بسم الله الرحمن الرحيم

کتاب معرفة الله/ المجلد الثالث/ القسم الاول: تفسیر سورة التکاثر، المراد من النعیم، روایة ماالحقیقة؟

موقع علوم و معارف الإسلام الحاوي علي مجموعة تاليفات سماحة العلامة آية الله الحاج السيد محمد حسين الحسيني الطهراني قدس‌سره

 

 

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

 

البحث الخامس و العشرون الی الثلاثین:

جمیع الناس _سوی العرفاء_یرون الله بنظرة مزدوجة

 

أَعُوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمَ

  وَصَلَّي‌ اللَهُ عَلَی‌ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ

وَلَعْنَةُ اللَهِ عَلَی‌ أعْدَائِهِمْ أجْمَعينَ مِنَ الا´نَ إلَي‌ قِيامِ يَوْمِ الدِّينِ

وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَهِ العلی‌ِّ العَظِيمِ

تفسير العلاّ مة‌ لسورة‌ التكاثر

 

 قَالَ اللَهُ الحَكِيمُ فِي‌ كِتَابِهِ الكَرِيمِ:

 أَلْهَي'كُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّي‌' زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْـَلُنَّ يَوْمَنءِذٍ عَنِ النَّعِيمِ .

 ( سورة‌ التكاثر كاملةً ، وترتيبها الثانية‌ بعد المائة‌ )

 يقول‌ سماحة‌ أُستاذنا الاعظم‌ العلاّمة‌ الطباطبائي‌ّ قدّس‌ الله‌ سرّه‌ في‌ تفسيره‌ هذه‌ السورة‌ المباركة‌ :

 «بيان‌ :

 توبيخ‌ شديد للناس‌ علی‌ تلهّيهم‌ بالتكاثر في‌ الاموال‌ والاولاد والاعضاء وغفلتهم‌ عمّا وراءه‌ من‌ تبعة‌ الخسران‌ والعذاب‌ ، وتهديد بأ نّهم‌ سوف‌ يعلمون‌ ويرون‌ ذلك‌ ويُسألون‌ عن‌ هذه‌ النِّعم‌ التي‌ أُوتوها ليشكروا فتلهّوا بها وبدّلوا نعمة‌ الله‌ كفراً .

 قوله‌ تعالي‌ : أَلْهَب'كُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّي‌' زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ، قال‌ في‌ « المفردات‌ » : اللهو ما يشغل‌ الإنسان‌ عمّا يعنيه‌ ويهمّه‌ . قال‌ ، ويقال‌ : أَلْهَاهُ كَذَا ، أي‌ شغله‌ عمّا هو أهمّ إليه‌ ، قال‌ تعالي‌ : أَلْهَب'كُمُ التَّكَاثُرُ انتهي‌ .

 وقال‌ الراغب‌ : و المُكَاثَرَة‌ و التَّكَاثُر : التباري‌ في‌ جميع‌ المال‌ والعزّ . وقال‌ أيضاً : المَِقْبَرَة‌ ( بكسر الميم‌ وفتحها ) : موضع‌ القبور ، وجمعها مَقَابِر ؛ قال‌ حَتَّي‌' زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كناية‌ عن‌ الموت‌ انتهي‌ كلام‌ الراغب‌ .

 فالمعني‌ علی‌ ما يعطيه‌ السياق‌ شغلكم‌ التكاثر في‌ متاع‌ الدنيا وزينتها والتسابق‌ في‌ تكثير العدّة‌ عمّا يهمّكم‌ ، وهو ذكر الله‌ ، حتّي‌ لقيتم‌ الموت‌ فعمّتكم‌ الغفلة‌ مدي‌ حياتكم‌ .

 وقيل‌ : المعني‌ شغلكم‌ التباهي‌ والتباري‌ بكثرة‌ الرجال‌ بأن‌ يقول‌ هؤلإ : نحن‌ أكثر رجالاً ، وهؤلاء : نحن‌ أكثر حتّي‌ إذا استوعبتم‌ عدد الاحياء صرتم‌ إلي‌ القبور فعددتم‌ الاموات‌ من‌ رجالكم‌ فتكاثرتم‌ بأمواتكم‌ .

 وهذا المعني‌ مبني‌ّ علی‌ ما ورد في‌ أسباب‌ النزول‌ أنّ قبيلتين‌ من‌ الانصار تفاخرتا بالاحياء ثمّ بالاموات‌ ، وفي‌ بعضها أنّ ذلك‌ كان‌ بمكّة‌ بين‌ بني‌ عبد مَناف‌ وبني‌ سَهْم‌ فنزلت‌ السورة‌ ، وستأتي‌ القصّة‌ في‌ البحث‌ الروائي‌ّ .

 قوله‌ تعالي‌ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ردع‌ علی‌ اشتغالهم‌ بما لا يهمّهم‌ عمّا يعنيهم‌ وتخطئة‌ لهم‌ ، وقوله‌ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، تهديد معناه‌ علی‌ ما يفيده‌ المقام‌ سوف‌ تعلمون‌ تبعة‌ تلهّيكم‌ هذا وتعرفونها إذا انقطعتم‌ عن‌ الحياة‌ الدنيا .

 قوله‌ تعالي‌ : ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، تأكيد للردع‌ والتهديد السابقَينِ ، وقيل‌ : المراد بالاوّل‌ علمهم‌ بها عند الموت‌ ، وبالثاني‌ علمهم‌ بها عند البعث‌ .

 قوله‌ تعالي‌ : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ، ردع‌ بعد ردع‌ تأكيداً ، واليقين‌ العلم‌ الذي‌ لا يداخله‌ شكّ وريب‌ .

 وقوله‌ : لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، جواب‌ لو محذوف‌ ، والتقدير لو تعلمون‌ الامر علم‌ اليقين‌ لشغلكم‌ ما تعلمون‌ عن‌ التباهي‌ والتفاخر بالكثرة‌ ، وقوله‌ : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ، استئناف‌ في‌ الكلام‌ ، واللام‌ للقسم‌ ، والمعني‌ أُقسم‌ لتروُنّ الجحيم‌ التي‌ جزاء هذا التلهي‌ كذا فسّروا . [1]

 قالوا : ولا يجوز أن‌ يكون‌ قوله‌ : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب‌ لو الامتناعيّة‌ ، لانّ الرؤية‌ محقّقة‌ للوقوع‌ وجوابها لا يكون‌ كذلك‌ .

 وهذا مبني‌ّ علی‌ أن‌ يكون‌ المراد رؤية‌ الجحيم‌ يوم‌ القيامة‌ كما قال‌ : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن‌ يَرَي‌' ، [2] وهو غير مسلّم‌ ، بل‌ الظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل‌ يوم‌ القيامة‌ رؤية‌ البصيرة‌ وهي‌ رؤية‌ القلب‌ التي‌ هي‌ من‌ آثار اليقين‌ علی‌ ما يشير إليه‌ ، قوله‌ تعالي‌ :

 وَكَذَ لِكَ نُرِي‌´ إِبْرَ هِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . [3]

 وقد تقدّم‌ الكلام‌ فيها ، وهذه‌ الرؤية‌ القلبيّة‌ قبل‌ يوم‌ القيامة‌ غير محقّقة‌ لهؤلاء المتلهّين‌ ، بل‌ ممتنعة‌ في‌ حقّهم‌ لامتناع‌ اليقين‌ علیهم‌ .

 قوله‌ تعالي‌ : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ، المراد بعين‌ اليقين‌ نفسه‌ ، والمعني‌ لتروُنّها محض‌ اليقين‌ ، وهذه‌ بمشاهدتها يوم‌ القيامة‌ ، ومن‌ الدليل‌ علیه‌ قوله‌ بعد ذلك‌ ثُمَّ لَتُسْـَلُنَّ يَوْمَنءِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ، فالمراد بالرؤية‌ الاُولي‌ رؤيتها قبل‌ يوم‌ القيامة‌ ، وبالثانية‌ رؤيتها يوم‌ القيامة‌ .

 وقيل‌ : الاُولي‌ قبل‌ الدخول‌ فيها يوم‌ القيامة‌ ، والثانية‌ إذ دخلوها . وقيل‌ : الاُولي‌ بالمعرفة‌ ، والثانية‌ بالمشاهدة‌ . وقيل‌ : المراد الرؤية‌ بعد الرؤية‌ ، إشارة‌ للاستمرار والخلود . وقيل‌ غير ذلك‌ وهي‌ وجوه‌ ضعيفة‌ .

 قوله‌ تعالي‌ : ثُمَّ لَتُسْـَلُنَّ يَوْمَنءِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ، ظاهر السياق‌ أنّ هذا الخطاب‌ وكذلك‌ الخطابات‌ المتقدّمة‌ في‌ السورة‌ للناس‌ بما أنّ فيهم‌ من‌ اشتغل‌ بنعمة‌ ربّه‌ عن‌ ربّه‌ فأنساه‌ التكاثر فيها عن‌ ذكر الله‌ ، وما في‌ السورة‌ من‌ التوبيخ‌ والتهديد متوجّه‌ إلي‌ عامّة‌ الناس‌ ظاهراً واقع‌ علی‌ طائفة‌ خاصّة‌ منهم‌ حقيقة‌ وهم‌ الذين‌ أَلْهَاهُمُ التَّكَاثُرُ .

