بسم الله الرحمن الرحيم

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

الصفحة السابقة

جواب الإمام عن کلام أبی حنیفة

 فلمّا بلغ‌ عليه‌ السلام‌ كلامه‌ هذا ضحك‌، ثمّ قال‌: لَعَنَهُ اللَهُ. أمّا في‌ قوله‌: أنا رجل‌ صحفيّ فقد صدق‌ قرأتُ صحف‌ آبائي‌ وإبراهيم‌ وموسي‌ـ الحديث‌. [1]

 ونسب‌ الفاضل‌ المَيْبُديّ إلیه‌ في‌ شرح‌ الديوان‌ قوله‌:

 حُبُّ إلیهُودِ لآلِ مُوسَي‌ ظَاهِرٌ                 وَوِلاَؤُهُمْ لِبَنِي‌ أَخِيهِ بَادِي‌

 وَإمَامُهُمْ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ الاُولَي‌             بِهِم‌ اقْتَدَوْا وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادِ

 وَكَذَا النَّصَارَي‌ يُكرِمُونَ مَحَبَّةً                  لِمَسِيحِهِمْ نَجْراً مِنَ الاَعْوَادِ

 وَمَتَي‌ تَوإلی‌ آلَ أَحْمَدَ مُسْلِمٌ                  قَتَلُوهُ أَوْ شَتَمُوهُ بِالإلْحَادِ

 هَذَا هُوَ الدَّاءُ العُضَالُ لِمِثْلِهِ                     ضَلَّتْ حُلُومُ حَوَاضِرٍ وَبَوَادِي‌

 لَمْ يَحْفَظُوا حَقَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ                  فِي‌ آلِهِ وَاللَهُ بِالمِرْصَادِ

 وروي‌ الزمخشريّ في‌ « ربيع‌ الابرار » أ نّه‌ سمع‌ إسماعيل‌ بن‌ حمّاد بن‌ أبي‌ حنيفة‌ يحيي‌ بن‌ أكتم‌ القاضي‌ في‌ دولة‌ المأمون‌ العبّاسيّ يغمص‌ من‌ جدّه‌. فقال‌: هذا جزاؤه‌ منك‌؟ قال‌: كيف‌؟ قال‌: حين‌ أباح‌ النبيذ، ودرأ الحدّ عن‌ اللوطيّ.

 الرجوع الي الفهرس

مخالفة‌ أبي‌ حنيفة‌ للسُّنّة‌ النبويّة‌ الشريفة‌ في‌ مواضع‌ كثيرة‌

 وروي‌ أيضاً في‌ باب‌ العلم‌ منه‌ قال‌: قال‌ يوسف‌ بن‌ أسباط‌: ردّ أبو حنيفة‌ علی رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآل‌ أربعمائة‌ حديث‌ أو أكثر.

 قيل‌: مثل‌ ماذا؟! قال‌: قال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌: لِلفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّجُلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ. قال‌ أبو حنيفة‌: لا أجعل‌ سهم‌ بهيمة‌ أكثر من‌ سهم‌ المؤمن‌. وأشْعَرَ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وأصحابه‌ البُدن‌، قال‌ أبو حنيفة‌: الإشعار مِثْلُهُ. [2] وقال‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌: البَيِّعانُ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا. قال‌ أبو حنيفة‌: إذَا وَجَبَ البَيْعُ فَلاَ خِيَارَ.

 وكان‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ يقرع‌ بين‌ نسائه‌ إذا أراد سفراً؛ وأقرع‌ أصحابه‌، وقال‌ أبو حنيفة‌: القرعة‌ قمار. [3]

 وروي‌ المرتضي‌ في‌ « الفصول‌ » المتلقّاة‌ من‌ « العيون‌ والمحاسن‌ » عن‌ الشيخ‌ المفيد أ نّه‌ قال‌[4]: بمحضر من‌ الاكابر العبّاسيّة‌، وشيوخ‌ الحنفيّة‌: وهذا أبو حنيفة‌ يقول‌: لو أنّ رجلاً عقد علی أُمّه‌ وهو يعلم‌ أ نّها أُمّه‌ يسقط‌ عنه‌ الحدّ ولحق‌ به‌ الولد، وكذا في‌ أُخته‌ وبنته‌. وكذا لو استأجر غسالة‌ أو جنازة‌ أشباههما، ثمّ وطأها وحملت‌ منه‌. وإذا لفّ علی إحليله‌ حريرة‌، ثمّ أولجه‌ في‌ قُبُل‌ امرأةٍ لم‌ يكن‌ زانياً ولا يجب‌ عليه‌ الحدّ، ولكن‌ يُردَع‌ بالكلام‌ الغليظ‌.

 ويقول‌: إنّ الرجل‌ إذا تلوّط‌ بغلام‌ فأوقبه‌ لم‌ يجب‌ عليه‌ الحدّ، ولكن‌ يُردَع‌. ويقول‌: إنّ شرب‌ النبيذ المسكر حلال‌ طلق‌، وهو سنّة‌ وتحريمه‌ بدعة‌ ـ انتهي‌.

 وعن‌ يوسف‌ بن‌ أسباط‌ قال‌: قال‌ أبو حنيفة‌: لو أدركني‌ رسول‌ الله‌ لاخذ بكثير من‌ قولي‌.[5] وقال‌ ابن‌ مهدي‌ في‌ مجالسه‌: كان‌ أبو حنيفة‌ يشرب‌ مع‌ مساور فعاب‌ مساوراً فكتب‌ إلیه‌:

 إنْ كَانَ فِقْهُكَ لاَيَتمَّ بِغَيْرِ شَتْمِي‌ وَانْتِفَاصِي‌                      فأقْعُدْ وَقُمْ بِي‌ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الاَدَانِي‌َوَالاَقَاصِي‌

 فَلَطَا لَمَا زَكَّيْتَنِي‌ وَ.نَا المُقِيمُ علی المَعَاصِي                    ‌ أَيَّامَ تُعْطِينِي‌ مَدَامِي‌ فِي‌ أَبَارِيقِ الرَّصَاصِ

 فأنفذ إلیه‌ بمالٍ فكفّ عنه‌.

 الرجوع الي الفهرس

صلاة‌ القفّال‌ المروزي‌ّ علی فتوي‌ أبي‌ حنيفة‌

 وروي‌ ابن‌ خلّكان‌ في‌ « الوفيّات‌ » أنّ إمام‌ الحرمين‌ ذكر في‌ كتابه‌ « مغيث‌ الخلق‌ » أنّ السلطان‌ محمود بن‌ سبكتكين[6]‌ كان‌ علی مذهب‌ أبي‌ حنيفة‌، وكان‌ مولعاً بعلم‌ الحديث‌، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب‌ الشافعيّ. فجمع‌ فقهاء الفئتين‌ وأمرهم‌ بترجيح‌ أحد المذهبين‌. وصلّي‌ القفّال‌ المروزيّ [7] علی ما يجوز عند أبي‌ حنيفة‌ بلبس‌ جلد كلب‌ مدبوغ‌، ولطخ‌ رأسه‌ [8] بالنجاسة‌، وتوضّأ بنبيذ التمر. وكان‌ في‌ الصيف‌ واجتمع‌ عليه‌ البعوض‌ والذباب‌. ثمّ أحرم‌ بالصلاد بالفارسيّة‌، وقرأ: « دُو بَرْ سَبْز » وهي‌ ترجمة‌ مُدْهامَّتانِ. ثمّ نقر نقرتين‌ كنقر الديك‌ من‌ غير فصل‌، ولا ركوع‌، ولا تشهّد. وضرط‌ في‌ آخره‌، وقال‌: هذه‌ صلاة‌ أبي‌ حنيفة‌. فأمر السلطان‌ بصيراً منّا [9] بقراءة‌ كتب‌ أبي‌ حنيفة‌، فوجدت‌ الصلاة‌ علی ما حكاه‌ القفّال‌. فتمسّك‌ بمذهب‌ الشافعيّ. [10]

 ثمّ قال‌: يروي‌ عنه‌ عبدالله‌ بن‌ المبارك‌، ووكيع‌ بن‌ الجرّاح‌، وسابق‌ بن‌ عبدالله‌، وأبو يوسف‌، وأبو نعيم‌ المقري‌، ومحمّد بن‌ الحسن‌ الشيبانيّ. له‌ كتب‌ منها مسندة‌ ـ انتهي‌. [11]

 الرجوع الي الفهرس

ترجمة‌ أبي‌ يوسف‌ القاضي‌ تلميذ أبي‌ حنيفة‌

 ومراده‌ بأبي‌ يوسف‌ المذكور هو القاضي‌ أبو يوسف‌ الفقيه‌ المشهور المدفون‌ في‌ شرقيّ الصحن‌ المطهّر الكاظميّ من‌ أرض‌ بغداد. واسمه‌ يعقوب‌ بن‌ إبراهيم‌ بن‌ حبيب‌، وكان‌ من‌ علماء دولة‌ الرشيد، وله‌ مكالمات‌ مع‌ مولانا الكاظم‌ عليه‌ السلام‌ في‌ مجلس‌ الخليفة‌.

