني‌ّ قد نشر بمجلّة‌ «الرسالة‌» مقالة‌ ذكر فيها أنّ الصهيوني‌ّ الاوّل‌ هو عبد الله‌ بن‌ سبأ، فرددنا عليه‌ بمقالٍ مفصّل‌ أثبتنا فيه‌ أنّ الصهيوني‌ّ الاوّل‌ هو كعب‌ الاحبار، ونشر هذا الردّ بالعدد 656 من‌ «الرسالة‌».

[28] ـ «الإسلام‌ والحضارة‌ العربيّة‌» ص‌ 164. وكيف‌ لا يوصف‌ كعب‌ بكثرة‌ العلم‌ وقد قال‌ لقيس‌ بن‌ خرشة‌ القيسي‌ّ: ما من‌ شبر في‌ الارض‌ إلاّ وهو مكتوب‌ في‌ التوراة‌ التي‌ أنزل‌ علي‌ نبيّه‌ موسي‌ عليه‌ السلام‌ ـ ما يكون‌ عليه‌ وما يخرج‌ منه‌ إلي‌ يوم‌ القيامة‌ ؟ رواه‌ الطبري‌ّ، والبيهقي‌ّ في‌ «دلائل‌ النبوّة‌» و«الاستيعاب‌» لابن‌ عبد البرّ، ج‌ 2. ص‌ 533.

[29] ـ «الإصابة‌» ج‌ 5. ص‌ 323.

[30] ـ علي‌ أنّ كعباً قد مات‌ بحمص‌ ودُفن‌ بها فأنّهم‌ في‌ مصر قد جعلوا له‌ قبراً أقاموا عليه‌ قبّة‌ عالية‌ يزورها الناس‌ ويتبرّكون‌ بها، وهذه‌ القبّة‌ قائمة‌ بمسجدٍ كبير في‌ شارع‌ الناصريّة‌ في‌ القاهـرة‌ تنفق‌ عليه‌ وزارة‌ الاوقاف‌ من‌ أموالها. وحمص‌ التي‌ دفن‌ فيها كعب‌ ليسـت‌ كغيرها من‌ بلدان‌ المسلمين‌ فقد رووا فيها حديثاً رفعوه‌ إلي‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ هذا لفظه‌: «ليبعـثنّ الله‌ تعالي‌ من‌ مدينة‌ بالشـام‌ يقال‌ لها «حِمْص‌» سبعـين‌ ألفاً يوم‌ القـيامة‌، لا حساب‌ عليهم‌ ولا عذاب‌» ولا ريب‌ أنّ هذا كلّه‌ من‌ بركات‌ جثمان‌ سيّدنا كعب‌... ومن‌ حقّه‌ علي‌ الله‌ ! ومن‌ العجيب‌ أنّهم‌ أسندوا هذا الحديث‌ إلي‌ عمر !! (راجع‌ الجزء الثاني‌ من‌ «الجامع‌ الصغير» للسيوطي‌ّ)، وذكر ابن‌ جبير في‌ رحلته‌ أنّ بالجيزة‌ قبراً لكعب‌ الاحبار، ص‌ 25.

[31] ـ «ضحي‌ الإسلام‌» ج‌ 2. ص‌ 97.

[32] ـ مقدّمة‌ «فتح‌ الباري‌ في‌ شرح‌ صحيح‌ البخاري‌ّ» ج‌ 2. ص‌ 171.

[33] ـ مقدّمة‌ «فتح‌ الباري‌ في‌ شرح‌ صحيح‌ البخاري‌ّ» ج‌ 2. ص‌ 171.

[34] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 146 إلي‌ 150. الطبعة‌ الثالثة‌.

[35] ـ وفي‌ رواية‌: إن‌ أخذت‌ عنّي‌ صلّيت‌ خلف‌ الصخرة‌، أي‌: أن‌ تكون‌ الصخرة‌ قبلة‌.