 وكذا ظاهر السياق‌ أنّ المراد بالنعيم‌ مطلقه‌ وهو كلّ ما يصدق‌ علیه‌ أ نّه‌ نعمة‌ ، فالإنسان‌ مسؤول‌ عن‌ كلّ نعمة‌ أنعم‌ الله‌ بها علیه‌ .

 وذلك‌ أنّ النعمة‌ ـ وهي‌ الامر الذي‌ يلائم‌ المُنعَم‌ علیه‌ ويتضمّن‌ له‌ نوعاً من‌ الخير والنفع‌ إنّما تكون‌ نعمة‌ بالنسبة‌ إلي‌ المُنعَم‌ علیه‌ إذا استعملها بحيث‌ يسعد بها فينتفع‌ ، وأمّا لو استعملها علی‌ خلاف‌ ذلك‌ كانت‌ نقمة‌ بالنسبة‌ إليه‌ ، وإن‌ كانت‌ نعمة‌ بالنظر إلي‌ نفسها .

 وقد خلق‌ الله‌ تعالي‌ الإنسان‌ وجعل‌ غاية‌ خلقته‌ التي‌ هي‌ سعادته‌ ومنتهي‌ كماله‌ التقرّب‌ العبودي‌ّ إليه‌ كما قال‌ : و مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . [4]

 وهي‌ الولاية‌ الإلهيّة‌ لعبده‌ ، وقد هيّأ الله‌ سبحانه‌ له‌ كلّ ما يسعد وينتفع‌ به‌ في‌ سلوكه‌ نحو الغاية‌ التي‌ خُلِق‌ لها وهي‌ النعم‌ فَأَسْبَغَ عَلَیهِ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . [5]

 فاستعمال‌ هذه‌ النعم‌ علی‌ نحو يرتضيه‌ الله‌ وينتهي‌ بالإنسان‌ إلي‌ غايته‌ المطلوبة‌ هو الطريق‌ إلي‌ بلوغ‌ الغاية‌ وهو الطاعة‌ ، واستعمالها بالجمود علیها ونسيان‌ ما وراءها غي‌ّ وضلال‌ وانقطاع‌ عن‌ الغاية‌ وهو المعصية‌ ، وقد قضي‌ سبحانه‌ قضاء لا يُردّ ولا يُبدّل‌ أن‌ يرجع‌ الإنسان‌ إليه‌ فيسأله‌ عن‌ عمله‌ فيحاسبه‌ ويجزيه‌ ، وعمله‌ هو استعماله‌ للنِّعم‌ الإلهيّة‌ ، قال‌ تعالي‌ :

 وَأَن‌ لَّيْسَ لِلإنسَـ'نِ إِلاَّ مَا سَعَي‌' * وَأَنَّ سَعْيَهُ و سَوْفَ يُرَي‌' * ثُمَّ يُجْزَب'هُ الْجَزَآءَ الاْوْفَي‌' * وَأَنَّ إِلَي‌' رَبِّكَ الْمُنتَهَي‌' . [6]

 فالسؤال‌ عن‌ عمل‌ العبد سؤال‌ عن‌ النعيم‌ كيف‌ استعمله‌ ، أشَكَرَ النعمة‌ أم‌ كفر بها .

الرجوع الي الفهرس

شأن‌ نزول‌ سورة‌ أَلْهَب'كُمُ التَّكَاثُرُ

  «بحث‌ روائي‌ّ»

 في‌ « المجمع‌ » ، قيل‌ : نزلت‌ في‌ اليهود ، قالوا : نحن‌ أكثر من‌ بني‌ فلان‌ ، وبنو فلان‌ أكثر من‌ بنو فلان‌ ، ألهاهم‌ ذلك‌ حتّي‌ ماتوا . ضلالاً ، عن‌ قتادة‌ .

 وقيل‌ : نزلت‌ في‌ فخذ من‌ الانصار تفاخروا ، عن‌ أبي‌ بريدة‌ .

 وقيل‌ : نزلت‌ في‌ حيّينِ من‌ قريش‌ بني‌ عَبد مَناف‌ بن‌ قُصَي‌ّ ، و بني‌ سَهْم‌ بن‌ عَمْرو ، تكاثروا وعدّوا أشرافهم‌ فكثرهم‌ بنو عبد مناف‌ .

 ثمّ قالوا : نعدّ موتانا حتّي‌ زاروا القبور فعدّوهم‌ وقالوا : هذا قبر فلان‌ وهذا قبر فلان‌ فكثرهم‌ بنو سهم‌ ، لا نّهم‌ كانوا أكثر عدداً في‌ الجاهليّة‌ ، عن‌ مقاتل‌ والكلبي‌ّ .

 وفي‌ تفسير « البرهان‌ » عن‌ البرقي‌ّ ، عن‌ أبيه‌ ، عن‌ ابن‌ أبي‌ عمير ، عن‌ هشام‌ بن‌ سالم‌ ، عن‌ أبي‌ عبد الله‌ علیه‌ السلام‌ في‌ قوله‌ تعالي‌ : لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، قال‌ : المعاينة‌ .

 أقول‌ : الرواية‌ تؤيّد ما قدّمناه‌ من‌ المعني‌ .

 وفي‌ « تفسير القمّي‌ّ » بإسناده‌ عن‌ جميل‌ عن‌ أبي‌ عبد الله‌ علیه‌ السلام‌ قال‌ : قلتُ له‌ : لَتُسْـَلُنَّ يَوْمَنءِذٍ عَنِ النَّعِـيـمِ . قال‌ : تُسْأَلُ هَذِهِ الاُمَّةُ عَمَّا أَنْعَمَ اللَهُ عَلَیهَا بِرَسُولِهِ ثُمَّ بِأَهْلِ بَيْتِهِ .

 وفي‌ « الكافي‌ » بإسناده‌ عن‌ أبي‌ خالد الكابولي‌ّ قال‌ : دَخَلْتُ عَلَی‌ أَبِي‌ جَعْفَرٍ عَلَیهِ السَّلاَمُ فَدَعَا بِالغَذَاءِ ، فَأَكَلْتُ مَعَهُ طَعَاماً مَا أَكَلْتُ طَعَاماً أَطْيَبَ مِنْهُ قَطُّ وَلاَ أَلْطَفَ .

 فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الطَّعَامِ قَالَ : يَا أَبَا خَالِدٍ ! كَيْفَ رَأَيْتَ طَعَامَكَ ـ أَوْ قَالَ : طَعَامَنَا ؟!

 قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ! مَا أَكَلْتُ طَعَاماً أَطْيَبَ مِنْهُ قَطُّ وَلاَ أَنْظَفَ ، وَلَكِنْ ذَكَرْتُ الا´يَةَ الَّتِي‌ فِي‌ كِتَابِ اللَهِ عَزَّ وَجَلَّ : «ثُمَّ لَتُسْـَلُنَّ يَوْمَنءِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» !

 فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَیهِ السَّلاَمُ : إنَمَّا يَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَیهِ مِنَ الحَقِّ !

 وفيه‌ بإسناده‌ عن‌ أبي‌ حمزة‌ قال‌ :

 كُنَّا عِنْدَ أَبِي‌ عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلاَمُ جَمَاعَةً ، فَدَعَا بِطَعَامٍ مَا لَنَا عَهْدٌ بِمِثْلِهِ لَذَاذَةً وَطِيباً ، وَأُتِينَا بِتَمْرٍ تَنْظُرُ فِيهِ أَوْجُهُنَا مِنْ صَفَائِهِ وَحُسْنِهِ .

 فَقَالَ رَجُلٌ : لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ الَّذِي‌ تَنَعَّمْتُمْ بِهِ عِنْدَ ابْنِ رَسُولِ اللَهِ !

 فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلاَمُ : إنَّ اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ أَكْرَمُ وَأَجَلُّ أَنْ يُطْعِمَ طَعَاماً فَيُسَوِّغَكُمُوهُ ، ثُمَّ يَسْأَلَكُمْ عَنْهُ !

 إنَّمَا يَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْعَمَ عَلَیكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَیهِ وَآلِهِ .

 أقول‌ : وهذا المعني‌ مروي‌ّ عن‌ أئمّة‌ أهل‌ البيت‌ علیهم‌ السلام‌ بطرق‌ أُخري‌ وعبارات‌ مختلفة‌ وفي‌ بعضها أنّ النعيم‌ ولايتنا أهل‌ البيت‌ .

 ويؤول‌ المعني‌ إلي‌ ما قدّمناه‌ من‌ عموم‌ النعيم‌ لكلّ نعمة‌ أنعم‌ الله‌ بها بما أ نّها نعمة‌ .