 ومن‌ طرائف‌ أخباره‌ بالنقل‌ عن‌ صاحب‌ كتاب‌ « المستطرف‌ » أ نّه‌ قال‌: اختلف‌ الرشيد وأُمّ جعفر في‌ الفالوذج‌ واللوزينج‌ أيّهما أطيب‌؟ فحضر أبو يوسف‌ القاضي‌، فسأله‌ الرشيد عن‌ ذلك‌. فقال‌: يا أميرالمؤمنين‌! لا أقضي‌ علی غائب‌. فأحضرهما له‌، فأكل‌ حتّي‌ اكتفي‌. فقال‌ له‌ الرشيد: احكم‌ بينهما! فقال‌: اصطلح‌ الخصمان‌ ( فلانزاع‌بينهما)، فضحك‌ الرشيد، وأمر له‌ بألف‌ دينار. فبلغ‌ ذلك‌ زبيدة‌ أُمّ ولده‌ الامين‌، فأمرت‌ له‌ بألف‌ دينار إلاّ ديناراً. [12] وتوفّي‌ في‌ سنة‌ اثنتين‌ وثمانين‌ ومائة‌ عن‌ خمس‌ وثمانين‌ سنة‌.

 وأمّا محمّد بن‌ الحسن‌ الشيبانيّ البري‌ء، فهو أيضاً بمنزلة‌ البيضة‌ إلیسري‌ للإمام‌ الاعظم‌. وكان‌ في‌ الاصل‌ دمشقيّاً. انتقل‌ أبوه‌ إلی‌ العراق‌، وسكن‌ واسط‌، فولده‌ فيها. ثمّ نشأ في‌ الكوفة‌ إلی‌ غاية‌ أمره‌ وتصدّر بقضاوة‌ القضاة‌ في‌ عصره‌. وكان‌ ابن‌ خاله‌ الفرّاء النحويّ، وتوفّي‌ مع‌ الكسائيّ المشهور في‌ يوم‌ واحد، ودفنا في‌ مكان‌ واحد يدعي‌ بقرية‌ « رنبويه‌ » من‌ قري‌ مدينة‌ الري‌. رجعنا إلی‌ تتمّة‌ أحوال‌ صاحب‌ الترجمة‌: أبي‌ حنيفة‌، فنقول‌:

 وقال‌ مولانا العلاّمة‌ أعلی الله‌ مقامه‌ في‌ كتاب‌ « نهج‌ الحقّ وكشف‌ الصدق‌ »: ذهبت‌ الإماميّة‌ إلی‌ أنّ الخروج‌ من‌ صلاة‌ يحصل‌ إمّا بإكمال‌ الصلاة‌ علی النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ أو التسليم‌ لاغير. وقال‌ أبو حنيفة‌: يخرج‌ بالتسليم‌، أو بالكلام‌، أو بخروج‌ الريح‌. وما أقبح‌ المذهب‌ الذي‌ يؤدّي‌ إلی‌ أن‌ الخروج‌ من‌ الصلاة‌ بالريح‌! لكن‌ مثل‌ الصلاة‌ التي‌ شرعها يصلح‌ للخروج‌ بمثل‌ ما قاله‌. فإنّه‌ ذهب‌ إلی‌ جواز أن‌ يصلّي‌ الإنسان‌ في‌ الدار المغصوبة‌ علی جلد كلب‌ لابساً جلد كلب‌، وبيده‌ قطعد من‌ لحم‌ كلب‌، لا نّه‌ يقبل‌ الذكاة‌ عنده‌. ثمّ يتوضّأ بنبيذ التمر المغصوب‌ فيغسل‌ رجليه‌ أوّلاً، ثمّ ينتهي‌ إلی‌ الوجه‌ عكس‌ ما ورد به‌ القرآن‌. ثمّ يقوم‌ وعليه‌ نجاسة‌ ظاهرة‌، ثمّ يكبّر بالفارسيّة‌، ثمّ يقرأ بالفارسيّة‌ مُدْهَامَّتانِ لاغير، ثمّ يطأطي‌ رأسه‌ يسيراً جدّا غير ذاكر ولا مطمئنّ، ثمّ يهوي‌ إلی‌ السجود من‌ غير رفع‌، ثمّ يحفر بئراً لينزل‌ جبهته‌ أو أنفه‌ فيها من‌ غير ذكر ولا طمأنينة‌، ولا رفع‌ بينهما. [13]

 ثمّ ينتهض‌ إلی‌ الثانية‌ فيفعل‌ مثل‌ ذلك‌. ثمّ يقعد من‌ غير تشهّد بقدره‌، ثمّ يخرج‌ ريحاً. فهل‌ يحلّ لمسلم‌ يؤمن‌ بالله‌ وإلیوم‌ الآخر قبول‌ هذه‌ الصلاة‌، وكونه‌ مأموراً بها؟! انتهي‌ كلام‌ العلاّمة‌ الحلّيّ.[14]

 وقال‌ صاحب‌ « إلزام‌ النواصب‌ » فيما نُقل‌ عن‌ كتابه‌ المذكور عند ذكره‌ لمذاهب‌ أهل‌ السنّة‌ وأ نّها أحدثوا أربعة‌ مذاهب‌ في‌ زمن‌ المنصور، وعملوا فيها بالرأي‌ والقياس‌ والاستحسان‌ والاجتهاد: والسبب‌ في‌ إحداث‌ هذه‌ المذاهب‌ أنّ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ اجتمع‌ عليه‌ أربعة‌ آلاف‌ راوٍ يأخذون‌ عنه‌ العلم‌. فخاف‌ المنصور ميل‌ الناس‌ إلیه‌، وأخذ الملك‌ منه‌. فأمر أبا حنيفة‌ ومالكاً بانعزال‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌، وإحداث‌ مذاهب‌ غير مذهبه‌، وعملاً فيه‌ بالرأي‌ والاستحسان‌، والقياس‌، والاجتهاد.

 ثمّ تابعهما الشافعيّ، وأحمد بن‌ حنبل‌. واستقرّت‌ مذاهب‌ السنّة‌ في‌ الفروع‌ علی هذه‌ الاربعة‌ مذاهب‌. وبقيت‌ الشيعة‌ الإماميّة‌ علی المذهب‌ الذي‌ كان‌ عليه‌ البنيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم‌ والصحابة‌ والتابعون‌ ـ انتهي‌ كلام‌ « إلزام‌ النواصب‌ ».

 الرجوع الي الفهرس

عبارات‌ دامغة‌ لاعاظم‌ السنّة‌ في‌ أبي‌ حنيفة‌

 وقال‌ إمامهم‌ الغزّإلی: أجاز أبو حنيفة‌ وضع‌ الحديث‌ علی وفق‌ مذهبه‌. قال‌ يوسف‌ بن‌ أسباط‌: قال‌ أبو حنيفة‌: لَوْ أَدْرَكَنِي‌ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لاَخَذَ بِكَثيرٍ مِنْ قَوْلِي‌. [15]

 وفي‌ « تاريخ‌ بغداد »: قال‌ شعبة‌: كَفٌّ مِنْ تُرَابٍ خَيْرٌ مِنْ أَبِي‌ حَنِيفَةٍ.[16]

 قال‌ الشافعيّ: نظرتُ في‌ كتب‌ أصحاب‌ أبي‌ حنيفة‌ فإذا فيها مائة‌ وثلاثون‌ ورقة‌ خلاف‌ الكتاب‌ والسنّة‌. [17]

 قال‌ سفيان‌، ومالك‌، وحمّاد، والاوزاعيّ، والشافعيّ: مَا وُلِدَ فِي‌ الإسْلاَمِ أَشَأَمُ مِنْ أَبِي‌ حَنِيفَةِ. [18]

 قال‌ مالك‌: كَانَتْ فِتْنَةُ أَبِي‌ حَنِيفَةَ أَضَرَّ علی الإسْلاَمِ مِنْ فِتْنَةِ إبْلِيسَ. [19]

 وقال‌ ابن‌ مهدي‌: مَا فِتْنَةٌ علی الإسْلاَمِ بَعْدَ الدَّجَّالِ أَعْظَمَ مِنْ رَأْي‌ أَبِي‌ حَنِيفَةَ. [20]

 وقال‌ سيّدنا المحدِّث‌ الشوشتريّ ( السيّد نعمة‌ الله‌ الجزائريّ ) قدّس‌ الله‌ تعإلی‌ سرّه‌ في‌ كتاب‌ مقاماته‌، وهو في‌ مقام‌ تعديده‌ لمناكير أهل‌ السنّة‌ والجماعة‌، وتفريده‌ يوجب‌ فيهم‌ القباحة‌ والشناعة‌، بعد ما شرح‌ جملة‌ من‌ أقاويلهم‌ الفاسدة‌ وأباطيلهم‌ الخارجة‌ عن‌ ترتيب‌ القاعدة‌:

 الرجوع الي الفهرس

كرامتان‌ باهرتان‌ لقبر أبي‌ حنيفة‌

 وأمّا الكرامات‌ التي‌ ظهرت‌ من‌ قبور أئمّتهم‌ الاربعة‌ فهي‌ أكثر من‌ أن‌ تُحصي‌. أعظمها الكرامات‌ التي‌ شاهدها الناس‌ من‌ قبر أبي‌ حنيفة‌. وذلك‌ أنّ السلطان‌ الاعظم‌ شاه‌ عبّاس‌ الاوّل‌ لمّا فتح‌ بغداد أمر بأن‌ يجعل‌ قبر أبي‌ حنيفة‌ كنيفاً، وقد أوقف‌ وقفاً شرعيّاً بغلتين‌، وقد أمر بربطهما علی رأس‌ السوق‌ حتّي‌ أنّ كلّ من‌ يريده‌ موضعاً لقضاء الحاجة‌ يركبهما ويمضي‌ إلی‌ قبر أبي‌ حنيفة‌. وقد طلب‌ خادم‌ قبره‌ يوماً، فقال‌ له‌: ما تخدم‌ في‌ هذا القبر وأبو حنيفة‌ الآن‌ في‌ أسفل‌ درك‌ من‌ الجحيم‌؟! فقال‌: إنّ في‌ هذا القبر كلباً أسود دفنه‌ جدّك‌ المرحوم‌ شاه‌ إسماعيل‌ رحمه‌ الله‌ لمّا فتح‌ بغداد قبلك‌. فأخرج‌ عظام‌ أبي‌ حنيفة‌ وجعل‌ موضعها كلباً أسود. فأنا أخدم‌ ذلك‌ الكلب‌. وقد كان‌ صادقاً في‌ مقالته‌، لانّ المرحوم‌ المرقوم‌ فعل‌ مثل‌ هذا.