[36] ـ مضاهاة‌ اليهوديّة‌ مشابهتها في‌ استقبال‌ الصخرة‌ لما فيه‌ من‌ مشابهة‌ من‌ يعتقدها قبلة‌ باقية‌.

[37] ـ كان‌ نصاري‌ الروم‌ قد ألقوا هذه‌ الكناسة‌ معاندة‌ لليهود الذين‌ يعظّمون‌ الصخرة‌، ويصلّون‌ إليها.

[38] ـ لخّصنا هذه‌ الكلام‌ من‌ «تاريخ‌ الطبري‌ّ» ج‌ 4. ص‌ 160.

[39] ـ علي‌ ذكر عبد الملك‌ بن‌ مروان‌ الذي‌ بني‌ الصخرة‌ نورد ما رواه‌ عنه‌ ابن‌ الاثير في‌ الصفحة‌ 190 من‌ الجزء الرابع‌، قال‌: حجّ عبد الملك‌ بن‌ مروان‌ بالناس‌ سنة‌ 75 فخطب‌ الناس‌ بالمدينة‌ فقال‌: أمّا بعد، فإنّي‌ لستُ الخليفة‌ المستضعف‌ يعني‌ عثمان‌، ولا الخليفة‌ المداهن‌ يعني‌ معاوية‌، ولا الخليفة‌ المأفون‌ يعني‌ يزيد. ألا وإنّي‌ لا أُداوي‌ هذه‌ الاُمّة‌ إلاّ بالسَّيف‌ حتّي‌ تستقيم‌ لي‌ قناتكم‌. وإنّكم‌ تحفظونَ أعمال‌ المهاجرين‌ الاوّلين‌ ولا تعملون‌ مثل‌ أعمالهم‌. وإنّكم‌ تأمروننا بتقوي‌ الله‌ وتنسون‌ أنفسكم‌. والله‌ لا يأمرنّ أحدٌ بتقوي‌ الله‌ بعد مقامي‌ هذا إلاّ ضربتُ عنقه‌.

[40] ـ «مرآة‌ الزمان‌» ج‌ 1. ص‌ 35. ومصدر تمام‌ الكلام‌ هو: «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» مختارات‌ من‌ ص‌ 146 إلي‌ 167. الطبعة‌ الثالثة‌.

[41] ـ «تاريخ‌ اليعقوبي‌ّ» لاحمد بن‌ أبي‌ يعقوب‌ بن‌ جعفر بن‌ وهب‌ بن‌ واضح‌ الكاتب‌ العبّاسي‌ّ، ج‌ 2. ص‌ 261. طبعة‌ بيروت‌، سنة‌ 1379 ه.

[42] ـ «السنَّة‌ ومكانتها من‌ التشريع‌ الإسلامي‌ّ» ص‌ 369.

[43] ـ «تاريخ‌ الدول‌ العربيّة‌ من‌ ظهور الإسلام‌ إلي‌ نهاية‌ الدولة‌ الامويّة‌» ص‌ 206 و 207.

 والمعلوماتُ التي‌ نقلناها هنا عن‌ جولدتسيهر مقتطفاتٌ من‌ ص‌ 503 إلي‌ 507 من‌ الطبعة‌ الخامسة‌ لكتاب‌ «السنّة‌ قبل‌ التدوين‌» لمحمّد عجّاج‌ الخطيب‌. لقد حاول‌ هذا الكاتب‌ بتفصـيل‌ ذكره‌ تبرئة‌ ساحة‌ الامويّين‌ وعبد الملك‌، وتعريف‌ الزهـري‌ّ كعالم‌ صادق‌ يخاف‌ الله‌. ولكن‌ أنّي‌ له‌ وقد خاض‌ المستشرقون‌ في‌ الموضوع‌، وها هم‌ منهمكون‌ في‌ إماطة‌ اللثام‌ عن‌ جرائم‌ الامويّين‌ ؟!