 بيان‌ ذلك‌ أنّ هذه‌ النعم‌ لو سئل‌ عن‌ شي‌ء منها فليست‌ يسأل‌ عنها بما أ نّها لحم‌ أو خبز أو تمر أو ماء بارد أو أ نّها سمع‌ أو بصر أو يد أو رِجل‌ مثلاً ، وإنّما يُسأل‌ عنها بما أ نّها نعمة‌ خلقها الله‌ للإنسان‌ وأوقعها في‌ طريق‌ كماله‌ والحصول‌ علی‌ التقرّب‌ العبودي‌ّ ، كما تقدّمت‌ الإشارة‌ إليه‌ ، وندبه‌ إلي‌ أن‌ يستعملها شكراً لا كفراً .

مرجع‌ السؤال‌ عن‌ النعيم‌ إلي‌ السؤال‌ عن‌ العمل‌ بالدين‌

 فالمسؤول‌ عنها هي‌ النعمة‌ بما أ نّها نعمة‌ ، ومن‌ المعلوم‌ أنّ الدالّ علی‌ نعيميّة‌ النعيم‌ وكيفيّة‌ استعماله‌ شكراً والمبيّن‌ لذلك‌ كلّه‌ هو الدين‌ الذي‌ جاء به‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ ونصب‌ لبيانه‌ الائمّة‌ من‌ أهل‌ بيته‌ .

 فالسؤال‌ عن‌ النعيم‌ مرجعه‌ السؤال‌ عن‌ العمل‌ بالدين‌ في‌ كلّ حركة‌ وسكون‌

الرجوع الي الفهرس

المراد بالنعيم‌ هو الولاية‌

 ومن‌ المعلوم‌ أنّ السؤال‌ عن‌ النعيم‌ الذي‌ هو الدين‌ سؤال‌ عن‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ والائمّة‌ من‌ بعده‌ الذين‌ افترض‌ الله‌ طاعتهم‌ وأوجب‌ اتّباعهم‌ في‌ السلوك‌ إلي‌ الله‌ الذي‌ طريقه‌ استعمال‌ النعم‌ كما بيّنه‌ الرسول‌ والائمّة‌ .

 وإلي‌ كون‌ السؤال‌ عن‌ النعيم‌ سؤال‌ عن‌ الدين‌ يشير ما في‌ رواية‌ أبي‌ خالد من‌ قوله‌ : إنَّمَا يَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَیهِ مِنَ الحَقِّ .

 وإلي‌ كونه‌ سؤال‌ عن‌ النعيم‌ الذي‌ هو النبي‌ّ وأهل‌ بيته‌ يشير ما في‌ روايتي‌ جميل‌ وأبي‌ حمزة‌ السابقتين‌ من‌ قوله‌ : يُسْأَلُ هَذِهِ الاُمَّةُ عَمَّا أَنْعَمَ اللَهُ عَلَیهَا بِرَسُولِهِ ثُمَّ بِأَهْلِ بَيْتِهِ أو ما في‌ معناه‌ .

 وفي‌ بعض‌ الروايات‌ النَّعِيمُ هُوَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّي‌ اللَهُ عَلَیهِ وَآلِهِ ؛ أَنْعَمَ اللَهُ بِهِ عَلَی‌ أَهْلِ العَالَمِ فَاسْتَنْقَذَهُمْ مِنَ الضَّلاَلَةِ .

 وفي‌ بعضها إنَّ النَّعِيمَ وَلاَيَتُنَا أَهْلَ البَيْتِ .

 والمآل‌ واحد ومن‌ ولاية‌ أهل‌ البيت‌ افتراض‌ طاعتهم‌ واتّباعهم‌ فيما يسلكونه‌ من‌ طريق‌ العبوديّة‌ .

 وفي‌ « المجمع‌ » ، وقيل‌ : النَّعِيمُ الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ عن‌ عكرمة‌ ، ويعضده‌ ما رواه‌ ابن‌ عبّاس‌ عن‌ النبي‌ّ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ قال‌ : نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ .

 وفيه‌ ، وقيل‌ : هو يعني‌ : النَّعِيمُ الاَمْنُ وَالصِّحَّةُ . عن‌ عبد الله‌ بن‌ مسعود ومجاهد ، وروي‌ ذلك‌ عن‌ أبي‌ جعفر وأبي‌ عبد الله‌ .

 أقول‌ : وفي‌ روايات‌ أخري‌ من‌ طرق‌ أهل‌ السنة‌ أنّ النعيم‌ هو التمر والماء البارد وفي‌ بعضها غيرهما ، وينبغي‌ أن‌ يحمل‌ الجميع‌ علی‌ إيراد المثال‌ وفي‌ الحديث‌ النبوي‌ّ من‌ طرقهم‌ : ثَلاَثٌ لاَ يُسْأَلُ عَنْهَا العَبْدُ : خِرْقَةٌ يُوَارِي‌ بِهَا عَوْرَتَهُ ، أَوْ كِسْرَةٌ يَسُدُّ بِهَا جُوعَتَهُ ، أَوْ بَيْتٌ يَكِنُّهُ مِنَ الحَرِّ وَالبَرْدِ الحديث‌ .

 وينبغي‌ أن‌ يحمل‌ علی‌ خفّة‌ الحساب‌ في‌ الضروريّات‌ ونفي‌ المناقشة‌ فيه‌ والله‌ أعلم‌ » [7]

 كان‌ هذا ما ذكره‌ الاُستاذ الاكرم‌ قدّس‌ الله‌ سرّه‌ في‌ تفسيره‌ . وأمّا ما سمعه‌ الحقير خلال‌ بحوثه‌ الشفهيّة‌ ودوّنته‌ عنه‌ ، فهو أكثر صراحة‌ ممّا قيل‌ في‌ إثبات‌ وحدة‌ الذات‌ المقدّسة‌ للحقّ تعالي‌ . فقد قال‌ سماحته‌ صراحة‌ : « لا توجد لدينا آية‌ أكثر وضوحاً وصراحة‌ في‌ إثبات‌ الوحدة‌ من‌ هذه‌ . بل‌ إنّ هذه‌ الا´يات‌ قد تجاوزت‌ حدود الصراحة‌ كذلك‌ ، وإنّما عجبي‌ علینا من‌ عدم‌ إصغائنا لها !» .

 فهذه‌ الا´يات‌ تقول‌ : يا أيّها الناس‌ لقد كنتم‌ تعرضون‌ عن‌ رؤية‌ الحقّ الواحد المعبود المسجود ولقائه‌ في‌ طوال‌ سني‌ّ عمركم‌ حتّي‌ تُقبرون‌ ، حيث‌ تصوّرتموه‌ في‌ شؤون‌ الكثرات‌ بصورة‌ المقيّد والمتعيّن‌ ؛ وهذه‌ هي‌ حقيقة‌ الجحيم‌ والنار النزّاعة‌ للشوي‌ المتمثّلة‌ بحجبكم‌ وجه‌ الحقّ تعالي‌ .

 ضعوا عنكم‌ ستار التعيّن‌ لعالم‌ الوجود والكثرة‌ حتّي‌ يتجلّي‌ لكم‌ جمال‌ الواحد الاحد ، فتلبسون‌ لباس‌ النعمة‌ الحقيقيّة‌ وهي‌ لباس‌ الولاية‌ والعبوديّة‌ الصرفة‌ في‌ مقابل‌ هكذا ربّ . لا أن‌ تزيلوا ذلك‌ النعيم‌ وتبطلوه‌ وتحرموا أنفسكم‌ من‌ فيض‌ الولاية‌ التي‌ هي‌ حقيقة‌ القرب‌ ، وأن‌ تحرق‌ نار الكثرات‌ والتعيّنات‌ المستعرة‌ أعينكم‌ ؛ وما ترونه‌ في‌ هذه‌ الدنيا سيظهر لكم‌ في‌ الدار العقبي‌ علی‌ صورة‌ جهنّم‌ .

 فإن‌ أزلتم‌ ستار حجاب‌ الملكوت‌ عن‌ أبصاركم‌ الرمداء والحولاء ، فسوف‌ ترون‌ في‌ الحال‌ بعلم‌ اليقين‌ والمعاينة‌ أنّ التهافت‌ علی‌ التكاثر والاستزادة‌ إنّما هما سدّ عظيم‌ صنعتموه‌ بأيديكم‌ ولن‌ يتسني‌ لكم‌ رؤية‌ جمال‌ الحقّ تعالي‌ إلاّ بتخلّيكم‌ عن‌ الكثرات‌ والمباهاة‌ في‌ كثير من‌ الاُمور الواهية‌ والاعتباريّة‌ والمجازيّة‌ فتشاهدوه‌ وتأنسوا به‌ وتتمتّعوا بقدر كاف‌ من‌ واقعيّة‌ النعيم‌ !