 ومن‌ كراماته‌ أنّ حاكم‌ بغداد طلب‌ علماء أهل‌ السنّة‌ وعبّادهم‌، وقال‌ لهم‌: كيف‌ أنّ الرجل‌ الاعمي‌ إذا بات‌ تحت‌ قبّة‌ موسي‌ بن‌ جعفر عليهما السلام‌ يرتدّ إلیه‌ بصره‌، وأبو حنيفة‌ مع‌ أنّ الإمام‌ الاعظم‌ لم‌ نسمع‌ له‌ بمثل‌ هذه‌ الكرامة‌؟! فأجابوه‌ بأنّ هذا يصدر أيضاً من‌ بركات‌ أبي‌ حنيفة‌، فقال‌ لهم‌: إنّي‌ أحبّ أن‌ أري‌ مثل‌ هذا لاكون‌ علی بصيرةٍ من‌ ديني‌. فأتوا رجلاً فقيراً وقالوا له‌: إنّا نعطيك‌ كذا وكذا من‌ الدراهم‌ والدنانير، وقل‌: إنّي‌ أعمي‌ وامس‌ متّكئاً علی العصا يومين‌ أو ثلاثة‌، ثمّ تبات‌ ليلة‌ الجمعة‌ عند قبر الإمام‌، فإذا أصبحتَ فقل‌: الحمدللّه‌ الذي‌ ردّ علَيَّ بصري‌ ببركات‌ صاحب‌ هذا القبر، فقبل‌ كلامهم‌.

 ثمّ لمّا بات‌ تلك‌ الليلة‌ تحت‌ قبّته‌ أصبح‌ بحمدالله‌ وهو أعمي‌ لايبصر، فصاح‌ وقال‌: أيّها الناس‌ حكايتي‌ كذا وكذا وأنا رجل‌ صاحب‌ عيال‌ وحرفة‌. فاتّصل‌ خبره‌ بحاكم‌ البلد، فأرسل‌ إلیه‌، فقصّ عليه‌ قصّته‌ واحتيالهم‌ عليه‌، فألزمهم‌ بما يحتاج‌ إلیه‌ من‌ المعاش‌ مدّة‌ حياته‌.

 أجل‌، لمّا كان‌ الكلام‌ يدور حول‌ كرامات‌ أبي‌ حنيفة‌، فمن‌ المناسب‌ ـ قبل‌ ختام‌ كلام‌ صاحب‌ « الروضات‌ » ( استطراداً ) ـ أن‌ نسرد أيضاً كرامة‌ لابي‌ حنيفة‌. وهذه‌ القصّة‌ ثابتة‌. ويبدو أ نّها من‌ المسلّمات‌ علی ما نقل‌ صديقنا الكريم‌ الحاجّ أبو علی موسي‌ محيي‌ سلّمه‌ الله‌ الذي‌ كان‌ من‌ سكنة‌ الكاظميّة‌ سابقاً، وأُخرج‌ من‌ العراق‌ مع‌ من‌ أخرجتهم‌ الحكومة‌ العراقيّة‌ من‌ الشيعة‌ قبل‌ عدّة‌ سنين‌.

 الرجوع الي الفهرس

قصّة‌ الرجل‌ الزائر مع‌ خادم‌ قبر أبي‌ حنيفة‌

 نقل‌ أنّ قرويّاً قصد الكاظميّة‌ لزيارة‌ الإمامين‌ موسي‌ بن‌ جعفر ومحمّد الجواد عليهما السلام‌. وحين‌ دخل‌ بغداد سأل‌ عن‌ الطريق‌ إلی‌ الكاظميّة‌، فدلّوه‌. ولمّا كان‌ مجيئه‌ من‌ جانب‌ الرصافة‌، [21] فلابدّ أن‌ يمرّ علی قبر أبي‌ حنيفة‌. ولمّا كان‌ حديث‌ عهد بالزيارة‌، ووصل‌ إلی‌ الاعظميّة‌، ظنّ أنّ قبر أبي‌ حنيفة‌ هو قبر الكاظمين‌ عليهما السلام‌، وأنّ ذلك‌ المزار هو مزار الجوادَين‌.

 دخل‌ القرويّ وبدأ بالزيارة‌، وقال‌ في‌ نفسه‌: أبات‌ هذه‌ الليلة‌ هنا عند الإمامين‌ ساهراً حتّي‌ الصباح‌. ولمّا عسعس‌ الليل‌، وحان‌ وقت‌ غلق‌ الابواب‌ كان‌ المسؤول‌ عن‌ غلقها أعمي‌، فقام‌ وصاح‌: هل‌ بقي‌ أحد؟ أُريد أن‌ أغلق‌ الابواب‌! قوموا واخرجوا! وعندما كان‌ يصيح‌: اذهبوا! كان‌ يدير عصاه‌ يميناً وشمالاً لئلاّ يبقي‌ أحد. وكان‌ القرويّ عازماً علی المبيت‌ تلك‌ الليلة‌، ففرّ من‌ بين‌ يديه‌ بهدوء لئلاّ يفهم‌. وحينما أيقن‌ الاعمي‌ من‌ خلّو المكان‌ أغلق‌ الابواب‌، ولفّ رأسه‌ وذهب‌ لينام‌.

 وكان‌ ذلك‌ الرجل‌ الاعمي‌ يُجري‌ في‌ كلّ ليلة‌ تمثيليّة‌ وحده‌. لهذا قام‌ من‌ فراشه‌ في‌ منتصف‌ الليل‌، وذهب‌ نحو الباب‌ فدقّه‌، وهو نفسه‌ قال‌: مَن‌؟! وأجاب‌ أبو بكر.

 قال‌ الاعمي‌: تفضّلْ! فتح‌ الباب‌ وقال‌: سيّدنا أبو بكر، أهلاً وسهلاً بالصدّيق‌! أهلاً بصاحب‌ رسول‌ الله‌ في‌ الغار! أهلاً بوالد زوج‌ النبيّ! أهلاً بالخليفة‌ الاوّل‌! تفضّل‌ استرح‌! ثمّ أغلق‌ الباب‌.

 وبعد هُنيئة‌ دقّ الباب‌ ثاينةً، وقال‌ نفسه‌: مَن‌؟! وأجاب‌: أنا عمر! ففتح‌ له‌ الباب‌، وقال‌: تفضّل‌. سيّدنا عمر، أهلاً وسهلاً بالفاروق‌! أهلاً بوالد زوج‌ النبيّ! أهلاً بالخليفة‌ الثاني‌! تفضّل‌ استرح‌! سيّدنا أبو بكر هنا الآن‌.

 وبعد هنيئة‌ أيضاً دقّ الباب‌ للمرّة‌ الثالثة‌، وقال‌: مَن‌؟! وأجاب‌: أنا عثمان‌! ففتح‌ له‌ الباب‌، وقال‌: تفضّل‌! سيّدنا عثمان‌، أهلاً وسهلاً بذي‌ النوريين‌! أهلاً بصهر رسول‌ الله‌! أهلاً بالخليفة‌ الثالث‌! تفضّل‌ استرح‌. هنا سيّدنا أبو بكر وسيّدنا عمر!

 وبعد برهة‌ قام‌ ودقّ الباب‌، وقال‌: مَن‌؟! فأجاب‌ بصوت‌ ضعيف‌ مرتعش‌: أنا عليّ! فقال‌ الاعمي‌: اذهب‌! لا أحد هنا!

 فعرف‌ القرويّ أنّ مجيئه‌ إلی‌ هذا المكان‌ كان‌ خطأً. فقام‌ من‌ ساعة‌ ورفع‌ عصاه‌ الثقيلة‌، التي‌ كان‌ يتوكّأ عليها وتحفظه‌ من‌ الكلاب‌، علی ذلك‌ الاعمي‌ فضربه‌ ضرباً مبرّحاً حتّي‌ شارف‌ علی الموت‌، وهو يقول‌ له‌: ويلك‌! أذنتَ لتلك‌ الكلاب‌ الثلاثة‌ بالدخول‌ ولم‌ تأذي‌ لي‌.

 ولمّا رأي‌ القرويّ أنّ الاعمي‌ قد أُغمي‌ عليه‌ وسال‌ الدم‌ من‌ جسمه‌، تركه‌ وانصرف‌. فرأي‌ منائر الجوادَين‌ عليهما السلام‌ من‌ بعيد. فعبر الجسر متوجّهاً لزيارتها.

 وفي‌ إلیوم‌ الثاني‌ قال‌ في‌ نفسه‌: أذهب‌ لاري‌ خادم‌ قبر أبي‌ حنيفة‌!