[44] ـ انظر «نهاية‌ الإرب‌» للنويري‌ّ، ج‌ 1. ص‌ 332 وما بعدها لتري‌ هذه‌ الاخبار وأعجب‌ منها.

[45] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 167 إلي‌ 169. الطبعة‌ الثالثة‌. وقال‌ أبو ريّة‌ في‌ هذه‌ الصفحة‌ أيضاً: كانت‌ الاحاديث‌ الصحيحة‌ أوّل‌ الامر في‌ فضل‌ المسجد الحرام‌ ومسجد رسول‌ الله‌ ولكن‌ بعد بناء قبّة‌ الصخرة‌ ظهرت‌ أحاديث‌ في‌ فضلها... إلي‌ أن‌ قال‌:

 وعن‌ ابن‌ عبّاس‌: إنّ امرأة‌ اشتكت‌ شكوي‌، فقالت‌: إن‌ شفاني‌ الله‌ لاخرجنّ فلاصلّينّ في‌ بيت‌ المقدس‌، فبرئت‌ ثمّ تجهّزت‌ تريد الخروج‌، فجاءت‌ ميمونة‌ زوج‌ النبي‌ّ تسلّم‌ عليها فأخبرتها بذلك‌، فقالت‌: اجلسي‌، فكلي‌ ما صنعت‌ وصَلِّي‌ في‌ مسجد رسول‌ الله‌، فإنّي‌ سمعت‌ رسول‌ الله‌ يقول‌: صَلاَةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِواهُ إلاَّ مَسْجِدَ الكَعْبَة‌. ولو أنّ المسـجد الاقصي‌ كان‌ قد ورد فيه‌ تلك‌ الاحاديث‌، لما منعـت‌ ميمونة‌ هذه‌ المرأة‌ من‌ أن‌ توفي‌ بنذرها.

[46] ـ راجعنا «كشف‌ الخفاء ومُزيل‌ الإلباس‌» للعجلوني‌ّ، ص‌ 261. الطبعة‌ الثالثة‌، سنة‌ 1351 ه. ولفظه‌:

 الحديث‌ 807 ـ أهل‌ الشام‌ سَوْط‌ اللهِ تعالي‌ في‌ الارض‌، ينتقم‌ بهم‌ ممّن‌ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ، وحرامٌ علي‌ مُنافقيهم‌ أن‌ يظهروا علي‌ مؤمنيهم‌، وأن‌ يموتوا إلاّ همّاً وغمّاً وغيظاً وحزناً. لعلّ المراد من‌ المنافقين‌ هنا هم‌ عليٌّ عليه‌ السلام‌ وأصحابه‌، والمراد من‌ المؤمنين‌ هم‌ معاوية‌ وشرذمته‌ !

[47] ـ «فتح‌ الباري‌» ج‌ 13. ص‌ 69.

[48] ـ مجلّة‌ «المنار» ص‌ 541 وما بعدها، العدد 27.

[49] ـ مجلّة‌ «المنار» ج‌ 27. ص‌ 752.

[50] ـ مجلّة‌ «المنار» ج‌ 27. ص‌ 697.

[51] ـ مجلّة‌ «المنار» ج‌ 27. ص‌ 783.

[52] ـ الآية‌ 3. من‌ السورة‌ 66: التحريم‌.

[53] ـ الآية‌ 43. من‌ السورة‌ 9: التوبة‌.

[54] ـ مجلّة‌ «المنار» ج‌ 27. ص‌ 539.

[55] ـ مجلّة‌ «المنار» ج‌ 27. ص‌ 618.

[56] ـ «أضواء علي‌ السنّة‌ المحمّديّة‌» ص‌ 170 إلي‌ 176. الطبعة‌ الثالثة‌.

 الرجوع الي الفهرس

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

.

معرفي و راهنما

كليه حقوق، محفوظ و متعلق به موسسه ترجمه و نشر دوره علوم و معارف اسلام است.
info@maarefislam.com