 قال‌ العلاّمة‌ : « إنّ التفسير الاوّل‌ والذي‌ يخصّ السورة‌ ليس‌ مستساغاً بما فيه‌ الكفاية‌ ؛ خلافاً للتفسير الثاني‌ الذي‌ يعتبر مقبولاً ومرضيّاً » . ولمزيد من‌ البيان‌ ، نورد هنا مقتطفات‌ من‌ كلامه‌ الذي‌ ذكرناه‌ في‌ ذِكراه‌ :

 قال‌ : « ففي‌ الا´ية‌ إطلاق‌ وإنّ أي‌ّ نوع‌ من‌ أنواع‌ الاستكثار ] سواء في‌ الاموال‌ والاولاد ، أو في‌ الخيرات‌ ، أو في‌ العلم‌ ، أو في‌ الفقه‌ والاُصول‌ والحكمة‌ والحديث‌ والتفسير وسائر العلوم‌ والفنون‌ [ يحول‌ من‌ بلوغ‌ الإنسان‌ إلي‌ مقام‌ الوحدة‌ والسلوك‌ إلي‌ الله‌ .

 إنّ هذا التفسير أفضل‌ من‌ التفسير الاوّل‌ : فالاوّل‌ ليس‌ مقبولاً بما فيه‌ الكفاية‌ » .

 وقال‌ : « وقد اجتاز القرآن‌ مرحلة‌ أو دائرة‌ الصراحة‌ في‌ بعض‌ الاماكن‌ ؛ ولكن‌ في‌ الوقت‌ ذاته‌ تأبي‌ أنفسنا إلاّ أن‌ نأوّل‌ ذلك‌ تأويلاً آخر .

 لقد حال‌ الاستكثار والحرص‌ بينكم‌ وبين‌ رؤية‌ جمال‌ الحقّ والوحدة‌ المطلقة‌ وجعلكم‌ تغفلون‌ عن‌ ذلك‌ حتّي‌ أُقبِرتُم‌ » .

 وقال‌ أيضاً : « ومعني‌ ذلك‌ هو : أنّ هذه‌ الكثرات‌ والاستكثارات‌ والحرص‌ كلّ ذلك‌ أشغلكم‌ بأنفسكم‌ ، وألهاكم‌ عن‌ لقاء الحقّ ورؤيته‌ حتّي‌ حان‌ الموت‌ . أي‌ّ أ نّكم‌ تجرون‌ وراء الكثرات‌ ما دمتم‌ أحياء ؛ وهكذا حتّي‌ يأتيكم‌ اليقين‌ ويدرككم‌ الموت‌ ! فتموتون‌ !» . [8]

 وقال‌ أيضاً : ] قال‌ الإمام‌ الصادق‌ علیه‌ السلام‌ مخاطباً أبا حنيفة‌ في‌ أحد المجالس‌ : ليس‌ المراد بالنعيم‌ الطعام‌ والشراب‌ وأمثالهما [ بل‌ المراد من‌ النعيم‌ ولايتنا أهل‌ البيت‌ فيُسأل‌ الناس‌ يومئذٍ : ما مدي‌ تولّيكم‌ وسيركم‌ علی‌ خطي‌ أئمّتكم‌ وسيرتهم‌ ومنهاجهم‌ في‌ سيركم‌ وسلوككم‌ إلي‌ الله‌ ؟! وإلي‌ أي‌ّ حدّ ذُبتم‌ في‌ مقام‌ العبوديّة‌ المحضة‌ المطلقة‌ ؟!

 والمراد بـ جنّة‌ النعيم‌ الواردة‌ في‌ القرآن‌ هو هذه‌ الجنّة‌ كذلك‌ . أي‌: « جنّة‌ الولاية‌ » التي‌ هي‌ جنّة‌ المُخلَصين‌ والمقرّبين‌ من‌ أولياء الله‌ والواصلين‌ إلي‌ مقام‌ التوحيد الذاتي‌ّ والمندكّين‌ في‌ عوالم‌ الربوبيّة‌ وصفات‌ الجمال‌ والجلال‌ الإلهيينِ . جنّة‌ أُولئك‌ الذين‌ تخلّصوا من‌ أدرانهم‌ الوجوديّة‌ بالكامل‌ وسلّموا كلّ ذلك‌ بِيَدِ الحقّ تعالي‌ .

 وهكذا علمنا بوساطة‌ جميع‌ هذه‌ الشواهد والقرائن‌ الحاقّيّة‌ الداخليّة‌ والعارضة‌ الخارجيّة‌ أنّ الولاية‌ كُنِّيت‌ بالنعمة‌ ؛ وإن‌ كان‌ الظاهر أنّ المراد بها هو مطلق‌ النعمة‌ ، إلاّ أ نّه‌ في‌ الحقيقة‌ يجب‌ أن‌ يكون‌ المراد بالنعمة‌ هو الولاية‌ .

الرجوع الي الفهرس

العلاّمة‌ : من‌ المقابلة‌ بين‌ النعيم‌ والجحيم‌ يستنتج‌ أنّ النعيم‌ هو الولاية‌

 والحقّ أ نّنا لا نروم‌ من‌ هذا التفسير ( تفسير النعمة‌ بالولاية‌ ) الحصول‌ علی‌ هذا المعني‌ بتضمين‌ الروايات‌ الواردة‌ ، بل‌ إنّ هدفنا هو استقاء هذا المعني‌ من‌ نفس‌ الا´يات‌ والشواهد الموجودة‌ فيها .

 لاحظوا أ نّه‌ بعد أن‌ وُصِف‌ التكاثر باللهو ، وعُبِّر عنه‌ بالجحيم‌ والنار المستعرة‌ في‌ حال‌ وجود علم‌ اليقين‌ وعين‌ اليقين‌ ؛ فقد اعتُبِر النعيم‌ بالمقابل‌ ، وهو مقام‌ التوحيد ـ الذي‌ يتجلّي‌ في‌ العبد ويُعَبَّر عنه‌ بالعبوديّة‌ المحضة‌ أكبر عامل‌ يؤاخذ علیه‌ ويُسأل‌ عنه‌ ؛ حيث‌ يجب‌ التغاضي‌ عن‌ التكاثر وهو الزيادة‌ والحرص‌ والرجوع‌ إلي‌ النعيم‌ الذي‌ يمثّل‌ النظرة‌ الموحّدة‌ والوحدويّة‌ .

 كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْـَلُنَّ يَوْمَنءِذٍ عَنِ النَّعِيمِ .

 يُستفاد من‌ الا´ية‌ في‌ حدّ ذاتها أنّ النعيم‌ هدف‌ سام‌ جدّاً ومطلب‌ رفيع‌ ، بل‌ هو أسمي‌ المهمّات‌ وأرفع‌ الاهداف‌ في‌ عالم‌ الخلقة‌ . وكما قال‌ علیه‌ السلام‌ بأنّ الرجل‌ يُسأل‌ عن‌ كلّ النعم‌ الإلهيّة‌ التي‌ أُغدقت‌ علیه‌ من‌ أوّل‌ عمره‌ وحتّي‌ آخره‌ وهذا المعني‌ ، حسبما يظهر ، بعيد جدّاً عن‌ مفاد الا´ية‌ .

 ويعني‌ هذا أنّ علی‌ أفراد البشر البحث‌ عن‌ النعمة‌ الحقيقيّة‌ والواقعيّة‌ تلك‌ هي‌ الولاية‌ التي‌ تعتبر حلقة‌ الوصل‌ التي‌ تربط‌ بين‌ عالم‌ الخلقة‌ وذات‌ الله‌ سبحانه‌ ؛ وبين‌ الخالق‌ والمخلوق‌ ، وبين‌ الحادث‌ والقديم‌ ، وبين‌ ممكن‌ الوجود وواجب‌ الوجود ؛ بجدّ وسعي‌ حثيثينِ في‌ الدنيا مستفيدين‌ من‌ كلّ النعم‌ التي‌ وهبها الله‌ إيّاهم‌ .

 فإذا تمّ حصولهم‌ علی‌ ذلك‌ فهو (أهدي‌ سبيلاً) وإلاّ فقد دخلوا الضلال‌ والإضلال‌ .