 وأتحسّس‌ من‌ خبره‌! فرآه‌ مضمّداً وعظامه‌ مجبَّرة‌، والناس‌ تناثل‌ عليه‌ أفواجاً لتسمع‌ معجزة‌ الإمام‌ عليّ عليه‌ السلام‌ من‌ لسانه‌.

 وكان‌ يقسم‌ لهم‌ أيماناً مغلّظة‌ ويقول‌: والله‌ العظيم‌ سيّدنا عليّ كرّم‌ اللهُ وَجْهه‌ جاءني‌ وضربني‌ هذا الضرب‌ الشديد. وإنّي‌ لمستحقّ لهذا الضرب‌. أنا إنسان‌ سوء ( وكان‌ يكرّر هذه‌ الكلمات‌ ) أيّها الناس‌ اعلموا أ نّي‌ توسّلتُ به‌ كثيراً والتمسته‌ ملحّاً حتّي‌ تركني‌!

 انتهت‌ هذه‌ القصّة‌ الثابتة‌ المشهورة‌ المنقولة‌ عن‌ صديقنا الكريم‌. ونعود الآن‌ إلی‌ أصل‌ الموضوع‌. قال‌ صاحب‌ « الروضات‌ »: وذكره‌ ( السيّد نعمة‌ الله‌ الجزائريّ ذكر أبا حنيفة‌ ) أيضاً في‌ مواضع‌ أُخَر منه‌ ومن‌ سائر مصنّفاته‌ باعتبارات‌ مختلفة‌، منها في‌ كتاب‌ « مقاماته‌ » وهو في‌ مقام‌ بيان‌ حسن‌ التورية‌ في‌ التقيّة‌، ووجوده‌ التخلّص‌ من‌ مكائد أهل‌ السنّة‌ حيث‌ قال‌: وما أحسن‌ ما تخلّص‌ صاحب‌ لي‌ من‌ شرّهم‌. وذلك‌ أ نّه‌ كان‌ يتوضّأ، فلمّا مسح‌ رجليه‌ نظر فإذا واحد من‌ طغاتهم‌ فوق‌ رأسه‌، فبادر إلی‌ غسل‌ رجليه‌، فقال‌ له‌: كيف‌ مسحتَ أوّلاً وغسلتَ ثانياً؟ فقال‌: نعم‌ يا مولانا! هذه‌ المسألة‌ من‌ مسائل‌ الخلاف‌ بين‌ الله‌ سبحانه‌ وبين‌ مولانا أبي‌ حنيفة‌. قال‌ الله‌ تعإلی‌: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلی‌ الْكَعْبَيْنِ.[22] وقال‌ أبو حنيفة‌: يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. فمسحتُ خوفاً من‌ الله‌، وغسلتُ خوفاً من‌ السلطان‌. فضحك‌ الرجل‌ وخلّي‌ عنه‌.

 قلتُ: وليس‌ ضحك‌ هذا الرجل‌ من‌ مناقضة‌ حكم‌ إمامه‌ حكم‌ الله‌ تعإلی‌ بعجيب‌. بل‌ كلّ من‌ تأمّل‌ في‌ كيفيّة‌ اتّباعه‌ الهوي‌، والتخمين‌ في‌ أحكامه‌ وفتاويه‌، واختراعه‌ الاحكام‌ من‌ قبل‌ نفسه‌، وعلی حسب‌ ما تقتضيه‌ مصلحة‌ وقته‌ وتستدعيه‌. يضحك‌ مدّة‌ حياته‌ وإن‌ كان‌ حزيناً، ويبكي‌ علی خطر هذا المحنة‌ الكبري‌ والبليّة‌ العظمي‌.

 ومنها أ نّه‌ قال‌ في‌ ذيل‌ مسألة‌ الجبر والتفويض‌ من‌ كتابه‌ « المقامات‌ »: وممّا يناسب‌ المقام‌ أ نّي‌ سألتُ يوماً عن‌ مذهب‌ الشيطان‌ لا نّه‌ أعلم‌ من‌ أئمّة‌ الجمهور، فكيف‌ لا يكون‌ له‌ مذهب‌؟! فقلتُ: الذي‌ اطّلعتُ عليه‌ من‌ تفسير القرآن‌ أ نّه‌ أشعريّ الاُصول‌، حنفيّ الفروع‌.

 أمّا الاوّل‌، فلقوله‌: فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي‌ لاَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَ ' طَكَ الْمُسْتَقِيمِ[23]، فنسب‌ الغواية‌ وحملها علی حبّه‌، كما فعلته‌ الاشاعرة‌.

 وأمّا الثاني‌، فمن‌ جهة‌ عمله‌ بالقياس‌ لمّا أبي‌ عن‌ السجود وقوله‌: خَلَقْتَنِي‌ مِن‌ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ و مِن‌ طِينٍ، [24] حيث‌ قايس‌ بين‌ العنصرين‌، وزعم‌ أنّ عنصره‌ الاشرف‌، فكيف‌ يسجد لمن‌ هو تحته‌ في‌ الفضل‌.

 ولهذا قال‌ عليه‌ السلام‌: لاَ تَقِيسوا، فإنَّ أَوَّلَ مَن‌ قَاسَ إبْلِيسُ!

 لكنّه‌ فُضِّل‌ علی القوم‌ بأنّه‌ استدلّ بقياس‌ الاولويّة‌، وهم‌ يستدلّون‌ بالمساواة‌ وما في‌ معناه‌.

 الرجوع الي الفهرس

مدّة‌ الحمل‌ عند العامّة‌ ومدّة‌ حمل‌ الشافعي‌ّ

 ومنها ما ذكره‌ في‌ بيان‌ ما تعلّق‌ بأمر الحمل‌ والولادة‌ من‌ كتابه‌ « الانوار» فقال‌: وذهب‌ مخالفونا إلی‌ أنّ مدّة‌ الحمل‌ قد تكون‌ أربع‌ سنين‌، وذلك‌ محمّد بن‌ إدريس‌ الشافعيّ قد سافر أبوه‌ عن‌ أُمّه‌ وبقي‌ مدّة‌ كثيرة‌. فولدت‌ الشافعيّ وأتت‌ به‌ بعد خمس‌ سنين‌ من‌ سفر أبيه‌. فلمّا بلغ‌ الشافعيّ وفهم‌ الحكاية‌ ذهب‌ إلی‌ مدّة‌ الحمل‌ قد تكون‌ خمس‌ سنين‌ ستراً علی ما صنعته‌ أُمّه‌ في‌ غيبة‌ أبيه‌.

 وقد نقل‌ هذا جمهور المخالفين‌. ولمّا كان‌ من‌ الاُمور الغريبة‌ والكرامات‌ العجيبة‌ وباعثاً لاتّهام‌ الروافض‌، ذكروا لها علّة‌ حاصلها أنّ محمّد بن‌ إدريس‌ الشافعيّ إنّما بقي‌ في‌ بطن‌ أُمّه‌ هذه‌ المدّة‌ الكثيرة‌ لانّ أبا حنيفة‌ كان‌ حيّاً في‌ الدنيا، وكان‌ الناس‌ يستضيئون‌ بأنوار قياساته‌، فاستحي‌ الإمام‌ الشافعيّ أن‌ يخرج‌ إلی‌ الدنيا وفيها الإمام‌ المعظّم‌ أبو حنيفة‌. فلمّا مات‌ أبو حنيفة‌، وأعلم‌ الله‌ الشافعيّ بموته‌ خرج‌ من‌ بطن‌ أُمّه‌.

 فانظر إلی‌ سرّ هذه‌ القبائح‌، وإلی‌ الإمام‌ الشافعيّ كيف‌ انفرد بهذه‌ الفضيلة‌ دون‌ سائر مخلوقات‌ الله‌ سبحانه‌ وتعإلی‌؟! ولعمرك‌ إنّهم‌ لو قالوا: ولد جار أبيه‌، لكان‌ أولي‌ من‌ هذه‌ التكلّفات‌، كما ذكروه‌ في‌ النسب‌ الشريف‌ للخليفة‌ الثاني‌ ـ انتهي‌ كلام‌ صاحب‌ « الانوار ».

 وقال‌ صاحب‌ « منتهي‌ المقال‌ » بعد نقله‌ لعبارة‌ رجل‌ شيخنا الطوسيّ المتقدّمة‌ في‌ حقّ الرجل‌. أقول‌: هذا أحد أئمّة‌ القوم‌، بل‌ هو إمامهم‌ الاعمّ، وشيخهم‌ الاقدم‌. قال‌ أبو حامد محمّد بن‌ محمّد الغزّإلی الشافعيّ في‌ كتابه‌ الموسوم‌ « بالمنخول‌ في‌ علم‌ الاُصول‌ » ما لفظه‌:

 فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ قَلَّبَ الشَّرِيعَةَ ظَهْراً لِبَطْنٍ، وَشَوَّشَ مَسلَكَهَا، وَغَيَّرَ نِظَامَهَا، وأَرْدَفَ جَمِيعَ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ بِأَصْلٍ هَدَمَ بِهِ شَرْعَ مُحَمَّدٍ المُصْطَفَي‌ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. وَمَن‌ فَعَلَ شَيْئاً مِنْ هَذَا مُسْتَحِلاَّ كَفَرَ، وَمَن‌ فَعَلَهُ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ فَسَقَ ـ ثُمَّ أَطَالَ الكَلاَمَ فِي‌ طَعْنِهِ وَتَفْسِيقِهِ.