 إنّ جميع‌ البشر في‌ العالم‌ يعيشون‌ ويتعاشرون‌ ويتناكحون‌ ويأكون‌ ويستريحون‌ وينامون‌ ويشتغلون‌ في‌ الزراعة‌ والتجارة‌ والصناعة‌ ؛ ومع‌ ذلك‌ فإنّ مجموعة‌ منهم‌ فقط‌ ينظرون‌ إلي‌ ظاهر هذه‌ الاُمور ويُعرضون‌ عن‌ بواطنها ، فهؤلاء هم‌ ( كما قيل‌ عنهم‌ في‌ القرآن‌ الكريم‌ ) بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَهِ كُفْرًا . [9]

 وإنّ جماعة‌ صغيرة‌ تبحث‌ خلال‌ هذه‌ الاُمور الكثيرة‌ المتكاثرة‌ عن‌ حقيقة‌ واحدة‌ وهذا ما يدعي‌ بالنعيم‌ » . [10]

 وقد ذكر العلاّمة‌ آية‌ الله‌ الحكيم‌ والمتكلّم‌ والمفسّر والمحدِّث‌ والفقيه‌ والاُصولي‌ّ والشاعر المرموق‌ الجامع‌ للعلوم‌ الرياضيّة‌ والطبيعيّة‌ والفلكيّة‌ والعلوم‌ الغريبة‌ الاُخري‌ ، والذي‌ يُعتبر بحقّ فخر الإسلام‌ ، العلاّمة‌ الشيخ‌ بهاء الدين‌ محمّد العاملي‌ّ الجُبَعي‌ّ ، أعلی‌ الله‌ تعالي‌ مقامه‌ ، مسألة‌ في‌ هذه‌ الباب‌ جديرة‌ بالنقل‌ هنا لما لها من‌ شموليّة‌ بهذا الخصوص‌ . فهو يقول‌ :

 «تبصرة‌» : إنّ المراد من‌ معرفة‌ الله‌ تعالي‌ هو التّعرف‌ والاطّلاع‌ علی‌ نعوته‌ والصفات‌ الجلاليّة‌ والجماليّة‌ بقدر وسع‌ البشر . وأمّا الاطّلاع‌ علی‌ حقيقة‌ ذاته‌ المقدّسة‌ ومعرفتها فهما من‌ الاُمور البعيدة‌ جدّاً عن‌ منال‌ الملائكة‌ المقرّبين‌ والانبياء والرسل‌ ولا أمل‌ لهم‌ في‌ الحصول‌ علی‌ ذلك‌ ، فما قولك‌ بغيرهم‌ ؟

 ويكفينا هنا استقراء كلام‌ سيّد البشر حيث‌ قال‌ : مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ !

 وورد في‌ حديث‌ آخر أ نّه‌ قال‌ : إنَّ اللَهَ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ كَمَا احْتَجَبَ عَنِ الاَبْصَارِ . وَإنَّ المَلاَ الاَعلی‌ يَطْلُبُونَهُ كَمَا تَطْلُبُونَهُ أَنْتُمْ !

 وعلی‌ هذا لا نعير أيّة‌ أهمّيّة‌ إلي‌ مَن‌ يظنّون‌ أ نّهم‌ توصّلوا إلي‌ كنه‌ حقيقة‌ ذاته‌ المقدّسة‌ ، بل‌ خسئوا ! ذلك‌ أ نّهم‌ لا ريب‌ قد ضلّوا طريقهم‌ واختاروا سبيل‌ الضلال‌ ، وكذبوا وافتروا بادّعائهم‌ هذا !

 ذلك‌ أنّ أمر الذات‌ وشأنها أرفع‌ من‌ أن‌ تلوّث‌ بظنون‌ البشر وأسمي‌ وأطهر من‌ ذلك‌ كلّه‌ . وأنّ ما يتصوّره‌ الراسخ‌ في‌ العالِم‌ عن‌ الدين‌ يُبعده‌ في‌ الحقيقة‌ فراسخ‌ عن‌ حرم‌ كبريائه‌ تعالي‌ .

 وأقصي‌ ما يستطيع‌ التفكّر العميق‌ من‌ الوصول‌ إليه‌ والحصول‌ علیه‌ تابع‌ لدقّته‌ القصوي‌ وتبحّره‌ . وما أجمل‌ ما قيل‌ حول‌ ذلك‌ في‌ البيت‌ التالي‌ :

آنچه‌ پيش‌ تو غير از آن‌ ره‌ نيست‌                 غايت‌ فهم‌ تست‌ الله‌ نيست‌[11]

 بل‌ لو استثنينا ذات‌ الله‌ والكلام‌ فيها ، فإنّ معرفتنا عن‌ صفاته‌ التي‌ أثبتناها له‌ سبحانه‌ وتعالي‌ هي‌ معرفة‌ محدودة‌ تناسب‌ حدود تفكيرنا وفهمنا وتلائم‌ قوّة‌ مخيّلتنا ومقدرتها علی‌ ذلك‌ .

 فنحن‌ وبحسب‌ عقولنا القاصرة‌ نصف‌ الله‌ سبحانه‌ بأ نّه‌ أشرف‌ ، من‌ خلال‌ صفتين‌ كلّ منهما مناقضة‌ للاُخري‌ ، [12] في‌ حين‌ أنّ الله‌ سبحانه‌ وتعالي‌ أرفع‌ وأجلّ من‌ جميع‌ ما تصفه‌ به‌ !

 وفي‌ كلام‌ الإمام‌ أبي‌ جعفر محمّد بن‌ علی‌ّ الباقر علیه‌ السلام‌ إشارة‌ إلي‌ هذه‌ المسألة‌ المهمّة‌ : حيث‌ قال‌ :

 كُلُّ مَا مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ فِي‌ أَدَقِّ مَعَانِيهِ ، مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُمْ ، مَرْدُودٌ إلَيْكُمْ ! وَلَعَلَّ النَّمْلَ الصِّغَارَ تَتَوَهَّمُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَي‌ زُبَانَيَيْنِ ، فَإنَّ ذَلِكَ كَمَالُهَا ، وَتَتَوَهَّمُ أَنَّ عَدَمَهُمَا نُقْصَانٌ لِمَنْ لاَ يَتَّصِفُ بِهِمَا . وَهَكَذَا حَالُ العُقَلاَءِ فِيمَا يَصِفُونَ اللَهَ تَعَالَي‌ بِهِ انتهي‌ كلامه‌ صلوات‌ الله‌ علیه‌ .

 وقال‌ بعض‌ المحقّقين‌ [13] : هذا كلام‌ دقيق‌ ويحتوي‌ في‌ طيّاته‌ علی‌ متانة‌ واستحكام‌ ظريفين‌ ، وأروع‌ منه‌ أ نّه‌ صادر عن‌ مصدر وثيق‌ ومورد دقيق‌ .

 ويكمن‌ سرّ هذا الامر في‌ : أنّ التكليف‌ المناط‌ ببني‌ البشر متوقّف‌ علی‌ معرفة‌ الله‌ تعالي‌ حسب‌ وسعهم‌ وطاقتهم‌ ومستندون‌ علیهما . وأنّ غاية‌ ما كُلّفوا به‌ هو معرفة‌ الله‌ من‌ خلال‌ الصفات‌ التي‌ ألفوها واستأنسوا بها . وهي‌ صفات‌ لمسوها في‌ وجودهم‌ ولاحظوها فيها ، مع‌ طرح‌ النقائص‌ الناشئة‌ عن‌ نسبة‌ تلك‌ الصفات‌ إلي‌ الإنسان‌ ونبذها .

 ولمّا كان‌ وجود الإنسان‌ واجب‌ بالغير ، وكان‌ عالماً وقادراً ومريداً وحيّاً ومتكلّماً وسميعاً وبصيراً فهو مكلّف‌ إذاً بالاعتقاد بوجود هذه‌ الصفات‌ في‌ الحقّ تعالي‌ مع‌ سلب‌ النقائص‌ الناشئة‌ من‌ نسبتها إلي‌ الإنسان‌ ورفعها . والاعتقاد بأنّ الله‌ سبحانه‌ وتعالي‌ واجب‌ الوجود لذاته‌ لا بالغير عالم‌ بجميع‌ العلوم‌ ، قادر علی‌ جميع‌ الممكنات‌ ؛ وهكذا الحال‌ مع‌ الصفات‌ الاُخري‌ .

 هذا ، ولم‌ يُكلّف‌ الإنسان‌ بالاعتقاد بصفة‌ في‌ الله‌ في‌ حين‌ لا وجود لمثل‌ تلك‌ الصفة‌ فيه‌ هو ، أو لا يمكن‌ العثور علی‌ وجه‌ آخر لتلك‌ الصفة‌ في‌ وجوده‌ .

 ولو أ نّه‌ كُلّف‌ بمثل‌ هذا الامر لاستحال‌ علیه‌ إدراك‌ حقيقة‌ تلك‌ الصفة‌ . وهذا أحد المعاني‌ المذكورة‌ في‌ قوله‌ علیه‌ السلام‌ : مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ انتهي‌ كلام‌ بعض‌ المحقّقين‌ .

 اعلم‌ أنّ للمعرفة‌ التي‌ يمكن‌ لعقول‌ البشر الوصول‌ إليها مراتب‌ متخالفة‌ ودرجات‌ متفاوتة‌ ومتباينة‌ .

 قال‌ المحقّق‌ الطوسي‌ّ طاب‌ ثراه‌ في‌ بعض‌ مصنّفاته‌ :

 إنّ مراتب‌ تلك‌ المعرفة‌ هي‌ بمثابة‌ المراتب‌ التي‌ للنار . [14]

 لانّ أدني‌ تلك‌ المراتب‌ هي‌ أن‌ يسمع‌ أحدهم‌ أنّ في‌ عالَم‌ الوجود يوجد شي‌ء يُفني‌ كلّ شي‌ء يُواجهه‌ ، ويَترك‌ آثاره‌ علی‌ أي‌ّ شي‌ءٍ يكون‌ في‌ مقابله‌ وبمحاذاته‌ ، ولا يصيبه‌ النقص‌ أو النقصان‌ علی‌ الإطلاق‌ مهما أُخِذَ أو اقتُبِسَ منه‌ ؛ ويسمّون‌ ذلك‌ الموجود بالنار . ونظير هذه‌ المرتبة‌ هي‌ مرتبة‌ معرفة‌ المُقلّدين‌ التي‌ نجدها في‌ باب‌ معرفة‌ الله‌ تعالي‌ وهم‌ الذين‌ قاموا باعتناق‌ الدين‌ دون‌ وقوفهم‌ علی‌ برهان‌ أو حجّة‌ إلهيّة‌ .