 الرجوع الي الفهرس

استهزاء أبي‌ حنيفة‌ بقول‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌

 وأمّا ابن‌ الجوزيّ الحنبليّ، فنسب‌ إلیه‌ في‌ تاريخه‌ المسمّي‌ ب «المُنْتَظَم‌» ما هو أفضع‌ من‌ ذلك‌ وأعظم‌. قال‌ في‌ جملة‌ كلامه‌: وبعد هذا فاتّفق‌ الكلّ علی الطعن‌ فيه‌، ثمّ انقسموا إلی‌ ثلاثة‌ أقسام‌. فقوم‌ طعنوا فيه‌ بما يرجع‌ إلی‌ العقائد وكلام‌ في‌ الاُصول‌. وقوم‌ طعنوا في‌ روايته‌ وقلّة‌ حفظه‌ وضبطه‌. وقوم‌ طعنوا فيه‌ لقوله‌ بالرأي‌ فيما يخالف‌ الاحاديث‌ الصحاح‌. ثمّ قال‌ بعد كلام‌ طويل‌:

 أخبرنا عبدالرحمن‌ الفرّار عن‌ أبي‌ إسحاق‌ الفزاريّ قال‌: سألت‌ أبا حنيفة‌ عن‌ مسألة‌، فأجاب‌ فيها. فقلتُ: إنّه‌ يُروي‌ عن‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ كذا وكذا. فقال‌: حُكِّ هَذَا بِذَنَبِ الخِنْزِيرِ. [25]

 وعن‌ عبدالرحمن‌ بن‌ محمّد، عن‌ أبي‌ بكر بن‌ الاسود قال‌: قلتُ لابي‌ حنيفة‌: روي‌ نافع‌ عن‌ ابن‌ عمر عن‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ أ نّه‌ قال‌: البَيِّعَانُ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا. قَالَ: هَذَا رَجَزٌ. [26]

 وذُكر حديثاً آخر عنه‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ فقال‌: هَذَا هَذَيَانٌ. [27]

 أخبرنا عبدالرحمن‌ بن‌ محمّد عن‌ عبدالصمد، عن‌ أبي‌ قال‌: ذِكِ لابي‌ حنيفة‌ قول‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌: أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ، فَقَالَ: هَذَا سَجْعٌ. [28]

 ثمّ ذكر من‌ هذا القبيل‌ قريب‌ نصف‌ كرّاسة‌. قال‌ صاحب‌ « منتهي‌ المقال‌ » فقبّح‌ الله‌ أقواماً يتركون‌ أهل‌ بيت‌ أذن‌ الله‌ أن‌ يُرفَع‌ ويُذكر فيه‌ اسمه‌، ويعتقدون‌ بهذا وأشباهه‌ ـ انتهي‌.

 ومن‌ جملة‌ ما ينسب‌ إلیه‌ من‌ الاشعار، وهو صادق‌ فيما أخبر به‌ فيه‌ من‌ مثل‌ نفسه‌ الغدّارة‌:

 أُخَرِّبُ دِينِي‌ كُلَّ يَوْمٍ وَأَرْتَجِي                  ‌ عِمَارَةُ دُنْيَائِي‌ وَدُنْيَايَ أَخْرَبُ

 فَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ الحِمَارَيْنِ رَاجِلٌ                  فَلاَت‌ الدِّينُ مَغْمُورٌ وَلاَ العَيْشُ أطيَبُ [29]

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ الخطيب‌ البغدادي‌ّ في‌ أبي‌ حنيفة‌

 وتحدّث‌ الحافظ‌ أبو بكر أحمد بن‌ عليّ الخطيب‌ البغداديّ المتوفّي‌ سنة‌ 463 ه عن‌ أبي‌ حنيفة‌ بالتفصيل‌ في‌ الجزء الثالث‌ عشر من‌ كتابه‌ المعروف‌ « تاريخ‌ بغداد » في‌ مائة‌ وإحدي‌ وثلاثين‌ صفحة‌، ص‌ 323 إلی‌ 454. وذكر جميع‌ ما نُقل‌ عنه‌ من‌ مناقب‌ وفضائل‌ أو مساوي‌ وسيّئات‌ ومثالب‌ بأسناده‌ المتسلسلة‌ المسندة‌، وقال‌:

 قال‌ الخطيب‌: وقد سقنا عن‌ أيّوب‌ السختيانيّ، وسفيان‌ الثوريّ، وسفيان‌ بن‌ عينية‌، وأبي‌ بكر بن‌ عيّاش‌، وغيرهم‌ من‌ الائمّة‌ أخباراً كثيرة‌ تتضمّن‌ تقريظ‌ أبي‌ حنيفة‌ والمدح‌ له‌، والثناء عليه‌. والمحفوظ‌ عند نقله‌ الحديث‌ عن‌ الائمّة‌ المتقدّمين‌ وهؤلاء المذكورين‌ منهم‌ في‌ أبي‌ حنيفة‌ خلاف‌ ذلك‌، وكلامهم‌ فيه‌ كثير لاُمور شنيعة‌ حفظت‌ عليه‌، متعلّق‌ بعضها بأُصول‌ الديانات‌، وبعضها بالفروع‌. نحن‌ ذاكروها بمشيئة‌ الله‌، ومعتذرون‌ علی من‌ وقف‌ عليها وكره‌ سماعها، بأنّ أبا حنيفة‌ عندنا مع‌ جلالة‌ قدره‌ أُسوة‌ غيره‌ من‌ العلماء الذين‌ دوَّنَّا ذكرهم‌ في‌ هذا الكتاب‌، وأوردنا أخبارهم‌، وحكينا أقوال‌ الناس‌ فيهم‌ علی تباينها، وَاللَهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ.

 ثمّ ذكر الخطيب‌ ( 66 ) مورداً حول‌ انحراف‌ أبي‌ حنيفة‌ في‌ العقيدة‌ والفتوي‌، ص‌ 370 إلی‌ 395، و ( 137 ) مورداً في‌ أفعاله‌ وأقواله‌ الشنيعة‌، ص‌ 399 إلی‌ 448.

 ونورد هنا من‌ مجموع‌ ( 203 ) مورد أحصاها أربعين‌ [30] مورداً فحسب‌ غير مكرّرة‌ مع‌ المطالب‌ السابقة‌، وهي‌ علی درجة‌ كبيرة‌ من‌ الاهمّيّة‌ بِحَوْل‌ اللَهِ وقوّته‌ ولا حَوْلَ وَلا قُوَّة‌ إلاّ بالله‌ العليّ العظيم‌.

 روي‌ الخطيب‌ أوّلاً بسنده‌ عن‌ يزيد بن‌ هارون‌ أ نّه‌ ذكر أبا حنيفة‌ فقال‌: أبو حنيفة‌ رجل‌ من‌ الناس‌ خطأه‌ كخطأ الناس‌، وصوابه‌ كصواب‌ الناس‌.

 وبسند آخر عن‌ محمّد بن‌ سلم‌ الخَتْليّ قال‌: أملي‌ علينا أبو العبّاس‌ أحمد بن‌ عليّ بن‌ مسلم‌ الابار في‌ شهر جمادي‌ الآخرة‌ من‌ سنة‌ 288، قال‌: ذكر القوم‌ الذين‌ ردّوا علی أبي‌ حنيفة‌: أيّوب‌ السَّخْتِيانيّ، وجرير بن‌ حازم‌، هَمْام‌ بن‌ يحيي‌، وحَمَّاد بن‌ سَلِمَة‌، وحمّاد بن‌ زيد، وأبو عوانة‌، وعبدالوارث‌، وسوّار العنبريّ القاضي‌، ويزيد بن‌ زريع‌، وعليّ بن‌ عاصم‌، ومالك‌ بن‌ أنس‌، و « جعفر بن‌ محمّد »، وعمر بن‌ قيس‌، وأبو عبدالرحمن‌ المقري‌، وسعيد بن‌ عبدالعزيز، والاوزاعيّ، وعبدالله‌ بن‌ المبارك‌، وأبو إسحاق‌ الفزاريّ، ويوسف‌ بن‌ أسباط‌، ومحمّد بن‌ جابر، وسفيان‌ الثوريّ، وسفيان‌ بن‌ عُيَيْنَة‌، وحمّاد بن‌ أبي‌ سليمان‌، وابن‌ أبي‌ ليلي‌، وحفص‌ بن‌ غياث‌، وأبو بكر بن‌ عيّاش‌، وشرك‌ بن‌ عبدالله‌، ووكيع‌ بن‌ الجرّاح‌، ورقبة‌ بن‌ مصقلة‌، والفضل‌ بن‌ موسي‌، وعيسي‌ بن‌ يونس‌، والحجّاج‌ بن‌ أرطاة‌، ومالك‌ بن‌ مغول‌، والقاسم‌ بن‌ حبيب‌، وابن‌ شُبْرُمَة‌. [31]

 أمّا الموارد التي‌ اخترناها من‌ تاريخ‌ الخطيب‌، فهي‌ كما يأتي‌:

 الاوّل‌: قال‌ الحارث‌ بن‌ عمير: وسمعته‌ ( أبا حنيفة‌ ) يقول‌: لو أنّ شاهدين‌ شهدا عند قاضٍ أنّ فلان‌ بن‌ فلان‌ طلّق‌ امرأته‌. وعلما جميعاً أ نّهما شهدا بالزور، ففرّق‌ القاضي‌ بينهما. ثمّ لقيها أحد الشاهدين‌، فله‌ أن‌ يتزوّج‌ بها؟! قال‌: نعم‌! ثمّ علم‌ القاضي‌ بعد، أَلَهُ أن‌ يفرّق‌ بينهما؟! قال‌: لا. [32]

 الثاني‌: بسنده‌ عن‌ إسماعيل‌ بن‌ عيسي‌ بن‌ عليّ قال‌: قال‌ لي‌ شريك‌: كفر أبو حنيفة‌ بآيتين‌ من‌ كتاب‌ الله‌ تعإلی‌.

 قال‌ الله‌ تعإلی‌: وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَـ'وةَ وَذَ ' لِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. [33] وقال‌ الله‌ تعإلی‌: لِيَزْدَادُو´ا إِيمَـ'نًا مَّعَ إِيمَـ'نِهِمْ. [34]

 وزعم‌ أبو حنيفة‌ أنّ الإيمان‌ لا يزيد ولا ينقص‌، وزعم‌ أنّ الصلاة‌ ليست‌ من‌ دين‌ الله‌. [35]

 الثالث‌: بسنده‌ عن‌ عبدالرحمن‌ بن‌ الحكم‌ بن‌ شتر بن‌ سلمان‌ بن‌ أيه‌ ـ أو غيره‌ وأكبر ظنّي‌ أ نّه‌ غير أبيه‌ ـ قال‌: كنت‌ عند حمّاد بن‌ أبي‌ سليمان‌ إذا أقبل‌ أبو حنيفة‌. فلمّا رآه‌ حمّاد، قال‌: لاَ مَرْحَباً وَلاَ أَهْلاً، إن‌ سلّم‌ فلا تردّوا عليه‌! وإن‌ جلس‌ فلا توسّعوا له‌! فجاء أبو حنيفة‌ فجلس‌. فتكلّم‌ حمّاد بشي‌ء، فردّه‌ عليه‌ أبو حنيفة‌. فأخذ حمّا كفّاً من‌ حصي‌ فري‌ به‌. [36]

 الرابع‌: بسنده‌ عن‌ شريك‌ بن‌ عبدالله‌ قاضي‌ الكوفة‌ أنّ أبا حنيفة‌ استتيب‌ من‌ الزندقة‌ مرّتين‌[37]. وقيل‌ لشريك‌: ممّا استتبتم‌ أبا حنيفة‌؟! قال‌: من‌ الكفر. [38] وكان‌ سفيان‌ الثوريّ يقول‌: استتيب‌ أبو حنيفة‌ من‌ الكفر مرّتين‌. [39] وقال‌ يعقوب‌: مراراً. [40] وقال‌ سفيان‌ الثوريّ: مراراً. [41] وقال‌ سفيان‌ بن‌ عُيَيْنة‌: ثلاث‌ مرّات‌. [42] وقال‌ محمّد بن‌ عبدالله‌ الشافعيّ: سمعتُ جعفر بن‌ شاكر يقول‌: إنّ ابن‌ السنديّ روي‌ عن‌ عبدالله‌ بن‌ إدريس‌ أ نّه‌ كان‌ يقول‌: استتيب‌ أبو حنيفة‌ مرّتين‌. ويقول‌: كَذَّابٌ مَنْ زَعَمَ أنَّ الإيمَانَ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ. [43]

 الخامس‌: بسنده‌ عن‌ أبي‌ بكر بن‌ أبي‌ داود السجستانيّ أ نّه‌ قال‌ يوماً لاصحابه‌: ما تقولون‌ في‌ مسألة‌ اتّفق‌ عليها مالك‌ وأصحابه‌، والشافعيّ وأصحابه‌، والاوزاعيّ وأصحابه‌، والحسن‌ بن‌ صالح‌ وأصحابه‌، وسفيان‌ الثوريّ وأصحابه‌، وأحمد بن‌ حنبل‌ وأصحابه‌؟! فقالوا له‌: يا أبابكر لا تكون‌ مسألة‌ أصحّ من‌ هذه‌! فقال‌: هؤلاء كلّهم‌ اتّفقوا علی تضليل‌ أبي‌ حنيفة‌. [44]

 السادس‌: بسنده‌ عن‌ أبي‌ مطيع‌ قال‌: سمعت‌ أبا حنيفة‌ يقول‌: إن‌ كانت‌ الجنّة‌ والنار خُلقتا فإنّهما تفنيان‌. قال‌ أبو مطيع‌: وكذب‌ والله‌. قال‌ السرّاج‌ وكذب‌ والله‌. قال‌ النجّاد: وكذب‌ والله‌، قال‌ الله‌ تعإلی‌: أُكُلُهَا دَآئِمٌ [45]. قال‌ ابن‌ الفضل‌: وكذب‌ والله‌. [46]

 السابع‌: بسنده‌ عن‌ أبي‌ إسحاق‌ الفزاريّ قال‌: كنتُ آتي‌ أباحنيفة‌ أسأله‌ عن‌ الشي‌ء من‌ أمر الغزو. فسألته‌ عن‌ مسألة‌ فأجاب‌ فيها. فقلتُ له‌: إنّه‌ يُروي‌ فيها عن‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌ كذا وكذا. قال‌: دَعْنَا مِنْ هَذَا. [47]

 وبسنده‌ عن‌ عليّ بن‌ عاصم‌ قال‌: حدّثنا أبا حنيفة‌ بحديث‌ عن‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌، فقال‌: لاَ آخُذُ بِهِ. فقلتُ: عن‌ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌! قال‌: لاَ آخُذُ بِهِ. [48]

 الثامن‌: بسنده‌ عن‌ يحيي‌ بن‌ آدم‌ قال‌: ذُكر لابي‌ حنيفة‌ هذا الحديث‌ أنّ النبيّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌ قال‌: الوُضُوءُ نِصْفُ الإيمَانِ. قال‌: لتتوضّأ مرّتين‌ حتّي‌ تستكمل‌ الإيمان‌.

 قال‌ إسحاق‌: فقال‌ يحيي‌ بن‌ آدم‌: الوضوء نصف‌ الإيمان‌، يعني‌ نصف‌ الصلاة‌، لانّ الله‌ تعإلی‌ سمّي‌ الصلاة‌ إيماناً، فقال‌: وَمَا كَانَ اللَهُ لِيُضِيعَ إِيمَـ'نَكُمْ، [49] يعني‌ صلاتكم‌.

 قال‌ النبيّ: لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ إلاَّ بِطَهُورٍ. فالطهور نصف‌ الإيمان‌ علی هذا المعني‌، إذ كانت‌ الصلاة‌ لاتتمّ إلاّ به‌.

 قال‌ أبو عبدالله‌: قال‌ إسحاق‌: قال‌ يحيي‌ بن‌ آدم‌: ذُكر لابي‌ حنيفة‌ قول‌ من‌ قال‌: لاَ أَدْرِي‌ نِصْفُ العِلْمِ. قال‌: فليقل‌ مرّتين‌: لا أدري‌، حتّي‌ يستكمل‌ العلم‌.

 قال‌ يحيي‌: وتفسير قوله‌: لاَ أَدْرِي‌ نِصْفُ العِلْمِ، لانّ العلم‌ إنمّا هو أَدْرِي‌ وَلاَ أَدْرِي‌. فأحدهما نصف‌ الآخر. [50]

 التاسع‌: بسنده‌ عن‌ وكيع‌ قال‌: سأل‌ ابن‌ المبارك‌ أبا حنيفة‌ عن‌ رفع‌ إلیدين‌ في‌ الركوع‌. فقال‌ أبو حنيفة‌: يريد أن‌ يطير فيرفع‌ يديه‌؟! قال‌ وكيع‌: وكان‌ ابن‌ المبارك‌ رجلاً عاقلاً، فقال‌ ابن‌ المبارك‌: إنْ كَانَ طَارَ فِي‌ الاُولَي‌ فَإنَّهُ يَطِيرُ فِي‌ الثَانِيَةِ. فسكت‌ أبو حنيفة‌ ولم‌ يقل‌ شيئاً. [51]

 العاشر: نقل‌ بسنده‌ عن‌ مؤمّل‌ قال‌: سمعتُ حمّاد بن‌ سَلِمَة‌ يقول‌ ـ وذكر أبا حنيفة‌ـ: إنّ أبا حنيفة‌ استقبل‌ الآثار والسنن‌ فردّها برأيه‌. [52]

 الرجوع الي الفهرس

حكم‌ أبي‌ حنيفة‌ في‌ قطع‌ يد السارق‌ الذي‌ سرق‌ فسيل‌ النخل‌

 الحادي‌ عشر: روي‌ بسنده‌ عن‌ بشر بن‌ السَّريّ قال‌: أتيتُ أبا عوانة‌ فقلتُ له‌: بلغني‌ أنّ عندك‌ كتاباً لابي‌ حنيفة‌ أخرجه‌! فقال‌: يا بُنيّ! ذكّرتني‌! فقام‌ إلی‌ صندوق‌ له‌ فاستخرج‌ كتاباً. فقطّعه‌ قطعةً قطعةً فرمي‌ به‌. فقلتُ: ما حملك‌ علی ما صنعتَ؟

 قال‌: كنتُ عند أبي‌ حنيفة‌ جالساً فأتاه‌ رسول‌ بعجلة‌ من‌ قبل‌ السلطان‌ كأنّما قد حموا الحديد وأرادوا أن‌ يقلّدوه‌ الامر. فقال‌: يقول‌ الامير: رَجُلٌ سَرَقَ وَدِيّاً[53] فَمَا تَرَي‌؟

 فقال‌ ـ غير متعتع‌ ـ إن‌ كانت‌ قيمته‌ عشرة‌ دراهم‌ فاقطعوه‌! فذهب‌ الرجل‌. قلتُ: يا أبا حنيفة‌ أَلاَ تَتَّقِي‌ اللهَ!