 وأفضل‌ من‌ هذه‌ المعرفة‌ هي‌ معرفة‌ الشخص‌ الذي‌ يري‌ دخاناً فيعلم‌ أن‌ لابدّ من‌ وجود مُؤثّر أوجدَ هذا الدخان‌ ، فيحكم‌ مستنداً علی‌ ذلك‌ بوجود النار . ونظير هذه‌ المرتبة‌ في‌ معرفة‌ الله‌ تعالي‌ معرفة‌ أهل‌ النظر والاستدلال‌ والذين‌ يحكمون‌ بوجود الصانع‌ علی‌ أساس‌ البراهين‌ القاطعة‌ .

 وأعلی‌ من‌ تلك‌ ، مرتبة‌ مَن‌ يُحسّ بحرارة‌ النار بسبب‌ مجاورته‌ لها ويري‌ الموجودات‌ بنورها فينتفع‌ من‌ ذلك‌ الاثر . ونظير هذه‌ المرتبة‌ في‌ معرفة‌ الله‌ سبحانه‌ معرفة‌ المؤمنين‌ الخُلّص‌ الذين‌ تطمئنّ قلوبهم‌ بالله‌ وتهدأ ، فاستيقنوا أنّ «اللَهُ نُورُ السَّمَـ'وَ تِ وَالاْرْضِ» ؛ كَمَا وَصَفَ اللَهُ تَعَالَي‌ نَفْسَهُ بِهَذَا أَيضاً .

 وأسمي‌ من‌ ذلك‌ مرتبة‌ مَن‌ يُحرق‌ كلّ وجوده‌ ويذوب‌ ويفني‌ فيها ، فيتلاشي‌ وجميع‌ كلّيّته‌ وآثاره‌ في‌ تلك‌ النار . ونظير هذه‌ المرتبة‌ في‌ معرفة‌ الله‌ تعالي‌ معرفة‌ أهل‌ الشهود والفَناء في‌ الله‌ سبحانه‌ .

 وهذه‌ هي‌ أعلی‌ المراتب‌ وأسمي‌ الدرجات‌ وآخر المراحل‌ : رَزَقَنَا اللَهُ الوُصُولَ إلَيْهَا وَالوُقُوفَ عَلَیهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ [15] انتهي‌ كلام‌ الخواجة‌ أعلی‌ الله‌ مقامه‌ » .

الرجوع الي الفهرس

كلام‌ الشبلي‌ّ البغدادي‌ّ في‌ التوحيد

 وقد ذكر الشيخ‌ العارف‌ الشِّبلي‌ّ البغدادي‌ّ كلاماً في‌ علوّ مقام‌ التوحيد وعظمة‌ الفَناء فيه‌ والتي‌ علمنا من‌ خلال‌ عبارات‌ الخواجة‌ أ نّها آخر المراتب‌ ، هذا نصّه‌ :

 مَنْ أَجَابَ عَنِ التَّوْحِيدِ بِعِبَارَةٍ فَهُوَ مُلْحِدٌ ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ بِإشَارَةٍ فَهُوَ زِنْدِيقٌ ، وَمَنْ أَوْمَي‌ إلَيْهِ فَهُوَ عَابِدُ وَثَنٍ ، وَمَنْ نَطَقَ فِيهِ فَهُوَ غَافِلٌ ، وَمَنْ سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ جَاهِلٌ ، وَمَنْ وَهَمَ أَ نَّهُ (إلَيْهِ) وَاصِلٌ فَلَيْسَ لَهُ حَاصِلٌ ، وَمَنْ ظَنَّ أَ نَّهُ (مِنْهُ) قَرِيبٌ فَهُوَ (عَنْهُ) بَعِيدٌ ، وَمَنْ (بِهِ) تَوَاجَدَ [16] فَهُوَ (لَهُ) فَاقِدٌ .

 وَكُلُّ مَا مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ وَأَدْرَكْتُمُوهُ بِعُقُولِكُمْ فِي‌ أَتَمِّ مَعَانِيكُمْ ، فَهُوَ مَصْرُوفٌ مَرْدُودٌ إلَيْكُمْ ؛ مُحْدَثٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُمْ !» . [17]

 وأنشد الشيخ‌ العارف‌ الخواجة‌ عبد الله‌ الانصاري‌ّ قدّس‌ الله‌ روحه‌ كذلك‌ شعراً بهذا الخصوص‌ حيث‌ قال‌ :

مَا وَحَّدَ الوَاحِدَ مِنْ وَاحِدِ              إذْ كُلُّ مَـنْ وَحَّـدَهُ جَاحِدُ

تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ           عَارِيَـةٌ أَبْـطَـلَـهَـا الوَاحِدُ

تَوْحِـيـدُهُ إيَّـاهُ تَـوْحِـيدُهُ    وَنَعْـتُ مَـنْ يَنْعَـتُـهُ لاَحِدُ

 ويقول‌ الشيخ‌ العارف‌ والفقيه‌ الصوفي‌ّ الكامل‌ بالمعني‌ الحقيقي‌ّ ، فخر الإسلام‌ وسند الشيعة‌ وذخر الملّة‌ ، العالِم‌ بالله‌ وبأمر الله‌ : السيّد حيدر الا´ملي‌ّ : [18]

 « وأمّا أقوال‌ مولانا أمير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ والتي‌ لا توجد في‌ « نهج‌ البلاغة‌ » لكنّها مشهورة‌ ومعروفة‌ ، فهي‌ كلامه‌ الذي‌ ذكرناه‌ في‌ مقدّمتنا والذي‌ يُخاطب‌ فيه‌ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ النَّخَعِي‌ِّ رضي‌ الله‌ عنه‌ :

الرجوع الي الفهرس

 سؤال‌ كميل‌ لامير المؤمنين‌ علیه‌ السلام‌ : ما الحقيقة‌ ؟

كان‌ كميل‌ قد سأل‌ الإمام‌ في‌ أوّل‌ حديثه‌ : مَا الحَقِيقَةُ ؟

 قَالَ : مَا لَكَ وَالحَقِيقَةَ ؟!

 قَالَ : أَوَ لَسْتُ صَاحِبَ سِرِّكَ ؟!

 قَالَ : بَلَي‌ ! وَلَكِنْ يَرْشَحُ عَلَیكَ مَا يَطْفَحُ مِنِّي‌ !

 قَالَ : أَوَ مِثْلُكَ يُخَيِّبُ سَائِلاً ؟!

 قَالَ : الحَقِيقَةُ كَشْفُ سُبُحَاتِ [19] الجَلاَلِ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ .

 قَالَ : زِدْنِي‌ فِيهِ بَيَاناً !

 قَالَ : مَحْوُ المَوْهُومِ مَعَ صَحْوِ المَعْلُومِ .

 قَالَ : زِدْنِي‌ فِيهِ بَيَاناً !

 قَالَ : هَتْكُ السِّتْرِ لِغَلَبَةِ السِّرِّ .

 قَالَ : زِدْنِي‌ فِيهِ بَيَاناً !

 قَالَ : جَذْبُ الاَحَدِيَّةِ بِصِفَةِ التَّوْحِيدِ .

 قَالَ : زِدْنِي‌ فِيهِ بَيَاناً !

 قَالَ : نُورٌ يَشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الاَزَلِ ، فَتَلُوحُ عَلَی‌ هَيَاكِلِ [20] التَّوحِيدِ آثَارُهُ .

 قَالَ : زِدْنِي‌ فِيهِ بَيَاناً !

 قَالَ : أَطْفِ السِّرَاجَ فَقَدْ طَلَعَ الصُّبْحُ !» . [21]

الرجوع الي الفهرس

 شرح‌ السيّد حيدر لحديث‌ كميل‌ «ما الحقيقة‌»

وقد أورد السيّد حيدر كلاماً في‌ شرح‌ هذه‌ المحاورة‌ قائلاً :

 « هذا الكلام‌ يحتوي‌ معانٍ كثيرة‌ وقد ذكره‌ الشارحون‌ في‌ شروحاتهم‌ .

 وأمّا شرح‌ ذلك‌ ( الكلام‌ ) بالإجمال‌ فهو :

 يشير الإمام‌ إلي‌ ظهور الله‌ تعالي‌ في‌ صورة‌ المظاهر ، وعلی‌ عدم‌ المظاهر في‌ عين‌ ثبوتها . لانّ قولها : كَشْفُ سُبُحَاتِ الجَلاَلِ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ ، إشارة‌ إلي‌ رفع‌ الكثرة‌ الاسمائيّة‌ بعد رفع‌ الكثرة‌ الخلقيّة‌ ، والتي‌ يُعبّر عنهما بـ « المظاهر » .