 حدّثني‌ يحيي‌ بن‌ سعيد عن‌ محمّد بن‌ يحيي‌ بن‌ حبان‌، عن‌ رافع‌ بن‌ خديج‌ أنّ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌ قال‌: لاَ قَطْعَ فِي‌ ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ. أدْرِكِ الرجل‌ فإنّه‌ يُقطَع‌.

 فقال‌ ـ غير متتعتع‌ ـ ذَاكَ حُكْمٌ قَدْ مَضَي‌ فَانْتَهَي‌! وقد قُطع‌ الرجل‌. فهذا ما يكون‌ له‌ عندي‌ كتاب‌. [54]

 الثاني‌ عشر: روي‌ بسنده‌ عن‌ أبي‌ عاصم‌، عن‌ أبي‌ عوانة‌ قال‌: كنتُ عند أبي‌ حنيفة‌، فسأله‌ رجل‌ عن‌ رجل‌ سرق‌ وديّاً. فقال‌: عليه‌ القطع‌. قال‌: فقلتُ له‌: حدّثني‌ يحيي‌ بن‌ سعيد عن‌ محمّد بن‌ يحيي‌ بن‌ حبان‌، عن‌ رافع‌ بن‌ خديج‌ قال‌: قال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌: لاَ قَطْعَ فِي‌ ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ. [55]

 قال‌: أَيِّشْ تَقُولُ:

 قلتُ: نعم‌! قال‌: ما بلغني‌ هذا!

 قلتُ: الرجل‌ الذي‌ أفتيته‌ فردّه‌! قال‌: دَعْهُ! فَقَدْ جَرَتْ بِهِ البِغَالُ الشُّهُبُ. [56]

 قال‌ أبو عاصم‌: أَخَافذ أنْ تَكُونَ جُرْتَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ! [57]

 الثالث‌ عشر: نقل‌ بسنده‌ عن‌ عليّ بن‌ صالح‌ البغويّ قال‌: أنشدني‌ أبو عبدالله‌ محمّد بن‌ زيد الواسطيّ لاحمد بن‌ المعدّل‌:

 إنْ كُنتِ كَاذِبَةَ الَّذِي‌ حَدَّثْتِني‌                   فَعَلَيْكَ إثْمٌ أَبِي‌ حَنِيفَةَ أَوْ زُفَرْ

 المَائِلَيْنِ إلی‌ القِيَاسِ تَعَمُّداً                     وَالرَّاغِبَيْنِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالخَبَرَ[58]

 الرجوع الي الفهرس

تشبيه‌ أبي‌ حنيفة‌ بالمولّدين‌ من‌ بني‌ إسرائيل‌

 الرابع‌ عشر: قال‌ الخطيب‌: أخبرنا أبو نعيم‌ الحافظ‌، حدّثنا محمّد بن‌ أحمد بن‌ الحسن‌ الصوّاف‌، حدّثنا بشر بن‌ موسي‌، حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان‌ عن‌ هشام‌ بن‌ عروة‌، عن‌ أيه‌، قال‌: لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي‌ إسْرَائِيلَ مُعْتَدِلاً حَتَّي‌ ظَهَرَ فِيهِمُ المُوَلَّدُونَ، أَبْنَآءُ سَبَايَا الاُمَمِ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْي‌َ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.

 قال‌ سفيان‌: ولم‌ يزل‌ أمر الناس‌ معتدلاً حتّي‌ غيّر ذلك‌ أبو حنيفة‌ بالكوفة‌، و ] عثمان‌ [ البتيّ بالبصرة‌، وربيعة‌ ] بن‌ أبي‌ عبدالرحمن‌ [ بالمدينة‌، فنظرنا فوجدناهم‌ من‌ أبناء سبايا الاُمم‌. [59]

 الخامس‌ عشر: روي‌ بسنده‌ عن‌ حَمْدَوَيْه‌ قال‌: قلتُ لمحمّد بن‌ مَسْلَمة‌: ما لرأي‌ النعمان‌ دخل‌ البلدان‌ كلّها إلاّ المدينة‌؟

 قال‌: إنّ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌ قال‌: لا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ وَلاَ الطَّاعُونُ. وهودجّال‌ من‌ الدجاجلة‌. [60]

 السادس‌ عشر: روي‌ بسنده‌ عن‌ أبي‌ صالح‌ الاسديّ قال‌: سمعتُ شريكاً يقول‌: لاَنْ يَكُونَ فِي‌ كُلِّ حَيٍّ مِنَ الاَحْيَاءِ خَمَّارٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي‌ حَنِيفَةَ. [61]

 وروي‌ بسند آخر عن‌ منصور بن‌ أبي‌ مزاحم‌ قال‌: سمعتُ شريكاً بن‌ عبدالله‌ يقول‌: لَوْ أَنَّ فِي‌ كُلِّ رَبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِ الكُوفَةِ خَمَّارٌ يَبِيعُ الخَمْرَ كَانَ خَيْراً مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي‌ حَنِيفَةَ. [62]

 الرجوع الي الفهرس

كلام‌ شريك‌ حول‌ انحراف‌ أبي‌ حنيفة‌

 السابع‌ عشر: روي‌ بسنده‌ عن‌ الاسود بن‌ عامر، عن‌ شريك‌ قال‌: إنَّما كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ جَرَباً.[63]

 الثامن‌ عشر: روي‌ بسنده‌ عن‌ ابن‌ أبي‌ سريج‌ قال‌: سمعتُ الشافعيّ يقول‌: سمعتُ مالك‌ بن‌ أنس‌ ـ وقيل‌ له‌: تعرف‌ أبا حنيفة‌ ـ فقال‌: نعم‌! ما ظنّكم‌ برجلٍ لو قال‌: هذه‌ السارية‌ من‌ ذهب‌ لقام‌ دونها حتّي‌ يجعلها من‌ ذهب‌، وهي‌ من‌ خشب‌ أو حجارة‌؟!

 قال‌ أبو محمّد: يعني‌ أ نّه‌ كان‌ يثبت‌ علی الخطأ ويحتجّ دونه‌، ولايرجع‌ إلی‌ الصواب‌ إذا بان‌ له‌. [64]

 وذكر الخطيب‌ صدر هذه‌ الرواية‌ عن‌ الشافعيّ، عن‌ مالك‌ بسند آخر في‌ بيان‌ فقه‌ أبي‌ حنيفة‌. [65]

 التاسع‌ عشر: روي‌ بسنده‌ الصحيح‌ عن‌ أبي‌ بلال‌ الاشعريّ قال‌: سمعتُ أبا يوسف‌ القاضي‌ يقول‌: كنّا عند هارون‌ أنا، وشريك‌، وإبراهيم‌ بن‌ أبي‌ يحيي‌، وحفص‌ بن‌ غياث‌. قال‌: فسأل‌ هارون‌ عن‌ مسألة‌.

 فقال‌ إبرهيم‌ بن‌ أي‌ يحيي‌: حدّثنا صالح‌ مولي‌ التوأمة‌ عن‌ أبي‌ هريرة‌. قال‌: قال‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ ] وآله‌ [ وسلّم‌.

 قال‌: وقال‌ شريك‌: حدّثنا أبو إسحاق‌ عن‌ عمرو بن‌ ميمون‌ قال‌: قال‌ عمر بن‌ الخطّاب‌. وقال‌ حفص‌: حدّثنا الاعمش‌ عن‌ إبراهيم‌، عن‌ علقمة‌ قال‌: قال‌ عبدالله‌.

 قال‌: وقال‌ ( هارون‌ ) لي‌ أنا: ما تقول‌ أنتَ؟

 قال‌: قلتُ قال‌ أبو حنيفة‌. قال‌:

 فقال‌ ( هارون‌ ) خَاكْ بِسَرْ.

 قال‌ الخطيب‌: قُلْتُ: تَفْسيرُهُ تُرَابٌ علی رَأْسِكَ. [66]

 والملفت‌ للنظر هنا أنّ هارون‌ قال‌: « خاك‌ بِسَرْ » بالفارسيّة‌، وفسّرها الخطيب‌ بالعربيّة‌.

 العشرون‌: روي‌ بسنده‌ عن‌ عبدالله‌ بن‌ المبارك‌ قال‌:

 مَنْ نَظَرَ فِي‌ كِتَابِ الحِيَلِ لاِبِي‌ حَنِفَةَ أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَهُ، وَحَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَهُ. [67]

 ومن‌ هنا يتبيّن‌ أنّ أبا حنيفة‌ الذي‌ أراد في‌ هذا الكتاب‌ أن‌ يستعمل‌ الحيل‌ الشرعيّة‌ حسب‌ اعتقاده‌ قد ابتعد عن‌ الحقيقة‌ بنحو تتغيّر فيه‌ أحكام‌ الله‌.