 وإشارة‌ كذلك‌ إلي‌ إثباتها وتحقّقها دون‌ إشارة‌ ، سواء أكانت‌ الإشارة‌ عقليّة‌ أو حسّيّة‌ . وهذا هو رمز الخير والذي‌ يشير إلي‌ إحاطة‌ الحقّ تعالي‌ وإطلاقه‌ ؛ وذلك‌ بسبب‌ أنّ المحيط‌ المطلق‌ ما كان‌ ليقبل‌ الإشارة‌ أبداً . لانّ تلك‌ الإشارة‌ لا يمكن‌ لها أن‌ تكون‌ ، بل‌ هي‌ ممتنعة‌ ومستحيلة‌ .

 وتقييد الـ « سُبُحات‌ » بالجلال‌ دون‌ الجمال‌ إنّما هو بسبب‌ أنّ الجلال‌ مخصوص‌ بالاسماء والصفات‌ ، بينما اختصّ الجمال‌ بالذات‌ ؛ أو اختصاص‌ الجلال‌ بالصفات‌ القهريّة‌ ، والجمال‌ بالصفات‌ اللطفيّة‌ ، كما علمت‌ . وعلی‌ كلٍّ من‌ التقديرين‌ فإنّ سُبُحات‌ الجلال‌ أنسب‌ في‌ التقدّم‌ من‌ سُبُحات‌ الجمال‌ ، لانّ كشف‌ سُبُحات‌ الجمال‌ غير ممكن‌ إلاّ بعد كشف‌ سُبُحات‌ الجلال‌ وهذا هو سير من‌ الكثرة‌ نحو الوحدة‌ ، ومن‌ الخلق‌ نحو الحقّ . وهذا السير مقبول‌ لدي‌ أكثر علماء الطريق‌ والعرفاء بالله‌ .

 وقول‌ الإمام‌ مَحْوُ المَوْهُومِ مَعَ صَحْوِ المَعْلُومِ يشير أيضاً إلي‌ رفع‌ المظاهر ومشاهدة‌ الظاهر فيها بالحقيقة‌ . وذلك‌ أنّ السالك‌ عندما يري‌ بالعيان‌ محو الموهومات‌ التي‌ هي‌ عبارة‌ عن‌ الـ « غير » والمسمّاة‌ بالـ « مخلوقات‌ » ـ والتي‌ هي‌ بدورها ليست‌ سوي‌ رَسمٌ خالٍ موهوم‌ استقرّت‌ ورسخت‌ فيه‌ بسبب‌ استيلاء القوّة‌ الواهمة‌ والشيطان‌ معاً علیه‌ وعندما يري‌ كذلك‌ زوال‌ ذلك‌ كلّه‌ وارتفاعه‌ عن‌ وجوده‌ بصورة‌ كاملة‌ ؛ حينئذٍ سيبين‌ معلومه‌ الذي‌ هو الحقّ تعالي‌ من‌ بين‌ الشكوك‌ والشبهات‌ الوهميّة‌ ، وسيتحرّر السالك‌ تماماً من‌ الحجاب‌ وينال‌ الخلاص‌ .

 أي‌ أنّ سماء قلبه‌ وروحه‌ ستصفو من‌ الغمام‌ والكثرات‌ الخلقيّة‌ وستظهر ، تماماً كما تصفو السماء الحقيقيّة‌ من‌ الغيوم‌ والسحاب‌ وتروق‌ ؛ وهكذا سيظهر له‌ الحقّ تعالي‌ من‌ خلال‌ غيوم‌ الكثرة‌ تلك‌ كسطوع‌ الشمس‌ بعد زوال‌ الغيوم‌ عن‌ وجهها ؛ فيري‌ الحقّ تعالي‌ كما يري‌ البدر في‌ ليلة‌ تمامه‌ ، حسب‌ قول‌ الرسول‌ صلّي‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلّم‌ :

 سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ !

 وقول‌ الإمام‌ : هَتْكُ السِّتْرِ لِغَلَبَةِ السِّرِّ ، ينطوي‌ علی‌ معنيينِ :

 الاوّل‌ : إذا ما تغلّب‌ هذا السرّ علی‌ الإنسان‌ فلن‌ يقوي‌ علی‌ إخفائه‌ بعد ذلك‌ أو تجنيب‌ روحه‌ عنه‌ ؛ مثل‌ الحلاّج‌ وغيره‌ . بل‌ علی‌ العكس‌ إذ إنّه‌ لن‌ يخشي‌ في‌ كشفه‌ وإظهاره‌ لومة‌ لائم‌ . وقد يكون‌ ذلك‌ الكشف‌ وهذا الإظهار خارجاً عن‌ إرادته‌ ومحض‌ اختياره‌ كما يتصرّف‌ المخمور في‌ الظاهر .

 وقد أشار الإمام‌ إلي‌ هذا الامر حيث‌ قال‌ : وَلَكِنْ يَرْشَحُ عَلَیكَ مَا يَطْفَحُ مِنِّي‌ .

 الثاني‌ : إذا ما تغلّب‌ هذا السرّ علی‌ الإنسان‌ فلن‌ يلتفت‌ بعدها إلي‌ السُّتُر والحُجُب‌ التي‌ هي‌ عبارة‌ عن‌ مظاهر ، ولن‌ يعاين‌ فيها إلاّ الظاهر فيها .

 وعلی‌ حسب‌ هذا المعني‌ ، يكون‌ مفاد قوله‌ هو أنّ الستار سيزول‌ ويرتفع‌ عن‌ وجه‌ المحبوب‌ ، وسيُهتَك‌ الحجاب‌ عنه‌ تماماً ويتمزّق‌ . أي‌ سيرتفع‌ بالكامل‌ ويزول‌ .

 وهذا المعني‌ أنسب‌ من‌ المعني‌ الاوّل‌ قياساً إلي‌ ما نقوم‌ نحن‌ بإثباته‌ هنا .

 وقول‌ الإمام‌ جَذْبُ الاَحَدِيَّةِ ( الإنسانَ ) بِصِفَةِ التَّوْحِيدِ مباشرة‌ بعد تلك‌ الجملة‌ خير شاهد علی‌ هذا المعني‌ ، وذلك‌ لانّ الإمام‌ يعني‌ أنّ مقام‌ الاحديّة‌ الذاتيّة‌ الذي‌ لا يقبل‌ الكثرة‌ والذي‌ يلي‌ هذه‌ المرحلة‌ سيجذبه‌ نحو التوحيد الصرف‌ ونحو الوحدة‌ المحضة‌ التي‌ هي‌ عبارة‌ عن‌ حضرة‌ الجمع‌ تعالي‌ ومقام‌ فَناء المحبّ في‌ المحبوب‌ ، والذي‌ سيأتي‌ بيانه‌ فيما بعد .

 ولهذا شرع‌ الإمام‌ في‌ مرحلة‌ كيفيّة‌ الظهور وتفاصيل‌ الحقّ الذي‌ هو مقام‌ الفرق‌ من‌ بعد الجمع‌ ، بعد أن‌ اجتاز بكلامه‌ من‌ هذا المقام‌ وقال‌ :

 نُورٌ يَشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الاَزَلِ، فَتَلُوحُ عَلَی‌ هَيَاكِلِ التَّوْحِيدِ آثَارُهُ .

 أي‌ أنّ الحقّ المسمّي‌ بالحقيقة‌ ، هو نور يُشرق‌ أي‌ يظهر من‌ خلال‌ صبح‌ الازل‌ الذي‌ هو الذات‌ المطلقة‌ . فَيَلُوحُ عَلَی‌ هَيَاكِلِ التَّوْحِيدِ أي‌ يظهر علی‌ جميع‌ مظاهر الوجود بآثاره‌ وأفعاله‌ وكمالاته‌ وخصوصيّاته‌ .

 وهذا إخبار عن‌ ظهور الذات‌ في‌ مظاهر الاسماء والصفات‌ في‌ الازل‌ والابد ، ومشاهدة‌ الوحدة‌ في‌ صُوَر الكثرة‌ ، والجمع‌ في‌ عين‌ التفصيل‌ ، ووجود التفاصيل‌ في‌ عين‌ الجمع‌ ؛ وهو ما مرّ ذِكره‌ توّاً . وتلك‌ هي‌ مرتبة‌ لا يعلوها مقام‌ ولا وجود للشهود في‌ ما وراء ذلك‌ ، وهو ما عَبّر عنه‌ الإمام‌ بقوله‌ لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً . [22] وقال‌ آخرون‌ غير الإمام‌ : لَيْسَ وَرَاءَ عُبَّادَانَ قَرْيَةٌ . [23]

 ولاجل‌ هذا لمّا طلب‌ كميل‌ من‌ الإمام‌ زيادة‌ في‌ البيان‌ وفضلة‌ في‌ الشرح‌ أجابه‌ الإمام‌ : أطفي‌ السراج‌ فقد طلع‌ الصبح‌ . والمقصود أطفي‌ سراج‌ العقل‌ والسؤال‌ بلسان‌ الفكر وقت‌ طلوع‌ صبح‌ المكاشفة‌ ومشاهدة‌ وجه‌ الحقّ في‌ ذلك‌ الكشف‌ ! ذلك‌ أنّ الكشف‌ والشهود غنيّان‌ عن‌ فهم‌ ذلك‌ وإداركه‌ ؛ كما هو الحال‌ مع‌ الصبح‌ في‌ استغنائه‌ عن‌ السراج‌ وتأ لّقه‌ . ولا حاجة‌ للعيان‌ إلي‌ البيان‌ ؛ وَلَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ .

 فإذا قلتَ : إنّ هذا الكلام‌ غريب‌ عجيب‌ متناقض‌ ؛ ولم‌ نفهم‌ معناه‌ ولم‌ نجد سبيلاً إلي‌ إدراكه‌ ؛ فأزح‌ الستار قدراً وقل‌ كلاماً أوضح‌ من‌ ذلك‌ وأفصح‌ منه‌ ! أو إئتِ بصورة‌ مثال‌ يكون‌ أقرب‌ إلي‌ الذهن‌ بشرحه‌ وبيانه‌ حتّي‌ نعيه‌ ونصل‌ من‌ خلاله‌ إلي‌ مقصودنا ومطلوبنا !

 لا نّنا لا نشاهد في‌ هذا العالم‌ إلاّ الكثرات‌ المتباينة‌ والمختلفة‌ والتي‌ هي‌ عرضة‌ للزوال‌ والتغيّر . ولا علم‌ لنا بها ولا معرفة‌ إلاّ أن‌ تكون‌ غير الحقّ وأ نّها مخلوقة‌ ومصنوعة‌ . في‌ حين‌ أ نّك‌ تقول‌ إنّها حقّ وأن‌ لا وجود لاي‌ّ شي‌ء في‌ هذا العالم‌ غير الحقّ تعالي‌ ، وإنّ جميع‌ الموجودات‌ إنّما هي‌ مظاهر له‌ ، وأن‌ لا فرق‌ في‌ الحقيقة‌ والواقع‌ بين‌ الحقّ ومظاهره‌ !

 وهذا أمر مشكل‌ للغاية‌ ، وكلام‌ جدّ دقيق‌ لا نفقه‌ معناه‌ . ونحن‌ لا نفرّق‌ بين‌ الكثرات‌ وبين‌ الحقّ تعالي‌ إلاّ علی‌ الوجه‌ الذي‌ قلناه‌ ؛ وبهذا فإنّ بين‌ كلامنا وكلامك‌ بينونة‌ واختلافاً شديدين‌ .

 أجبتك‌ قائلاً : إنّ هذا الامر سهل‌ يسير ، بل‌ إنّ إدراكه‌ في‌ غاية‌ البساطة‌ ، ومعناه‌ واضح‌ كلّ الوضوح‌ ، وقد تكرّر ذكره‌ مراراً وتكراراً لكنّك‌ مُطوّق‌ بظلمات‌ الطبيعة‌ ودركات‌ البشريّة‌ ، بل‌ في‌ أسفل‌ السافلين‌ من‌ الدرجات‌ التقليديّة‌ والتي‌ هي‌ من‌ أعظم‌ الحُجُب‌ !

 والحقّ أنّ النسبة‌ بينك‌ وبين‌ هذه‌ الجماعة‌ التي‌ تعي‌ هذا المعني‌ كنسبة‌ الجنين‌ المقيّد في‌ غياهب‌ المشيمة‌ والطفل‌ المميِّز ، أو كنسبة‌ الطفل‌ المميِّز إلي‌ الشخص‌ العاقل‌ ، أو كنسبة‌ الشخص‌ العاقل‌ إلي‌ الرجل‌ العالِم‌ ، أو كنسبة‌ الرجل‌ العالم‌ إلي‌ الرجل‌ العارف‌ ، أو كنسبة‌ الرجل‌ العارف‌ إلي‌ الولي‌ّ الكامل‌ ، أو كنسبة‌ الولي‌ّ إلي‌ النبي‌ّ ! والفرق‌ بين‌ هذه‌ المراتب‌ كبير وعظيم‌ .

 ولهذا قال‌ الله‌ سبحانه‌ : إنَّ فِي‌ ذَلِكَ لاَ´ياتٍ لاِولِي‌ الاَلْبَابِ . [24] حتّي‌ لا يطمع‌ القشريّون‌ وأصحاب‌ العقول‌ الخاوية‌ في‌ ذلك‌ ؛ أُولئك‌ أصحاب‌ الظاهر والسفسطة‌ والمغالطة‌ فقط‌ . وهذا من‌ جهة‌ أنّ هذه‌ الزمرة‌ بالمقارنة‌ مع‌ الانبياء والاولياء الكاملين‌ الذين‌ هم‌ أُولو الالباب‌ كنسبة‌ القشر إلي‌ اللبّ .

تتمة النص

الصفحة الاولي للموقع فهرس الكتب الفهرس الموضوعي الفحص

ارجاعات


[1] ـ ومن‌ القائلين‌ بهذا التفسير : البيضاوي‌ّ في‌ تفسيره‌ ، حيث‌ قال‌ : فحُذف‌ الجوابُ للتفخيم‌ ، ولا يَجوز أن‌ يكونَ قولُه‌ : «لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ» جواباً ، لا نَّه‌ محقَّقُ الوقوع‌ ؛ بلْ هو جوابُ قَسمٍ محذوفٍ أُكّد به‌ الوعيدُ وأُوضِح‌ به‌ ما أنذَرهم‌ منه‌ بعد إبهامِه‌ تفخيماً .

 [2] ـ الآية‌ 36 ، من‌ السورة‌ 79 : النازعات‌ : وباعتبار أنّ هذه‌ السورة‌ تتحدّث‌ عن‌ أحوال‌ القيامة‌ ، فإنّ عبارة‌ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ تفيد يوم‌ القيامة‌ . كما أنّ كلمة‌ بُرِّزَتِ ؛ تفيد هذا المعني‌ أيضاً ، لانّ عالم‌ القيامة‌ هو عالم‌ ظهور الحقائق‌ وبروزها وليس‌ أصل‌ عالم‌ الحقائق‌ .

 [3] ـ الآية‌ 75 ، من‌ السورة‌ 6 : الانعام‌ .

 [4] ـ الآية‌ 56 ، من‌ السورة‌ 51 : الذاريات‌ .

 [5] ـ اقتباس‌ من‌ الآية‌ 20 ، من‌ السورة‌ 31 : لقمان‌ : و أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ و ظَـ'هِرَةً وبَاطِنَةً .

 [6] ـ الآيات‌ 39 إلي‌ 42 ، من‌ السورة‌ 53 : النجم‌ .

 [7] ـ «الميزان‌ في‌ تفسير القرآن‌» ج‌ 20 ، ص‌ 350 إلي‌ 355 .

 [8] ـ انظر : سلسلة‌ العلوم‌ والمعارف‌ الإسلاميّة‌ ( 4 ) ، «الشمس‌ الساطعة‌» ذِكريات‌ ولقاءات‌ التلميـذ مـع‌ العلاّمة‌ العالم‌ الربّاني‌ّ السـيّد محمّد حسـين‌ الطـباطـبائي‌ّ التبريزي‌ّ أفاض‌ الله‌ علينا من‌ بركات‌ تربته‌ ، القسم‌ الثاني‌ : اللقاءات‌ ، البحوث‌ الفلسفيّة‌ ، الطبعة‌ الاُولي‌ .

 [9] ـ الآية‌ 28 ، من‌ السورة‌ 14 : إبراهيم‌ . أَلَمْ تَرَ إِلَي‌ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ .

 [10] ـ «الشمس‌ الساطعة‌» ذكري‌ العلاّمة‌ ، القسم‌ الثاني‌ : اللقاءات‌ ، البحوث‌ القرآنيّة‌ .

 [11] ـ يقول‌ : «ليس‌ أمامك‌ غير هذا الطريق‌ ، وليس‌ الله‌ هو غاية‌ عِلمك‌ وفهمك‌» .

ويسبق‌ هذا البيت‌ بيتان‌ آخران‌ هما :

 هـسـت‌ در راه‌ او به‌ وقـت‌ دليل‌                      نطق‌ تشـبيه‌ ، خامشـي‌ تعطـيل‌

 گر نگـوئي‌ ز ديـن‌ تـهـي‌ باشـي‌                      ور بگـوئـي‌ مُـشـبِّـهـي‌ بـاشـي‌

 يقول‌ : «ستَجِدُ في‌ طريقك‌ إليه‌ وفي‌ الوقت‌ المناسب‌ دليلاً ؛ فالنطق‌ تشبيه‌ والصمت‌ تعطيل‌ .

 فإذا لم‌ تتحدّث‌ فأنت‌ إذن‌ بلا دين‌ وإذا تحدّثتَ عن‌ ذلك‌ فستكون‌ من‌ المُشبِّهة‌» .

 (التعليقة‌) .

 . . . . . . . . .