 كما روي‌ الخطيب‌ بسنده‌ عن‌ أحمد بن‌ سعيد الدارميّ أ نّه‌ قال‌: سمعتُ النضر بن‌ شُمَيِّل‌ يقول‌: فِي‌ كِتَابِ الحِيَلِ كَذَا كَذَا مَسأَلةً كُلُّهَا كُفْرٌ. [68]

 وروي‌ بسنده‌ عن‌ أبي‌إسحاق‌ الطالقانيّ قال‌: سمعتُ عبدالله‌ بن‌ المبارك‌ يقول‌: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابُ حِيَلِ أَبِي‌ حَنِيفَةَ يَسْتَعْمِلُهُ ـ أَوْ يُفْنِي‌ بِهِ ـ فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ، وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ.

 فقال‌ مولي‌ ابن‌ المبارك‌: يا أبا عبدالرحمن‌! ما أدري‌ وضع‌ كتاب‌ الحيل‌ إلاّ شيطان‌! فقال‌ ابن‌ المبارك‌: الذي‌ وضع‌ كتاب‌ الحيل‌ أشرّ من‌ الشيطان‌. [69]

وروي‌ بسنده‌ أيضاً عن‌ زكريّا بن‌ سهل‌ المروزيّ قال‌: سمعتُ أبا إسحاق‌ الطالقانيّ يقول‌: سمعتُ المبارك‌ يقول‌:

 مَن‌ كَانَ كِتَابُ الحِيَلِ فِي‌ بَيْتِهِ يُفْتِي‌ بِهِ أَوْ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ بَانَتِ امْرَأتُهُ وَبَطَلَ حَجُّهُ.

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـمناقب‌ مزيّفة‌ مزعومة‌ لابي‌ حنيفة‌

 ذُكرت‌ لابي‌ حنيفة‌ مناقب‌ وفضائل‌ يأباها العقل‌. قال‌ ابن‌ خلّكان‌ في‌ «وفيّات‌ الاعيان‌» ج‌ 5، ص‌ 413، طبعة‌ بيروت‌: صلّي‌ أبو حنيفة‌ فيما حُفِظَ علیه‌ صلاة‌ الفجر بوضوء صلاة‌ العشاء أربعين‌ سنة‌، وكان‌ عامّة‌ ليله‌ يقرأ جميع‌ القرآن‌ في‌ ركعة‌ واحدة‌. وكان‌ يُسمع‌ بكاؤه‌ في‌ الليل‌ حتّي‌ يرحمه‌ جيرانه‌، وحُفظ‌ علیه‌ أ نّه‌ ختم‌ القرآن‌ في‌ الموضع‌ الذي‌ توفّي‌ فيه‌ سبعة‌ آلاف‌ مرّة‌. وقال‌ إسماعيل‌ بن‌ حمّاد بن‌ أبي‌ حنيفة‌ عن‌ أبيه‌: لمّا مات‌ أبي‌ سألنا الحسن‌ بن‌ عمارة‌ أن‌ يتولّي‌ غسله‌ ففعل‌. فلمّا غسله‌، قال‌: رحمك‌ الله‌ وغفر لك‌! لم‌ تفطر منذ ثلاثين‌ سنةً، ولم‌ تتوسّد يمينك‌ في‌ الليل‌ منذ أربعين‌ سنة‌، وقدأتعبتَ مَن‌ بعدك‌! وفضحتَ القرّاء!

 وجاء في‌ ديباجة‌ كتاب‌ «الدرّ المختار» في‌ شرح‌ «تنوير الابصار» في‌ الفقه‌ الحنفيّ ومؤلّفه‌ محمّد علاءالدين‌ الحسكفيّ (وأصل‌ «تنوير الابصار» من‌ تإلیف‌ الشيخ‌ محمّد تمر تاشي‌ الحنفيّ) ص‌ 5 إلی‌ 8، الطبعة‌ الاُولي‌ بالهند، سنة‌ 1272 ه ـ 1856 م‌، ما نشير إلی‌ بعضه‌ فيما يأتي‌: قال‌ إسماعيل‌ بن‌ أبي‌ رجاء: رأيتُ محمّداً (محمّد بن‌ الحسن‌ الشيبانيّ تلميذ أبي‌ حنيفة‌ المعروف‌) في‌ المنام‌ فقلتُ له‌: ما فعل‌ الله‌ بك‌؟! فقال‌: غفر لي‌. ثمّ قال‌: لو أردتُ أن‌ أعذّبك‌ ما جعلتُ هذا العلم‌ فيك‌! فقلتُ له‌: فأين‌ أبو يوسف‌؟ (تلميذ ممتاز آخر لابي‌ حنيفة‌) قال‌: فوقنا بدرجتين‌. قلتُ: فأبو حنيفة‌؟! قال‌: هيهات‌، ذاك‌ في‌ أعلی‌ علیين‌ ـ انتهي‌.

 كيف‌ وقد صلّي‌ الفجر بوضوء العشاء أربعين‌ سنة‌، وحجّ خمساً وخمسين‌ حجّة‌، ورأي‌ ربّه‌ في‌ المنام‌ مائة‌ مرّة‌. ولها قصّة‌ مشهورة‌. وفي‌ حجّته‌ الاخيرة‌ استأذن‌ حَجَبة‌ الكعبة‌ بالدخول‌ ليلاً، فقام‌ بين‌ العمودين‌ علی‌ رجله‌ إلیمني‌ ووضع‌ إلیسر علی‌ ظهرها حتّي‌ ختم‌ نصف‌ القرآن‌ ثمّ ركع‌ وسجد، ثمّ قام‌ علی‌ رجله‌ إلیسري‌ ووضع‌ الميني‌ علی‌ ظهرها حتّي‌ ختم‌ القرآن‌. فلمّا سلّم‌ بكي‌ وناجي‌ ربّه‌ وقال‌: إلَهي‌ ما عَبدَكَ هَذا العبد الضَّعيفُ حَقَّ عِبادتك‌، لكن‌ عَرَفَك‌ حقَّ مَعْرفتك‌! فهَب‌ نقصانَ خدمته‌ لكمال‌ معرفته‌! فهتف‌ هاتف‌ من‌ جانب‌ البيت‌: يا أبا حنيفة‌! قَدْ عَرَفْتَنَا حَقَّ المعرفة‌، وَخَدِمْتَنَا فَأحْسَنْتَ الخِدمةَ، وقد غَفَرْنَا لَكَ وَلِمزنِ اتَّبَعَلَكَ مِمَّن‌ كان‌ علی‌ مذهبك‌ إلی‌ يوم‌ القيامة‌!* إلی‌ أن‌ قال‌: وعنه‌ علیه‌ الصلاة‌ والسلام‌: إنّ آدم‌ افتخر بي‌، وأنا أفتخر برجلٍ من‌ أُمّتي‌ اسمه‌ نُعمان‌ وكنيته‌ أبو حنيفة‌، وهو سراج‌ أُمّتي‌. إلی‌ أن‌ قال‌: مَن‌ أَحَبَّهُ فقد أحَبَّنِي‌، ومن‌ أبْغَضَهُ فقد أبْغَضَنِي‌. كذا في‌ التقدمة‌ شرح‌ مقدّمة‌ أبي‌ الليث‌. قال‌ في‌ «الضياء المعنويّ»: وقول‌ ابن‌ الجوزيّ: إنّه‌ موضوع‌، تعصّب‌، لا نّه‌ روي‌ بطرق‌ مختلفة‌.

 وروي‌ الجرجانيّ في‌ مناقبه‌ بسنده‌ لسهل‌ بن‌ عبدالله‌ التستريّ أ نّه‌ قال‌: لو كان‌ في‌ أُمّة‌ موسي‌ وعيسي‌ مثل‌ أبي‌ حنيفة‌ لما تهوّدوا ولما تنصّروا... إلی‌ أن‌ قال‌: والحاصل‌ أنّ أبا حنيفة‌ النعمان‌ من‌ أعظم‌ معجزات‌ المصطفي‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ بعد القرآن‌. وحسبك‌ من‌ مناقبه‌ اشتهار مذهبه‌. ما قال‌ قولاً إلاّ أخذ به‌ إمام‌ من‌ الائمّة‌ الاعلام‌. وقد جعل‌ الله‌ الحكم‌ لاصحابه‌ وأبتاعه‌ من‌ زمنه‌ إلی‌ هذه‌ الايّام‌، إلی‌ أن‌ يحكم‌ بمذهبه‌ عيسي‌ علیه‌ السلام‌... إلی‌ أن‌ قال‌: قيل‌: ويوم‌ توفّي‌ ولد الإمام‌ الشافعيّ فعدّ من‌ مناقبه‌. إلی‌ آخر مقدّمته‌ الطويلة‌. أجل‌، إنّ قصدنا من‌ هذا الشرح‌ أن‌ تقول‌: لا يخفي‌ علی‌ القرّاء وأُولي‌ الدراية‌ أنّ هذه‌ المناقب‌ جميعها موضوعة‌، وقد تلوث‌ العامّة‌ من‌ أتباعه‌ بهذه‌ التمويهات‌ من‌ أجل‌ تضخيمه‌.

 * ـ ذكر الخطيب‌ بعض‌ هذه‌ الاخبار في‌ «تاريخ‌ بغداد» ج‌ 13، ص‌ 354، ثمّ أورد روايات‌ مستفيضة‌ في‌ ذمّ أبي‌ حنيفة‌.

 الرجوع الي الفهرس

[2] ـ إشعار البدن‌: سمة‌ يوسم‌ بها البعير، أو يُشَقَّ جلده‌، أو يضرب